الأربعاء، مارس 27، 2019

سفاح نيوزيلاندا لم يفهم قوانين القتل


كان من المثير في ذلك الكتاب الذي كتبه سفاح نيوزيلاندا أنه سأل وأجاب، فقال: "هل تعدُّه اعتداءًا إرهابيًّا؟ إنه هجوم إرهابي لكنني أعتقد أنه عمل متحيز ضد قوة محتلة". وقد صرَّح في كتابه هذا أنه تلقى مباركة فرسان المعبد على هذه العملية قبل تنفيذها! ومع هذا الاعتراف الواضح الصريح بكونه عملا إرهابيا، وبهذه المباركة، إلا أن أحدا لن يفكر في تصنيف "فرسان المعبد" كمنظمة إرهابية!

هذه ملاحظة نضعها في البداية كي تكون حاضرة، ذلك أن الذين يوصفون بالإرهاب ويوضعون على قوائم التصنيف الإرهابي الدولي إنما هم أناس في بلادهم يقاتلون العدو المحتل الصريح أو النظام الذي صنعه المحتل قبل رحيله ولا يزال يحفظ بقاءه بكل الوسائل والأساليب.

لكن كلمة فرسان المعبد تعود بنا رأسا إلى عصر الحروب الصليبية، وهو العصر الذي تكوَّنت فيه هوية أوروبا ككتلة مسيحية بيضاء، وشهد تشكل الأفكار الرئيسية التي تلتقي عندها الأطياف الأوروبية، لقد كانت الحملات الصليبية طريقة أوروبا للتعبير عن نفسها ولتحديد عدوها الرئيسي: الإسلام!

يتحدث ليوبولد فايس، الذي أسلم وسمَّى نفسه: محمد أسد، عن هذه الفكرة فيقول: "لقد أعطت تجربة الحروب الصليبية أوروبا وعيها الثقافي وكذلك وَهَبَتْها وحدتها. ولكن هذه التجربة نفسها كان مقضيا عليها منذ ذلك الحين فصاعدا بأن تهيئ اللون المزيف الذي كان على الإسلام أن يبدو لأعين الغربيين به، ليس فقط لأن الحروب الصليبية كانت تعني إراقة الدماء ... بل كان أولا، وقبل كل شيء، أذى عقليا نتج عنه تسميم العقل الغربي ضد العالم الإسلامي عن طريق تفسير التعاليم والمثل العليا الإسلامية تفسيرا خاطئا متعمدا، لأنه إذا كان للدعوة إلى حملة صليبية أن تحتفظ بصحتها فقد كان من الواجب والضروري أن يوسم نبي المسلمين بعدو المسيح وأن يصور دينه بأكلح العبارات"، ويلاحظ أسد أن نشيد رولاند صار هو "النشيد الوطني" لأوروبا رغم أن موضوعه يصف ملحمة قبل ذلك العصر بثلاثة قرون، وأن هذه اللحظة كانت تمثل "بزوغ فجر الأدب الأوروبي تمييزا له من الآداب المحلية [الأوروبية] السابقة: لأن العداوة للإسلام إنما صاحبت ظهور المدنية الأوروبية"، ويخلص أسد إلى أن الشخصية الجماعية لأوروبا تشكلت على هذا النحو: "إن خيال الحروب الصليبية لا يزال يرفرف فوق الغرب حتى يومنا هذا، كما أن جميع اتجاهاتها وإرجاعها نحو الإسلام والعالم الإسلامي لا تزال تحمل آثارا واضحة جلية من ذلك الشبح العنيد الخالد"[1].

لم تكن المشكلة –كما يقرر المستشرق الألماني رود بارت- في نقص المعلومات، ذلك أن "العلماء ورجال اللاهوت في العصر الوسيط كانوا يتصلون بالمصادر الأولى في تعرفهم على الإسلام، وكانوا يتصلون بها على نطاق واسع، ولكن كل محاولة لتقييم هذه المصادر على نحو موضوعي نوعا ما، كانت تصطدم بحكم سابق يتمثل في أن هذا الدين المعادي للنصرانية لا يمكن أن يكون فيه خير. وهكذا كان الناس لا يولون تصديقهم إلا لتلك المعلومات التي تتفق مع هذا الرأي المتخذ من قبل، وكانوا يتلقفون كل الأخبار التي تلوح لهم مسيئة إلى النبي العربي وإلى دين الإسلام"[2].

