الأربعاء، أكتوبر 11، 2017

عمَّمهم الله بالبلاء!

ما العلاقة بين السلطة وبين رعاية الأخلاق في المجتمع الإسلامي.. وكيف يمثل هذا افتراقا وتناقضا بين النظام الإسلامي والنظام العلماني.

 كيف تؤثر عقيدة النظام على الأخلاق؟

مهمة السلطة في أي نظام هي الحفاظ على القيم التي يمثلها هذا النظام ويقوم عليها، ففي النظام العلماني مثلا تكون مهمة السلطة هي الحفاظ على الدولة، الدولة تحافظ على نفسها، لأن الغاية النهائية هي الوصول إلى دولة قوية راسخة آمنة مرفهة... إلى آخره!

لهذا يُصمم القانون والتعليم والاقتصاد والثقافة وأجهزة الأمن والجيش بحيث تحافظ على الدولة، ولا تهتم بأي شيء لا يكون له تأثير على الدولة.. فمثلا: فلان يصلي أو لا يصلي، يصوم أو لا يصوم، يزني أو لا يزني، يشرب الخمر أو لا يشرب الخمر.. كل هذا لا يهم، طالما أنه لا يؤثر على النظام وعلى الدولة.

نعم، يمكن للقانون أن يمنع شرب الخمر للسائقين بهدف التقليل من حوادث السير، أما شرب الخمر نفسه فلا ضرر منه على الدولة فلا حاجة للسلطة أن تهتم بتأثير الخمر على صحة الإنسان أو عقله أو أخلاقه.. كذلك الزنا، يمكن للسلطة أن تهتم به من جهة كونه نشاطا اقتصاديا يُدخل أموالا إلى خزينة الدولة، ومن شاء أن يفتح بيتا لممارسة الزنا أن يفعل طالما أنه يلتزم بدفع الضرائب!

بنفس المنطق يسمح القانون للمواطن في النظام العلماني أن يكون مسلما اليوم ومسيحيا غدا وبلا دين بعد غد، وأن يعود متى شاء إلى الدين الذي يشاء لأن هذا لا يؤثر على الدولة نفعا أو ضرا.. بينما يعاقب القانون بشدة من يهين علم الدولة أو دستورها لأن هذه الإهانة تمس مكانة الدولة وهيبتها وقداستها، ويكون الاستهانة بها مؤشرا على التمرد أو الاستخفاف.

ومن يعرفون تاريخ القانون في أوروبا يعرفون أن غرض تطبيق القانون بعدالة إنما كان بغرض جذب الأموال والتجارة والحفاظ على استمرار النشاط الاقتصادي، ولذلك كانت المدن التجارية كجنوة والبندقية وفلورنسا هي أوائل المدن التي طبقت فيها القوانين بنزاهة.. فيما لم تحاول تلك البلاد تطبيق أي قانون عادل في مستعمراتها، بل سمحت لنفسها بنهب الدول المستعمرة وبقتل الناس واستعبادهم، دون أن تشعر بتأنيب ضمير أو تناقض.

النظام الأخلاقي الإسلامي

يصف ابن خلدون السياسة –غير الإسلامية- بأنها على نوعين؛ الأول: نظام مستبد يخدم الطبقة الحاكمة، ويسميه الملك الطبيعي، ويعرفه بأنه "حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة". والثاني: نظام يتمتع بنوع عدالة ورشد وهو "حمل الكافة علي مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار". وأما النظام الإسلامي الذي هو الخلافة فهو:

"حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الاخروية والدنيوية الراجعة إليها إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به"

وهكذا يهتم النظام الإسلامي برعاية الأخلاق بين الناس، بما فيها تلك الأخلاق التي لا تؤثر على نظام الدولة، فالسلطة الإسلامية تعمل على حراسة المجتمع نظيفا من الفساد والانحلال الأخلاقي. ليس لكون هذا يؤثر على نظام السلطة بل لكونه يفسد المجتمع، وهو مستجلب لغضب الله وبلائه.

في خطبته الأولى قال أبو بكر: ولم تظهر الفاحشة في قوم إلا عمَّهم الله بالبلاء.

فكان هذا منه تحديدا لواجبات الإمام في محاربة الفاحشة، حفاظا على المجتمع من الفساد الذي يأتي بالبلاء.. وكان نهج الراشدين أنه طالما كانت الذنوب مستترة لا تصل إلى السلطة ولا تظهر في المجتمع فليس من صلاحيات السلطة التجسس على الناس ولا هتك سترهم، ولكن المحظور المحرم أن يكون للفاحشة ظهور بين الناس.

