الأحد، ديسمبر 04، 2011

ردا على إبراهيم الهضيبي ودعوة لدعم عبد المنعم الشحات


حسنا، في مقالات السجال يحسن البدء بتوضيحات..

لا أعرف إبراهيم الهضيبي إلا من خلال ما يكتب، قرأت له كثيرا، ولا أتذكر أني اتفقت معه إلا قليلا، فالخلاف بيننا أصيل على مستوى الرؤية والتقدير، ولا أتوقع أنه يعرفني مطلقا.. كما أني لا أعرف الشيخ عبد المنعم الشحات إلا من خلال ما يكتب قبل الثورة، ثم من خلال مناظراته ومداخلاته المتلفزة بعد الثورة.. فما في الأمر خصومة شخصية ولا بيني وبين أحدهما سابق معرفة، واسأل الله أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم.

***

بيني وبين الفكر السلفي خلاف عميق فيما يخص أمر الثورة ومناهضة الحاكم، وهو ذات الأمر الذي جعلني أترك الإخوان منذ خمس سنوات تقريبا، حينها أيقنت أن التغيير المتدرج والإصلاح البطئ هو خرافة كبيرة، لكن الفارق بين الإخوان والسلفيين كان في تأصيل الإخوان لمناهضة الظلم مهما كانت النتيجة ضئيلة بينما فَضَّل السلفيون الانسحاب التام من الساحة وأَصَّلوا لفقه السكوت طالما انتفت القدرة على المناهضة، لهذا التقط الإخوان لحظة الثورة بعدما وصلوا لليأس التام من نظام مبارك (كم أتمنى أن يصلوا إلى اليأس التام من العسكر قبل فوات الأوان) فدعموها بكل طاقتهم، بينما كان المشهد مربكا تماما للسلفيين الذين لم يتخيلوا أنهم قد يرون في حياتهم لحظة كهذه تنهار فيها مُسَلَّماتهم بأن هذا الشعب يمكن أن يثور وأن هذا النظام البوليسي القاهر يمكن أن يضطرب ويسقط.. فمن هنا كان الموقف السلفي من الثورة متذبذبا مهزوزا، فخيرهم ما كان على مذهب دعم الثورة كالشيخ محمد عبد المقصود وأمثاله، ووسطهم ما كان على مذهب الدعوة السلفية في الإسكندرية في حماية البلد أثناء حالة الاضطراب وتذبذبهم في أمر المشاركة، وأسوأ من هؤلاء ما كان على مذهب السكوت والاختفاء، وأسوأ منهم من سار في محاولة تهدئة الجموع خوفا من سيل الدماء، وأسوأهم جميعا من استخفه الشيطان أو السلطان فكان معه كما فعل شيخ الأزهر والمفتي وعلماء السلطة، وهم أزهريون.. ولذا فلا ينبغي أن يعمم على السلفيين وصف عداء الثورة بينما كان أسوأ أعدائها هم رؤوس الأزهر الذين تُسبغ عليهم أوصاف الاستنارة والوسطية!! فلئن كان يجب تجريح السلفيين بموقفهم من الثورة (وهو موقف الارتباك في عمومه) فيجب أن نعترف في المقابل بأن الأزهر في العقود الأخيرة إنما كان مرتعا للنفاق والفساد. ولا يجرح هذا في الشرفاء الثائرين من الطائفتين!

***

هذه مقدمة توضيحية قبل أن ندلف للرد على مقال الأستاذ إبراهيم الهضيبي..

يرى الهضيبي أن مهمة البرلمان القادمة هي: قيادة معركة إخراج العسكر من السلطة، ووضع دستور توافقي يؤسس لبناء الدولة المصرية، وهو يرى أن الشحات لا يصلح لأي منهما.

أما الأولى فإني منه على وجل فعلا، والحالة الإسلامية –السلفية والإخوانية- وإن كانت تتوجس من العسكر ولا تأمن لهم إلا أن الشهور الماضية دليل على أنهم لم يحسنوا التعامل في هذا الملف، والحق أني أخاف من سياسة الإسلاميين –وأنا منهم- في هذا المجال، هم يشعرون أنهم يجب أن يستخلصوا حقوق الوطن من العسكر بأسلم الطرق الممكنة، ومنهم من يُخدع، ومنهم من وقع في أخطاء تمثل خطايا.. والخلاصة أني بالفعل أخشى من سياسة الإسلاميين في معركة إخراج العسكر من السلطة، وإن كنت ما زلت أرجو أن يستفيقوا قبل فوات الأوان فيخرجون من حالتهم الإصلاحية إلى حالة ثورية!