لم يكن الأمر مجرد سوء فهم أو نقص معلومات، بل كان اختيارا للعداء وتكوينًا للهوية، وعلى نحو ما يقول إدوارد سعيد: "زادت الثقافة الأوروبية من قوتها ودعمت هويتها من خلال وضعها لذاتها في مقابل الشرق باعتبارها ذاتا بديلة أو حتى دفينة"[3].

لهذا فكل من كان مسلما لا يعتبر لدى الغرب غربيا، كان هذا قديما وحديثا:

منذ محاكم التفتيش في الأندلس حيث جرى التعامل مع كل المسلمين باعتبارهم غزاة دخلاء وجميعهم إما أُجبر على التنصير أو على الطرد خارج أوروبا، مع أن الأندلسيين كانوا في عمومهم من أبناء هذه البلاد الذين اعتنقوا الإسلام.
وحين غزا الغرب إفريقيا واستعبد شعوبها كانت الرسالة المعنوية التي بررت وفلسفت هذه الاحتلالات هي "عبء الرجل الأبيض"، حتى التعبير عنها بكلمة "عبء" ينبيء عن النزعة العنصرية التي تصف مهمة يقوم بها الرجل الأبيض وهو كاره! وكان هذا العبء متمثلا في نشر (3C) وهي: المسيحية والتجارة والحضارة! لكن اللافت للنظر هنا أن الإفريقي الزنجي الأسود كان يُغرى بالمسيحية لكي يحصل على التحرر، فإذا اعتنق المسيحية قيل له: المسيحية تحرر روحك، بينما يبقى الجسد في عبودية السيد الأبيض!

ويستمر ذلك حتى عصرنا الحاضر التي شهدت فيها أوروبا مذابح المسلمين في البوسنة ثم كوسوفا وقد حدثني مسؤول منظمة إغاثية عملت في كوسوفا أن مسؤولا إنجليزيا في اجتماع معهم قال: لن تسمح أوروبا لكيان مسلم داخلها! ثم ها هو الموقف المعاصر من تركيا ودخولها إلى الاتحاد الأوروبي الذي يرونه ناديا مسيحيا! بل حتى عهد بوش الابن -كما تروي كونداليزا رايس في مذكراتها- كانت المنظومة المدفعية الأمريكية الرئيسية المعدة لمواجهة السوفيت تسمى Crusader (صليبية)!

كنت أندهش قديما حين أقرأ قصص بعض الغربيين الذين اهتدوا إلى الإسلام، كثيرون منهم عبَّر عن موقفه بأنه لم يفكر من قبل في الإسلام باعتباره دينا إفريقيا أو آسيويا، كان يظنه دينا منغلقا على أتباعه لا يرحب بالأوروبيين. هذه النظرة إلى الدين هي ذاتها النظرة العنصرية البيضاء التي تجعل الأديان محصورة في أعراق بعينها أو جغرافيا محددة. سفاح نيوزيلاندا كتب في كتابه هذا أنه يحتقر على وجه الخصوص الرجل الأبيض الذي يدخل في الإسلام، وصفهم بقوله: "أولئك الذين ينتمون إلى شعبنا ويديرون ظهورهم لتراثهم ولثقافاتهم وتقاليدهم، ويصبحون خونة لدماء قومهم".

حتى بعد أن دخلت أوروبا في عصر العلمانية، وتحررت من الكنيسة، ظلت الروح العدائية ضد الإسلام فعَّالة بروح الحملات الصليبية، يُعَبِّر عن هذا المعنى أناس كثيرون باختلاف مواقعهم:

-      ليوبولد فايس الذي أسلم وصار محمد أسد يقول: "ما يفكر الغربيون فيه ويشعرون به نحو الإسلام اليوم متأصل في انفعالات وتأثيرات إنما وُلِدَت في إبان الحروب الصليبية"[4]
-      برنارد لويس المستشرق اليهودي الصهيوني العتيد يقول: "الروح العدائية (ونستطيع حتى أن نقول الصليبية) في فرنسا ما بعد الثورة "العلمانية" وخططها ضد العثمانيين ونواياها في استعادة مجد اليونان رغم العلاقات السياسية الطيبة في الظاهر بينها وبين العثمانيين"[5]
-      القائد العسكري البريطاني ألنبي حين دخل القدس (ديسمبر 1917م): "الآن انتهت الحروب الصليبية"
-      دخل القائد الفرنسي جورو إلى دمشق فركل قبر صلاح الدين قائلا: "ها قد عدنا يا صلاح الدين"!
-      وحتى بوش الابن الذي قال عن حملة أمريكا الجديدة: حربا صليبية، ثم زعم أنها فلتة لسان!

