الاثنين، يونيو 08، 2020

الشهوة التي تختبيء تحت العلم المنطق!!

 ثمة منهج غريب متكرر لدى أعداء الهداية، يظهر بوضوح في حوار الأنبياء مع أقوامهم..

تجد الملأ الذي يحمل لواء مجادلة النبي يبدأ الحوار بنوع من المنطق واحترام العقل والعلم، ثم ما يلبث أن ينهار كل شيء ليتكلم عن القوة ويتشبث بالخرافة ويترك شأن البحث والتفكير كله..

في سورة هود، نجد هذا الخيط واضحا..

(1)

نوح عليه السلام يبدأ في دعوة قومه، فإذا بالرد الأول هو قولهم: أنت مجرد مواطن، كائن بشري مثلنا، مجموعتك التي معك ليست إلا شخصيات قليلة العقل وضعيفة المقام، لا تتميزون عنا بأي شيء، ونحن نعتقد أن هذا كله مجرد كذب وخداع!

(فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ)

ويستمر نوح عليه السلام، فيوضح أنه فعلا بشر، وليس له تميز عنهم، ولا يريد منهم شيئا لا مالا ولا منفعة، وكل ما في الأمر أن الله أوحى إليه! وأنه لا يملك أن يطرد الذين آمنوا لأن الله سيحاسب الجميع، ولا يمكنه أن يتحمل عقاب الله إذا طردهم عنه!

فتنقلب موجة الخطاب إلى نغمة أخرى، الخطاب الذي بدا عقلانيا أول الأمر، انقلب إلى بلطجة، وتحول من قوة المنطق إلى منطق القوة

(قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)

ثم يبدأ نوح في صناعة اختراع عجيب، أخشاب يجمعها ويركبها ويستهلك وقته وطاقته فيها، وكان ينبغي لمن لديه عقل ونظر، ولمن يتعلق بالمنطق ويحسب الاحتمالات، أن يتوقف أمام هذا الشيء الجديد، الذي يمكن أن يكون سلاحا، أو مؤامرة، أو تهديدا خطيرا..

لكن القوم الذين بدأ خطابهم وكأنه عقلاني منطقي يبدي أسبابه في الرفض والقبول تعاملوا مع هذا الأمر باستخفاف وسخرية وتهكم واستهزاء

(وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ)

 (2)

ويتكرر المنهج مع نبي الله هود إذ يدعو قومه عادًا.. فيكون أول ردهم عليه: نحن نحتاج إلى دليل يا أستاذ هود! والواقع أنك لم تقدم لنا دليلا! ونحن كما تعلم لا يمكن أن نؤمن لك بدون دليل!

(قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ)

يقرأ المرء هذه الآية، ويكاد يُعجب بهذا المنطق العقلاني المحكم السديد، يعني ليس من الطبيعي أن يتحول القوم عن دينهم دون أن تكون الدعوة الآتية لهم لديها الأدلة الكافية على صدقها..

إن هذا التمسك بالدليل والتعلق بالبرهان، يوحي إليك أن القوم مخلصون للمنهج العلمي في التحليل والتعليل والاستنتاج.. فتتساءل: طيب يا جماعة البرهان والدليل والتحليل العلمي، لماذا عبدتم الأصنام؟ وما هي البراهين والأدلة التي جاءتكم بها حتى آمنتم بها وعبدتموها؟!

ثم ما هو إلا أن تقرأ الآية التي تليها فتأخذك الصدمة:

(إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ)

فالقوم الذين يعبدون الأصنام، دون أن يطالبوها بالأدلة والبراهين على أنها آلهة، لم يتوقفوا عند هذه الحالة من التناقض، بل اندفعوا في الإيمان بالخرافة والشعوذة حتى أنهم فسَّروا حالة نبيهم بأنه تعرض لعقوبة بعض الآلهة التي جعلته مخبولا!!

طيب يا جماعة الأدلة والبراهين: هل لديكم أي دليل أو برهان على أن آلهتكم هذه قد فعلت هذا؟!.. أبدا.. إنما هو الظن والتخمين والتخرص والتوقع، الذي لا يستند إلى دليل ولا برهان!

وهكذا تعرف حقيقة إخلاصهم للأدلة والبراهين، وحقيقة تمسكهم بالمنهج العلمي في الأخذ والرد!

(وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ)

(3)

 ثم نصل إلى مرحلة جديدة مع نبي الله صالح إذ يدعو قومه ثمودا..

 بدأ النبي دعوته، فكان أول ردهم: ما هذا يا صالح؟ كيف تفعل هذا؟ أنت إنسان محترم ومواطن صالح؟ تريد منا أن نترك آلهتنا؟ لا لا.. هذا أمر مثير للشكوك

 (قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ)

 ومع أن العقل والمنطق والتفكير السليم يدعوهم إلى الاستماع الجاد لمن كان مرجوا فيهم، إلا أنهم تعلقوا بآلهتهم التي لم يكونوا منها على شك! وتركوا دعوة الرجل الذي كان فيهم صاحب حكمة ورأي سديد..

لكن، هنا يختلف المشهد اختلافا واسعا.. لقد جاءهم نبي الله صالح ببرهان قاطع حاسم لا مجال للتشكيك فيه.. أخرج لهم -بأمر الله وإذنه- من الصخرة ناقة، وهذه الناقة تطوف على بيوتهم فتسقيهم اللبن بأمر ربها، كأنها "ديليفري"، خدمة لم تصل إليها التكنولوجيا المعاصرة بعد عشرات آلاف السنين: حيوان يقوم بتوصيل الطعام إلى كل بيوت المدينة، بلا أجر ولا تكاليف مالية!!

 فماذا فعل أهل العقل والمنطق، الذين تشككوا في دعوة رجل كان بالأمس معروفا بينهم بالحكمة وسداد الرأي؟!

 لا، لم يتبعوه كما يقول العقل والمنطق والحس والمشاهدة والمعجزة الصارخة.. بل قتلوا الناقة!!

 كان قتلهم إياها، وتخليهم عن مصدر عجيب للثروة، أروح لنفوسهم وقلوبهم من بقائها أمامهم تذكرهم كل يوم أنهم أتباع الخرافة والهوى والشهوة، وأنهم لو كانوا أتباع العقل حقا لاتبعوا نبيهم وآمنوا به..

