‏إظهار الرسائل ذات التسميات معارك السياسة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات معارك السياسة. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، أغسطس 05، 2026

ها أنذا أسكت، فاسمعوا من كلامهم!

 


لم يجتمع على الأمة في تاريخها تحالفٌ من الأعداء ومن المنافقين كما هو حاصل في هذا الزمان، فلا تدري أيهما يكون الوصف الأكثر دقة، أن تقول: لبس العدو جلدنا واتخذ لساننا، أم أن تقول: دخل في بعضنا روح العدو وعقله، فهما واحدٌ في النفس والعقل والروح والشعور، وإن اختلف منهم اللون واللسان!

نحن تحت حكم أنظمة تبدو أنها منا، ولكنها العدو كله، لقد كانت هذه الأنظمة حاضرة دائما كممثل للغرب وحارس لمصالحه، منذ محمد علي باشا في مصر، وهي التجربة التي جرى تعميمها بعد الحرب العالمية الأولى في العالم العربي حتى صار عسيرا أن يُشار إلى نظام محلي باعتباره إفرازًا طبيعيًّا لمجتمعه أو تعبيرا حقيقيا عن أمته الإسلامية، وقد أسفرت النتائج خلال هذا القرن الماضي عن أن هذه الأنظمة قامت بدور أكثر كفاءة من الاحتلال المباشر في تحطيم المجتمع الإسلامي وتحديثه، وبكلفة أقل كثيرا من كلفة الاحتلال نفسه.

لقد كثر الكلام مني في هذا حتى ملَّني الناس، فعزمت أن أسكت فلا أتكلم، وأكتفي في هذا المقال بالتقاط بعض المقولات التي قالها هذا التحالف نفسه، وثقتها من كتبهم وتقاريرهم برقم الطبعة والصفحة، كي لا يكون عليَّ حرج، وليهلك من هلك عن بينة!.. وما أنقله هنا ليس إلا شذرات مختارة، وأما التفرغ لجمع هذا فيملأ مجلدات عديدة!

خذ هذه في باب دعم الغربيين لأنظمة الحكم المحلية العلمانية الطغيانية وتقويتها، وكيف أنه صار سياسة ثابتة:

·      قال هنري كيسنجر، مستشار الأمن القومي الأمريكي وأحد أبرز الشخصيات السياسية الأمريكية، في مذكراته، عن وقوف الأمريكان وتهديدهم بالتدخل العسكري لإبقاء نظام الملك حسين في الأردن أثناء أحداث أيلول الأسود: "دورنا الأكثر جدوى يقوم على سرعة إرسال قواتنا إلى البحر المتوسط وبشكل قوي والقيام بمساندة قوية للملك. أرسلت توجيهات للوزارات، طالبتها إعداد مخططات عسكرية ودبلوماسية مفصلة للتمكن من مواجهة الأمور المتوقع حدوثها وهي تزويد القوات الأردنية بالعتاد، الهجوم الجوي أو البري الأمريكي لمساندة حسين، أو الموافقة الأمريكية على هجوم إسرائيلي جوي أو أرضي لمساندته"[1].

·      ويقول نتنياهو في مذكراته: "تقابلنا للمرة الأولى، لقد أكدت له (الملك حسين) أن بقاء المملكة الأردنية الهاشمية بمثابة مصلحة حيوية لإسرائيل، ولو اقتضى الأمر، فسننزل بجيوشنا للحيلولة دون سقوطها"[2].

·      ولا نعدم أن نجد مثل هذا الاعتراف في مذكرات القادة العرب أنفسهم، فهذا الملك حسين بن طلال ملك الأردن، يورد في مذكراته "مهنتي كملك" أنه في العديد من المواقف طلب المعونة الأمريكية والإنجليزية لتثبيت نظامه، ولم يبخلوا عليه بها، يقول: "لم ينسنا الإنجليز والأمريكان، فقد دعمونا ليس بالكلام وبالتصويت في الأمم المتحدة فحسب، بل بعثوا إلينا بالأسلحة والمعدات، فوصلت بكميات جسيمة إلى مينائنا في العقبة"[3].

ولأن القوم أهل زخرفة للقول وتلبيس وتدليس، فهم يُلبسون هذه المعاني الخيانية ألفاظا من نوعية دعم الأمن والاستقرار، مكافحة التطرف والإرهاب، تأمين المصالح الحيوية، ولا يقصدون بهذا كله إلا أمنهم هم ومصالحهم هم ومكافحة من يهدد نفوذهم، حتى لقد استقر في بيئة العلوم السياسية مصطلح "الدولة الفاشلة"، وهو في حقيقته يعني: الدولة الفاشلة في السيطرة على شعبها، وهي من ثم فاشلة في حماية المصالح الأجنبية! وخذ بعض أمثلة:

·      قالت كونداليزا رايس التي شغلت منصبي مستشارة الأمن القومي ووزيرة الخارجية الأمريكية "الدول الضعيفة والفاشلة تشكل تهديدا أمنيا خطيرا على الولايات المتحدة. فهي لا تستطيع السيطرة على حدودها، وقد تصبح الملاذ الآمن للإرهابيين، لذلك فإن إعادة بنائها يشكل مهمة ضخمة وهامة في آن"[4].

·      يذكر هنري كيسنجر أيضا في كتابه "النظام العالمي" أنه "عندما لا تكون الدول محكومة بكليتها، يبدأ النظام الدولي أو الإقليمي نفسه بالتفكك. فضاءات خالية موحية باللاقانون تطغى على أجزاء من الخريطة. من شأن انهيار أي دولة أن تقلب أرضها إلى قاعدة للإرهاب"[5].

·      وفي نهاية مذكراته، يتحدث الدبلوماسي الأمريكي الشهير، زلماي خليل زاده، عما يجب أن تكون عليه سياسة الأمريكان فيقول: "تشكل مشاكل الصراعات الإقليمية والنزاعات الطائفية وانهيار نظام الدولة في الشرق الأوسط أكبر التحديات الراهنة وأكثرها صعوبة، وأعتقد أن الحلول الجوهرية تتمثل في الترويج لميزان القوة الإقليمي وتقوية الدول المعتدلة والتقدمية... يتعين أن تكون الخطوة الأولى في هذا المضمار هي تقوية أصدقائنا وشركائنا في الشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى... تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى الاستمرار في جهودها الهادفة إلى محاربة الإرهاب. ولكن يتعين عليها التركيز أكثر على تعبئة القوى المحلية التي تقاوم الإرهاب والتطرف"[6].

كذلك يتضخم الحديث عن دور الأنظمة المحلية في تقارير الحالة الأمنية وتقارير مكافحة التمرد، والتمرد هنا هو التمرد الإسلامي طالما كانت البيئة المقصودة هي المجتمعات المسلمة، ومن أمثلة ذلك:

·      جاء في دليل الحكومة الأمريكية لمكافحة التمرد: "خبرات مكافحة التمرد الأمريكية تستند على عدد من الافتراضات: منها أن الجهود الحاسمة لهزيمة التمرد نادرا ما تكون عسكرية  (على الرغم من أن الأمن هو الشرط الأساسي للنجاح). لذا فإن الجهود الأمريكية يجب أن توجه إلى إنشاء هياكل حكومية محلية ووطنية تخدم السكان، لتحل تلك الهياكل بمرور الوقت محل الجهود التي يبذلها الشركاء الأجانب"، "إذا قررت حكومة الولايات المتحدة أن تشارك في مكافحة تمرد معين، فيجب على صانعي السياسات أن يسعوا إلى تحقيق توازن دقيق يستخدم أكثر أشكال التدخل ملاءمة بحيث يبدو أكثر هدوءا وأقل فجاجة وتطفلا، فضلا عن امتلاكه لاحتمالية كبيرة لتحقيق التأثير المطلوب. لابد من الحفاظ على سيادة الحكومة المتضررة، فزيادة التدخل إلى درجة عالية جدا قد تؤدي إلى نتائج عكسية (تاريخيا كانت بعض التدخلات الأمريكية الأكثر نجاحا هي التدخلات غير المباشرة والبسيطة). وبمجرد أن تلتزم الولايات المتحدة بالمساعدة، لابد من وضع استراتيجية لمكافحة التمرد من خلال أفضل أشكال التعاون مع الحكومة المتضررة وشركاء التحالف الآخرين، نظرا لأن إدماجهم المبكر يمكن أن يساعد في التخفيف من آثار الاختلافات على المستوى العملياتي في الأهداف والقدرات والثقافة"[7].