وحرص الخلفاء الراشدون على أخلاق المجتمع، فمن ذلك أن عليا أنكر على من لا يتحرزون أن تخرج نساؤهم إلى الأسواق فيزاحمن الكفار الذين لا يرعين أخلاق التعامل مع النساء، قال: ألا تستحيون أو تغارون؟ فإنه بلغني أن نساءكم يخرجن في الأسواق يزاحمن العلوج.

ونادى علىّ ذات يوم على المنبر فقال: سلوني، فقال رجل: أتؤتى النساء في أدبارهن؟ فقال: سفلت سفل الله بك، ألم تر أن الله تعالى يقول: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ}.

إقامة الحدود

وقد أقام الخلفاء الراشدون العقوبة على من زنا أو شرب الخمر أو تهتك وتخنث..

1. فقد سجن عمر من يقعون في أعراض الناس ويهجونهم كما فعل مع الحطيئة الشاعر الهجَّاء، ولم يطلقه من سجنه إلا لما اشترط عليه ألا يهجو مسلما وأعطاه مالا كي لا يُضطَّر أن يهجو أحدا ابتغاء المال، فاشترى منه بهذا المال أعراض المسلمين.

2. وأمر عمر بحلق شعر نصر بن الحجاج ونفيه من المدينة لتخنثه وغزله بالنساء، وقُضِي على رجل اتخذ حانوتا لبيع الخمر بإغراق الحانوت.

3. ولما أتي علي بالشاعر الحارثي النجاشي وقد شرب الخمر في رمضان، ضربه ثمانين جلدة ثم حبسه، فأخرجه الغد فضربه عشرين جلدة ثم قال له: إنما جلدتك هذه العشرين بجرأتك على الله تعالى، وإفطارك في رمضان.

4. وأُتِيَ أبو بكر بمن زنا واعترف على نفسه ولم يكن متزوجا فجُلِد ونفي، ولم يجلد الجارية لأنها كانت مُستكرهة.

5. وأما من كان متزوجا أو كانت متزوجة ووقع في الزنا فإنه يُرجم، وقد وضح علي رضي الله عنه كيف يكون الرجم، وهو أن يُصَّف الناس كوقوفهم في الصلاة، فإن كان الزاني قد اعترف بدأ الإمام برجمه ثم يمضي فيأتي الصف الأول فيرجم ثم يمضي ثم الصف الثاني.. وهكذا، وأما إن كان الزنا قد ثبت بشهادة أربعة فإنهم يكونون أول من يرجم ثم الإمام ثم باقي الناس.

6. ولا يوقع الحد على المرأة إن كانت مستكرهة أو كانت مضطرة كأن ألجأها الجوع والعطش إلى الزنا، وقد حدث مثل هذا في عهد عمر حين نفد الماء من امرأة وهي ترعي في الصحراء فلجأت إلى من يعطيها شربة ماء فمنعها حتى تمكنه من نفسها، فأبت، فلما شعرت بالهلاك مكنته من نفسها، فكان هذا عذرها الذي رفع عنها إيقاع الحد.

7. وكان يؤجل الحد على المرأة الزانية حتى تضع حملها، وأحيانا حتى يشب ولدها ويستغني عن الرضاعة منها.

8. وفي عهد علي وقع أن زنى مسلم بنصرانية، فأقام على المسلم الحد، وسلَّم النصرانية لأهلها يحاكمونها على مقتضى شريعتهم.

9. ولا يوقع الحد إلا بعد التأكد من وقوع الزنا بمعناه الكامل، فيُسأل الرجل وتُسأل المرأة بدقة عما وقعا فيه، ثم يجري التأكد من أنه كان فعلا اختياريا بغير اضطرار ولا إكراه.

10. ومن العجائب المثيرة للإعجاب في شخصية الفاروق هو توقعه ما قد حصل بالفعل في زماننا هذا، أن قوما يستشنعون عقوبة الرجم، فقام يوما خطيبا فقال:

"إن الله قد بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل عليه آية الرجم قرأناها ووعيناها وعقلناها فرجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف"

حفظ أعراض من أخطأوا

لم تكن الدولة الإسلامية تقيم الحدود بغرض العقوبة والانتقام، بل بغرض التطهير والتكفير، وأصل هذا ما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حين أقام الحد على ماعز والغامدية، فمنع أن يسبهما أحد، وقال عن الغامدية "لقد تابت توبة لو تابها أهل المدينة لوسعتهم".

وتكرر الموقف في عهد الراشدين، ويروي شاهد عيان في عهد علي فيقول: "كنت مع علىّ حين رجم شراحة فقلت: لقد ماتت هذه على شر حالها، فضربني بقضيب، أو بسوط كان في يده حتى أوجعني فقلت: لقد أوجعتني، قال: وإن أوجعتك، قال: فقال: إنها لن تسأل عن ذنبها هذا أبدًا كالدَيْن".