وأما الثانية فهي –في رأيي- خرافة كبيرة، ولست أرى أن الخلاف بين الإسلاميين والعلمانيين في مصر خلافا عاديا أو بسيطا أو يمكن التغلب عليه، بل ولا أرى حتى إمكانية التوصل إلى توافق بينهما، يجب أن نعترف أن الخلاف جوهري وعميق وأن المشروعين متضادين ومتعاكسين بالفعل، وأن أسلم الطرق لحل الخلافات هي في الانتخابات واتخاذ القرار بالأغلبية.. لعل الشهور الماضية دليل على هذا، فهؤلاء لم يدخروا وسيلة واحدة في تشويه الإسلاميين وإبعادهم ما استطاعوا عن التأثير الحقيقي أو الوصول لمنصب في صناعة القرار، لقد صعقهم أن ثمة إسلامي في لجنة التعديلات الدستورية (وكان فيها وفدي ومسيحي ويساري) واعتبرو أن هذه ردة كبرى وصفقة سرية خطيرة بين الإسلاميين والعسكر، ولم تتوقف حملاتهم الإعلامية يوما واحدا، ولم تتوقف عقولهم عن ابتكار الأفكار المستبدة (الدستور أولا – مواد فوق دستورية – ضوابط لجنة اختيار الدستور- القائمة النسبية مع خفض الحد الأدنى... إلخ).

إذا أردنا أن نكون واضحين وواقعيين، فالخلاف بين هذين الفصيلين لا يمكن التوصل فيه إلى توافق، المسألة أكبر من هذا، هذا يتكلم من منطلق عقائدي إسلامي، وهذا لا يخفى ارتباطه بالغرب، ومتى أمكن التوفيق بينهما؟!!

لو كان بالإمكان أن نصل إلى توافق لنجحت محاولات كثيرة كان مصيرها الفشل، وكان الأستاذ الهضيبي طرفا في غير واحدة منها!

***

أما ما حكاه الأستاذ الهضيبي عن تجربته مع الشيخ الشحات في مليونية 29/7 فلا يمكنني التعليق عليه لأني لست من شهوده، ومن المعلوم أنه لا يمكن الاستماع إلى طرف دون الآخر قبل الحكم في الموضوع، لذا فسأقتصر على ملاحظات حول هذا اليوم قد تفسر ما أُرِيد له ألا يُعرف.

لقد قررت الحركات الإسلامية بعد طول سكوت وهدوء أن تدعو إلى مليونية لرفض المبادئ فوق الدستورية التي بدا أن العسكر قد رضخوا لها بعد طول تمنع، فحاولت القوى المرعوبة (العلمانية طبعا) أن تسرق هذا الجهد وأن تحول مسار هذه المظاهرة عن أهدافها، وانتشرت في الإعلام نغمات التوافق بعد أن كانت تسوده نغمة الإسلاميين الشياطين! وخاف بعض المخلصين من مزيد انقسام واستقطاب فأرادوا جعل المظاهرة توافقية وسعوا في التوسط بين الطرفين لتكون تظاهرة وطنية جامعة، من هذه المحاولات كانت محاولة الأستاذ الهضيبي التي لم تكلل بالنجاح!

من ناحيتي أحمد الله أنها لم تكلل بالنجاح، وأحمد الله أن التيارات الليبرالية انسحبت من هذا اليوم فكان انسحابهم كوجودهم صفرا، وكانوا كالذبابة التي حطت على النخلة ثم قالت لها: تماسكي يا نخلة فإني سأطير!! ساعتها لم يكن يستطيع أحد أن يشكك في الوزن الإسلامي مقارنة بالأوزان المجهرية لغيره، فانطلقت نغمة الشيطنة مرة أخرى حتى غُرِس في العقل الجمعي المتابع للإعلام أنها "جمعة قندهار"، وكان طوفان الأكاذيب –كالعادة- شيطانيا إبليسيا بحق، كما قال تعالى (وقد مكروا مكرهم، وعند الله مكرهم، وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال).

وأما موقفه منه في كواليس قناة المحور فلا تعليق لي عليه، والشيخ الشحات مدعو لتفسير موقفه، غير أني فهمت أنه في سياق الاستفسار وليس السخرية.. والله أعلم! وأما موقفه مع جورج إسحاق فإني ممن ينتقد الشيخ فيه ويراه مخطئا!