 (4)

 هذا المنهج المضطرد نراه في حياتنا اليومية، وفي تاريخ الأفكار، وفي الحوارات المتكاثرة على الفضائيات ومواقع التواصل..

 الكل يتذرع بالعقل والعلم والمنطق والتفكير السليم، ثم يروغ روغان الثعالب ويتشبث بالخرافة ويتعلق بالوهم والظن، ويتذرع حتى بالكذب ليحقق ما يهواه ويشتهيه!

 يرصد المؤرخون لمسيرة الحضارة الغربية ثلاث لحظات فاصلة: جاليليو، نيوتن، داروين:

 1. جاليليو يقول الأرض ليست مركز الكون، فتبدأ الحضارة الغربية في التخلص من الدين والكنيسة على الجملة وتكفر بما لا تراه ولا تلمسه.

 مع أن غاية ما يمكن أن يفعله اكتشاف جاليليو أن يشير إلى وجود معلومات خاطئة لدى كاتبي الأنجيل ومفسريه، ولا يتجاوز أبدا إلى نفي الله ونبذ الدين كله واعتناق المادية!

 2. نيوتن اكتشف قوانين الحركة، فتبدأ الحضارة الغربية في التخلص من مقولة إن الله هو الخالق وهو الفاعل، لتعتنق مبدأ أن الطبيعة تسير وفق قوانين ثابتة لا دخل فيها للإله ولا علاقة للإله بها، وكلما تقدم العلم كلما اكتشفنا المزيد، وكلما سيطرنا على الطبيعة أكثر، حتى نصل إلى ذروة العلم فنستطيع التحكم بالطبيعة تحكما تاما!

 مع أن غاية ما يمكن أن يفعله اكتشاف نيوتن، أن يشير إلى إله خلق هذه القوانين وأودعها مخلوقاته، كما أن اكتشاف قانون ما لا يعني أننا بالضرورة سنكتشف كل القوانين يوما ما، كما أن اكتشاف كل القوانين لا يعني بالضرورة أننا سنستطيع التحكم في الطبيعة تحكما تاما..

 سائر هذه التوقعات والتمنيات والطموح، إنما هي وليدة الشهوة والهوى والرغبة والطموح، وليست وليدة التفكير العقلي المنطقي، إنها الأفكار التي تريد التخلص من الإله والدين والأخلاق، فتُرتبَ على اكتشاف صغير حلما عظيما ووهما كبيرا.

 3. داروين يتحدث عن أن المخلوقات تتطور، فتهتبل الحضارة الغربية هذه الفرصة الذهبية لكي تتحدث عن "وهم الإله" وأن المخلوقات إنما تطورت عن مخلوق صغير بدائي عبر آلاف أو ملايين السنين ليصنع كل هذا المتحف الطبيعي الذي نحن فيه.. وبهذا لا حاجة للحديث عن إله خلق الكون والمخلوقات.

 مع أن داروين كان معاصرا لمندل الذي كانت نتائج أعماله لا تقول بالتطور وإنما تقول بإمكانية تحسين السلالات.. إلا أن المناخ الذي يريد التخلص من الإله ومن الدين كان أكثر ارتباطا وميلا إلى داروين، لماذا؟.. لأن نظرية داروين أقرب إلى هواه ورغبته وشهوته، إنها أقرب إلى أن تكون بذرة لبناء قصة كبيرة عن كون بلا خالق!

 ومع أن كل هذه القصة الكبيرة ليست علمية ولا منطقية ولا عليها أدلة كافية، إلا أنها لا تزال النظرية الأكثر رسوخا في الغرب حتى الآن!

 والذي يتتبع القرآن الكريم يجد آيات كثيرة تتحدث عن منهج اتباع الظن، ومنهج التعلق بالخرافة، ومنهج بناء القصص الوهمية (أسماء سميتموها أنتم وآباءكم ما أنزل الله بها من سلطان).. وهي الآيات التي تجد صورتها حين تقرأ تاريخ الأفكار وتطورها بعين ناقدة بصيرة لا بعين مستسلمة مبهورة..

 مئات السنين تفصلنا عن بداية وهم العلم الذي سيجعلنا متحكمين بالطبيعة، نكتشف فيها كل يوم أن الحقائق أوسع مما نتصور، وأن حجم ما نعلم أقل بكثير من حجم ما لا نعلم، بل مع كل علم جديد نكتشف أن مساحة جهلنا تتسع وتزيد!

 مئات من السنين لم تجعل البشر أكثر سعادة ولا سلاما، بل كان العلم صاحب دور حاسم في تعاسة الكثيرين وفي تحويل حياتهم إلى جحيم، لأنه -ببساطة- كان خادما للقوة المادية المتجردة من الأخلاق والقيم، كان خادما للمنفعة واللذة، كان سلاحا أكثر كفاءة في يد الوحش المتجرد من الدين والتقوى!

 ومع هذا، لا يزال الكثيرون يتصورون أن العلم يحقق انتصارات كل يوم، وأننا سنصل لليوم المنشود الموعود، ما زالوا يتبعون الظن ويتعلقون بالوهم ويصوغون الأحلام الكبيرة!

السبت، يونيو 06، 2020

لماذا أشار القرآن إلى خطر النساء المنافقات على وجه التحديد؟

 

قال تعالى (وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم، خالدين فيها، هي حسبهم، ولعنهم الله، ولهم عذاب مقيم)

يلفت النظرَ في هذه الآية أن الله تبارك وتعالى يركز على "المنافقات"، فلم يقل جل وعلا (وعد الله المنافقين والكفار)، ولا قال جل وعلا (وعد الله المنافقين والمنافقات والكافرين والكافرات)

لقد قصدت الآية أن تركز على "المنافقات" بوجه خاص..

ذهبت أبحث عن المواضع التي ذكر القرآن فيها "المنافقات" وذكر فيها المشركات، فوجدتُ الآتي:

1. ذكر القرآن "المنافقات" 5 مرات، بينما ذكر "المشركات" 3 مرات فقط!