ومع أنه لا تهاون في إقامة حد من حدود الله، إلا أن الدولة الإسلامية لا تشتهي فضح الناس أو هتك سترهم، بل لا تُنزل العقوبة إلا بمن ظهرت منه الفاحشة.

1. وفي عهد عمر خطب أمير اسمه شرحبيل بن السمط الكندي، وكان يتولى مسلحة (أي: منطقة حراسة حدودية عند الثغور مع فارس) في جنوده فقال: "أيها الناس، إنكم في أرضٍ الشرابُ فيها فاشٍ (يعني الخمر فيها منتشر)، والنساء فيها كثير، فمن أصاب منكم حداً فليأتنا فلنُقم عليه الحد، فإنه طهوره". فبلغ ذلك عمر فكتب إليه: "لا أحل لك أن تأمر الناس أن يهتكوا ستر الذي سترهم".

2. وجاء رجل من اليمن إلى عمر فأَسَرَّ إليه أن ابنة أخيه قد وقعت في الفاحشة، فقال له عمر: "لو أفشيت عليها لعاقبتك، إذا أتاك رجل صالح ترضاه فزوجها إياه"، وقال عمر لرجل آخر في حالة مماثلة: "أنكحها نكاح العفيفة المسلمة".

3. وقد قيل لابن مسعود وكان يتولى القضاء على الكوفة في عهد عمر، "هذا فلان تقطر لحيته خمرا". فقال: إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به".

وأما في حالات الاغتصاب فقد كان القضاء في عهد الراشدين يبرئ المرأة التي قتلت من اغتصبها أو حاول اغتصابها، فقد تنكر شاب يوما في ثياب فتاة واستطاع التسلل إلى امرأة فاغتصبها وهي نائمة، فقتلته، فبرأها القضاء، وبرأ أخرى قتلت رجلا دفاعا عن عرضها.

أثر الاحتلال في نشر الفاحشة

المجتمع العفيف مجتمع سوي متماسك، الفاحشة فيه نادرة ومنبوذة، وكان هذا مما انتبه له المحتلون حين نزلوا بلادنا، لذلك كان من خططهم الأساسية نشر الفاحشة في بلادنا، وهذا مصداق قول الله تعالى:

(والله يريد أن يتوب عليكم، ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما * يريد الله أن يخفف عنكم، وخُلِق الإنسان ضعيفا)

وحصل تركيز كبير على موضوع المرأة في بلادنا المحتلة، لأن إفسادها يُسهِّل إفساد المجتمع وإنشاء جيل مرتبط بشهواته، والإنسان الذي هو أسير شهوته يكون على الحقيقة أسيرا لمن يملك تحقيقها له حتى لو كان المحتل الذي هو عدوه وعدو دينه وأمته.

أول احتلال حصل في قلب العالم الإسلامي كان الحملة الفرنسية على مصر، وأخرج الفرنسيون نسائهم متكشفات متهاونات يداعبن الرجال ويضاحكنهن، ثم كانوا إذا أسروا المصريات بعد معارك المقاومة يأخذونهن، وبالذات الصغيرات، فيجعلونهن كالفرنسيات.. وسهَّلوا سبل الاختلاط والاحتفالات،  وعملوا على التزوج من بنات الإعيان بعد إشهار إسلامهم صوريا، ووجدوا من مرضى القلوب والنفوس من اعتقد أن الأمر استتب للفرنسيين فأراد بتزويجهم أن يحظى ببعض السلطان والجاه.

وأما الاحتلال الإنجليزي فقد كانت له آثار عميقة في تدمير الحياة الاجتماعية، حتى إن المؤرخ الإنجليزي تيموثي ميتشل وهو يتحدث عن استعمار مصر يرصد أنه خلال عشر سنوات تضاعف عدد المقاهي والبارات وصالات القمار أكثر من ثلاثة أضعاف، وانتشرت في مصر ظواهر اجتماعية جديدة مثل "إدمان الكحول، وإدمان المخدرات، والزنا والمرض، والجنون"، وحتى الكتب المنتشرة أخذت تغزوها القصص البذيئة التي حرصوا على طباعتها ونشرها، وتأثرت الحياة العائلية حيث شرع الرجال في قضاء نهارهم أو كل أمسياتهم في أكثر المقاهي سيئة السمعة، حيث تسليهم النساء ويحكي الرجال حكايات عن "دون جوان"!

وظلت هذه عادة الاحتلال في بلادنا حتى آخر فصوله، كما في أفغانستان والعراق حيث تنطلق حملات تحرير المرأة وتوفير الفعاليات والمؤسسات المهتمة بصناعات الترفيه والفنون والإباحيات.