·      وجاء في دليل الميدان للجيش الأمريكي لمكافحة التمرد: "في عمليات مكافحة التمرد تعمل القوات الأمريكية عادة مع قوات الأمن التابعة للسكان المحليين أو التابعة للدولة المضيفة... تجلب العديد من القوات العسكرية التابعة لدول أخرى الخلفيات الثقافية والخبرات التاريخية وغيرها من الإمكانيات التي يمكن أن تكون ذات أهمية خاصة لجهود مكافحة التمرد"، "نادرا ما تكون لدى وكالات الحكومة الأمريكية والمنظمات الدولية الموارد والإمكانيات اللازمة لأداء جميع مهام مكافحة التمرد، فالنجاح يحتاج إلى قادة متأقلمين على استعداد لأداء المهام المطلوبة بالموارد المتاحة عندهم، ويفهم هؤلاء القادة أن الأمن طويل المدى لا يمكن فرضه بالقوة العسكرية وحدها، فهو يتطلب التطبيق المتكامل والمتوازن للجهد من قبل جميع الشركاء بهدف دعم السكان المحليين وتحقيق الشرعية لحكومة الدولة المضيفة"، "المفتاح لإنجاز كل هذه المهام يتمثل في تطوير قوة أمن فعالة بالدولة المضيفة، وفي بعض الحالات قد تشترك القوات الأمريكية بفاعلية في قتال المتمردين، بينما تساعد في الوقت نفسه الدولة المضيفة على بناء قواتها الأمنية"[8].

·      وجاء في دليل المخابرات المركزية الأمريكية لتحليل التمرد: "يمكن لمكافحة التمرد أن تستفيد من استخدام القوات المحلية الخاضعة لإشرافها، مثل الميليشيات، من أجل تعزيز القوات الحكومية، وبالأخص للجمع بين الاستخبارات وتوفير الدفاع الثابت. يجب أن تسلم القيادة الأجنبية لمكافحة التمرد مسؤولياتها في نهاية المطاف إلى القوات الوطنية"[9].

وتشير العديد من المصادر الأمنية الغربية إلى أن الأنظمة العربية قد بلغت أحيانا أن تكون هي الأستاذ الذي يتعلم منه الغربيون أساليب مكافحة "الإرهاب"، ومن ذلك ما كشف عنه هنري كرامبتون، من أبرز مسؤولي مكافحة الإرهاب الأمريكان، في كتابه "فن التجسس"، حيث يذكر أنه بعد أن جمع فريقا من الاختصاصيين ضم علماء نفس ومحللين ومجندين اكتشف أنه لا زال ينقصهم شيء، يقول: "احتجنا إلى خبرة أوسع وتجربة أكبر، وطلبت من جهاز عربي حليف أن يرسل لنا مدربا. امتعض بعضُ من في الجهاز الخفي بما يعكس غرورا في غير مكانه بالنسبة إلى قدراتنا الذاتية. وحاججتُ بأننا دربنا أجهزة ارتباط في كل أنحاء العالم، فلماذا لا نستفيد من بعض من دربناهم؟ تكرَّم حليفنا العربي علينا بالموافقة وأوفد واحدا من أكثر ضباط مكافحة الإرهاب خبرة لديه لتعليمنا ومساعدتنا في تطوير منهاجنا"[10].

وهذا فضلا عما صار معروفا ومؤكدا من أن الأنظمة العربية قامت بدور تعذيب المتهمين لحساب الأجهزة الأمنية الغربية، لا سيما أجهزة الأمن في مصر والأردن وسوريا والمغرب.

هل نحتاج الآن لنسأل أو نستغرب كيف أمسى هذا حالنا في بلادنا؟!

نشر في مجلة أنصار النبي - أغسطس 2026م



[1] هنري كيسنجر، مذكرات هنري كيسنجر، ترجمة: عاطف أحمد عمران، ط1 (عمان: الأهلية للنشر والتوزيع، 2005م)، 1/549، 550 باختصار.

[2] Benjamin Netanyah, BIBI: My Story, 3rd edition (New York: oct. 2022), p. 296.

[3] الملك حسين، مهنتي كملك، ترجمة: غالب طوقان، (د. م: الشركة العربية للطباعة والنشر، 1978م)، ص207.

[4] كونداليزا رايس، أسمى مراتب الشرف: ذكريات من سني حياتي في واشنطن، ترجمة: وليد شحادة، (بيروت: دار الكتاب العربي، مايو 2012م) ص139.

[5] هنري كيسنجر، النظام العالمي: تأملات حول طلائع الأمم ومسار التاريخ، ترجمة: د. فاضل جتكر، ط1 (بيروت: دار الكتاب العربي، 2015م)، ص146.

[6] زلماي خليل زاده، السفير: من كابول إلى البيت الأبيض – رحلتي عبر عالم مضطرب، ترجمة: بسام شيحة وسعيد الحسنية، (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، نوفمبر 2017م)، ص448.

[7] دليل الحكومة الأمريكية لمكافحة التمرد، ترجمة: خالد أحمد وأحمد مولانا، (اسطنبول: المعهد المصري للدراسات، 28 مارس 2018م)، ص5، 9.

[8] ديفيد بتريوس وجيمس ف آموس، دليل الميدان للجيش الأمريكي لمكافحة التمرد، ترجمة: أحمد مولانا، (مركز تنمية الفكر الاستراتيجي، 2019م)، ص91، 98، 254.

[9] دليل المخابرات المركزية الأمريكية لتحليل التمرد، ترجمة: أحمد مولانا، (مركز حازم لترجمة الدراسات الاستراتيجية، إبريل 2008م)، ص36.

[10] هنري كرامبتون، فن التجسس: الجهاز الخفي لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، ترجمة: أنطوان باسيل، ط1 (بيروت: شركة المطبوعات، 2014م)، ص163.

السبت، يوليو 04، 2026

كيف يستعيد العلماء مكانتهم في الحياة؟


محمد إلهامي - مجلة أنصار النبي ﷺ - يوليو 2026م

في الأسابيع القليلة الماضية خرج عدد من الشخصيات العربية في وسائل ومنصات إعلامية كبيرة ومدعومة وممولة حكوميا، يعتدون على الدين اعتداء صريحا، ويكذبون النبي ﷺ تكذيبا فجًّا.

لا يهمني الآن تفنيد هذا الكلام ولا حتى استيعابه، وإنما سأذكره لبيان خطورة الحال والحضيض الذي وصلنا إليه:

زعم يوسف زيدان، أن حادثة الفيل لم تقع، وإنما هي خيالات شعبية لا تستند إلى وقائع تاريخية. وزعم أيضا أن قداسة مدينة القدس ليست إلا أكذوبة من صنع الوليد بن عبد الملك، وأن المدينة لم تعرف أصلا باسم "القدس" في عصر النبوة ولا حتى في عصر عمر بن الخطاب. وقد بدا المذيع جذلان فرحا بهذا الفهم الذي قد ينجي الأمة من مشكلات ضخمة!

وزعم فوزي البدوي أن محمدا ﷺ منشق عن الكنيسة، وأن الإسلام فرقة خارجة عن اليهودية والنصرانية، وجدد مرة أخرى تشكيكات طه حسين في الوجود التاريخي للأنبياء: إبراهيم وإسماعيل. وهو يلتقي في هذا مع السوري فراس السواح!

ويمكن لمن كان مهتما بالسجال الفكري أن يطالع الردود التي كتبها العديد من الباحثين، وعلى حد علمي فقد كان د. سامي عامري، صاحب نصيب الأسد، في الرد على هذه الترهات من خلال كتبه الضافية، أو من خلال صفحاته على شبكات التواصل الاجتماعي.

ما يهمني هنا هو أن نفهم معا: كيف وصلنا إلى هذا الحال؟ ولماذا صار يُقال الكفر الصريح جهرة في بلادنا من خلال أموال المسلمين ومنصاتهم المدعومة حكوميا؟ ثم لماذا لم نعد نرى غضبة شعبية كالتي كانت تكون أحيانا تجاه الإساءة إلى النبي في الدنمارك أو فرنسا أو حتى الهند؟! وأخيرا: لماذا لم يبرز حتى موقف قوي للعلماء، وهم ورثة النبوة وأولى الناس بالقيام بالحق في هذه المقامات؟

هنا نحتاج أن نحكي موجزا للقصة الحزينة، لكي نرى كيف يمكن استئناف دور العلماء..

***

مما انفرد به الإسلام عن غيره من الأديان والحضارات أنه دينٌ أقام دولة، ثم توسعت الدولة فصارت أمة عظيمة وحضارة هائلة. فالغالب في سيرة الدول والإمبراطوريات أنها دولة تأسست ضمن صراعات السياسة، ثم إن هذه الدولة أو الإمبراطورية اعتنقت دينا، فصار دين الدولة أو الإمبراطورية!