لم تكن فلتة لسان، إنما هو مسار واحد مضطرد، لكننا لا نقرأ التاريخ، فقبل أن تحتل بريطانيا مصر كان قد نادى عليها رئيس الحكومة الفرنسية جامبيتا أن تسارع باحتلال مصر لكي لا تنجح ثورة عرابي الإسلامية فمن واجب بريطانيا أن تقوم بدورها في الحملة الصليبية الحاضرة مثلما فعلت فرنسا في الجزائر وتونس[6]، وهو ما كان. وبعد ذلك الزمن بثلث قرن كان بيكو (الطرف الفرنسي في اتفاقية سايكس بيكو) هو النصير الأول لحركة "سورية فرنسية" التي ترى أن لفرنسا حقوقا تاريخية في سوريا وفلسطين منذ زمن الحملة الصليبية وأنه لهذا ينبغي أن تواصل "مهمتها التاريخية" هناك[7].

المواقف كثيرة، لكن أغرب وأعجب ما رأيته في هذا السبيل هو ما رواه الشيخ أمين الحسيني مفتي القدس في مذكراته، حيث كان يحاول مع الألمان إعلان دعمهم لوحدة الدول المغربية التي تقع تحت الاحتلال الفرنسي في ظل الحرب العالمية الثانية، ففوجئ بوكيل وزارة الخارجية الألماني للشؤون الشرقية يخبره بأن هذا ليس من مصلحة ألمانيا، فحاول أمين الحسيني التلويح بورقة لجوء تلك الدول للشيوعية طلبا للاستقلال، ففوجئ به يقول له: "هذه الدول الأوروبية ترى أن الإسلام أشد خطرا عليها من الشيوعية، لأن الشيوعية تمكن معالجتها وصد خطرها برفع مستوى المعيشة في الشعوب وتوزيع العدل الاجتماعي وغير ذلك من الوسائل، بينما ترى هذه الدول في الإسلام عقيدة زاحفة يُخْشَى خطرها على أوروبا التي نخرت المدنية الفاسدة عظامها، وأضعفت نواحيها الخلقية والروحية والعسكرية، فهم يخشون إذا تألفت هذه الدولة المغربية المتحدة أن يكون لها شأن عظيم، ويتوهمون أنها لا تلبث أن تثب على أوروبا مرة أخرى ويعيد التاريخ نفسه".

هل كان سفاح نيوزيلاندا شذوذا عن الحالة الغربية؟

أبدا.. إنما كان متهورا لا يعرف كيف يتمم الذبح بشكل قانوني أنيق، وبعد حملة إعلامية تُتَمِّم شيطنة المقتولين، كان متهورًا وفجًّا، كان يمكنه أن يلتحق متطوعا بأي جيش غربي (بالجيش النيوزلندي نفسه المشارك في احتلال العراق) ليمارس القتل والقصف وينعم بالبطولة والأوسمة والنياشين، كان يمكنه أن يلتحق متطوعا بشركة أمن خاصة كمرتزق مرموق ليمارس نفس القتل والتعذيب منعما براتب فخم ومزايا عظيمة، كان يمكنه –كبعض أصدقائه الذين ذكرهم في كتابه- أن يلتحق بمؤسسة رسمية فيعمل من خلالها وتحت غطاء القانون فتكون أعماله مجرد أخطاء غير مقصودة من شرطي شعر بالتهديد فتصرف وفق ما يستدعيه الخطر!

كان متهورا.. لم يتعلم بعد فن صناعة العدو وفن قتله!

ومع هذا، فسيقضي أيامه في سجنه المهندم الأنيق، سينفق عليه من ضرائب الذين قتلهم، بينما ستعاني أسر المقتولين ضياعا حقيقيا إن ظلوا في تلك البلاد بلا عائل، أو عادوا إلى البلاد التي خرجوا منها بحثا عن حياة كريمة.