2. توعد الله المنافقات والمشركات بالعذاب في موضعين، هما:

(ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات، ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما) [الأحزاب]

(ويعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات، الظانين بالله ظن السوء، عليهم دائرة السوء، وغضب الله عليهم، ولعنهم، وأعدَّ لهم جهنم وساءت مصيرا) [الفتح]

3. جاء ذكر المنافقات في العذاب دون المشركات، وذلك في قوله تعالى:

(يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم.. الآية) [الحديد]

4. نبه الله عباده المؤمنين وحذرهم من "المنافقات" ولم يرد تنبيه مخصوص يتعلق بالمشركات.. بما يعني أن التحذير العام من الكفار والمشركين يدخل فيه الكافرات والمشركات، بينما ثمة تحذير وتنبيه مخصوص من "المنافقات" يُذكر صراحةً مع المنافقين. فذلك قوله تعالى:

(المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض، يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، ويقبضون أيديهم) [التوبة]

ومن بديع ما قاله المفسرون في هذه الآية، قول الإمام الماتريدي أن الله تعالى قال عن المؤمنين (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض)، وقال عن الكافرين (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض)، بينما قال في المنافقين (بعضهم من بعض)، ورجَّح أن هذا التفريق إنما لأن لأهل الإيمان دينا يدينون به ويتناصرون، ويدعون الناس إليه، وكذلك لأهل الكفر دين يدينون ويتناصرون به. بينما المنافقون لا دين لهم، وإنما هم أتباع المنفعة إذ هم "عُبَّاد النعمة والسعة، مالوا حيثما مالت النعمة والسعة فلا موالاة بينهم".

ثم ذهبت ألتمس أقوال المفسرين والعلماء في الحكمة من النص الصريح على "المنافقات" في هذه الآية، فكان مما وجدتُ هذه المعاني:

1. رأى الإمام الماتريدي أن ذكر "المنافقات" للتأكيد على أن الذي ينافق تقليدا لأحد يكون مثله في العذاب، ولأن النساء عادة ما يتبعن أزواجهن ويمضين على طريقتهم، فأخبر الله أن الاتباع والتقليد في هذا الأمر غير مغفور ولا معذور، بل هم سواء في العذاب. أهـ

أقول: وهذا النظر يتفق مع أن الله ضرب المثل في قرآنه للذين آمنوا بامرأتين: امرأة فرعون ومريم عليها السلام، وضرب المثل للذين كفروا بامرأتين: امرأة نوح وامرأة لوط.. فعرفنا بذلك أن شأن الإيمان والكفر مما تستقل به نفوس الضعفاء، فهذه امرأة فرعون آمنت وهي تحت أكبر طغاة التاريخ، وهذه امرأة نوح كفرت وهي تحت نبي من أولي العزم من الرسل قضى في دعوته ألف سنة تقريبا!

2. ورأى الشيخ محمد أبو زهرة أن الحكمة من النص على المنافقات، "لأنهن يكوِّنَّ الأسرة التي يُعشش فيها، ويشتركن في إيجاد البيئة المنافقة التي يسودها الفساد ويحكمها الشر".

فأشار هنا إلى أن المنافقة إنما تعمل كمصنع لإنتاج طباع النفاق وتفريخ المنافقين.

3. والتقط د. محمد عزت دروزة معنى دقيقا يتوافق مع الشيخ أبي زهرة، مع العلم أن تفسير دروزة هو الذي صدر أولا (1964م)، وذلك المعنى هو: أن الآية نزلت في شأن المنافقين في غزوة تبوك، ونصَّت الآية على المنافقات مع أنه لم تخرج منافقة في هذه الغزوة، "وإنما أُشْرِكْنَ بالذكر لأنهن كن يشاركن المنافقين في الدور الخبيث الذي كانوا يقومون به في المدينة".

ولو تذكرنا أجواء نزول الآية فسنرى أن المسلمين كانوا عانوا من المنافقين معاناة شديدة في غزوة تبوك، بداية من التثبيط عنها، واختلاق المعاذير للقعود فيها، وقد خرج نفر من المنافقين في المعركة فحاولوا اغتيال النبي فيها، واستهزأ أحدهم بالنبي وما نزل عليه وزعم أنه "إنما كان يخوض ويلعب"، وقبيل الغزوة كانوا قد بنوا مسجدا ضرارا..

فنزلت الآية تنبههم أن الخطر كامن أيضا في تلك البيوت، في المنافقات، في أغوار المدينة، وليس فقط في مؤامرات المنافقين التي ظهرت طوال فترة الغزوة!

والخلاصة التي نستفيد بها: أن القرآن أشار صراحة إلى خطر "المنافقات" على وجه التحديد، بأكثر مما أشار إلى خطر "المشركات".. والأمر الذي يبدو مريعا في زماننا هذا أن هؤلاء المنافقات قد صِرْنَ على منابر الشاشات والإذاعات، وامتد شرهن إلى البيوت جميعا.. حتى ما تكاد تخلو قناة فضائية من برنامج يختص بالمرأة، ثم ما أندر أن تجد برنامج المرأة هذا تتولاه من هي أهل له.. وإنما هي برامج خراب البيوت وتفريخ الأفكار الفاسدة والتجرئة على محارم الله وحدوده!

ثم ما لبث أن جاءنا عصر التواصل الاجتماعي، فزخرت "المجموعات" بمن لم يُتَح لهن ركوب الشاشات، وإذا بالعديد من المجموعات على سائر وسائل التواصل تتسيدها النسويات اللاتي يجاهرن صراحة وتلميحا بالاعتراض على أوامر الله وشرعه ويتكلفن محاولات التفلت منه أو تأويله ليوافق أهواءهن!

والذي تصل إليه أسئلة الناس يعرف أن خراب البيوت، والتفلت من معاني الأدب والحياء قد صار عاما.. وكم في المسلمات المتدينات من تأثرن بهذا الخطاب وهذه التصرفات فمنهن من تغير فكرها ومنهن من تحول سلوكها ومنهن من تبدل لباسها..

ولئن صار الشاب المتمسك بدينه في زماننا كالقابض على الجمر، فإن الشابة المتمسكة بدينها تعاني أضعاف أضعاف ذلك! لقد صارت المسلمة الملتزمة شيئا نادرا حقا.. والله المستعان!