من أهم الفوارق هنا أن الدولة الإسلامية قامت لإقامة الدين وحمايته وحراسته، بينما كان الدين في التجارب الأخرى وسيلة من وسائل السياسة وضرورات الإمبراطورية. ففي الإسلام كانت الدولة تخدم الدين، وفي غيرها: كان الدين يخدم الدولة! تلك هي الصورة العامة الغالبة!

ولذلك تقرأ في السياسة الشرعية باب مهمات الخليفة فترى أنها تُختزل في "حراسة الدين، وسياسة الدنيا به"، أي أنها مهمة دينية بالأساس، وإذا قرأت في شروط الخليفة سترى أن من بينها "الاجتهاد"، أي أن يكون عالِمًا بلغ رتبة الاجتهاد في الفقه، ليُحسن التصرف في النوازل والمسائل السياسية العارضة له، والتي هي بطبيعتها شديدة التعقد وتحتاج إلى ملكة اجتهادية قوية لتتم بها الموازنة بين المصالح والمفاسد.

ولأن الإسلام دين واقعي حركي، وليس فلسفة نظرية مجردة، ولكونه أقام نظاما حقيقيا في واقع الحياة ولم يكن مجرد تصور عن مدينة فاضلة قابعة في الورق، فإن المسلمين منذ عهد خلافتهم الراشدة قد تعرضوا للمسائل والنوازل التي شَكَّلت بمجموعها فقههم السياسي، ولما انقضت الخلافة الراشدة كانوا منتبهين إلى أن النموذج الحضاري القائم قد نزل رتبة أو بعض رتب عن المثالية المنشودة والمطلوبة، ولهذا نصَّ فقههم السياسي دائما على الحالة المثالية وطبيعتها، ثم اجتهد في أن يضع حلولا حين لا يمكن إقامة المثال. وبقي الفقه السياسي طوال عهد المتغلبين والملك العضوض ينص على أنه خلاف المثال، وأن القبول به ليس إلا لقيام الضرورة، وليس إلا اختيارا لمفسدة أقل دفعا لمفسدة أعظم، ولهم في تفاصيل هذا كله كلام طويل عريض حافل.

وإذن، فحيث كانت الدولة في خدمة الدين، وكانت مهمة الدولة مهمة دينية، وكان القائم عليها فقيها مجتهدا –في صورته المثالية-، فقد كان للعلماء في هذه الدولة، وفي هذه الحضارة مكانة عظيمة، إذ هم ورثة الأنبياء، وهم الموقعون عن رب العالمين، وهم القائمون على حراسة الدين، فهم في مكانههم هذا سلطة إزاء السلطان، بل فوق السلطان، فلهم الحسبة على السلطان، وقد ذكرت الآية أنهم موضع التحكيم إن وقع النزاع بين الأمة والحكام {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول}! ومعنى الآية: أن العلماء هم المرجعية العليا إذ إنه بعد انقطاع الوحي ووفاة الرسول يكون الاحتكام في التنازع إلى أهل العلم الذين هم الموقعون عن الله، والوارثون لرسول الله ﷺ.

ورتب الإسلام أوضاعا تجعل للعلماء مكانة عليا ونفوذا كبيرا في المجتمع، لكي يكون لهم بذلك القدرة على منازعة السلطان المنحرف، بنصحه أولا أو حتى بالخروج عليه آخرا، وأول هذه الأوضاع هو الإعداد النفسي للعلماء بأنهم الموقعون عن الله وورثة النبي وحراس الدين والمكلفون بإبلاغه وإقامته، ثم إن الدين المتغلغل في حياة المسلمين جعلهم دائما محتاجين إلى العلماء في سائر شؤونهم: الصلاة والزكاة والصيام والحج والزواج والطلاق والبيع والشراء والميراث، وحتى تربية الأبناء وإصلاح ذات البين والإنفاق على الفقراء والمساكين!.. بهذا كله كان العالِم مُقَدَّرًا ذا نفوذ ومكانه في مجتمعه، فإذا التقى هذا النفوذ وهذه المكانة مع ما قام في نفسه هو من واجباته ومهماته، فما يلبث أن يصير زعيما إن لم ينفرد بالزعامة فهو على أقل الأحوال شريك فيها، ولا بد أن يُراعى!

ورتب الإسلام أوضاعا اقتصادية جعلت العلماء غير محتاجين إلى رواتب من السلطة، وأولها: الإعداد النفسي للعلماء بأنهم يجب أن يكونوا أهل زهد وعبادة وإخلاص وتقلل من الدنيا وتعلق بالآخرة، ثم إن لهم مصرفا من الزكاة داخلا في قوله تعالى عن مصارفها {وفي سبيل الله}، ثم إن التنظيم الاجتماعي للمجتمع المسلم، جعل صاحب المال إن شاء التقرب إلى الله أو التودد إلى المجتمع فإنه ينفق من أمواله على الكتاتيب والمدارس وعلى إكرام العلماء! وهذا فضلا عن الأوقاف التي كانت موردًا ماليًّا مستقلا عن السلطة، يأخذها العلماء نظير تفرغهم للعلم والدرس والخطابة وإقامة الشعائر. فلم يكن العلماء يمدون أياديهم للسلاطين، ولم تكن حياتهم متعلقة بـ "الدولة"، أي أنهم: لم يكونوا موظفين ينتظرون الراتب من صاحب السلطة!!

ورتب الإسلام أوضاعا تعليمية، إن صحّ التعبير، تجعل التكون العلمي لأهل العلم موصولا مباشرا بالنص القرآني والنبوي، فالعالِم منذ أن دخل الكُتَّاب وهو يتلقى القرآن والسنة والمذهب الفقهي، وكل هذه موصولة عن الشيخ عن شيخه وصولا لصاحب المذهب الذي تلقى عن التابعين عن الصحابة عن النبي ﷺ، فتلك هي المرجعية العليا التي يُنتمى إليها ويؤخذ منها ويُفتي بها ويُقضى وفقا لأحكامها، فالعالِم مرجعيته الشريعة لا الدولة، ومنهجه متصل بسلسلة علمية مستقلة لم تصنعها السلطة، في كُتّاب ومدرسة أنشئت بغرض الحفاظ على الشريعة لا بغرض قولبة التلاميذ بمناهج صنعتها السلطة لتجعل منهم موظفين عندها ولتجعل "الدولة" هي المرجعية العليا!

ومن ترتيب الإسلام الفريد لأوضاع المجتمع أن العلماء لم يكونوا كيانا هرميا ولا تشكيلا تنظيميا، ولا لهم رأس بحيث يُمكن أن يُمسكوا منه، بل هم تيار شبكي ومتغلغل في المجتمع، يتصنع بالقوة الذاتية لأهل العلم، فهم يعرفون أنفسهم وهم ينفون خبثهم وهم يفرزون الدعي المنتسب إليهم، ولئن اتخذت منهم السلطة قضاة أو مفتين أو غير ذلك فإنما هم في النهاية عدد قليل، ثم إن هؤلاء القضاة والمفتين قد تكونوا علميا بمعزل عن السلطة وغرضها، ثم هم حققوا مكانتهم في بيئة العلم وفي المجتمع، وليس عبر شهادة تصدرها السلطة، ثم هم إذا قضوا أو أفتوا فإنما يفتون بما تعلموه من القرآن والسنة والمذهب الفقهي الذي لم تصنعه السلطة! لا كما يفعل القانوني المعاصر الذي أخذته السلطة صغيرا فأدخلته مدارسها وأشربته مناهجها وأدخلته جامعتها ووضعته في مؤسساتها وربطته براتبها وهي في كل مراحلة يعلم أنه لم يحقق شيئا ولم يرتق درجة إلا بالشهادة التي تصدرها السلطة لا باعتراف المجتمع به، ثم هو في كل حال مندرج في سلك وظيفي رأسه منصب سلطوي تهيمن عليه السلطة ولا يعرف معنى الاستقلال عنها: لا نفسيا ولا فكريا ولا تنظيميا!

***

يمكن قول الكثير في هذا الصدد، لكن فيما سبق كفاية في خصوص ما نحن نتكلم فيه الآن، وهو ما يحملنا على أن نرى كيف انحدر الحال وتدهورت الأوضاع!