[1] محمد أسد: الطريق إلى الإسلام ص19.
[2] رودي بارت: الدراسات العربية الإسلامية ص9، 10.
[3] إدوارد سعيد: الاستشراق ص46.
[4] محمد أسد: الطريق إلى الإسلام ص17.
[5] برنارد لويس: اكتشاف المسلمين لأوروبا ص62
[6] ريمون فلاور: مصر من قدوم نابليون حتى رحيل عبد الناصر ص 191
[7] ديفيد فورماكين: سلام ما بعده سلام ص214.

الأربعاء، مارس 20، 2019

عزيزة جلود ومريم المصري

أنهيت قبل أسابيع قراءة مذكرات المجاهدة السورية عزيزة جلود، وهي مذكرات مؤلمة مريرة تثير الغضب بعد أحداثها بأربعين سنة، ترى كيف كان وقعها على صاحبتها التي عايشتها حقيقةً قاهرة على نفسها وأعصابها ومشاعرها وأهلها؟!

إن كنتَ تدقق في التفاصيل فستعرف اسم عزيزة جلود إن كنت مهتما بتاريخ سوريا أيام حافظ الأسد، فهي زوجة الشهيد إبراهيم اليوسف صاحب عملية المدفعية الشهيرة، والبطل الحلبي الذي بنى عليه أهل سوريا آمالا ضخمة، والرجل الثاني في تنظيم الطليعة بعد مسؤولها العام عدنان عقلة، وهو التنظيم الذي اجتذب الشباب الإسلامي في ثورة الثمانين التي لولا خذلانها من قِبَل القيادات "الإسلامية العريقة" لكان تاريخٌ آخر.

ستعرف عزيزة جلود أيضا إن كنتَ من هواة أدب السجون وقرأتَ مثلا رواية هبة الدباغ "خمس دقائق فحسب"، وهبة الدباغ طالبة بكلية الطب أُخِذت في ليلة باردة من ديسمبر وقيل لها "خمس دقائق فحسب" فإذا بها يُسلخ من عمرها تسع سنوات في سجون حافظ الأسد، وقد فوجئت هبة الدباع في أحد السجون بوالدتها وقد سُجِنت معها، ثم أفرج عن الأم وبقيت هي، ثم جاءها نبأ استشهاد أهلها جميعا في مجزرة حماة: الأب والأم وجميع الإخوة، وهي رواية أخرى مريرة مؤلمة ذابحة تحكي قصة أمتنا المقهورة تحت هذه الأنظمة. لكن الشاهد منها في سياقنا الآن أنها روت كيف أفرج عن جميع السجينات إلا عزيزة جلود التي قضت فوقهن عاميْن آخرين.

الغريب في شأن عزيزة جلود، وهو الذي من كثرته لم يعد غريبا، أنها اعتقلت قبل زوجها إبراهيم اليوسف كرهينة كي يُسَلِّم نفسه، ولما لم يفعل أُفْرج عنها لتكون كمينا لاصطياده، لكنه استطاع تنفيذ عملية تهريبها من بيت أهلها وقضت معه أيامه الأخيرة قبل استشهاده، ثم استشهد، ثم اعتقلوها بعد استشهاده.. لماذا؟ لا شيء! فقط ينتقمون من البطل الذي أخافهم وأذلهم.. وقد ظلوا أحد عشر عاما يسجنون زوجته انتقاما منه!!

في هذه المذكرات روت عزيزة جلود أخبار زوجها وتعرفها عليه ثم زواجها منه وأخلاقه وطبائعه وقصة انضمامه للطليعة وقصة عملية المدفعية وأغراضها وقصة المطاردة والاختباءات والبيوت الآمنة واحتياطات الثائرين، ثم فصول السجن الطويل وتغير الرجال (كان سبب الإيقاع بأهم مجموعات الطليعة رجل منهم كان مجاهدا فانتكس وصار عميلا لنظام الأسد.. وبئس المصير!)، وحكايات السجن كما تراه امرأة وحيدة بيدها طفل رضيع ظل معها في السجن حتى خشيت عليه أخلاق السجانين ففارقته، ثم إنها خرجت بعد سنين قضتها في زنزانتها وحيدة بلا أنيس (والسجن بلا أنيس سجن فوق السجن، وضعف فوق الضعف)، ثم قضت سنين أخرى تعاني فيها قهر النظام العام الذي تروج روايته الرسمية تشويه زوجها الشهيد ومع أبناء يتمزقون بين رواية الأم والبيت وبين رواية المدرسة والتلفاز، فهم أبناء البطل في بيتهم الضيق ودائرتهم المحدودة وهم أبناء الإرهابي في الشارع والمدرسة والمجتمع! ثم ما كادت تأتي الثورة السورية فيتنفسون بعض الحرية حتى جاءت داعش فخرجت المرأة المجاهدة تحت جنح الليل عبر مسالك التهريب فرارا من القتل ردة.. وأمور أسأل الله أن يعين على تناولها في مقال منفرد إن شاء الله، إلا أن كل مقال لا يُغني عن قراءة الكتاب نفسه.