وأما موضوع الدية التي طالما أثارها الإعلام لتشويه السلفيين فالأمر كالآتي: اعتاد الكثيرون التصالح عرفيا بعيدا عن الطرق الرسمية في ظل انهيار مؤسسات الدولة وامتلائها بالفساد كالشرطة والقضاء أيضا، وحين يرتكب أحدهم جريمة القتل ويعجز الطرف الآخر عن إثبات هذا لما يعتور الشرطة والقضاء من ثغرات وفساد فإنه ينحو نحو أن يأخذ حقه بيده، ولقد عادت ظواهر الثأر في القاهرة والإسكندرية والبحيرة والشرقية وغيرها، وزادت في الصعيد بعد أن بدا أنها تتراجع (كل هذا قبل الثورة)، وانتشرت في مصر مكاتب تخليص الحقوق بالبلطجة، وإعلاناتها كانت موجودة في الشوارع "أتعابنا من خصمك" حيث تقوم هذه المكاتب بتخليص الحقوق بالبلطجة بعيدا عن متاهات القانون التي لا تسمن ولا تغني من جوع.. في هذه الأجواء كان من أنشطة الجماعات الإسلامية في الإصلاح بين الناس تكوين مجالس عرفية تقضي بين المتخاصمين، ونجحت هذه المجالس كثيرا كثيرا كثيرا في نزع فتيل أزمات كبرى، وهذه المجالس باعتبارها تستقي أحكامها من الشريعة ساهمت في إرضاء المتخاصمين وإنهاء الصراعات.. من هذه الصراعات جرائم القتل، إذ كانت تحكم فيها بالدية لمن أراد وعفا، وهنا ينجو القاتل من ثأر يطارده كما يكسب أهل المقتول ما يعينهم بعد أن عجزوا عن أخذ أي شيء قانونا أو حتى عن إثبات جريمة القتل..

ما حدث في الثورة هو بالأصل مسؤولية القانون المصري الذي لا يحتوي توصيفا لجريمة "ضد الإنسانية" (تساوي الحرابة في الشريعة)، وقد ألغي منه ما يتعلق بالحسبة، فصار الطريق الوحيد لإدانة ضابط الشرطة القاتل هو أن يثبت أهل الشهيد أن هذا الضابط هو نفسه الذي قتل الشهيد. وحيث كان هذا متعذرا لحالات الارتباك أثناء الثورة وتضارب أقوال الشهود وبسبب ما في الشرطة والقضاء من فساد لم ينتهِ بعد.. كان هذا الإثبات عسيرا، فلجأ بعض الأهالي إلى مجموعة من شيوخ الأزهر ليأخذوا الدية بعد عجزهم عن إثبات القتل، ثم أشير عليهم بأن شيوخ السلفية إنما يقررون الدية بضعف هذا المبلغ أو بضعفيه، فلجأ الناس إلى شيوخ السلفية الذين قدَّروا أن أخذ الدية أنفع لأهل الشهيد من البقاء في المحاكم في ظل غلبة الظن بأنهم سيعجزون عن إثبات القتل.

شخصيا لا أقبل ما ذهب إليه شيوخ السلفية في هذا، وأميل إلى القول بأنها ليست جرائم قتل من التي يجوز فيها دفع الدية بل هي جرائم حرابة (ضد المجتمع) لا يحق فيها لأهل الشهيد التنازل عنها.. هذا موقفي، ولكن أن يتخذ هذا سبيلا لكي يقال إن شيوخ السلفية كانوا في خدمة الشرطة ضد حق المجتمع فهذا هو الظلم الذي لا أقبله ولا أرضاه، وهذا هو ما دندنت حوله وسائل الإعلام شهورا لتشويه السلفيين.

***

ينتقد الهضيبي على التيار السلفي تقديره للأمور، لا بأس بذلك، ولعلي أشاركه كثيرا من انتقاداته هذه، كالموقف في مقتل سيد بلال وفي الثورة، ولكني أفهم هذه المواقف على ما قلته سابقا من أنها في سياق الارتباك والاعتقاد بالعجز التام عن الفعل أمام السلطة الباطشة لا في سياق التنازل أو التطوع لمساعدة السلطة في احتواء الجماهير.

لقد أمسك الجميع في انقلاب السلفية من رفض المشاركة في الانتخابات إلى العكس وكأن السلفيون وحدهم من انقلبوا على أنفسهم!! لا بأس أن ننقد من نراه ينقلب على مبادئه شرط أن نكون عادلين: أين الإعلام من انقلاب شنودة على نفسه، انقلاب ساويرس، انقلاب رفعت السعيد، انقلاب تجار الديمقراطية على بضاعتهم وآلهتهم "الديمقراطية".. انقلاب الجميع بما فيهم الإعلاميون أنفسهم.. الإعلاميون الذين فقدوا الحياء وكان بعضهم يصرخ ويلطم وبعضهم يبكي ويستعبر وبعضهم ينادي ويناشد، هم الآن يزايدون على الثورة والثوار وينطقون باسمهم.. الكل انقلب فلماذا لا يبدو أحد مهتما إلا بانقلاب السلفيين!!