بغير دخول في تفاصيل تاريخية عميقة، فخلاصة الحال أن النظام الغربي الذي ساد وهيمن على بلادنا قبيل الاستعمار وفي أثنائه وبعد رحيله، ثم هو يهيمن على العالم.. هذا النظام قد تشكل بحيث تستولي السلطة على كل أنواع القوة، وتسلبها من المجتمع، حتى تصير السلطة إلها حقيقيا في واقع الناس، لا تريهم إلا ما ترى، ولا مرجعية لهم فوقها، ولا حياة لهم بدونها.. سلطة لا تكتفي بمهمات السلطة كما عرفها النظام الإسلامي (مهمات الأمن الداخلي والدفاع في الخارج وما يتعلق بهما)، بل هي تعمل على الاستيلاء على كل شيء، وتنشئ الناس خلقا على مزاجها، تسلب أموالهم وسلاحهم، ثم تجبرهم على التعليم في مدارس هي تبنيها بأموالهم، وتشربهم مناهج هي تكتبها لهم، وتضع القوانين لكل صغيرة وكبيرة في بيعهم وشرائهم ومعاملاتهم وزواجهم وطلاقهم وسفرهم وحتى مواليدهم ووفياتهم وميراثهم، وتتحكم في تعليمهم وترقيهم وتوظيفهم وأجورهم ومعاشهم! وتسيطر على أذهانهم بما أنشأته من قلاع إعلامية وثقافية، كلها ممسوكة بيد الدولة!

والدولة هي السلطة، والسلطة هي الرجال الغالبين على الحكم. فصاروا هم الوطن، وصارت رغباتهم قوانين ودساتير، وصار لهم من التحكم في أخص خصوصيات الناس ما لم يكن لفرعون ولا لكسرى ولا لقيصر. ولئن كانت بعض الظروف قد أنتجت في الغرب دولة فيها نوع ما من التوازن بين السلطات (مهما كان الخلاف في كونه موهوما أو ضعيفا)، فإن نشأة الدولة في بلادنا جرى بيد الأجانب ووكلائهم فصارت الدولة حرفيا عصابة منظمة مسلحة، وهذه العصابة سلبت كل ما لدى المجتمع من قوى، وأعطتها لنفسها باسم الدولة، ثم باسم الدولة شرعت في اتخاذهم عبيدًا يعملون ما يشاءون لهم من محاريب وتماثيل وقصور وعواصم جديدة.. إلى آخره!

***

لئن شئتَ الحق والحقيقة، فلم يعد النزاع الآن في: هل يستحق هؤلاء الحكام الخروج عليهم أم لا، فوالله إن أدنى النظر المنصف المستقل ليعرف أن الكفر البواح الموجب للخروج قد ظهر في هذه الدول، وأي شئ أعظم من سب الله ورسوله في البرامج والروايات والأغاني، وأي شيء أعظم من تعطيل شرعه واستبدال غيره به، وأي شيء أوضح من موالاة الصهاينة والصليبيين مع التآمر على المسلمين، وأي شيء أعظم من اختراع دين جديد وشرعنة دولة اليهود ومطاردة المصلحين وسجن الدعاة والمجاهدين؟!!!!

أما رؤية الكفر البواح فقد وقعت، لا يجادل في ذلك عاقل.. غير أن الأزمة حقا هي أزمة العجز! وأزمة العجز هذه هي التي تجعل بعض الناس لا يُسَلِّم بظهور الكفر البواح ويجادل فيه، فإنه إن أقر بظهوره وجد نفسه أمام سؤال العمل، وأعظم شيء على نفس العاجز أن يقف أمام سؤال العمل! فكيف إن كانت تكاليف العمل كبيرة وهائلة؟!!

فالسؤال الحقيقي هنا: كيف تتخلص الأمة، وفي طليعتها العلماء من هذا العجز؟!

يحتاج الأمر لصنف استثنائي من العلماء، صنف يجمع بين قوة الاجتهاد الفقهي، وقوة النفس وشجاعتها، ثم ذكاء سياسي قادر على انتهاز الفرص، وإبصار اللحظات الفارقة، والعمل المستمر الدائب على تعطيل "آلة الدولة الحديثة" التي تستلب من المجتمع كل أنواع قوته!

ثلاثة أمور يجب التفكير فيها مليا: المال والإعلام والسلاح!.. كيف يمكن نزع احتكار "الدولة" لهذه الأمور الثلاثة؟.. وكيف يمكن تقوية مجتمع العلماء بهذه الأمور الثلاثة أيضا!

على الأمة ورجالها ومفكريها وأصحاب الهمّ فيها، وفي طليعتهم العلماء، أن يعملوا بجد ودأب وطول بال على تكوين الموارد المالية المستقلة للعلماء، فكلما انتشلنا عالِمًا من ضغط المال كسبنا عالما أكثر قوة وجرأة وثورية، وكان قادرا على التفكير المستقل الذي يهديه إلى سواء الصراط! ويهديه إلى الفتوى الصحيحة في وقتها الصحيح!

وكلما استطاع مجتمع العلماء أن يكون له صوت قوي، من خلال إنشاء المنصات القوية الممولة والمستقلة، كانوا أقدر على مواجهة الباطل والفساد، وأقدر على التوصيف الصحيح للزنادقة والمرتدين الذين يكذبون الله ورسوله جهارا نهارا، وهو ما ينعكس بالضرورة تقوية لجانب الحق وإضعافا لجانب الباطل!

وإذا تحقق المراد، فكان مجتمع العلماء في كنف حماية مسلحة، وأعظمها أن تكون تلك الحماية دولة قوية متحررة، كانوا في أمنٍ يُمَكِّنهم من قول كلمة الحق لا يخشون في الله لومة لائم، ولا يخافون على أنفسهم سجنا ولا ذلا ولا تعذيبا، وكم أخرس الخوف ألسنة الصالحين والمصلحين!

فإذا لم يتيسر هذا كله.. فالتفكير في الطريق إليه ميسور!.. التفكير ميسور لكن العمل غير ميسور، ألم نقل قبل قليل: يحتاج زماننا هذا إلى علماء استثنائيين في قوة العلم وقوة النفس وقوة العمل معا؟!

وإلى أن يتيسر ذلك، فلا بد أيضا من محاولات دؤوبة ومستمرة لكسر احتكار الدول الحالية لعوامل القوة، وكلما غُلَّت يد الدولة عن التحكم بالناس كان خيرا لهم، وكان خصما من قوة غول الدولة الذي يستعمل كل تلك القوة في نشر الكفر الصريح وحمايته ومطاردة من يتصدون له!

سأضرب مثالا واحدا، وهو دليل على ما وراءه:

ما أحوج الأمة إلى علماء يسعون في إقامة المحاكم الشرعية لفض المنازعات بين الناس، ونشرها، مع الفتاوى التي تُحرم على المسلم اللجوء إلى قضاء الدولة ما كان ممكنا له اللجوء إلى المحاكم الشرعية! وإنشاء المعاهد التي تخرج القضاة الشرعيين، فهذا أول طريق في استقلال المجتمع وفي عودة مكانة العلماء ونفوذهم.. أعرف أن هذا ليس ممكنا في أغلب البلاد، لكن التفكير فيه والاهتمام به وإطالة النظر فيه سينبت الحلول الممكنة في كل مكان بحسبه! ثم سيهيئ النفس لانتهاز الفرصة المناسبة في وقتها المناسب عند أي لحظة تغيير في أي مكان!

قل مثل ذلك في المدارس الشرعية، وفي المصارف الإسلامية الأهلية (الخارجة عن تحكم الدولة)، وفي الشركات الاقتصادية الأهلية (الخارجة أيضا عن تحكم الدولة)، وفي المنصات الإعلامية، وفي المنظومات القانونية، وفي استمالة أعيان الناس ووجوههم، بل وفي استمالة من أمكن من أهل الحكم والسلطة أنفسهم.. إلى آخره!

إن التحدي الحقيقي القائم الآن هو في الخروج من حالة العجز، فما أحسب زمانا قد كُشِفت فيه الحقائق مثل هذا الزمان، ولا ريب أن الثمن المدفوع لن يكون يسيرا، ولا ريب أن من هؤلاء العلماء الاستثنائيين الذين يبدؤون المسيرة من سيقضون شهداء في طريقها، غير أن شهادتهم هذه هي التي ستمهد لما بعدها!

وعلى كل مسلم بعد ذلك أن يدعم هذا الطريق، فتلك قضية أمة، والعلماء هم طليعة الأمة لا أنهم ينوبون عنها، فليسوا هم الذين يتحركون وبقية الأمة تمارس دور التشجيع من المدرجات! ثم هي تتفرج على الواحد منهم تلو الواحد يقضي مشنوقا أو مقتولا أو مسجونا.. القضية قضية أمة! فكل مسلم له دور فيها، في دعم أهل الحق من العلماء، وفي نصرتهم بما استطاع، وفي الدفع عنهم ما وسعه الجهد، وفي التمهيد لهم ما بلغت طاقته في ذلك.

وقد صدق القائل: من صح منه العزم أرشد للحيل!

