الخميس، سبتمبر 22، 2005

ودعتنى




ودعتني بانسيال دموعها أكثر من توديعها لي بحروفها وكلماتها .ثم قبلتني في صمت و قد ازدادت دموعها غزارة ,رغم أنني أكرهها إلا أنى لم أعرف لماذا رق قلبي نحوها و انفتحت لها نفسي لعل صدق الدموع استطاع أن يتغلب على كراهيتي لها رغم كل قسوتي عليها و صراخي في وجهها حتى في الأيام القليلة التي سقت هذا الوداع .
حملت حقيبتي ومضيت خارج المنزل وحاولت أن أنسى دموع أمي التي يبدو أنها ستغير عاطفتي نحوها من الكراهية نحو الحب و ظللت أذكر نفسي بالماضي الذي كانت تستغل فيه صغر سني فتضربني أو تمنع عنى المصروف أو تحرجني أمام الضيوف وهو الواقع الذي أنقلب إلى العكس تماما مع بداية المراهقة وظهور شعر الشارب واللحية ثم تغير نبرة الصوت الطفولية إلى صوت خشن يعلن بداية تحول كل شيء.
ومع نهاية مرحلة الضرب أو منع المصروف بدأت مرحلة أخرى من الصراع كنت أرد لها فيها الكلمة بمثلها أو أسوأ منها .وحاولت ذات مرة أن تصفعني فوجدت يدها قد تعلقت بقبضتي الفولاذية,وقبل أن أرى نظرتها الذاهلة كنت قد دفعتها فاستقبلها الفراش الحاني وقد عقدت لسانها المفاجأة التي تحدث لأول مرة . بعد هذه الحادثة تعلمت ألا ترفع يدها علي مرة أخرى فلن يدري أحد ما الذي سيحدث في مرة قادمة .
اشد ما كان يغيظني هو تمثيلها البارع الذي لا أدري من أين تعلمته رغم أنها لا تحب المسلسلات و الأفلام بل دائما ما كانت تصلى وتصوم وهى عبادات المفترض أن تعلمها كيف تكون صادقة .لا كيف تجيد الكذب والتمثيل0
ماأبرع تمثيلها حين كانت تنظر إلى دامعة وتقول :لو كان أبوك حيا ما أستطعت أن تفعل كل هذا بى0
وصلت إلى محطة القطار وأبرزت التذكرة ثم جلست أنتظر المنقذ الذى طالما إنتظرته ليهرب بى من هذا الجحيم الذى كان يتقاسمه جحيم الثانوية العامة وجحيم البيت 0
رغم كل ما حاولت أتذكره من مواقفها وافعالها معى إلا أن دموعها الأخيرة كانت تغسل من ذاكرتى كل هذه الأحداث وتعيد تلميع صورتها الصادقة بالفعل 0
قطع حيرتى صوت القطار الذى يسبق وضوح هيكله فتعانق مع صوت المذيع الداخلى فى محطة القطار ليؤلفا نغما لذيذا طالما تمنيت سماعه.
ثم ظهر القطار الفاخر الذى أصررت على ألا أستقل غيره فى بداية سفرى نحو الجامعة رغم معرفتى بأن ثمن التذكرة مرتفع بالنسبة لحالنا.
إستقبلنى المقعد الوثير وأحا طتنى برودة الهواء المنبعثة من مكيف العربة ثم قفزت أمامى صورتها الدامعة مرة أخرى ،ما هذا ؟00ما الذى جعل هذه الدموع بالذات تلتصق بذاكرتى ولا تريد أن تفارقها ؟؟!! .. كثيرا ما بكت أمامى إما غضبا منى بعد نزاع كان يرافق حياتنا دائما00
وإما خوفا علىّ كلما رأتنى مستلقيا أمام التلفاز تاركا المذاكرة رغم إقتراب إلامتحانلت 000وذات مرة رأيت منها دموعا تشبه دموع اللحظات السابقة حين تعرضت لحادث كسرت فيه ساقى اليمنى0
إذن 00ماالذى جعل هذه الدموع بالذات تضغط على عقلى كل هذا الضغط بهذه الدرجة من العنف وتولد كل هذا القدر من الحيرة ؟؟؟؟
ألأنها دموع لم يعقبها حدوث مشكلة كالتى تحدث بيننا كل لحظة ؟أم أنى لأول مرة أستشعر معانى الوحدة وإلاغتراب وأمشى فى الدنيا بلا سند وإن كان معنويا؟؟
فلقد كانت-برغم ما بيننا من مشا كل -تمثل معنى من معانى إلاستقرار والطمأنينة ؟
حاولت أن أخرج من هذه المشاعرالتى تتكاثر على وكأنها تهاجمنى وتحاصرنى فى إحدى زوايا العقل الضيقة الحرجة ،فتركت يدى تمتد لتخرج المجلة التى أشتريتها لتعيننى على سفرى , ومن فرط حيرتى فتحتها عشوائيا ثم أخذت أقلب صفحاتها بحثا عن اللاشىء حتى وصلت إلى موسوعة الصور وأخذت أتأمل صور عالم الحيوان الجميلة 0
فهذه القطة التى تقاسم شعرها اللونان :الأسود والأبيض نستلقى على ظهرها ونستسلم لصغارها الذين التقموا أثدائها بصورة جمعت بين متعة اللعب ومتعة الطعام وهى تمنحهم نظرة حانية حالمة وكانما سرقوها من عالم الدنيا فلم تر غيرهم فيها 0
وذلك الحصان الذى يبدووكأنه إصطحب مهره معه فى نزهة خلوية بين المزارع والحقول ثم أخذ يجاريه ويسابقه ويستقبل قفزاته المتواضعة .. ثم يضرب مؤخرته برأسه وكأنما يعطيه دفعة ليواصل قفزته أو لعلها إحدى صور الإمداد بقوة لم يحزها ذلك المهر الصغير بعد0
مجموعة صور ثالثة كانت هذه المرة من عالم البحار حيث يتقافز حيوان الدرفيل على سطح الماء ويحاول صغيره أن يحاكيه فى تلك القفزات الرشيقة و 0000

