السبت، مارس 24، 2012

الشورى الإخوانية.. ليست شورى

في انتخابات البرلمان 2010 سرت دعوات المقاطعة في المشهد السياسي المصري بعد أن صار مؤكدا أنها انتخابات مزورة بعد أن أُلغي الإشراف القضائي، ولكن الجميع كان ينتظر رأي الإخوان، بما فيهم النظام، لأن الإخوان هم القوة الشعبية الوحيدة آنذاك.. أما الإخوان فقد كانوا يريدون دخول الانتخابات، ولكنهم يخشون –كالعادة- من العلمانيين وإعلامهم وصحافتهم، ولا يريدون أن يُتهموا بأنهم من أسبغ الشرعية على الانتخابات المزورة والنظام الفاسد فكان من ضمن وسائلهم لتجاوز هذا الأمر هو القول بأنهم سيستطلعون رأي قواعدهم "فالأمر شورى" ثم سينفذون ما استقرت عليه "الشورى"..

ظل الأمر شهورا والشورى تسري في القواعد حتى استقرت على المشاركة في الانتخابات بنسبة 90% تقريبا (أو أكثر، خانتني الذاكرة) فشارك الإخوان في الانتخابات!

ثم كان التزوير هائلا في المرحلة الأولى فلم يحصل الإخوان على مقعد واحد، فاتخذ الإخوان قرارا بمقاطعة ما تبقى من الانتخابات..

وعلى حين ظلت الشورى الأولى شهورا حتى جاء قرارها بالموافقة، فإن الشورى الثانية بالمقاطعة لم تستغرق سوى يومين أو ثلاثة.. وعلى حين كانت الشورى الأولى على مستوى القواعد والمحافظات فإن الشورى الثانية كانت على مستوى مكتب الإرشاد وربما مجلس الشورى..

وليس هذا إلا لأن شورى الإخوان، "عندها ساعة".. ساعة تروح، وساعة تيجي!

***

لكن.. كيف وافقت القواعد على المشاركة أول الأمر وهي تعلم بالتزوير المحقق؟ ثم استسلمت لقرار المقاطعة بعد أن حدث التزوير.. وكيف انقلب الحال من "مزايا المشاركة" إلى "مزايا المقاطعة".. ومن "قوة قرار المشاركة" إلى "قوة قرار المقاطعة"..

أذكر أني خضت جدالات كثيرة مع إخواني "منضبط" أحاول أن أقنعه بالمقاطعة ويحاول أن يقنعني بالمشاركة، ثم انتهت الجولة الأولى فعاد نفس الجدال وكان على نفس رأيه، وفي مساء ذات اليوم جاء بيان المرشد بالمقاطعة فقال فورا: قرار قوي جدا!! نظرت إليه مشفقا ولم أنطق.. فداء التبعية لا علاج له!

لا تظنوا –يا قوم- أن الأمر شورى.. لا في الإخوان ولا في الدعوة السلفية (مؤخرا) .. ولكنه يجري كالآتي:

حسابات القيادة تقول بالدخول في الانتخابات، فتعمل التعلميات النازلة في الأسر والقطاعات على تزيين هذا القرار وإبداء مزاياه، ويعمل موقع إخوان أون لاين وباقي مواقع الجماعة على نشر هذا الرأي وتسويقه ومنع الرأي الآخر تماما.. فإذا تم المطلوب أُخذت الشورى التي ستأتي بما تشتهيه القيادات.

(راجع في سياسة موقع إخوان أون لاين، اعترافات رئيس تحريره عبد الجليل الشرنوبي بعد أن استقال منه، وهي مكتوبة ومتلفزة)

***

كنت عضوا في "مجلس الكلية" (الهندسة الإلكترونية – أقوى معاقل التيار الإسلامي في مصر على الإطلاق على مستوى الكلية) ومسؤولا عن العمل العام لثلاث سنوات، ولدي الكثير من الذكريات عن "هذه الشورى".. لكن الله يعلم أني ما سكتُّ على تمرير أمر هام بدون شورى أبدا، نجحت أحيانا وأخفقت أحايين كثيرة.. وتقدمت باستقالتي مرتين وأنا في الكلية ثم عدت عن واحدة لتأثري بـ "الظروف ونقص الكوادر وأهمية المرحلة وحرج اللحظة وحاجة الدعوة... إلى آخر هذه الأسطوانة التي كانت تخدعنا".. ولم أتراجع عن الأخرى ولكني كتمتها لكي لا تتسبب في ارتباك بين صف الإخوان الطلاب (لست شخصية مؤثرة ولا فارقة ولكن طبيعة العمل الإخواني ووجودي في موقع القيادة لسنوات تجعل الكثيرين يولونني هذه النظرة عن غير استحقاق)..