وقبلها وبعدها قال ربنا {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين}

نشر في مجلة أنصار النبي - يوليو 2026م


الجمعة، يناير 02، 2026

ليست أندلسا واحدة.. فلكم ضيعنا أندلسا

 


محمد إلهامي - مجلة أنصار النبي - يناير 2026م

هذه أيام الذكرى الأليمة المريرة.. ذكرى سقوط الأندلس..

في مطلع يناير 1492م، قرر أبو عبد الله الصغير حاكم غرناطة أن يستسلم، وفي يوم 2 يناير دخل الصليبيون إلى غرناطة، ورُفِع الصليب على المنارة الكبيرة.. وانطوت دولة الإسلام في الأندلس!

بدأ الانحلال يدب إلى الأندلس، ويسري فيها الضعف من ذلك العصر الذي عُرِف بعصر ملوك الطوائف، حيث انهار الحكم الأموي، ولم يعد في البلد زعامة قوية، فغلب كل طامح على ما تحت يده أو ما استطاع أن يحوزه، وإذ بالدولة القوية الفتية تتفتت إلى ثلاث وعشرين مملكة!

ومن ذلك الوقت، تعرضت الأندلس للأخطار الوجودية، غير أنه جرى إنقاذها غير مرة على يد أمراء المغرب الأقوياء، مثل المرابطين ثم الموحدين ثم المرينيين. فلما ذهب الأقوياء من المغرب ودب الضعف إلى تلك البلاد أيضا، لم تجد الأندلس من ينقذها، فسقطت!

يتألم الأكثرون على سقوط الأندلس لكونها بقعة أرض عزيزة من ديارنا المسلمة، أزهرت فيها الحضارة الإسلامية، وأنارت تلك العصور التي يسميها الغربيون المظلمة. لكن ثمة ألما مضاعفًا يغفل عنه الأكثرون من الناس، ويجب أن يُعرف. ذلك أن سقوط الأندلس لم يكن مجرد انهيار حضارة الإسلام في بلد ما، بل كان الأمر أشد من ذلك بكثير..

لقد كانت الأندلس بمثابة القفل الذي يغلق باب الشر الغربي على العالمين، فلما كُسِر القفل وانهار الباب، انفجر الشر الذي أصاب العالم كله: المسلمين وغير المسلمين معًا.

إن سقوط الأندلس ما زال يؤثر علينا حتى اليوم تأثيرا مباشرا وصارخا، ولكننا لا نشعر بذلك. لا نشعر به لأننا نجهل التاريخ مع كل أسف، ونحن نجهل التاريخ لأن هذا الجهل نفسه هو نتيجة تسلط العدو علينا، وتَمَكُّنِه مِنَّا، فلما تسلط علينا وتَمَكَّن منا أنشأ في عموم ديارنا الآن أمثلة رديئة لملوك الطوائف الأندلسيين، وقد تولى هؤلاء الملوك تجهيلنا لكي ننسى ونفقد الذاكرة، ومن ثَمَّ نفقد بوصلة الطريق.

لما سقطت الأندلس، استعان الإسبان والبرتغال بأموال الأندلس وعلومها، فاستطاعوا أن "يكتشفوا" الأمريكتين وأن يكتشفوا طريق الدوران حول قارة إفريقيا للوصول إلى الشرق بغير عبور على قلب العالم الإسلامي في مصر والشام، ثم استطاعوا الدوران حول الكرة الأرضية عبر رأس ماجلان.. فماذا ترتب على هذا؟!

ترتب عليه أن تدفقت عليهم أموال هذه الديار والأرض، وأنشؤوا لأنفسهم المستعمرات، واستعبدوا ملايين البشر في إفريقيا وآسيا والأمريكتيْن، بل طمعوا في الدخول من باب المندب إلى البحر الأحمر لهدم الكعبة ونبش قبر النبي. ازدادوا أموالا، وبها ازدادوا سلاحا وعتادا ورجالا، وأخذوا في غزو المغرب حتى وصلوا إلى طرابلس بعد احتلال السواحل المغربية والجزائرية. ولولا أن قيَّض الله الدولة العثمانية ومجاهدي البحار: المتوسط والأحمر وعدن، لكان الإسلام قد صار نسيا منسيا!

لقد افتتح العالم بعد انهيار الأندلس عصرًا من أظلم عصوره وأكثرها دموية وعنفا: عصر الاستعباد ومحاكم التفتيش، لقد انكسر قفل الأندلس، وانتشر الشر الغربي، فدفعت الشعوب الإفريقية وشعوب الأمريكتين مئات ملايين الضحايا حتى بُنِي على رفاتهم وبأموالهم ومواردهم مجد الرجل الأبيض الذي لا يزال يقهرنا حتى الآن!

إن الذين كانوا يُحاصَرون في غرناطة لم يكونوا يعرفون أن صمودهم في المعركة قد يغير تاريخ العالم لخمسة قرون قادمة أو يزيد. لم يكن يعرف أبو عبد الله الأحمر، آخر ملوك الأندلس، أنه حين يستسلم ويؤثر السلامة ويتنازل عن غرناطة فإنه يزيل بيده آخر حجر في السدِّ الإسلامي الذي سينهمر بعده طوفان الدم الصليبي في العالم كله! كذلك فإن رسائل الاستغاثة التي تلقها الملوك في المغرب والقاهرة واسطنبول لم يكن يعرف أحدٌ من حامليها ولا قارئيها أنها معركة فاصلة في أعمار دولهم هم: دول المغرب ومصر والشام والأناضول والبلقان!

إن التاريخ كان سيتغير تغيرا حاسما لو أن المسلمين قد سبقوا إلى الأمريكتيْن، أو حتى استطاعوا أن يحجزوا الغربيين عن الوصول إليها أو الوصول إلى المشرق ولو لقرنٍ واحد على الأقل.

ونحن حين نقرأ التاريخ لا نقرؤه لنبكي إلى جوار الأوراق، بل نقرؤه لنعرف كيف نفعل حين نقوم من على الكتاب..

فإذا تأملنا في مصير الأندلس وما أوصلها إلى ذلك، فمن حسن الحظ أن سنجد إماما كبيرا شجاعا كان في عصر ملوك الطوائف، لخَّص لنا أسباب الحالة، وخلاصتها: خيانة الأمراء وجبن العلماء!

ذلك هو الإمام ابن حزم الذي قالها بأسلوبه الملتهب:

"عُمدة ذلك أن كل مدبر مدينة أو حصن في شيء من أندلسنا هذه، ولها عن آخرها، محارب لله تعالى ورسوله وساع في الأرض بفساد؛ للذي ترونه عياناً من شنهم الغارات على أموال المسلمين من الرعية التي تكون في ملك من ضارهم، وإباحتهم لجندهم قطع الطريق على الجهة التي يقضون على أهلها، ضاربون للمكوس والجزية على رقاب المسلمين، مسلطون لليهود على قوارع طرق المسلمين في أخذ الجزية والضريبة من أهل الإسلام، معتذرون بضرورة لا تبيح ما حرم الله، غرضهم فيها استدام نفاذ أمرهم ونهيهم. فلا تغالطوا أنفسكم ولا يغرنكم الفساق والمنتسبون إلى الفقه، اللابسون جلود الضأن على قلوب السباع، المُزَيِّنون لأهل الشر شرَّهم، الناصرون لهم على فسقهم. فالمخلص لنا فيها الإمساك للألسنة جملة واحدة إلا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذمِّ جميعهم؛ فمن عجز منا عن ذلك رجوت أن تكون التقية تسعه، وما أدري كيف هذا، فلو اجتمع كل من ينكر هذا بقلبه لما غلبوا"[1].

وخلاصة كلامه لمن لم يفهم تلك اللغة العالية: أصل المشاكل هو في أمراء الطوائف، وكلهم محارب لله ورسوله ومفسد في الأرض، ومعهم علماء فُسَّاق يُزَيِّنون لهم الأمر. والواجب على الأمة ترك كل شيء إلا تغيير هذا الحال، ومن عجز عن ذلك فربما كان يُعذر، لكن هذا نفسه مُحَيِّر، فلو قد تكلموا جميعا لما غلبهم الأمراء ولاضطروا للانصياع لهم.

وبعد هذه الفقرة بقليل، يقول ابن حزم أيضا عن ملوك الطوائف وفرضهم الضرائب على المسلمين وإباحتهم بيع الخمر وغيره من المعاصي: "هذا هو هتك الأستار ونقض شرائع الإسلام وحل عراه عروة عروة، وإحداث دين جديد، والتخلي من الله عز وجل. والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم لبادروا إليها، فنحن نراهم يستمدون النصارى فيُمَكِّنونهم من حُرَمِ المسلمين وأبنائهم ورجالهم يحملونهم أسارى إلى بلادهم، وربما يحمونهم عن حريم الأرض وحسرهم معهم آمنين، وربما أعطوهم المدن والقلاع طوعاً فأخلوها من الإسلام وعمروها بالنواقيس، لعن الله جميعهم وسلط عليهم سيفاً من سيوفه"[2].