ولذلك لا تزال القرى والبوادي، وهي المناطق التي كانت أضعف في تأثرها بالاحتلال، أفضل من المدن في الأمن وفي الأخلاق عموما، وفي تقرير اليونسيف الصادر عام 2012 تتحدث الإحصائيات عن أن انتشار مرض الإيدز في المناطق الحضرية أعلى منه في المناطق الريفية، وكان السبب الرئيسي هو ارتكاب الفاحشة، حتى بلغ عدد المصابين به أكثر من مليونين من الشباب بين العاشرة والتاسعة عشر عاما.

لا يزال الاحتلال يسير على الوصايا القديمة لكبار المنصرين، ومنذ 85 عاما قال صموئيل زويمر رئيس جمعيات التبشير في مؤتمر القدس للمبشرين المنعقد عام 1935م:

"إن مهمة التبشير التي ندبتكم دول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمدية ليست في إدخال المسلمين في المسيحية، فإن في هذا هداية لهم وتكريماً ، إن مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقاً لا صلة له بالله ، وبالتالي لا صلة تربطه بالأخلاق... مطابقاً لما أراده له الاستعمار، لا يهتم بعظائم الأمور، ويحب الراحة، والكسل، ويسعى للحصول على الشهوات بأي أسلوب، حتى أصبحت الشهوات هدفه في الحياة، فهو إن تعلم فللحصول على الشهوات، وإذا جمع المال فللشهوات، وإذا تبوأ أسمى المراكز ففي سبيل الشهوات .. إنه يجود بكل شيء للوصول إلى الشهوات".

خلاصة

أليس من العجيب أن 90 بالمائة من الإنتاج الإعلامي في بلادنا يناقش مسائل الحب والعشق؟

أليس من الملفت للنظر أن 99% من الأغاني في بلادنا تتحدث عن نفس هذا الموضوع؟

أول ما يُطرح من أسئلة أمام الإسلاميين في الانتخابات: ماذا ستفعلون في الخمر والسياحة العارية والحجاب والملابس القصيرة رغم أن بلادنا مثقلة بالمشكلات الكبرى العميقة، كأن بلادنا ستنهار إن توقف فيها بيع الخمر أو فقدت السائحات العاريات؟

الواقع أن الحضارة الغربية خربت الأخلاق، حتى إن موضوع الأخلاق نفسه صار أمرا مشكوكا فيه، حتى القرن التاسع عشر الميلادي كان علم الأخلاق يبحث في المبادئ وترتيبها واستنباطها وأهميتها للحياة بما يعني التطلع إلى مثل أعلى ومثل عليا للسلوك تعين على فعل الخير والابتعاد عن الشر، وبهذا كان علم الأخلاق من العلوم المعيارية؛ بمعنى أنه لا يدرس ما هو كائن، بل ما ينبغي أن يكون، ثم ظهرت في فرنسا مدرسة من علماء الاجتماع نظرت إلى علم الأخلاق باعتباره تفسير ما هو كائن، لا معيارا لما ينبغي أن يكون، وبهذا تحولت الأخلاق لديهم إلى "القواعد السلوكية التي تسلم بها جماعة من الناس في حقبة من حقب التاريخ"، فنزعوا عن القيم الأخلاقية فكرة الثبات والدوام أي نزعوا عنها القداسة والاحترام.. تحول الأمر كما يقول شوبنهاور إلى أن يكون علم الأخلاق هو مجرد وصف: "علم الأخلاق يصف أخلاق الناس مثلما يصف التاريخ الطبيعي خصائص الحيوانات"

وظهر في الفلسفات الغربية من يحتقر الأخلاق ويقدس القوة، ويرى أن أعظم عيوب الإنسان هي الرحمة، وأنه يجب إفناء الضعفاء والمرضى والمشوهين لأنهم لن يفيدوا المجتمع، وأن هؤلاء ينبغي عليهم أن يساعدوا المجتمع على إبادتهم وإفنائهم.. ومن الطبيعي أن تصل أي فلسفة مادية علمانية لا تؤمن بالله إلى هذه النتيجة التي قالها فيلسوف العدمية ألبير كامي: "كل شيء جائز طالما أن الله غير موجود وأن الإنسان يموت".

ونختم بقول الباحث والروائي الإنجليزي المتخصص في الإسلام، والذي ترجم القرآن الكريم إلى الإنجليزية، مرماديوك باكتول:

"إن المسلمين يمكنهم أن ينشروا حضارتهم في العالم الآن بنفس السرعة التي نشروها بها سابقاً بشرط أن يرجعوا إلى الأخلاق التي كانوا عليها حين قاموا بدورهم الأول، لأن هذا العالم الخاوي لا يستطيع الصمود أمام روح حضارتهم"

الأربعاء، أكتوبر 04، 2017

ضربهم الله بالذل!