ذات مرة أراد الإخوان في الجامعة تعميم نظام جديد يجمع في اللقاءات بين التربوي والإداري، وحاول مشرف الكلية تسويق هذا النظام لنا "مجلس الكلية" لكي نأخذ شورى (!) ثم نوافق عليه بالطبع (!).. اعترضت بشدة وظل يناقشني (مناقشة لم تخلو من سخرية أحيانا كثيرة.. وما أشد من السخرية على نفسي في مقام النقاش الجاد) وعلت حدة النقاش حتى قلت له "إن كان هذا النظام نازلا من الإخوان فأخبرنا مباشرة، لا أن تحاول جعلنا نوافق عليه وكأن الأمر شورى".. بعد هذه الكلمة (سيئة الأدب في المزاج الإخواني) تحولت دفة النقاش، وكنت أرقب المأزق باديا على وجه "نائب مشرف الكلية" الذي ظل صامتا طوال النقاش ولم يتوقع أن يحدث هذا..

ولأن مشرف الكلية كان رجلا عاقلا وشخصية مستقلة بالفعل وعقلية رائعة فقد أنهى النقاش في الموضوع، واتخذ شورى حقيقية انتهت إلى رفض الفكرة، فلم يطبقها.. ولكنها طبقت في الكليات الأخرى بنفس المنهج الذي كان يراد له أن يحدث!

***

في موقف آخر دخلت في احتكاك مع مسؤول الكلية وكنت أندد بضعف الشورى في قرارات كبيرة، فقال لي على انفراد: هو انا كل حاجة هاخد فيها شورى؟ يبقى انا دوري إيه؟ طرطور؟!!

في موقف آخر ومع مسؤول آخر، وكنت سكرتير الجلسة، حاول المسؤول فرض رأي بعينه والتملص من الشورى، فرفضت كتابته وإقراره وتساءلت: ما شرعية أن أكتب شيئا لم يوافق عليه هذا المجلس.. هنا فقط صرح بأن هذا القرار توجه من القطاع..

في بلد آخر تم اختراق اللائحة لتصعيد أحدهم إلى المكتب، وبُرِّر هذا بأنه للضرورة وبدافع المصلحة.. فلم يمض إلا أسبوعين حتى وقع حدث آخر أفرغ مقعدا في المكتب الإداري وكان المفترض أن تجري انتخابات، ولكن الشخص الذي كان سيصعد إلى المكتب لم يكن مرغوبا فيه، فظل المقعد شاغرا، وقال المسؤول: "احنا اللي عملنا اللايحة واحنا اللي بنغيرها"..

ستجد كثيرا من الحكايات عند من اتخذوا قرار ترك الجماعة، ممن كانوا قيادات يسمع لهم ويشار إليهم، حتى إذا خرجوا صاروا من "المتساقطين على طريق الدعوة"..

***

معظم الشخصيات المشار إليها في هذا المقال شخصيات رائعة، وبذلت في سبيل نصرة الدين أغلى ما لديها، وتعرضت بالفعل لاختبارات قاسية وعنيفة: مادية ومعنوية، وذاقت الجوع والخوف، ولم تعش شبابها المنفلت الماجن، بل عاشت شبابا في العمل والجد والاجتهاد والتعرض للبطش والفصل والاعتقال..

وهم لا يتحملون المسؤولية وحدهم، وليسوا شريرين أو متآمرين، ولكنه مزيج من سلبيات العمل السري وطبيعة العدو واختفاء الحريات، يجعل الأمر عملا تحت الضرورة تقل فيه الشفافية وتكثر فيه القيود وتؤثر الطبائع الشخصية على مسارات العمل وتكاد تختفي فرص المراجعة والتصحيح..

الهدف من هذا المقال ليس نقد الإخوان ولا نقد الشخصيات.. بل هو بوضوح نقد "الشورى" المزعومة التي تُرفع كشعار، ويستعان بها كدين يتعبد به.. وهو الأمر الذي يعتنقه في العادة من لم يمارس قيادة مؤثرة في مكاتب الجماعة، فهو يظن أن الأمر يجري على خير ما يرام، وأن قرار الشورى قد اتخذ بكل شفافية وبعد دراسة علمية لكل الاحتمالات عبر أكفاء متخصصين.. والأمر ليس كذلك على الإطلاق!

ومن عاين مثل هذه الأمور هو فقط من يعرف أكثر من هذا..

ومن جرب علي كذبا من قبل، فهو مدعو لأن يلقي هذا المقال في أقرب سلة مهملات