ذلك الكلام الواضح الصريح دفع ابنُ حزم ثمنه في حياته، لكنها بقيت قولة حق خالدة، ثم دفعت الأندلس والأمة كلها الثمن العظيم بعد وفاته بقرون.. ولا زلنا ندفع!

والآن.. قد صارت ديارنا كلها أندلسا!

وما نكاد نخرج من حرب يُستأصل فيها المسلمون إلا وندخل في غيرها، فلم تنقض حرب غزة إلا وقد نشبت حرب في السودان، وقد شهدنا قبل غزة تناقص أقطار المسلمين في بورما وتركستان الشرقية وكشمير والبوسنة وكوسوفا وزنجبار.. ولا فائدة من الاستقصاء والتعداد!

والكلام الذي قاله ابن حزم لا يزال قائما.. ولا يزال القائلون به قلة!!

ولا تزال القلة تتعرض للفتنة والعذاب والمطاردة والسجن والنفي والملاحقة.. والبقية تختار السكوت.. مع أن الجميع لو تكلم لاعتدل الحال..

ثم نجلس جميعا لنبكي على الأندلس في ذكراها.. ونحن نضيع ما بقي في أيادينا من أشباه الأندلس!!

لئن قال ابن حزم ما قال عن حكام الطوائف في عصره، فإن قوله هذا أكثر انطباقا وأشد لزوما على حكام عصرنا نحن.. فلئن كان يتوقع استشرافا أنهم لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم لبادروا إليها، فنحن نرى بأعيننا الآن كيف قد مَكَّنوا للصليبيين والصهاينة في بلادنا!

وهذه الأيام نفسها، انظر كم في ديار العرب والمسلمين من احتفالات بعيد النصارى (الكريسماس)، مما لا يُفعل شيء منها في أعياد المسلمين: الفطر والأضحى!!.. إنني أكتب هذه السطور قبل موعد الاحتفال، ولكن كما قال البارودي:

ولست بعلام الغيوب وإنما .. أرى بلحاظ الرأي ما هو واقع

وقد عوّدتنا الإمارات، لا سيما: دبي، على احتفالات صاخبة ماجنة تسفح فيها ملايين من أموال المسلمين، وثلاثة أرباع المسلمين جوعى وغرقى ومرضى ومصابون بأنواع الإصابات والهموم!

وهل أتاك نبأ من الأردن، حيث ملكها ينتسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم هو يعتقل الدعاة والشباب الذين ينصحون المسلمين ويبينون لهم حرمة الاحتفال بأعياد النصارى؟!!

وهل أتاك نبأ الديانة الإبراهيمية؟!!

من قرأ تاريخ الأندلس، رأى فيه شخصية كانت محور السقوط والانحدار، وهي شخصية الوزير الإشبيلي أبو بكر بن عمار.. كان وزير سوء وصاحب فتنة، فكأنما هو وزير للقشتاليين لا للأندلسيين، وإنه ليشنّ الحروب على الأندلسيين ويحرض النصارى عليهم أكثر مما يفعل النصارى أنفسهم.. ما أشبه هذا الوزير بشخصية محمد بن زايد رئيس الإمارات، وصاحب كل سهم في كل حرب تجري على المسلمين!

ما من نقيصة كانت في ملوك الطوائف الأندلسيين ليست قائمة ظاهرة في ملوكنا اليوم، بل لقد كان في ملوك الطوائف الأندلسيين من العلم والثقافة والازدهار الحضاري ما ليس مثله في الحاكمين الآن. ولقد جاء يوم على كبيرهم "المعتمد بن عباد" فرأى أنه لما وقع الاختيار، اختار جانب المسلمين، وقال: "رعي الإبل خير من رعي الخنازير".. أما هؤلاء الحكام المعاصرون، فقد هيؤوا حظيرة الخنازير ونزلوها وباعوا أعراضهم فيها، ثم هم يجتهدون في إدخال من لم يدخل إليها.. وما نبأ تواطئهم على أهل غزة ببعيد!

ولقد كان في ملوك الطوائف شعراء، وما في هؤلاء الحاكمين الآن رجل واحد فصيح.. بل يتنافسون في عي اللسان ورداءة القراءة من الأوراق المكتوبة لهم!

ولقد كان في ملوك الطوائف من يحضرون الجُمَع والجماعات، ويدخل عليهم العلماء فربما وعظوهم واشتدوا عليهم، وأما هؤلاء الحاكمين الآن ففي كل يوم لهم تسريب وفضيحة، وحتى علماؤهم الذين ينافقونهم هم عندهم في أذل مقام وأقل مكان!

ترك لنا واحدٌ من ملوك الطوائف مذكراته، وهي كسائر مذكرات السياسيين جُلُّها تبرير وتزيين وزخرفة، ذلك هو عبد الله بن بلقين بن باديس بن حبوس، ثالث ملوك غرناطة في عصر الطوائف وآخرهم، وقد ذكر لنا في مطلع هذه المذكرات كيف بدأ الانحلال.. لقد كانت البداية: إيثار السلامة وترك الجهاد!

ساعتها، قام ملك الأندلس الكبير محمد بن أبي عامر، الذي هو ذروة التاريخ الأندلسي، فصار يأتي بالمجاهدين من عدوة المغرب، فكثر أهل المغرب في الأندلس لذلك العهد، وبهم كان آخر عصر الجهاد الكبير في الأندلس. ومنذ ذلك الوقت صار أهل الأندلس يعتمدون على إخوانهم أهل المغرب. فلما ضعف المغاربة ضعف الأندلسيون والمغاربة جميعا!

فما لم نقم الآن بواجب الوقت في إسقاط هؤلاء الخونة، وفي تعرية العلماء الفسقة، وفي استنهاض طاقة الأمة للجهاد.. فنحن في كل يوم على موعد مع أندلس جديد!!

وصدق الذي قال:

ما زلنا نذكر أندلسا .. نبكيها في صبح ومسا

ليست أندلسا واحدة .. فلكم ضيَّعنا أندلسا

 



[1] ابن حزم، رسائل ابن حزم، 3/173.

[2] ابن حزم، رسائل ابن حزم، 3/176.

الأحد، نوفمبر 02، 2025

تحت راية الطوفان في بيت حانون!


محمد إلهامي[1]

 

مهما طالت الحياة فإنها تساوي على الحقيقة تلك اللحظات التي يختزنها صاحبها في ضميره، لا ينساها مهما تطاولت السنون، ويتذكرها مهما باعدتها الأيام، فالحياة هي اللحظات المؤثرة.. ولذلك ترى الناس كلهم يشعرون أن أعمارهم قد انقضت سريعا وأن أيامهم قد مضت كلمح البصر!

وقد كان نبينا الأعظم ﷺ في أواخر عمره وهو بالمدينة، وقد قامت دولة الإسلام وترسخت وانتصرت بعد أهوال وأهوال، يتذكر مواقف مكة القديمة، تسأله عائشة عن أشد ما لقي في حياته، فلا يذكر يوم أحد بل يذكر يوم طُرد من الطائف، وكيف هام على وجهه مهموما فلم يستفق إلا في قرن الثعالب، المنطقة التي تبعد عن مكة نحو ستين كيلا، أي أنه مشى تسع ساعات لم يشعر بها من شدة الهم. كذلك فإنه لما تذكر أشد الكروب عليه لم يكن شيء من ذلك في الهجرة أو في المدينة، بل كانت جلسة التحقيق التي نصبها له كفار قريش لما أخبرهم أنه قد أُسْري به، يقول: فكربت كربة لم أكرب مثلها قط!

أتذكر ذلك الآن، لأن واحدة من تلك اللحظات التي لست أنساها، كانت حين وصلتني رسالة من الشهيد القائد محمد زكي، صاحب هذا الكتاب، وكان ذلك صبيحة عيد الفطر (1445ه = 2024م)، ولم أكن أعرفه ولا بيننا اتصال قط.. غير أني لقيت أخاه أبا عبد الله –حفظه الله ووفقه- مرات قليلة في اسطنبول ضمن فعاليات عامة، وحتى في ذلك كان الحديث بيننا قليلا.

أرسل إلي أبو عبد الله رسالة من أخيه، يهنئني فيها بعيد الفطر، وهي رسالة كتبها في أنفاق بيت حانون، أي على خط المواجهة الأولى في أقصى شمال قطاع غزة!!