هل تعلم أن كل هزيمة نكابدها الآن هي أثر من آثار توقف الجهاد قبل أكثر من قرنين من الزمان على الأقل؟! وكلما توقفنا كلما زادت الفجوة العلمية والعسكرية والسياسية بيننا وبين عدونا، وكلما زادت كلما كانت عملية تضييقها أصعب وأصعب وأصعب، وكلما كان الثمن المدفوع فيها أفدح وأعلى وأكبر؟!

أمتنا الآن تدفع الثمن.. وستظل تدفعه حتى يعتدل بالجهاد ميزان القوة، فحينها تُعصم دماء أبنائها وتحفظ مدنها وقراها ومواردها!

نحن لا ندفع الثمن لأننا أخطأنا في حق النظام الدولي، أبدا.. نحن ندفع الثمن لأننا ضعفاء فحسب! العراقيون لم يستفزوا الأمريكان حتى احتلوهم، الإخوان في مصر اجتهدوا في سحب كل ذريعة لئلا يحدث انقلاب، حماس لم تسمع منها رغم كل الحصار كلمة سيئة في حق مصر أو السعودية أو الأردن (وهم رأس الحربة في حصارها وتجويعها وقتلها)، ولم تتبن الجهاد العالمي بل التزمت بالحدود ولم تتدخل في شأن دولة أخرى لكي لا تهيج على نفسها عداء جديدا.. المسلمون في بورما لم ينفذوا تفجيرات في البوذيين، المسلمون في إفريقيا الوسطى لم يهددوا نظام الدولة، المسلمون في تركستان الشرقية ممنوعون حتى من التعليم والعبادة ويُجبرون على تزويج المسلمة من الصيني.

وسيظل كل ضعيف يدفع الثمن من ضعفه ودمه حتى يقوى فتتغير المعادلة.  

في الخطبة الأولى للخليفة الأول أبي بكر الصديق، والتي كانت أصول النظام السياسي في الإسلام، قال أبو بكر: "لم يدع قوم الجهاد في سبيل الله، إلا ضربهم الله بالذلّ"

أبو بكر شاهد عيان

كان أبو بكر شاهد عيان على تاريخ الإسلام منذ يومه الأول، عاش تكوين المجموعة المسلمة الأولى، ثم رأى وعاين فترة التعذيب والإيذاء والحصار، وأوذي في نفسه، وبذل ماله لتحرير المسلمين وإنقاذهم من التعذيب، ثم هاجر مع النبي ورأى نزول الوحي بالبشرى الكبيرة: {إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد}، وسمع النبي وهو يبشر سراقة بن مالك بأغرب بشارة: "كيف بك يا سراقة وقد لبست سواري كسرى؟!"

وبعد الهجرة نزل الإذن بالقتال، فكان أبو بكر ممن سمع هذه الآية: {أُذِن للذين يُقاتَلون بأنهم ظُلِموا، وإن الله على نصرهم لقدير. الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهُدِّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا، ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز. الذين إن مكنَّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور}

وتنفيذا لهذه الآية بدأت حركة الجهاد في الدولة المسلمة، وشهد أبو بكر المشاهد –أي: المعارك- كلها مع رسول الله، فشهد تطور حال جماعة المسلمين من الاستضعاف إلى التحرر، ومن التحرر إلى العزة والتمكن وفتح الأنحاء، حتى ختمت حياة رسول الله وقد جاءته الوفود تعلن البيعة والطاعة لقائد الدولة المسلمة، ومات رسول الله وهو يوصي بإنفاذ جيش أسامة الذي سيخرج لمقاتلة الروم: القوة العظمى في العالم آنذاك.

وهكذا منذ الآية الأولى التي نزلت للإذن بالقتال حتى اللحظة الأخيرة من حياة رسول الله كان الجهاد أصلا أصيلا من مهمات الأمة الإسلامية، تقوم به السلطة الشرعية وتنظم شؤونه، ولا يردُّها عنه ما تلقاه من الأذى فيه، تُقِيمه لتحرير الناس وإنقاذهم من سطوة وسلطة الباطل، ولحماية الدولة الإسلامية التي تقيم الدين وتحفظ الشريعة. وبالجهاد تحول المسلمون من مستضعفين في مكة لا يملكون دفع الأذى عن أنفسهم إلى الدولة القوية المهابة التي تأتيها القبائل طائعة مبايعة.

هذا ما استوعبه أبو بكر والخلفاء الراشدون، وهذا ما سارت عليه سياستهم!