وقفة مع "أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض"؟


من الآيات الشديدة في القرآن الكريم قوله تعالى (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض)، وذلك أنه تبارك وتعالى استعمل لفظ "وتكفرون" الذي هو غاية التشنيع على فاعليه والتقبيح لعملهم، فلم يقل مثلا: أفتؤمنون ببعض الكتاب وتتركون بعض، وتدعون بعض، أو حتي: وتنسون بعض، أو: تهملون بعض.. لا، إنما استعمل لفظ "الكفر".
وهذه الآية يكثر استعمالها على ألسنة الدعاء والعلماء حين يعمدون إلى الإنكار على بعض العادات أو السلوك المخالف للدين بين المسلمين، وهي لهذا آية ينفر من سماعها أولئك الذين يصدون عن سبيل الله وأولئك الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا.

لكن الغريب الذي يلفت النظر هنا أن هذه الآية نزلت تدين سلوكا كان اليهود يفعلونه، هذا السلوك إذا حُكِي اليوم في أمتنا فأغلب الناس سيرون أنه عمل عظيم يدل على التمسك بالدين وعلى تعظيم اليهود لشريعتهم!!

ومختصر الأمر أن اليهود في المدينة المنورة قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم كان أكبر قبائلهم ثلاث: بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة. ومع هذه الفرقة فيما بينهم اختلفت مصالحهم فاختلفت حساباتهم وتحالفاتهم السياسية، حتى وصل الأمر إلى أن بني قريظة كانت في حلف مع الأوس، وبني النضير كانت في حلف مع الخزرج، فإذا نشبت الحرب بين الأوس والخزرج (وهم وثنيون) تقاتلت كل قبيلة من اليهود مع حلفائهم، فإذ باليهودي يقتل اليهودي وينهب ماله ويخرب داره تقديما لحسابات السياسة والحلف على صلة الدين والعقيدة.

حتى إذا وضعت الحرب أوزارها، سعى جميع اليهود في افتداء الأسرى منهم، فيسعى بنو النضير في افتداء أسرى بني قريظة والعكس كذلك، فكانت العرب تستغرب هذا وتُعَيِّرهم به، يقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟ فيقول اليهود: إنا أُمِرنا في شريعتنا أن نفديهم وحُرِّم علينا قتالهم. فيقولون: فلم تقاتلونهم؟ فيقول اليهود: إنا نستحيي أن يُسْتَذَلَّ حلفاؤنا.

وروى أصحاب التفسير وقائع تدل على أن اليهود كانوا يبذلون المال وإن غلا وزاد في افتداء الأسرى منهم ولو من بلاد بعيدة، مع أنهم أبخل الناس بالإنفاق. ويرون أن التخلي عن الأسرى وقوع في الكفر[1].

وهكذا كان اليهود يقاتلون بعضهم نزولا على مقتضى السياسة وأحلافها، ويفدون بعضهم نزولا على مقتضى الدين والعقيدة.. وهنا نزل القرآن الكريم يُشَنِّع عليهم أنهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، ويتوعدهم بالعذاب بألفاظ قوية رهيبة:

(وإذا أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تُخْرِجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون * ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان، وإن يأتوكم أسارى تفادوهم، وهو محرم عليكم إخراجهم، أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يُرَدُّون إلى أشد العذاب، وما الله بغافل عما تعملون).

لو غضضنا الطرف مؤقتا عن هذا التشنيع القرآني الشديد، واستعملنا ثقافتنا المعاصرة في تقييم هذا المشهد فإن أغلب المحللين سيرى أن هذا من نبل الأخلاق وشدة الإيمان، إذ كيف تسمح نفس المرء أن يدفع من أمواله ليفتدي أسيرا كان هو نفسه سببا في أسره، وربما لو اختلف الحال قليلا لكان قد قتله فعلا، ثم انظر كيف ينسى القوم ما كان بينهم من القتال ليتعاونون معا في فداء أسراهم!

لو تصورنا مثلا أن دولتين من الدول الإسلامية نشبت بينهما الحرب، أو حتى لو عدنا بالذاكرة إلى ما قبل ثلاثين سنة وتصورنا أن الحرب قد نشبت بين المعسكرين الشرقي والغربي، واضطرت دولتان مسلمتان تحت ضغط السياسة أن تتقاتلا، ثم إذا انتهت الحرب انطلقت هاتان الدولتان في مباحثات دبلوماسية محمومة وبميزانية مالية مفتوحة لاستنقاذ الأسرى المسلمين.. إذا حصل هذا فكيف كان سيكون تقييم هذا الأمر؟! سيُكتب في إنجازات هاتين الدولتين وسيُبَرَّر لهما ذنب دخول الحرب بمقتضى السياسة والحلف وتكتب فيهما عرائض التبرير بمعاذير الاضطرار والإكراه والتأويل!

لقد ابتعدنا عن المثال كثيرا، إننا الآن في زمن يستبيح فيه بعضنا بعضا بلا دين ولا حتى قانون وضعي، بل أكثر البلاد المسلمة الآن ترتكب جرائم تسليم المسلمين لعدوهم وهم يعلمون ما سيلقونه من القتل والتعذيب الشديد، والأمثلة معروفة ومريرة. فإذا كان هذا التشنيع الإلهي الشديد على من ترك شيئا من شريعته وتمسك بشيء، فكيف يجب أن يقال في مثل هؤلاء الذين تركوا الكتاب مطلقا فقتلوا وأسرا وسَلَّموا؟!

ورد عن عمر رضي الله عنه حين قرأ هذه الآية أنه قال: "إن بني إسرائيل قد مضوا، وإنكم يا أهل الإسلام تُعنون بهذا الحديث".

لقد كانت هذه الآية واحدة من الأعمدة التي بُنِيَت عليها أحكام التحالف بين المسلمين وغير المسلمين، وأحكام القتال بين المسلمين إذا وقع بينهم، وأحكام التعامل في قتال البغاة والغلاة من المسلمين وأسراهم وجرحاهم، والاستعانة عليهم بعدو من غير المسلمين، إلى آخر هذه الأحكام المبسوطة في كتب الفقه.

ولقد كان تعبير الآية عن القضية تعبيرا لطيفا عالي المعنى، توقف عنده المفسرون طويلا، يقول تعالى (وإذا أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تُخْرِجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون * ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم).