وقد غمرتني الرسالة بطوفان من المشاعر؛ أشدها علي وأعظمها عندي، العجبُ من أن رجلا في بيت حانون -بين المعارك والأشلاء والكر والفر- يتذكر رجلا مثلي منعما ممتعا في اسطنبول!!

فشكرته ما أسعفتني لغتي في الشكر، ثم صرت أرسل بالاطمئنان عليه بين الفينة والأخرى!

ثم ما لبث بعدها شهورا، أن أتحفني –حين انعقدت الهدنة التي بدأت في يناير 2025م- أن أتحفني بأمرٍ هو أعز وأغلى وألذ وأحلى.. فقد أخبرني أبو عبد الله أن أخاه أبا زكي كتب كتابا بين الأنفاق والعُقَد القتالية، سمَّاه "تحت راية الطوفان".. دَوَّن فيه بعض ما رآه في هذا الطوفان من عجائب وكرامات ومن شدائد ومحن!!

فطلبتُ إليه أن أقرأ الكتاب قبل نشره، لشدة حرصي على تتبع أخبار الرجال الذين لا يظهرون على الإعلام، ولا يبثون مشاعرهم حتى على مواقع التواصل. فوافق مشكورا مأجورا..

وأخبرني أبو عبد الله أن أخاه القائد الشهيد كان يتابعني بل لقد كان يُدَرِّس بعض كتبي للشباب معه! وقد علم الله، لشأني في نفسي أحقر من هذا وأدنى وأهون.. ولَأَن يجري اسمي على لسان مجاهد لهو شَرَف عزيز، فكيف بهذا المقام؟!

وبينما كنت أقرأ الكتاب –الذي هو الآن بين يديك- وألتهمه، وأتشرب ما فيه من رائحة الأنفاس وصهيلها، وهدير المعارك ولهيبها، وما تثيره من المعاني في القلوب والعقول، وما تثيره من الغبار في الأنوف والصدور.. إذ فوجئت بصاحبنا يذكرني في كتابه بثناء حسن.. فصرت في بحر من الحيرة، لا أدري من أي شيء أعجب، ولا على أي شيء أتحسر.. وأسأل الله أن يسترنا بستره الجميل.. غير أن ثناء المجاهد لا يعدله عندي ثناء مهما عَظُم صاحبه في شأن الدنيا!!

ولك أن تتخيل حال رجل مثلي، عاجز في مكانه، آمن في سربه، معافى في بدنه، عنده أقوات يومه وغده وبعد غده.. كيف يكون حاله إن جاءه ثناءٌ من رجل ترفرف روحه فوق رأسه، يخوض أشرف معارك الأمة؟!!

وقد كنت حينها أمرُّ بكربٍ شديدٍ، فأطمعني هذا الكرم الحاتمي السيال، فأرسلت إليه أطلب دعاءه ودعاء من في الثغور لينفك هذا الكرب، فما أقرب أن يستجيب الله لهؤلاء.. فكان كما هو أهله: أجابني بدعائه الشجي الندي، وقد شاء الله بفضله وكرمه وانحل الكربُ بأمر يشبه المعجزة.. فما أحسب إلا أن هذا كان من كراماته!!

ومضت الأيام، وبعد شهور، إذا به يرسل إليّ يطلب مني أن أكتب مقدمة لكتابه "تحت راية الطوفان"، بعد أن أضاف إليه شيئا من أخبار تجدد القتال بعد انهيار الهدنة في مارس الماضي.. ومن ذا يتخلى عن مثل هذا الشرف!

ثم ما هي إلا أربعة أيام بعدها حتى جاءني نبأ استشهاده.. فلما عرفت اسمه ورأيت صورته وسمعت مقاطع نشرت له عرفتُ بعين اليقين ما كنت شعرت به حين قرأت الكتاب بعلم اليقين.. ذلك سمت شهيد! طال الوقت أم قصر!!

إن في الكتاب روحا من صاحبه، وفي الكتاب ترى رجلا ناهلا من القرآن متعلقا به يحسن الاستشهاد منه على المعنى الذي يريده، حركيا عمليا متعاملا مع نفوس الناس وما يصدر عنها حين الشدة من أوجه ضعف أو خوف أو تردد، فقيها يتكلم في عبادات المجاهد: كيف يصلي وكيف يتطهر، بل كيف يعيد بناء المسجد الذي تهدم في المنطقة التي أبيدت لكي يثبت قلوب الناس ويعيد بث الحق والخير فيهم.

فإذا سمعتَ صوته ورأيت صورته -كما في المقاطع التي نشرت له- رأيت شابا وادعا قد أقام القرآن فصاحة لسانه، وللقرآن أثر في لسان قارئه المدمن له يُعرف من مواضع ترقيقه وتفخيمه ومدِّه وقصره ونحو هذا.. وإذا رأيت ثم رأيت وجها منيرا وسمتا مريحا وإلفا محبوبا!!

ما كان مثل هذا ليكون إلا شهيدا..

ولقد شاء الله ألا يكون استشهاده آخر فضائله علي.. فلقد أرسلت زوجه الكريمة -أفرغ الله على قلبها السكينة والرضا- تقول: كان يحب الشيخ محمد إلهامي فأخبروه أن يدعو له!!

فيا لله، كيف أدعو أنا لمن كان غاية أملي أن أرزق شفاعته من بين سبعين؟!!

ثم وصلني بعد ذلك فرحته وثناؤه حين علم بأني سأكتب المقدمة لكتابه.. ومضى قبل أن يعلم أن فرحتي بذلك أعظم وأشد.. وذلك هو الأليق والأكرم، فإنما يسعد مثلي ويشرف بأن يخدم مجاهدا في أشرف معركة!!

***

هذا عن الشهيد وفضله عليّ.. وبقيت كلمة في شأن الكتاب نفسه!

إنه مهما تابعنا الأخبار وحرصنا عليها فإن القائم في قلب المعركة يعرف منها ما لا نعرف، ويرى فيها ما لسنا نراه..

***

لما قرأت الكتاب، وقد قرأته مرتيْن، كان أشدَّ ما لفت نظري كلمته هذه: "لم يُقْتَل أحد من المجاهدين في كتيبتنا جراء الاشتباك مع قوات العدو الراجلة، كل شهدائنا العظام ارتقوا إلى الله بسبب القصف الجوي".

وصاحبنا الشهيد نفسه قد قضى أيضا بالطيران..

ومعضلة الطيران هذه لا بد أن تكون على رأس أولويات العاملين المخلصين في أمتنا، كلٌّ في مجاله وفي ثغره.. ولو قد كان بيدي أمر هذه الأمة، فلربما جعلت نصف مقدراتها لحل هذه المعضلة وحدها، فمعضلة الطيران هذه هي التي تسببت في هزائمنا طوال هذا القرن الماضي، ولو تخيلنا تاريخ هذه الأمة وعدوها والمعارك التي نشبت فيها وحذفنا منها الطيران لكنا الآن نكتب تاريخا آخر تماما!

إن رجال أمتنا في كل معركة مقاومة يثبتون أنهم على قلتهم وضعف عتادهم قادرون على الصمود لجيوش هائلة من عدوهم، لولا هذا السلاح اللعين الذي يرمينا بحممه من السماء ولا نستطيع له دفعا!

ونعم، إن معضلة الطيران هي فرع واحد من معضلة الأنظمة الخائنة التي تحكم بلاد العرب والمسلمين، فأولئك هم الذين أخضعوا الأمة وأذلوها ومنعوها أن تتقدم وحرسوا تخلفها ليزداد العدو تفوقا، فهم أصل كل بلاء وجذر كل نكبة وبذرة كل مصيبة تعيشها أمتنا.. نعم، المعضلة الكبرى في تاريخنا المعاصر هي الأنظمة الحاكمة الخائنة التي خانت الله ورسوله والمؤمنين ومَكَّنت العدوَّ منا.. ولن نتقدم شبرا قبل أن نتعامل مع هذه الأنظمة باعتبارها أنظمة احتلال أجنبية، مهما بدا أنهم من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا.

أقول: إن معضلة الطيران هي فرع من هذه المعضلة الكبرى، لكنها على الحقيقة أشد هذه المعضلات وأخطرها في الباب العسكري.. ويحتاج هذا الأمر تفكيرا مطولا وعملا مضنيا ومخلصا من سائر العاملين لحلِّها.. ونعم، إن الحل الجذري الأول هو إسقاط هذه الأنظمة الحاكمة الخائنة، ولكن حتى بعد إسقاطها وقبله وإلى أن نتمكن من ذلك فيجب أن يبدأ تفكير ونقاش وعمل طويل في حل هذه المعضلة!