2. هل مجرد وجود الحق يكفي للهداية؟

لو أن الناس يهتدون بمجرد بيان الحق لما احتاج النبي أن يحمل السيف، بل ولما احتاج أحد من المصلحين أن يجاهد ويعاني، بل ولاختفى من التاريخ الإنساني كافة مظاهر العشيرة والعصبية والعائلة والقبيلة، ولما ظهر في الدنيا شيء اسمه "دولة" أو "امبراطورية" أو "نظام عالمي". لو أن الناس يهتدون بمجرد بيان الحق لما احتاجت الدول إلى أجهزة أمن واستخبارات وجيوش، ولا كان في الدنيا سلاح وقتال وعساكر ومعدات حربية وأسلحة فتاكة. كانت أي مشكلة ستُحل بمجرد بيان الحق فيها!

لكن كل هذا ظهر، لأن الحقيقة أن مجرد بيان الحق للناس لا يعني اهتداؤهم إليه، الحقيقة ببساطة تقول أن مجرد "وجود" الحق وحده لا يكفي! والإنسان يعلم من نفسه وذاته أنه لا يلتزم بكل ما يعرف أنه الحق، بل ربما ارتكب الذنب والخطيئة والجريمة وهو يعلم أنه ذنب وخطيئة وجريمة. إن الذين لا يستسلمون لرغباتهم ويكبحون جماح أنفسهم وشهواتهم وطغيان نفسهم إنما هم القلة الفاضلة، بينما الكثرة الغالبة لا يردعها عن الخطيئة والجريمة إلا العجز والخوف من العاقبة والعقوبة.

الإنسان مسرح لمهمة الشيطان الذي قال {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ . ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}، والمفاجأة أن غالب البشر ينجح معهم الشيطان {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}، {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}.

فإذا كان ذلك في الإنسان نفسه، فهو في حالة الدول أشد وأخطر، إذ هي مظنة اجتماع الشهوات والرغبات والمطامح والمطامع، وشهوة المُلك والسلطة أقوى من شهوات الفرد بنفسه، وفي سبيل الملك يقتل الرجل ابنه أو أباه أو أخاه فضلا عن أبناء عمومته وأهل عشيرته، فأما قرار قتل الناس فهو أسهل ما يأخذه المتسلط تمكينا لحكمه وإرساء لملكه، وإذا كان قرار قتل الأقربين سهلا فكيف بالإغارة على الأباعد؟! وإذا كانت المؤامرة تدبر للتخلص من الأقوياء والأذكياء فكيف إذا كان الخصم ضعيفا مهيض الجناح سهل المأخذ؟! وإذا كانت رابطة الدم والعصبية وسنوات الوداد والوصال وأزمان العشرة والصحبة والفضل القديم، إذا كان كل ذلك لا يقف مانعا أمام رغبة فاسدة، فكيف نتوقع أن يكون الوعظ والبيان والنصح كافيا في تغيير الحال وردع المجرم وكبح جماح الفساد؟!!

3. الجهاد علاج.. وآخر الدواء الكي

قد يبلغ الجرح من الفساد ما لا يكون له دواء إلا الكيّ، وقد يبلغ المرض من التمكن ما لا يكون علاجه إلا البتر، وكذلك الفساد في النفوس والعقول والأمم قد يبلغ حدا لا يصلح له إلا الحسم!

إن ضلال النفس قد يحمل على غرائب مدهشة؛ فإن هؤلاء الذين عبروا البحر بمعجزة كونية هائلة، بجسر تكون فعبروا عليه ثم تلاشى فأغرق عدوهم، هؤلاء لم يلبثوا إلا قليلا حتى قالوا {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} ولو لم يكن عندهم نبيهم الذي ردعهم بقوة وحسم لاتخذوا صنما وعبدوه في تلك اللحظة!

بل ذلك ما فعلوه حين غاب عنهم أياما {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ}، ولم ينفع معهم حينئذ وجود نبي الله هارون فلقد استضعفوه حتى أوشكوا أن يقتلوه، وما انتهى الباطل إلا حين أتى موسى النبي القوي المُهاب فحرق العجل ونسفه، ثم لم يكن علاجهم إلا بعقاب شديد {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ}.

هؤلاء الذين تمنوا عبادة صنم واتخذوا عجلا صنعوه بأيديهم، قالوا لنبيهم {يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً}، فانظر كيف اعتنقوا ما هو شديد البطلان ثم يمتنعون عن الإيمان بمن أنجاهم بالمعجزات وأنعم عليهم بالخيرات إلا أن يروه جهرة، ولم تكن العقوبة إلا حسما شديدا {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}.