إصطدمت عينى بعنوان الصفحة "الأمومة فى عالم الحيوان "00أمومة ؟
عدت سريعا أعيد النظر إلى الصور السابقة فى ضؤ هذا العنوان الجديد فما لبثت هذه الصور أن تجمعت وتداخلت لترسم هذه االصورة التى تحرق عقلى وتجلد قلبى 00 صورة أمى ودموعها الساخنة 0
عاودتنى تلك الحيرة التى لم تكن إلا لحظات معدودة فشعرت بالإختناق فقمت من المقعد لأتوجه إلى "بوفيه"القطار ثم عاود الإنطلاق،تناهت إلى مسامعى أصوات صرخات كانت تقترب منى كما كنت أقترب منها حتى تبينت أنها صرخات أمرأة مجنونة قد سقط عنها حجابها وتناثرت أشلاء
ملابسها وزاغت نظراتها وأرتعشت يداها 00مشهد خارج الزمان والمكان كأنما هرب من مستشفى الأمراض العقلية والعصبية ليحتل مقاعد القطار ،عرفت أنها فقدت غلامها الذى لم يمهله القطار حتى يصعد فتحرك سريعا ليرسم مع مساره ملامح الجنون على مشهد هذه المرأة
فيحولها إلى عالم المخبولين0
وتزداد دهشتى مع إزدياد تحليقى فى هذا المشهد حتى بيد تربت على كتفى فالتفت فإذا رجل كبير قد أنارت لحيته يحرق أذنى ويعيدنى إلى الحيرة التى أردت التخلص منها فيقول :إنها الأمومة 0
نظرت إليه نظرة هى مزيج من الدهشة والبلاهة والغضب ولم أستطع النطق بحرف فعدت مسرعا إلى مكانى الذى لم أعد أدرى 00أهو منبع الحيرة أم هو نجاتى منها 0
سألنى الجالس بجوارى عن سبب همى الناطق من ملامحى ،وقبل أن أهيء نفسى للرد وجدته ينطلق كأنه يسأل نفسه- ويحكى عن زوجته التى لم تتحمل صدمة موت وليدها فأصيبت بإنهيار عصبى أسكنها فراش المستشفى منذ شهور فى حالة عسيرة ، ثم قضى على ماتبقى عندى من تماسك حين صرح فى بساطة قاتلة : إنها الأمومة .
كدت أصرخ فى وجهه : كفى .. كفى .. ولكن المواقف التى تراكمت على صدرى كأنها جبال استلقت على لسانى فمنعته من الحركة .
أفقت على صرخات طفل صغير قرر ان يجذب انتباه كل راكبى القطار فظل يبكى ويصرخ ويبكى ، وتكررت محاولات والده لإسكاته ريثما تأتى أمه التى ذهبت إلى الحمام فلم يفلح ، وطال صراخ الطفل حتى أحدث تذمرا بين الركاب تحول إلى نظرات غاضبة وهمهمات مستنكرة حتى والد الطفل نفسه زحفت إليه هذه المشاعر فارتفع صوته واحتد فى محاولة لإسكات الصغير الذى لم يقابل هذه الحدة إلا بمزيد من الصراخ .
اندفع بجوارى سهم انتصب واقفا عند الطفل فإذا هذا السهم أمه التى اندفعت مسرعة بمجرد أن سمعت صرخاته ، ويبدو انها سمعت الهمهمات الغاضبة فلمع فى عينيها بريق الغضب فأخرس كل الألسنة .. ثم انثنت تحمل صغيرها وتربت عليه فاستقبلها بانخفاض الصراخ الذى لم يلبث حتى سكن تماما ، ثم التفت كفه على سبابتها وكأنه يحاول تقييدها لكى لاتعاود الهروب .
قضى هذا المشهد على كل ماتبقى لدى من تماسك ، وصارت صورة الدموع التى انسابت من أمى تكبر وتكبر .. وتضغط وتضغط ..
ماهذا ؟؟ .. هل تحولت الحياة كلها إلى أمومة ؟؟!! .. لا أنفك من موقف حتى تلحقه مواقف أخرى ؟؟!! .. هل يمكن أن تكون كل هذه المواقف مجرد مصادفات ؟؟ .. هل يمكن أن تكون إحدى مؤامرات أمى ؟؟ ...... ماهذا التفكير السخيف !!
إذن : لماذا أتعرض لكل هذه المواقف فى هذه اللحظة بالذات ؟؟
هل يعقل أن أكون انا المخطئ فى حق أمى ؟؟ .. ماهذا ؟؟؟؟ .... إنها أول مرة أتوقف فيها أمام هذا السؤال .!!
مالذى حدث ؟؟ .. أى اضطراب وتوتر هذا الذى يسيطر على ّ ؟؟!!
لم أواجه فى حياتى موقفا كهذا ... آآآه .. لابد أنها مؤامرة .. نعم .. مؤامرة محكمة أيضا .. لاشك فى هذا .. لايعقل أن تكون كل هذه المواقف طبيعية وعادية ..
تناهى إلى مسامعى صوت هاتفى المحمول .. فالتقطته فى ثقة .. من المتحدث ؟
أتانى الصوت العذب الدامع : اشتقت إليك ياحبيبى ..
حينها .. انهار كل شئ .. وغرقت فى البكاء


كتبت فى سبتمبر 2004