الاثنين، سبتمبر 19، 2005

العنــــصر المبهــــــر .

حين يتغير سلوك نظام فجأة نتيجة تعرضه لمؤثر جديد ، فالبيهى أن هذا العامل الجديد هو السبب الوحيد فى ذلك التغير ، وهذه الحقيقة المعروفة هى الأساس لدراسة تأثيرات الأشياء المختلفة ، يعرف ذلك أى طالب فى أى كلية عملية .
فإذا اضاء المصباح لأنه اتصل بمصدر طاقة فسيكون ذلك التغير ناتجا عن ذلك العامل الوحيد ( الطاقة ) ، ولن يجادل أحد فى أنه ربما تكون الحرارة أو الرطوبة أو العوامل المحيطة ، فكل هذه الأشياء كانت موجودة قبل الإضاءة ، وكانت عديمة التأثير .
استقبلت هذه الفكار بينما أسبح فى كتب التاريخ لأسجل بعض الملاحظات .

عاش العرب حياتهم قبل الإسلام بصورة فريدة للغاية ، لعلها تستحق بجدارة ان توضع عنوانا إذا تكلمنا عن " الغباء " ، كيف ؟

تلك القبائل المتناثرة فى بطون الصحراء عجزت - أو قل : لم تفكر أصلا - عن صنع أدنى درجات التحالف أو التكتل فضلا عن التوحد ، وكان هذا فى حد ذاته عنوانا على الغباء والتخلف ، فالعقل البشرى حينها بل ومن قبلها بآلاف السنين كان قد توصل لهذه الفكرة وصاغ ممالك وامبراطوريات وحضارات مكتملة كحضارات مصر والعراق والهند ثم اليونان والرومان ، بل كان أمام العرب أنفسهم امبراطوريتان تقتسمان العالم ( فارس والروم ) فإن لم تستطع عقولهم الوصول إلى فكرة التوحد بطريقة النظر والتفكير فلا اقل من التوصل لها بطريق التقليد .
لكنهم لم يفعلوا .

بل ظلوا ينقسمون أفخاذا وبطونا وعشائر وقبائل ، ليس هذا فقط .. بل - وكدليل أوضح على الغباء والتخلف - ظلوا يحاربون بعضهم ويفنون بعضهم ، وكان حرصهم على تحطيم حاجز اللامعقول حين تظل هذه الحروب أعواما وسنينا تتوارثها الأجيال ، قد تصل إلى الأربعين عاما .
ويأبى التاريخ إلا أن يزيدنا هولا حين نعلم أن الحروب كان يمكن ان تقوم لأجل نقطة عسل أو ناقة عجماء .
لا أظن أننا نستطيع ان نصف الغباء والجهل والتخلف بصورة أوضح من هذه ، لكن ... مازالت هناك جوانب أخرى من الصورة .
فالميزة التى كانوا يفخرون بها على بعضهم كانت " الأنساب " وغبار الأجداد .. شئ ليس لأحدهم فيه يد .
ومهارتهم التى عرفوا بها فى التاريخ هى الفصاحة والبيان فى الفخر والمديح والهجاء والغزل والرثاء .. مجرد كلمات ( توازى فى عرب اليوم عبارات الشجب والإدانة والاستنكار ) .

وفجأة .....

أضاء المصباح ...
ظهر العامل المؤثر الذى قلب هذه الصورة تماما .

تخيلوا ... خلال خمسن عام فقط ، يصبح العرب الامبراطورية الأقوى وشبه الوحيدة فى الأرض ، ويمتد سلطانها مابين الصين والأندلس ، بل ويستوعبون حضارات الممالك الأخرى ويضيفون إليها فيبدعون فى كل هذه المجالات ( الفلك - الطب - الأدب - الفن - المعمار - الإدارة - الترجمة - الكيمياء - الهندسة - الموسيقى - التصنيف - الفلسفة - الصيدلة - ...... ) ، ويصوغون - لأول مرة فى التاريخ - حضارة أول أركانها " الأخلاق " ، وهو البعد أو الركن الذى فقدته جميع الحضارات على مر الأزمان وحتى عصرنا الحاضر .
من يتصور هذا ؟
لولا انه تاريخ قريب لقلنا " اساطير الأولين " .

ورغم الحجة التى يعطيها درس التاريخ مما يستحيل معها احتمال وجود أى عامل آخر لنهضة العرب أو إضاءة المصباح ، إلا أن هناك درس آخر وهو درس الحاضر .
والحاضر لايحتاج من يتكلم عنه ، ففصاحته فى التعبير عن نفسه أبلغ من قدرة أى كاتب على الوصف :
* نفس التناثر فى نفس الظروف .
* العجز بل عدم التفكير فى درجة من التكتل مع وجود نفس العوامل .
* نفس التشاحن والتباغض والحروب بنفس تفاهة الأسباب .
* نفس المهارة المتمثلة فى إبداع عبارات الكلام وصياغة الحروف فى كل المواضع ( فخر وهجاء وغزل ومديح ورثاء ) .
* نفس الفخر بالماضى المجرد من محاولة الاستفادة منه .

هل نحن فى حاجة إذن لمعرفة عامل نهضة العرب الوحيد أو سبب إضاءة المصباح ؟
أيمكن ان يكون السبب غير " حبل الله " ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولاتفرقوا
واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنت أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا
وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها
كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون )

وقد يخطر بالبال أن سبب النهضة هو الخذ بالعلم وأسباب القوة سواء كانت تحت عنوان الإسلام أم لا .. وإن صح هذا الكلام جدلا ، ففضلا عن كون الإسلام له فضل بعث هذه المعانى ، إلا أن التاريخ ينفى هذا :
* فكيف انهزم المسلمون أول الأمر فى غزوة حنين وقد كانوا الأكثر عددا وسلاحا وروحا معنوية وهيبة فى العرب ؟
* وكيف استطاع صليبيو العصور الوسطى حيث لاعلم ولانظافة ولاحضارة هزيمة المسلمين فى أزهى عصورهم " الدولة العباسية " والبقاء مئات السنين فى الشرق فى حملات صليبيبة متتالية ؟
* وكيف استطاع الهمج الغلاظ الجهلة من المغول إسقاط الخلافة الإسلامية ؟
فى كل هذه المواقف كانت هناك قوة ، ولكن .. لم يكن هناك التزام كامل بالإسلام ، كهذه الأيام تماما ( بالمناسبة : ميزان القوة بين العرب وإسرائيل يميل لصالح العرب حتى فى القوة العسكرية ) .

كأن الإسلام هو العنصر الأصيل فى معادلة النصر العربية ، فكأنه أحد السنن الكونية التى إذا فقدها العرب يخسرون .
والكثرة ، وإن كانت من أسباب التقدم ، إلا أن تجردها من الإسلام يفضى إلى الإدبار ( ووم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ، وضاقت عليكم الرض بمارحبت ، ثم وليتم مدبرين ) .
فلما دخل الإسلام ( ثم انزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين ) .
صدق الله العظيم .

كتب فى 2/1/2005