قال أهل التفسير: "نفسك يا ابن آدم أهل ملتك"[2]، وقالوا: "جعل غيرَ الرجل نفسَه إذا اتصل به أصلا ودينا"[3]، وقالوا: "فإن قيل: وهل يسفك أحدٌ دمه، ويخرج نفسه من داره؟ قيل له: لما كانت ملتهم واحدة وأمرهم واحدا، وكانوا في الأمم كالشخص الواحد، جعل قتل بعضهم لبعض وإخراج بعضهم بعضا قتلا لأنفسهم ونفيا لها"، وبعض القراءات جاءت بصيغة المبالغة كقراءة "تُسَفِّكون دماءكم" وهي زيادة في التقبيح والتشنيع[4].

وتوقف بعض المفسرين عند هذه الآية مع معنى عقوبة النفي، فقال: "وفيها تحريم إخراج الإنسان من دياره وأرضه وتغريبه بغير حق، والإخراج من البلد عقوبة شرعية يجب ألا تنزل إلا بسبب شرعي، قال تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض) فجعل الله سبب الإخراج من البلد: محاربة الله ورسوله، وإنزال العقوبة لمجرد مخالفة المحكوم للحاكم في رأيه –الذي لا يخرج عن حد النقل والعقل- غير جائز. ولما جعل الله النفي عقوبة دلَّ هذا على أن بقاء الإنسان في بلده حق مشروع له، يجب أن يحفظ ويصان، ومن واجبات ولي الأمر حفظه، وليس نزعه... وعقوبة الإخراج من الأرض والبلد عقوبة شديدة يقر بقسوتها جميع الشرائع المؤمنة والكافرة، قال تعالى: (وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودون في ملتنا، فأوحي إليهم ربهم لنهلكن الظالمين)، فسمّى الله الإخراج من الأرض ظلما... وينبغي للحاكم الذي يريد إخراج أحد من بلده: أن يعرف قدر أثر الإخراج على صاحبه؛ فهو ظلم شديد، ولا ينبغي أن ينزل إلا في حال العجز عن كف الأذى والردع إلا به، ولا بدَّ من معرفة قدر الفساد اللازم من إخراجه عليه وعلى ذريته من بعده، ومقارنته بالسبب الموجب لإخراجه، والحكم في ذلك لتقدير الله في كتابة وسنة نبيه بنظر عالم عارف، لا بالهوى والتشهي"[5].

 نشر في مجلة المجتمع، يونيو 2020


[1] انظر: تفسير ابن كثير، 1/478 (ط1 مؤسسة قرطبة، 2000م)؛ موسوعة التفسير بالمأثور، 2/528 وما بعدها (ط1 دار ابن حزم، 2017م).
[2] تفسير الطبري، 2/300، (ط1 مؤسسة الرسالة، 2000م).
[3] حاشية الطيبي على الزمخشري (فتوح الغيب)، 2/559 (ط1، جائزة دبي للقرآن الكريم، 2013م)، وما في المتن عبارة الزمخشري.
[4] تفسير القرطبي، 2/236 (ط1 مؤسسة الرسالة، 2006م).
[5] الطريفي، التفسير والبيان، 1/81، 82 (ط1 دار المنهاج، 1438هـ).

الأربعاء، يونيو 03، 2020

هل تستطيع الأمة أن تستفيد من "كورونا"؟


قال الله تعالى (فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا)، ومن هذه الآية فهم عمر وابن عباس رضي الله عنهما أن العسر الواحد لن يغلب يسريْن، وهذا الوباء الذي اجتاح العالم وأصاب من أمتنا يجب أن يحملنا التفكير فيه على أن نبحث عن مواضع اليسر التي جاءت معه.

وأكثر من رأيتهم من الباحثين، بمن في ذلك من لا يُتَّهَمون في دينهم وإخلاصهم للأمة، إنما بحثوا وفكروا فيما يقدمونه من التوصيات والمقترحات التي ينبغي أن تقوم بها الحكومات والأنظمة، ولئن كان هذا محمودا من البعض في حال بعض الأنظمة، فإنه لا يكفي بحال أن يُقْتَصَر عليه، ذلك أن مجال الأمة أرحب وأوسع من مجال الأنظمة الحاكمة، كما أن بعض هذه الحكومات كالتي لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا.

ومن ثَمَّ فهذه السطور مجرد تفكير فيما يمكن أن نستثمره في هذه النازلة.

يجب أن ينطلق التفكير أصلا من قاعدة أننا أمة واحدة، وإنما هذه الفرقة التي بيننا مجرد عارضٍ طارئ علينا لم نصنعه بأنفسنا وإنما صُنِع لنا في أزمنة هزيمتنا. وعليهِ، فكل فرصة تقربنا وتردم هذه الحدود المصطنعة بيننا فهي نعمة كبيرة، وكل انعتاق من القيود الثقافية والسياسية والاقتصادية التي اصطُنِعت لنا فهو باب نهضة مأمولة، ومن ثَمَّ فيجب على الذي يفكر أن يضع في حسبانه عموم الأمة طولا وعرضا، فهذا فوق كونه واجبا دينيا فإنه ضرورة، إذ أن الذي سيتحدد بهذه القيود فإنما يُضَيِّق على نفسه.

العلم والتعليم

تحت وقع هذه الجائحة، اضطرت المدارس والجامعات إلى الاعتماد على التعليم عن بعد عبر شبكة الانترنت، ومع ما رافق هذا من الاضطراب والارتباك إلا أن الأمر تمَّ إلى حد أقل ما يُقال عنه أنه مقبول، وسيتحسن مع الممارسة والخبرة وازدياد العقول التي ستدخل إلى المجال وتعمل على تحسين التطبيقات والإمكانيات. وأقيمت بالفعل مؤتمرات علمية متخصصة افتراضية، فضلا عن الندوات والاجتماعات الحكومية والسياسية. فيما قبل هذه الجائحة كان الأمر عسيرا، بل إن تنظيم سفر يستهلك الوقت والأموال كان أيسر لدى الأكثرين من محاولة تعلم برنامج تواصلي، وكانت فكرة المؤتمر الافتراضي فكرة ممجوجة عموما.

