الأحد، سبتمبر 18، 2005

من زوايا التاريخ (6) ... كتاب "الإمامة والسياسة" للإمام ابن قتيبة





من الكتب التاريخية المشهورة جدا التى ينقل عنها كثير من الباحثين فى تاريخ الخلفاء الراشدين كتاب "الإمامة والسياسة " المنسوب للإمام ابن قتيبة .

ويعد هذا الكتاب من اخطر الكتب التى يستند إليها من يريد الصيد فى الماء العكر وتشويه صورة الخلفاء الراشدين ، إذ أفرد هذا الكتاب للكلام فى الفتنة والحديث عنها ، ثمانية أضعاف ما أفرده لتاريخ الراشدين جميعا .

لذا فقد كان هذا شيئا يتعارض مع المنطق ومع ماعرفه المسلمون عن الإمام ابن قتيبة المحدث الثقة المشهور صاحب كتاب ( المعارف ) ، وثبت بعد البحث أن هذا الكتاب منسوب ظلما وبهتانا للإمام ابن قتيبة ، وهذه هى الأدلة فى إيجاز ، أنقلها كما أوردها المؤرخ العظيم الدكتور على الصلابى فى كتابه ( الدولة الأموية : عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار )

___________________

من أخطر الكتب التى شوهت تاريخ صدر الإسلام كتاب " الإمامة والسياسة المنسوب لابن قتيبة ، ولقد ساق الدكتور عبد الله عيلان فى كتابه " الإمامة والسياسة فى ميزان التحقيق العلمى " مجموعة من الأدلة تبرهن على أن الكتاب المذكور منسوب إلى الإمام ابن قتيبة كذبا وزورا من هذه الأدلة :
• إن الذين ترجموا لابن قتيبة لم يذكر واحد منهم أنه ألف كتابا فى التاريخ يدعى " الإمامة والسياسة " ، ولانعرف من مؤلفاته إلا كتاب " المعارف "

• إن المتصفح للكتاب يشعر أن ابن قتيبة أقام فى دمشق والمغرب فى حين أنه لم يخرج من بغداد إلا إلى الدينور

• إن المنهج والأسلوب الذى سار عليه المؤلف " الإمامة والسياسة " يختلف تماما عن منهج وأسلوب ابن قتيبة فى كتبه التى لدينا ، فمنهج ابن قتيبة أن يقدم لمؤلفاته بمقدمات طويلة يبين فيها منهجه والغرض من مؤلفه ، وعلى خلاف ذلك يسير صاحب الإمامة والسياسة ، فمقدمته قصيرة جدا لاتزيد على ثلاثة اسطر ، هذا إلى جانب الاختلاف فى الأسلوب ، ومثل هذا المنهج لم نعهده فى مؤلفات ابن قتيبة .

• يروى مؤلف الكتاب عن أبى ليلى بشكل يُشعر بالتلقى عنه ، وان أبى ليلة هذا هو محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى الفقيه قاضى الكوفة توفى سنة 148هـ ، والمعروف أن ابن قتيبة لم يولد إلا نة 213 هـ ، أى بعد وفاة ابن أبى ليلى بخمة وستين عاما .

• إن الرواة والشيوخ الذين يروى عنهم ابن قتيبة عادة فى كتبه لم يرد لهم ذكر فى أى موضع من مواضع الكتاب .

• إن قسما كبيرا من رواياته جات صبيغة التمريض ، فكثيرا مايجئ فيه: ذكروا عن بعض المصريين ،وذكروا عن محمد بن سليمان فى مشايخ اهل مصر ، وحدثنا بعض مشايخ أهل المغرب فذكروا عن بعض المشيخة ، وحدثنا بعض المشيخة .
ومثل هذه التراكيب بعيدة كل البعد عن اسلوب وعبارات ابن قتيبة ، ولم ترد فى كتاب من كتبه .
إن مؤلف الإمامة والسياسة يروى عن اثنين من كبار علماء مصر ، وابن قتيبة لم يدخل مصر ولا أخذ من هاذين العالمين .< عقيدة الإمام ابن قتيبة ، على العليانى ، صـ 90 >

• ابن قتيبة يحتل منزلة عالية لدى العلماء فهو عندهم من اهل السنة ، وثقة فى علمه ودينة ، يقول السلفى : كان ابن قتيبة من الثقات واهل السنة ، ويقول ابن حزم : كان ثقة فى دينه وعلمه ، وتبعه فى ذلك الخطيب البغدادى ، ويقول عنه ابن تيمية ، وإن ابن قتيبة من المنتصرين إلى أحمد وإسحاق والمنتصرين لمذاهب السنة المشهورة < لسان الميزان 3/357 ، تحقيق مواقف الصحابة 2/144 >
ورجل هذه منزلته لدى رجال العلم المحققين ، هل من المعقول أن يكون مؤلف كتاب الإمامة والسياسة الذى شوه التاريخ ، وألق بالصحابة الكرام ماليس فيهم < تحقيق مواقف الحابة 2/144 >