هذا مع أن السلفيين لم ينكروا موقفهم السابق، وإنما أوضحوا تقديرهم في الحالتين، لماذا لم يشاركوا؟ لأن المشاركة قديما كانت عبثا، والآن يشاركون لأن الوضع تغير وصارت المشاركة مؤثرة، وهذا جريا على القاعدة بأن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعرف والحال! (ولو أن السلفيين ما زالوا مطالبين بمراجعة أوضح وأعمق مكتوبة حول أصل المشاركة).. فلماذا لا يبدو هذا كدليل على مرونتهم وبرهان على أنهم قابلون لتغيير مواقفهم تبعا لتغير الأحوال؟..

يخشى الأستاذ الهضيبي من أن هذا التغير الدائم سيجعل الدين في موضع التابع لا المتبوع، وأحب أن أطمئنه إلى أن السلفيين ليسوا الناطق باسم الإله لكي تخشى على الدين من تصرفاتهم، فلا جمودهم هو جمود للدين ولا انقلابهم هو انقلاب في الدين.. هم مجتهدون كغيرهم يعبرون عن فهمهم للدين كغيرهم، ويمكن للجميع أن يصوبهم ويسددهم ويقومهم، وفهمهم هذا لا يلزم أحدا غيرهم هم وأتباعهم..

يحسن ألا نتعامل مع الدين كطفل صغيرن نخشى عليه من هذا وذلك وهؤلاء وأولئك.. ليكن تقديرهم خاطئا، ها أنت موجود لتثبت لهم خطأ هذا التقدير!

***

يجب أن يكون عضو البرلمان من أهل الكفاءة، لا شك في ذلك، ولكن لا أحسب أحدا يختلف على ضرورة وجود النزاهة.. الخلفية الدينية وحدها لا تكفي، لكن وجودها ضرورة، الدين –في رأيي وأحسب أنه كذلك عند أغلب المصريين- هو الضمانة ومعيار الأمانة، لذا فمحاولة إقصاء الخلفية الدينية من معايير البرلماني في محاولة فاشلة، وشخصيا مع اعترافي بالمهارة الخطابية والمعرفية لكثيرين إلا أني حزنت جدا لدخول بعضهم البرلمان، وما ذلك إلا لافتقادهم الخلفية الدينية التي تجعلني لا آمنهم!

وأما الكفاءة السياسية، فالمعلوم لدى الجميع أن أحدا لم يولد سياسيا فذا، وأنه لو كان من شروط دخول البرلمان توفر الخبرة البرلمانية لما دخل أحد على الإطلاق، كل الناس كانوا ذات لحظة جهلاء فتعلموا فعلموا، وكانوا بلا ممارسة ولا خبرة فمارسوا فخبروا.. فلا يزايد علينا أحد بأن الشحات ليست له خبرة سياسية، فكل الشعب هكذا، ولو كان الأمر بالخبرة فلنأت مرة أخرى بفتحي سرور وزكريا عزمي، أو لعلنا نبعث كمال الشاذلي من مرقده هذا لكي يمثلنا في البرلمان!

ما بدا من الشيخ الشحات في هذه الشهور القليلة أذهلني شخصيا، ولم أكن من معجبيه ولا محبيه فصرت منهم في هذه الندوات والمحاضرات والمداخلات التليفزيونية، لقد بدا لي منفتحا ومرنا وواثقا من نفسه ومتمسكا بثوابته وفكرته ومنافحا صلب المراس قديرا في التصدي لخصوم الهوية الإسلامية لمصر، وأراه ممن يجب أن يدخل البرلمان وأدعو بكل طاقتي أن يدعمه أهل دائرته.. وبالرغم من قربي للإخوان عن السلفيين إلا أن الاكتئاب أصابني مدة حين علمت بأن الإخوان لم يتركوا له هذا المقعد وأصروا على منافسته برجل مستقل وليس منهم!!!

***

أعلم أن هذه السطور السابقة لن ترضي أحدا، لا الإخوان ولا السلفيين ولا غير الإسلاميين.. يكفيني أنها ترضي ضميري، واسأل الله أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم.. فالعمر يتناقص، ولم يبق لنا بعد الموت لا برلمان ولا انتخابات ولا علاقات، والشقي الغبي هو من يبيع آخرته بدنيا غيره!