هذه الوسيلة ستتيح لنا كأمة الاستفادة من طاقات مغمورة ومطمورة ومهجورة لا تعد ولا تحصى، ففي أمتنا جموع غفيرة من العلماء والدعاة الذين اضطرتهم ظروفهم الاقتصادية والسياسية والأمنية أن يسكنوا أقاصي الأرض أو يسكنوا زوايا القرى والنجوع والحارات والأدغال، هذه الطاقات كلها يمكن أن يُعاد تفعليها من جديد وتستثمر من جديد في التعليم والدعوة والتثقيف، وذلك أن الجميع صار الآن مضطرا للتواصل عن بعد حتى استعمله وأجاده.

ولا يقتصر الأمر هنا على العلم الشرعي أو العمل الدعوي، وإن كان هذا هو أشرف الأعمال لما فيه من تعريف الناس بالله وبالدين وبمعنى الحياة ودورهم فيها، وإنما يمتد هذا ليشمل كثيرا من العلماء والباحثين المتخصصين في الفروع العلمية المختلفة، والذين اضطرتهم ظروف متعددة لأن يكونوا بعيدا عن مجالهم الطبيعي.. وساعتها سننقذ مواهب عظيمة في تبسيط العلوم وتقديمها بطرق مشوقة ومبدعة مثل: الفيزياء والكيمياء والرياضيات والهندسة وتعليم اللغات وكذلك العلوم الإنسانية والاجتماعية. إننا كثيرا ما نعاني من أن المواد المهمة لا يجد الطالب في مدرسته أو جامعته من يحسن شرحها وتوضيحها، فالقدرة على التعليم موهبة.

وفي مرحلة لاحقة قد يتطور هذا إلى إنشاء مدارس افتراضية وجامعات افتراضية وأكاديميات افتراضية، وتتاح الفرصة لاستضافة خبراء كبار في مجالاتهم لم يكن ممكنا فيما قبل الاستفادة منهم، وهذا كله سيعرفنا على صفوة جديدة من أهل العلوم والخبرات المتميزين الذين سيتعرفون بدورهم على تلاميذ نوابغ في عرض الأمة الإسلامية كلها، وإذا ما التقت الطاقات المحجوزة عن بعضها فإنما نتوقع أن تخرج عنهما الكنوز العجيبة كما قال تعالى عن التقاء البحرين (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان).

هذا فضلا عما سيوفره هذا من فرص العمل المختلفة، وما سيسفر عنه من الصعود الطبيعي للطاقات المتميزة وما سيزيحه هذا من المنتفشين الأدعياء الذين لا يُستفاد منهم والذين ما وصلوا لمواقعهم هذه إلا بالرشاوى أو الوسائط أو أسباب الفساد.. فإذا حضر الماء بطل التيمم، وحيث وُجِد مالكٌ فلا يفتي غيره.

ولا أشك أننا سنجد في هذه الحالة فرصة عظيمة في تعلم علوم ممنوعة على أمتنا، وهي كثيرة ليس أولها ما في التقنية والهندسة الوراثية وليس آخرها العلوم الأمنية والعسكرية والفضائية، تلك العلوم التي يحتفظ بها العالم المتقدم (!) لنفسه ويحجزها عن الضعفاء لكي يحافظ على فجوة التخلف بيننا وبينه، بل إن التعارف الذي قد يحدث بين عالِمَيْن أو مجموعة علماء قد ينشأ عنه علومٌ جديدة فضلا عما قد ينشأ عنه من المخترعات والمبتكرات والأفكار المبدعة التي تستطيع أن تنقل أمتنا من حال إلى حال! فنكسر بهذا حاجز التخلف المفروض علينا والذي حُبِسْنا فيه.

وأقل القليل أنه يمكن تحصيل ثقافات ممنوعة في واقعنا، إما بقرارٍ مقصود أو لظروف غير مقصودة، كثقافة التسلح والعيش في الجبال والغابات والصحاري والاهتداء بالنجوم ومعرفة الوقت وغيرها من الثقافات التي ضربتها المدنية الحديثة المعاصرة.. وهو ما ستحتاجه الأمة قطعا في ظل حالة الحروب والاضطرابات التي تسودها والتي تجعل المستقر الآمن طريدا في البر والبحر بين عشية وضحاها.. نسأل الله السلامة لنا وللمسلمين أجمعين.

الاقتصاد والأموال

هذا مجال أصعب من مجال العلم والتعليم، وذلك أن المال والاقتصاد من أركان السيطرة العالمية والتحكم في الشعوب، ومع ذلك فإن ثمة ما يمكن فعله وكلٌّ بحسب ما يستطيع..

إن أبسط الأمور أن يتبادل الناس الخدمات والحاجات بمجرد الوعد المبني على الثقة بين طرفين، فإذا أردت –مثلا- درسا على يد الشيخ الفلاني وكان المقابل أن أقوم له بخدمة أخرى أستطيعها أو أن أدفع ثمن هذا الدرس إلى قريب له في بلدي، فهذه عملية بسيطة، تحققت بها المنفعة المتبادلة دون أن نحتاج إلى المرور على التحويلات البنكية وتحويلات العملة وكافة العمليات التي تزيد من كوننا تحت هيمنة الدولار العالمي وتحت تحكم الرقابة المصرفية.

إلا أن نشأة النقود ارتبطت بتوسع العالم وتعدد الأشخاص والخدمات والاحتياج إلى وسيط سهل للتبادل، فهل يا ترى يكون ممكنا التفكير في إنشاء بنك افتراضي يستند إلى تخزين الأرصدة الافتراضية من الخدمات، والتي يمكن من خلاله تحصيل منافع في مقابلها؟!

فإذا افترضنا مثلا أنني كتبتُ بحثا يحتاجه مركز بحثي ما، مقابل مبلغ ما، فإن هذا البنك يحتوي على رصيدي من أجوري التي هي أموال افتراضية مقابل الخدمات التي قدَّمتها، وأستطيع بدوري أن استعمل هذا الرصيد الافتراضي في شراء سلع أو بضائع من متجر ما هو نفسه ضمن شبكة البنك من العملاء.