يقول الدكتور على نفيع العليانى فى كتابه " عقيدة الإمام ابن قتيبة " عن كتاب الإمامة والسياسة : بعد قراءتى لكتاب الإمامة والسياسة قراة فاحصة ، ترجح عندى أن مؤلف الإمامة والسياسة رافضى خبيث أراد إدماج هذا الكتاب فى كتب ابن قتيبة نظرا لكثرتها ، ونظرا لكونه معروفا عند الناس انتصاره لأهل الحديث ، وقد يكون من رافضة المغرب ، فإن ابن قتيبة له سمعة حسنة فى المغرب < الفتاوى لابن تيمية 17/391 > ، ومما يرجح أن مؤلف الإمامة والسياسة من الروافض ما يلى :
• ان مؤلف الإمامة والسياسة ذكر على لسان علي – رضى الله عنه – أنه قال للمهاجرين : " الله الله يامعشر المهاجرين ، لاتخرجوا سلطان محمد فى العرب عن داره وقعر بيته إلى دوركم وقعر بيوتكم ، ولاتدفعوا أهله فى مقامه فى الناس وحقه فوالله يامعشر المهاجرين لنحن أحق الناس به ، لأنا اهل البيت ونحن أحق بهذا الأمر منكم ... والله إنه لفينا فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل الله < الإمامة والسياسة 1/12 >
ولا أحد يرى ان الخلافة وراثية لأهل البيت إلا الشيعة

• إن مؤلف الإمامة والسياسة قدح فى صحابة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قدحا عظيما ، فصور ابن عمر رضى الله عنه جبانا ، وسعد بن أبى وقاص حسودا ، وذكر أن محمد بن مسلمة غضب على على بن ابى طالب لأنه قتل مرحبا اليهودى بخيبر ، وان عائشة رضى الله عنها أمرت بقتل عثمان < الإمامة والسياسة 1/54 ، 55 > والقدح فى الصحابة من أظهر خصائص الرافضة ، وإن شاركهم الخوارج إلا أن الخوارج لايقدحون فى عموم الصحابة . < عقيدة الإمام ابن قتيبة صـ 91 >

• إن مؤلف الإمامة والسياسة يذكر أن المختار بن أبى عبيد قُتل من قبل مصعب بن الزبير ، لكونه دعا إلى آل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) ولم يذكر خرافاته وادعاءه للوحى < الإماة والسياسة 2/20 > ، والرافضة هم الذين يحبون المختار بن أبى عبيد لكونه انتقم من قتلة الحسين ، مع العلم أن ابن قتيبة رحمه الله ذكر المختار من الخارجين عن السلطات وبيّن أنه كان يدّعى أن جبريل يأتيه < المعارف صـ 401 >

• إن مؤلف الإمامة والسياسة كتب عن خلافة الخلفاء أبى بكر وعمر وعثمان خمسا وعشرين صفحة فقط ، وكتب عن الفتنة التى وقعت بين الصحابة مائتى صفحة ، فقام المؤلف باختصار التاريخ الناصع المشرق ، وسوّد الصحائف بتاريخ زائف لم يثبت منه إلا القليل ، وهذه أخلاق الروافض المعهودة ، نعوذ بالله من الضلال والخذلان .

• يقول السيد محمود شكرى الألوسى فى مختصره للتحفة الاثنا عشرية : ومن مكايدهم – يعنى الرافضة – انهم ينظرون فى أسماء الرجال المعتبرين عند أهل السنة فمن وجدوه موافقا لأحد منهم فى الاسم واللقب أسندوا رواية حديث ذلك الشيعى إليه ، فمن لا وقوف له من اهل السنة ( يعنى لم يكن عليما بالرجال .. إلهامى ) يعتقد أنه إمام من أئمتهم فيعتبر بقوله ، ويعتد بروايته كالسدى ، فإنهما رجلان أحدهما السدى الكبير والثانى السدى الصغير ، فالكبير من ثقات أهل السنة ، والصغير من الوضاعين الكذابين وهو رافضى غال . وعبد الله بن قتيبة رافضى غال ، وعبد الله بن مسلم بن قتيبة من ثقات أهل السنة ، وقد صنف كتابا سماه بالمعارف ، فصنف ذلك الرافضى كتابا سماه بالمعارف ايضا قصدا للإضلال <مختصر التحفة الاثنا عشرية للألوسى صـ 32 > وهذا مما يرجح ان كتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة الرافضى وليس لابن قتيبة السنىّ الثقة ، وإنما خلط الناس بينهما لتشابه الأسماء ، والله أعلم ، وللأسف فإنه اغتر بهذا الكتاب كثير من الباحثين وبنوا على رواياته المكذوبة كثيرا من الأحكام الباطلة .
_____________________

انتهى

كتاب : الدولة الأموية عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار - د. على محمد الصلابى - جـ2 - صـ 632 : 635 - ط1 - مؤسسة اقرأ .