وكم في ضلالات الناس من غرائب نراها صبحا وعشيا، لا سيما في زمان الإعلام الفاسد الذي يحيل الناس إلى كائنات عجيبة، يحبون من يقتلهم ويستبد بهم، ويبغضون من يكافح عنهم ويعمل لخدمتهم، وتنغلق عقولهم وقلوبهم أمام حقائق الحياة البسطية فلا يعرفون ما ينفعهم مما يضرهم، حتى لتبدو لهم أغلال الطغيان فخرا مجيدا، ويغدو من يحاول الخروج منها متمردا عنيدا!!

تجد المرء يرى قتل الآلاف في يوم واحد عملا جميلا، بينما ردة فعل واهنة قتلت واحدا أو جرحت غير واحد (دفاعاً عن النفس) عملا إرهابيا مجرما.!! تراه لا يهتز لمذابح المسلمين في كل مكان بينما يهتز لعملٍ مُقاوِمٍ فيهتف ضد الإرهاب!! وعلى رغم أن المسلمين هم المُعتدى عليهم في كل مكان، وهم المستباحة دماؤهم فلا يكاد يرى إرهابا إلا هم، وتصل القناعة حدا يصير عقيدة راسخة تذهب دونها كل الحقائق، ومثالها ذلك الجندي الإنجليزي الذي قتل إفريقيا ثم نظر في دهشة إلى زملائه وصاح متعجبا "يا له من همجي؟! تصور أنه عضني وأنا أقتله"!!

فإذا بلغ الضلال في النفوس إلى هذا الحد، فبأي شيء ينفع الوعظ والنصح وبيان الحق؟! {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ . وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ}.

4. ضرورة القوة للحق

قد يتبين الحق، لكن النفوس لا تقبله رغم اعترافها بأنه الحق.
قد يكون لمجرد الكبر {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا}.
وقد يكون لطغيان الشهوة {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ}.
وقد يكون لطغيان العادة {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ . قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}.
وقد يكون اتباعا للمنافع التي ارتبطت بوجود الباطل والفساد {وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا}، فانظر كيف اعترفوا أنه "الهدى". وفي كل الأحوال، فما دام الحق ضعيفا فلن يستجيب له إلا أولئك القلة النادرة الفاضلة، فيما يكون الرد التلقائي على نحو قولهم:
§         {يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}.
§         {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}.
§         {فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}.
§         {يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ}.
§         بل قد يبلغ التحدي والكبر مبلغا غريبا {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}.

وانظر إلى بني إسرائيل الذين شهدوا معجزات الله كيف لم ينضبط أمرهم إلا حين كانت تظللهم العقوبة، وذلك حين رفع الله فوقهم جبل الطور حتى كانوا يخشون إذا عصوا أن يقع عليهم، ثم لم يبلغوا شأنا إلا حين كانت أنبياؤهم ملوكهم كداود وسليمان عليهما السلام، وكما في الحديث: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي".

أما حيث كان أنبياؤهم غير ذوي سلطان فلقد كان حالهم {كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} وحيث لم يكن عليهم سلطان قاهر فقد بلغوا في الاستهزاء والاستخفاف أن قالوا {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} أي مغلقة، بل تجرؤوا أن يقولوا لأمر الله {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا}، وأن يحرفوا في دين الله ويجاهرون بالتحدي {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ}.

لكل هذا كان لابد للحق من قوة، وإلا حاربه أقوام وفيهم من يعرفون أنه الحق لمخالفته شهواتهم وعاداتهم ومصالحهم، ولقد كان أهل الكتاب يعرفون النبي كما يعرفون أبناءهم، وكان كفار قريش يعرفون في النبي الصدق والأمانة، لكنهم كذبوه وحاربوه وكادوا أن يقتلوه! فلولا أن وقفت للحق سيوف تحملها الألوف لما انتفع أهل الحق بمجرد حمله ولا أثمرت جهودهم في بيانه والدعوة إليه.

5. الجهاد: إجماع الخلفاء الراشدين

لقد رأى الراشدون في حياتهم نماذج الذين يرفضون الحق لأنه يضاد مصالحهم وشهواتهم، حتى أنهم لما جاءهم الحق الواضح من الصادق الأمين لم يتبعوه بل لقد ساوموه على ترك هذا الدين الذي يهدد سلطانهم بأن يعطوه ما شاء من الأموال أو يزوجوه ما شاء من النساء أو يمنحونه ما يشاء من السلطان، فلما أبى صلى الله عليه وسلم انهالوا على أصحابه بالتعذيب الشديد الذي وصل إلى القتل.

وقد علم الراشدون بما قرؤوه من كتاب الله وبما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم أن الجهاد ذروة سنام الإسلام، وذرورة السنام هي أعلى شيء فيه!