لكنما جاءت ذكرى المجاهدة عزيزة جلود والتعريف بها لأن ثمة أخرى مصرية تعايش الآن ذات هذه الفصول، تلك هي مريم رضوان المصري أرملة عمر رفاعي سرور.

بعد الانقلاب العسكري في مصر اضطر عمر رفاعي سرور، وهو نجل الشيخ المصري المعروف رفاعي سرور، إلى الخروج إلى ليبيا، وهناك كان من جملة المجاهدين ضد قوات حفتر الذين شكلوا مجلس شورى مجاهدي درنة. اصطحب معه في خروجه زوجته مريم رضوان المصري، ثم قُتِل في قصف لقوات حفتر في درنة صيف 2018م.

ترك عمر رفاعي أرملته مريم رضوان (25 عاما) وثلاثة أطفال صغار: فاطمة (5 سنوات) وعائشة (3 سنوات) وعبد الرحمن (8 شهور)، ولا يعرف عنهم شيء!

بعد أربعة أشهر، في أكتوبر 2018 أعلنت قوات حفتر أنها ألقت القبض على أسرة عمر رفاعي، وفي نفس الشهر نشرت وسائل إعلام مصرية وليبية أن قوات حفتر سلمتهم إلى السلطات المصرية، ومن ذلك الوقت (أي منذ خمسة أشهر) ولا شيء يُعرف إطلاقا عن مصيرهم!

حاولت أسرة عمر رفاعي في مصر، كما حاول بعض القانونيين والحقوقيين، معرفة مصير الأم وأطفالها الثلاثة وقدَّموا البلاغات إلى الجهات الرسمية التي لم تحرك ساكنا ولم تسكن متحركا!

عند أنباء اعتقال الأسرة كشفت بعض المواقع المقربة من الجهات الأمنية المصرية وبعض المواقع الكنسية المصرية أن مريم رضوان المصري كانت مسيحية قبل إسلامها، وذلك قبل أن تتزوج من عمر رفاعي، فأشعل هذا تخوفا آخر كبيرا بأن اختفاءها هذا قد يكون معناه: تسليمها وأولادها إلى الكنيسة. والكنيسة المصرية الآن تعيش أزهى عصورها قاطبة في عصر السيسي، وقد كانت في عصر مبارك تتسلم المسلمات من جهات الأمن المصرية وتخفيهن ولا يُعثر لهن على أثر، وقد وقعت حالات شهيرة أبرزها: وفاء قسطنطين وكاميليا شحاتة وماري زكي عبد الله وغيرهن، فلئن كان هذا حدث في زمن مبارك فكيف بما قد يكون قد حدث في زمن السيسي؟!

هذا التخوف دفع المهندس خالد حربي إلى إعلان إضرابه عن الطعام وهو في محبسه بسجن العقرب، وسجن العقرب هو أسوأ السجون المصرية قاطبة، يضعون فيه من يظنونه خطيرا ومهما، وفيه الآن القيادات الكبرى لجماعة الإخوان المسلمين، إلا أن خالدا ليس من الإخوان، إنه من أشهر الشباب في مصر، وهو قرين حسام أبو البخاري إلا أن الأخير أشهر، وذلك لنشاطه الوافر في التصدي للتنصير في زمن مبارك، وقد سُجِن خالد وهو طفل وظل لفترات عديدة مطاردا من الأمن المصري، وضمن مجهوداته هذه كان هدفا دائما للكنيسة المصرية التي تطالب بإسكاته واعتقاله. لقد كانت مريم رضوان واحدة من ثمار المجهود الدعوي لخالد حربي.