لست متخصصا في شيء من هذه المجالات ولكن أذكر هذا لإثارة الأفكار:

إن من واجب المهندسين والكيميائيين والفنيين وأمثالهم: العمل على تطوير طيران مكافئ للعدو، فإن لم يمكن فتطوير سلاح مضاد للطائرات يصده، فإن لم يمكن فتطوير طيران يستطيع أن يمثل رادعا، فإن لم يمكن فتطوير سلاح آخر يمكن أن يصيب من عدونا مثلما يصيبون منا فيتحقق توازن الردع إن لم يتحقق توازن القوة!

ومن واجب المبرمجين والقراصنة الإلكترونيين وأمثالهم: بذل غاية الجهد والوسع في العمل على اختراق أنظمة الطيران، وإفسادها وإتلافها وتضليلها، أو اختراق قواعدها أو أبراج مراقبتها، أو الرسائل المشفرة المتبادلة بين الطيارين والقواعد الجوية!

ومن واجب هؤلاء القراصنة وأمثالهم اختراق الأنظمة وقواعد البيانات والوصول إلى بيانات الطيارين أو العاملين في القواعد الجوية أو نحوهم ممن يمكن عبر الوصول إليهم بالاختراق أو الاستمالة أو التحييد أن يتعطل سلاح الطيران!

ولا يقتصر الأمر على أبناء العلوم التطبيقية البحتة التقنية الفنية، بل حتى العلماء والفقهاء والدعاة والمتخصصون في علم النفس والاجتماع والقانون وغيرهم، كل هؤلاء ينبغي أن يفكروا كيف يمكن أن يخدموا الأمة في حل معضلة الطيران هذه..

هذا المتخصص في علم النفس هل يستطيع أن يستخرج لنا صفات نفسية خاصة تتكون لدى الطيارين والعاملين في سلاح الجو، ويقترح علينا أساليب التعامل معها، فنأخذها منه ونوصلها للعلماء والفقهاء والدعاة والإعلاميين والمؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي؟!

وهذا المتخصص في علم الاجتماع، هل يستطيع أن يستخرج لنا أو يفيدنا بأنماط ينبغي أن نفهمها أو نتعامل معها في بيئة الطيارين والعاملين في سلاح الجو، فنبثها عنه على ألسنة الدعاة والإعلاميين والمؤثرين، بحيث نستطيع كف عادية هؤلاء من خلال نبذهم اجتماعيا أو إشعارهم بالعار؟!

ألا ينبغي أن يتداعى العلماء إلى مؤتمر فقهي جامع يجمعون فيه المسائل المتعلقة بالطيران وواجبات الأمة فيه، بداية من واجبات التصنيع والتطوير التي هي على الحكام والدول، مرورا بواجبات المتخصصين في كل فن، وإصدار الفتاوى للطيارين المسلمين والعاملين في سلاح الجو وفي الدفاع الجوي، حول ما يملكون من وسائل دفع العدو، سواء بإذن قادتهم أو بغير إذنهم، أو في ضرورة نشر تقنية الطيران تصنيعا وترويجا وحثا، بل وفي ضرورة نشر ثقافة تضليل الطيران المعادي، وكيف يمكن للناس أن يساعدوا المجاهدين في ذلك، وفي حث الناس على التبرع والتطوع والوقف لتطوير هذا المجال.. إلخ!

وقل مثل هذا في كل مجال وباب.. إن نازلة الطيران هذه يجب أن ينهض لها كل عامل مخلص ليرى ما الذي يمكنه أن يفعل فيه!

 

***

يعد هذا الكتاب من الردود العملية الشافية للضلالات الفكرية المنحرفة التي تظهر في عصرنا، والتي يحملها منتسبون إلى المشيخة، فمنهم الفاسقون ومنهم الضالون، ومنهم الذين اشتروا الدنيا بالآخرة..

أولئك الذين يطعنون بعقيدة المجاهدين –زعموا- وأنها لم تكن نقية، وأنها رايات ملتبسة.. وكذبوا!

فالعقيدة كما تظهر في فلتات لسانهم هي الاقتصار على ركن التصور النظري الرابض في زاوية علم الكلام، وعلى القضايا التي لم تُثر في عصر الصدر الأول أصلا.. وأما العقيدة كما تظهر في فعالهم فهي متابعة هوى السلطان مهما كان خائنا ومتخاذلا بل مهما ظهر منه الكفر البواح!

وبئس المنتسب إلى العلم، يطعن في العمالقة المجاهدين..

ومن الردود النافعة على هذا الانحراف والضلال مثل هذه الكتب.. تلك التي تنقل حياة المجاهدين وزوايا نفوسهم، فترى فيها هذا النَّفس العالي في فهم الإيمان وقضاياه، وفي التعلق بالقرآن واستنباط معانيه، وفي الحرص على العبادة والطاعة في فروع الفقه عند المجاهدين، وفي هذه الشفافية الرقيقة في التعامل مع خطرات النفس ووساوسها..

تأمل مثلا هذه العبارات المنقولة من هذا الكتاب:

"يظن من يقرأ أخبار المجاهدين أن مقابلة العدو هي البلاء الوحيد في الميدان، والحقيقة أن الميدان طريق مليء بالبلايا، فبالرغم من قسوة المعركة ووعورة المسير، هناك عقبات أخرى، قد تكون من قبيل المخمصة والعطش وأوامر لا توافق الهوى، وهذا ما تقرره الآيات، وكل هذه الاختبارات وظيفتها تهيئة النفوس وإعدادها، فعلى مثل هذا فلتوطن النفس أيها المجاهد"

"النيات تتقلب على المجاهدة، وهنيئا لمن تفقد نيته"

"اعلم أنك إذا جردت القصد له تعبداً، فيلزم أن تصبر لما يختاره لك، فقد تحب الخشوع بلا كلفة، فيختار لك عبودية المجاهدة، ويبتليك بالشواغل وفقد اللذة ونحوها، حتى تجر د قصدك له وتصطبر لعبادته، ثم سيفيض عليك بلطفه ورحمته ولو بعد حين"

"سورة إبراهيم سورة الفتوحات، عاهدت رب ي أن أتلوها وأنا في طريقي لغزوة مباركة ففتح الله بالفتوحات الكثيرة"

"إن تغيير السياسات وأسلمة المجتمع له ضريبة باهظة، وأعداؤنا يعرفون هذا جيداً، فلقد سمع الكبير والصغير أن من أهداف الحرب عند اليهود هو إنهاء حكم حماس في غزة، ويعتقد كثير من الناس أنه لا ينبغي لنا طلب الحكم، وأن سبيل الأنبياء هو الدعوة فقط"

"رجال الله في غزة لو قادهم سين من العلماء لعلمهم التوحيد على مقاييسه النظرية، ولو قادهم سين آخر من الفقهاء لعلمهم البدعة وخطرها على العقيدة، ولو قادهم سين ثالث من العلماء لعلمهم آداب الحديث وعدم رفع الصوت على الأجانب، وأخلاق النبي المتواضع الحنون، ولو قادهم سين من الناس لعلمهم التوبة من الذنوب، وأنه ينبغي ترك جهاد الشوكة حتى نجاهد أنفسنا، ولو قادهم خامس لفصل لهم في الفرق الضالة وبين لهم خطرها عليهم، وأن معركتنا الحقيقية معهم لا مع العدو الكافر الصائل المجرم، هذا غاية ما سيضيفونه على قاموس رجال الله العاملين المجاهدين".

وأكتفي بذلك..

ولكن الذين يتكلمون في شأن المجاهدين، من أولئك القاعدين المترفين، هم الذين نتشكك حقا في عقيدتهم، ليست العقيدة بمعنى التصور النظري الكلامي، بل بمعنى حب الله وخشيته ورجائه وتولي أوليائه والتبرؤ من أعدائه.. إلى آخر هذه الأصول الكبرى التي ضلوا عنها وأضلوا! فصاروا ينطقون بكلام المنافقين {لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قُتِلوا}.. فهم أولى بالطعن وبالشك، فسمتهم ولسانهم ينبيء عن منافقين لا عن متشرعين ومتفقهين!

***

رحم الله حبيبنا القائد الشهيد أبا زكي محمدا بن زكي حمد.. وتقبله في الصالحين، ورفع درجته في عليين..

اللهم آجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيرا منها!

ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: إنا لله وإنا إليه راجعون..

محمد إلهامي

4 ربيع الثاني 1447ه

اسطنبول 26 سبتمبر 2025

 



[1] هذا المقال هو مقدمة كتبتُها لكتاب "تحت راية الطوفان" للشهيد القائد محمد زكي حمد، ورأيت نشره في مجلة أنصار النبي لتعميم الفائدة والتعريف بالكتاب وصاحبه.