وقد تقرر الجهاد لحماية المؤمنين، فالضعفاء الذين لا قوة لهم يأكلهم المبطلون والمفسدون، يستعبدونهم ويضطهدونهم ويُخضعونهم لباطلهم وفسادهم، كما قال الله تعالى: "وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها، واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا"

فالجهاد حماية للمسلمين، ولنقلهم من الاستضعاف والاستعباد إلى القوة والمكانة والسيادة، فالمسلمون بغير قوة لا مكان لهم في هذا العالم، فمن لا يستطيع الدفاع عن نفسه لا يستطيع أن يقرر شيئا لنفسه، والذي يختار الضعف يختار أن يكون فريسة للأقوياء من حوله.

والجهاد أيضا حماية لكل الضعفاء والمظلومين من البشر، ولهذا فهو عدو لكل الطغاة والمستبدين، وهذا ما كان يستوعبه سفراء الجهاد في تاريخنا، حيث قال ربعي بن عامر لرستم قائد الفرس قبيل المعركة الفاصلة في القادسية، هذه العبارات القوية الواضحة الفصيحة: "لقد ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام".

ولهذا فالمسلمون أعداء لكل طاغية ومستبد، وأنصار لكل مظلوم ومضطهد، وهم مشروع تحرر لأنفسهم وتحرير للبشر أجمعين. وقد فهم المحتلون هذا في ديننا فعملوا بكل جهودهم حين نزلوا إلى بلادنا على حذف الجهاد من عقول المسلمين، فلقد ادعى نابليون أنه مسلم وأنه صديق للسلطان العثماني لكي يتجنب إعلان المسلمين الجهاد عليه في مصر، وادعى الإنجليز أنهم لم ينزلوا محتلين وإنما كأصدقاء وأنهم يسلِّمون بحق السلطان العثماني في مصر، بل إن الإنجليز في الهند جعلوا بعض عملائهم قيادات لجماعات ومذاهب دينية تنبذ الجهاد وتتحدث عن السمع والطاعة لولي الأمر حتى لو كان الحاكم هو الاحتلال الأجنبي نفسه، أو كان واحدا من عملائه يحارب الإسلام صراحة. ولا تزال مناهج التعليم ووسائل الإعلام في العالم الإسلامي –الذي ما يزال فعليا تحت هيمنة الاحتلال الأجنبي- تحذف الجهاد والمجاهدين وتطمس سيرتهم وتشوههم، وتتحدث عن هذه القيم كأنها "تطرف" و"إرهاب" و"تشدد" و"أصولية".. إلى آخر هذه المصطلحات التي يُقصد بها نزع روح الجهاد من هذه الأمة.

وإذا نظرنا في صدر تاريخنا الإسلامي فسنجد أن النبي وصحابته الكرام جاهدوا لثلاثة أهداف على ثلاثة مراحل:

1. جاهدوا لإنشاء الدولة المسلمة وتأمينها وحمايتها، كما هي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم منذ الهجرة إلى المدينة وحتى وفاته.. أحد عشر عاما من الجهاد المتواصل، لا تكاد تمضي سنة بغير غزوة كبرى أو غزوتين كبريين فضلا عن السرايا الصغيرة.

2. ثم جاهدوا على وحدتها وضد تقسيمها، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه ضد المرتدين ومانعي الزكاة، ثم كما جاهد علي رضي الله عنه وهو الإمام الشرعي ضد من امتنع عن بيعته –ولو متأولا- كي تظل الدولة المسلمة دولة واحدة.

3. ثم جاهدوا لإنقاذ البشر من الطغيان والمظالم الواسعة المنتشرة في فارس والروم، ففتحوا البلاد الواسعة، وأنقذوا العبيد والمستضعفين من استبداد الملوك والقياصرة والأباطرة، وأقاموا لهم العدل، وهذا ما كان في عصر أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين.

لقد كان عصر الراشدين عصر الوحدة والفتوح، وكانت فتوحاتهم أعجب الفتوحات في التاريخ الإنساني كله، وهي الفتوح التي انبهر لها المؤرخون من غير المسلمين (للتفصيل: انظر المقالات الخمسة: الأول والثاني والثالث والرابع والخامس)، وبغير هذا الجهاد ما كان ليكون للإسلام دولة، وكنا نحن الآن نعبد الأصنام أو نعبد الخرافات والأوهام، أو نعبد الملوك والحكام. إن الجهاد روح هذه الأمة، وهو حامل رسالتها إلى البشر أجمعين.

فالجهاد من إجماعات الخلفاء الراشدين، فهي من سنتهم بل من أقوى سننهم إذ كلهم قام بها وقام عليها، ونحن الآن أحوج لهذا الجهاد من أي وقت آخر، فنحن تحت الاحتلال الأجنبي المباشر أو الاستبداد الأجنبي عبر طبقة الحكام التابعين للاحتلال.