سيرتبط هذا بقدرة البنك على توسيع عدد العملاء الجهات التي تتعامل معه، وبالثقة التي يُكَوِّنها لعملائه، وسيرتبط أيضا بقوة سياسية أو ربما اجتماعية تمثل سندًا له! والتفكير في هذه الأمور سيحتاج جهدا ولكنه ليس صعبا ولا مستحيلا، لا سيما إذا تجرأت دولة من بين الدول الناهضة لتبني هذه التجربة. بل أزعم أن تجربة كهذه يمكن أن تتبناها جماعات متوسطة أو كبيرة، أو مجموعة من الشركات المتحدة أو المتعاونة أو حتى مجموعة من البشر المستوعبين لهذه الفائدة بشرط تحقق الثقة وإحكام النظام الذي يُسَيِّر هذه العملية.

إن نجاح مثل هذه التجربة قد يخرج أمتنا من سلطة الدولار، ويعصم اقتصاديات بلادنا وأموال شعوبنا من عمليات التحكم والهيمنة فضلا عن المضاربات التي تشهدها البورصات العالمية، وأقله أن يحمي أموالنا ومجهودنا أن يكون هباء ومرهونا بقرار يعبث به أحد في عاصمة غربية (إن من يعرفون النظام المالي العالمي يعرفون أن العالم كله يعمل خادما لأمريكا، وأن الشعوب هي التي تدفع ثمن رفاهية القلة المترفة من عرقها ودمائها، وأن أمريكا تصدر أزماتها لدول العالم لتحلها نيابة عنها، فتأخذ المغانم وتُحَمِّلهم المغارم.. وهذا موضوع شرحه يطول).

سيكون وجود نظام مالي على هذه الشاكلة دعما قويا لسائر الأنشطة الاقتصادية والتجارية التي تجري في أمتنا، وإذا نما نجاح مثل هذه التجربة فستكون بيئة في غاية الخصوبة لإنتاج رجال أعمال مخلصين لأمتهم ومنتجين ومبدعين، مما يحفظ طاقتنا المالية من أن يعبث بها الأجانب أصحاب الاستثمارات الساخنة الذين تخصصوا في خراب اقتصادياتنا الناهضة.

مفهومٌ بالقطع أن النجاح المرجو لن يبلغ الكمال إلا بأن تتبناه دولةٌ ما سياسيا، وتقف وراءه بقوتها وثقلها الأمني والعسكري، ولكن يمكن فعل الكثير والمهم حتى فيما قبلَ تَبَنِّي دولة ما لهذه التجربة.

التواصل

معظم الناس تعرف لأول مرة على برنامج "زووم" تحت ضغط هذه الجائحة، وقد أظهرت بعض الإحصائيات تضاعف عدد مستخدمية آلاف المرات، وظهرت العديد من الدراسات والمقالات التي تتحدث عن مدى الثقة التي يمكن لمستخدم البرنامج أن يعتمد عليها في انتهاك خصوصية واستعمال بياناته. وبدأ صعود برامج الاجتماعات من هذا النوع، سواءٌ بإحياء برامج وطرائق كانت قد نُسِيَت أو حتى اختفت، أو بدخول برامج جديدة على الخط ضمن شركات كبرى (مثل جوجل) أو متوسطة.

ولا شك عندي أن هذا القطاع من برامج التواصل سيواصل النمو والازدهار والتوسع، ويتنافس أهله في المزايا، ثم يتنافس الكبار على احتكاره، ثم يأتينا بقيوده وقوانينه، فتُلغى الحسابات وتُغلق الغرف وتوضع القيود على الاجتماعات، وتحتوي وثائق الاستعمال التي توافق عليها قبل البدء بالبرنامج على بنود جديدة تنتهك حقوق المستخدم وخصوصيته وتجعله تحت رحمة الشركة المنتجة للبرنامج، وربما فرضت عليه الاحتكام لقوانين بعينها في بلد بعينه.

يجب أن يحملنا هذا كله، بعد تجربتنا في مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى، على أن تساهم الشركات الإسلامية في هذا الباب بإنتاج برامج التواصل الاجتماعي، ومن الآن.. من قبل أن يحتشد عالمنا في مكان واحد، مثلما احتشد في الفيسبوك وتويتر ويوتيوب وانستجرام، حتى صار إنتاج مواقع تواصل أخرى يكاد يكون عديم القيمة والفائدة.

إذا وُجِد البرنامج الإسلامي للتواصل في مرحلة مبكرة، فإنه سيحقق الكثير من المزايا لأصحابه، ليس أولها الأموال الوفيرة ولا آخرها أنه يمكن أن يكون قوة ناعمة في عالم الانترنت، كما أنه سيوفر مكانا آمنا للمسلمين وبيئة حاضنة غير خاضعة لاشتراطات غير المسلمين. ولا يعني هذا بطبيعة الحال أنه لن يتعرض لتحديات ومشكلات، فعالم مواقع التواصل وبرامج التواصل هو عالم خلفي للسياسة والقوى الدولية، ولئن أسعف الحظُّ بأن تتبنى دولة ما –أو مجموعة دول- إسلامية هذا البرنامج، فإنه سيكون خطوة قوية في عملية استقلالهم.. فإذا تصورنا أن تركيا وماليزيا وباكتسان وإندونيسا وإيران تبنوا مثل هذا البرنامج كخطوة للحفاظ على بيانات شعوبهم و/أو لاستثمارها داخليا فإن هذا يسارع بتقوية اقتصادهم وتغمية جوانب اجتماعية كثيرة عن عدوهم ويزيد من التكتل السياسي والاقتصادي فيما بينهم أيضا.

ومع هذا كله، وقبل أن تستغرقنا الأحلام، نستطيع القول إن مجرد وجود برنامج تواصل إسلامي حتى ولو لم يكن واسع الانتشار وحتى ولو لم تتبنه دولة ما، فإنه خطوة مهمة وكبيرة، وإن مجرد التواصل بين المسلمين في بيئة لا يسيطر الأجنبي على كل تفاصيلها، ولا يتحكم في غلقها وفتحها وطرد الناس منها، إن هذا كله أمرٌ مهم تنتفع به الأمة.

ويبدو إنتاج برنامج إسلامي للتواصل أسهل الأمور التي يمكن تنفيذها في بدايتها، إذ لا يحتاج سوى مجموعة مبرمجين مع رأس مال مع مهارة إدارية في تنفيذ وإنتاج البرنامج، وهذه أمور متوفرة بكثرة في عالمنا الإسلامي، وبقية التحديات ستأتي تباعا وعند كل مرحلة سيبعث الله لها رجالها، ما دامت النية قد صحَّت، كما قال تعالى (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين).

العلاقات الاجتماعية

أحد الأركان التي بُنِي عليها الطغيان الحديث، الدولة الحديثة المركزية، كانت في تفكك العلاقات الاجتماعية، ومن أهم ما ساهم في هذا التفكك ظاهرة نشوء المصانع مع الثورة الصناعية، لقد عمل وجود المصنع على إفراغ القرى من السكان كما عمل على تضخم المدينة، ووقع ما يسمونه في التاريخ وعلوم الاجتماع "ظاهرة الهجرة من الريف إلى المدينة"، فحين صار العمل في المصنع يأتي بعائد أفضل من العمل في الزراعة أو في التجارة البسيطة تحول المصنع إلى بذرة مدينة تنشأ من حوله، ينهمر إليه شباب القرى، وتفرغ منه قراهم.. ويستدعي هذا جهازا إداريا يتضخم بازدياد لإدارة هذه الأعداد بما يجعل منهم تروسا ذات كفاءة لإدارة المصنع الضخم.. واستدعى هذا كله تضخم المدينة، وبالتالي تضخم السلطة المهيمنة على المدينة..

وبقدر ما فرغت القرى من أهلها بقدر ما ضعف ارتباط أهلها بها، وضعفت الروابط الاجتماعية فيما بينهم، وانحلت العصبيات القديمة التي كانت تمثل مركز قوة سياسي واقتصادي واجتماعي، وكانت هذه القوة تنافس وتحتك وتشتبك حتى بقوة السلطة الحاكمة.

أما الآن، فقد انحلت العصبيات، وقدَّمت القرى أبناءها عبيدا في المصانع الجديدة، كما أن المدن الجديدة التي نشأت بعد الثورة الصناعية كانت شبيهة جدا بالعنابر التي يعمل فيها عمال المصانع، مجرد وحدات سكنية متشابهة ومكررة وتزداد توسعا، لا يُراد منها إلا أن تكون كالزرائب لعمال المصانع يقضون فيها ساعات نومهم بعد أن ينتهك جسدهم طيلة العمل في الصباح، لذلك لم تكن المدن الحديثة تحمل الطابع الفني المعماري الذي حملته مدن العصور الوسطى وعصر النهضة والتنوير، بل كانت مجرد وحدات سكنية باردة وخالية من أي روح أو طابع ثقافي، بل ونُزِعت منها الأسماء لتُعرف بالأرقام، وحتى الشوارع صارت في مدن كثيرة تُعرف بالأرقام لا بالأسماء!.

ونشأ عن هذا التضخم تضخم الجهاز الإداري للدولة، التي صارت تسيطر على كل التفاصيل، كأنها إدارة مصنع كبير، وهؤلاء الأغراب الذين عملوا في المصانع ثم سكنوا المدن إنما كانوا أغرابا أفرادا قد تركوا موضع عصبيتهم وقوتهم وجذورهم، وليس بينهم وبين أمثالهم من الترابط الاجتماعي وعلاقات الرحم ما يجعلهم يفكرون في أن يكونوا قوة أمام إدارة المصنع، أو أمام قوة الدولة.. لذلك اتسع فارق القوة والسيطرة والتحكم والاستبداد بين سلطة تزداد قوة وتحكما وبين مواطنين أشبه بالعمال والعبيد قد فرغوا من كل قوة.

هذا الكلام السابق، إنما هو مدخل للقول بأن الطغيان الحديث كان في أحد أركانه تطورا لظاهرة الهجرة من المدينة إلى الريف تحت ضغط الواقع الاقتصادي الصناعي.. ولذلك فإن النظر إلى وباء كورونا من هذه الزاوية سيلفت نظرنا إلى أمر آخر، وهو احتمال أن تنقلب هذه الظاهرة بالعكس.

منذ ظهر الانترنت ظهرت معه وظائف كثيرة يمكن أن يؤديها المرء وهو جالس في بيته أو في قريته، وقد ساهم هذا كثيرا في التحرر من عبودية الواقع وعبودية السلطة لفئات كثيرة، والآن مع اضطرار كثير من الشركات والأعمال لإعطاء موظفيها إجازة اكتشفت كثيرٌ منها إمكانية أن تعتمد على موظفيها وهم في البيوت، وأنه لا حاجة ليكونوا دائما في مقر الشركة، وبعضهم يحتاج أن يكون في مقر الشركة يوما أو يومين خلال الشهر كله.

لو استمرت هذه الظاهرة التي يتزايد فيها الاعتماد على العمل عن بعد، وبرأيي فإنه يجب علينا نحن المسلمين كما يجب على كل الأمم المقهورة أن تسعى في هذا وتحرص عليه، فإنه قد يكون بداية لعودة الهجرة من المدن إلى الريف، واستعادة لما انحل من العصبيات القديمة بإعادة تكوين هذه الروابط.

(ونحن المسلمون مأمورون من خلال نصوص صلة الرحم وحقوق الجار بأن نحرص دائما على زيادة التكتل الاجتماعي بين الناس، وكلما كان المجتمع متكتلا كان أقرب للإسلام، بل نحن إذا نظرنا إلى عبادات الإسلام وشعائره لوجدنا أن لها آثارا اجتماعية قوية.. للمزيد في هذا الأمر: راجع هذا الرابط).

ثمة آثار كثيرة وخطيرة سترتب على ظاهرة الهجرة العسكية من المدن إلى الريف، إذا حدثت، ويبدو مجملها في صالح الأمة وفي صالح الشعوب المقهورة ضد السلطات الحاكمة ورجال الرأسمالية الكبار الذين لطالموا تضخموا اعتمادا على تضخم المدن ولا يتسع المقام الآن لسرد تفاصيل.

لكن القاعدة السائرة أن كل قوة للأمة في مقابل قوة السلطة هي في صالح الشعوب وهي ضد الطغيان وكهنته وسدنته.

ونسأل الله تعالى أن يلطف بنا وبأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، وأن يجعل الموت راحة لنا من كل شر.

نشر في مجلة "كلمة حق"، العدد (35)، يونيو 2020م