أعلن خالد حربي إضرابه عن الطعام لحين ظهور مريم رضوان وأطفالها، الذين هم شرعا ثم قانونا مسلمون، ثم هم شرعا وقانونا غير متَّهَمين بشيء، ثم هم شرعا وقانونا وإنسانية لا يجوز أن يبقوا في حبس السلطة المصرية ولو كانوا مُتَّهمين لظروف هؤلاء الأطفال الصغار.

وقد أصدر ثلاثون من العلماء بيانا طالبوا فيه بالإفراج الفوري عن مريم رضوان وأطفالها وأفتوا بأن تسليمها للكنيسة –إن كان قد حصل- فهو ردة عن الإسلام وخروج عن شرائعه.

لكن السلطة المصرية لم تحرك ساكنا ولم يصدر عنها شيء، ثم المثير للتخوف أن المواقع الكنسية أيضا تشاركها الصمت المطبق من بعد ما شنُّوا في الأيام الأولى حملة على عمر رفاعي وأسرته، وهو ما يزيد من المخاوف أن تكون قد سُلِّمَت فعلا للكنيسة.

لن نمضي الآن مع احتمال تسليمها للكنيسة رغم قوة شواهده، وسنبقى في الحد المتيقن منه، وهو كونها سجينة أسيرة مع أطفالها لدى جهة تابعة للأمن المصري، لا لشيء إلا انتقاما من زوجها بعد مفارقته هذه الحياة كلها، امرأة وحيدة مع أطفال ثلاثة ترى كيف تعيش كل هذا الظلم وكل هذه القسوة؟

كيف تهدهد أطفالها الذين يفقدون الأمن والطمأنينة وحق الطفل في اللعب والمداعبة والانتقال بين الأهل والأقارب والجيران؟

ماذا تفعل إذا نزل بطفل لها مرض أو وجع أو عنَّت لها أو لطفلها حاجة؟

من تنادي وإلى من تلجأ؟

وإلى متى تستمر في بلادنا حكايات النساء في السجون المظلمة المخيفة؟!

إلى متى تتصل حكاية زينب الغزالي بهبة الدباغ بعزيزة جلود بمريم المصري؟!
ألا نفوسٌ أبيَّاتٌ لها هممٌ .. أما على الخير أنصار وأعوانُ؟
يا من لذلة قوم بعد عزِّهمُ .. أحال حالهمُ جورٌ وطغيانُ

الاثنين، مارس 18، 2019

مذكرات الشيخ رفاعي طه (12) قصة انضمامي لليسار


مذكرات الشيخ رفاعي طه (12)
من مؤسسي الجماعة الإسلامية المصرية
بعد حوار دافعت فيه عن الشريعة الإسلامية انضممت للتيار اليساري

·      قال لي عميد الحقوق: أنا مثل مالك والشافعي وأحمد ولا تقرأ في الكتب الصفراء
·      كانت الجماعة الدينية في الجامعة أوائل السبعينات ضعيفة متهالكة تجمع الصوفيين والأمنجية
·      كان الخطاب اليساري جذابا يمس المشكلات اليومية
سجلها عنه وحررها: محمد إلهامي

لقراءة الحلقات السابقة:
الحلقة السادسة: قصتي مع التصوف
الحلقة السابعة: قصة ثورة في المدرسة

أول ما أتذكره من أيام الجامعة ذلك النقاش الذي اندلع مع أستاذ القانون حول الشريعة الإسلامية، وقد كان من محاسن الجامعة ذلك التقارب الذي يكون بين الطالب والأستاذ الجامعي، فإنه أفضل من العلاقة الأبوية التي بين تلميذ المدرسة والمُدَرِّس، وذلك أنك تستطيع الحديث مع أستاذ الجامعة في أي وقت، تطرح وجهة نظرك، تجادل فيها، تناقش المادة نفسها ومعلوماتها ولا تتعامل معها كأنها مقدسة كما هو الحال مع المادة في المدرسة، وذلك هو ما شجعني لبدء هذا النقاش.

غاب عني الآن اسم الأستاذ، لعل اسمه كان "محمود سلام زناتي"، وكان عميدا لكلية الحقوق، لكنه كان يُدَرِّس لنا مادة "مبادئ القانون" في كلية التجارة، وكانت تشتمل على جزء من القانون البحري أو القانون التجاري، لا أتذكر الآن بدقة، على أن مقدمة هذه المادة جاء فيها أن "الشريعة الإسلامية هي المصدر الثالث للتشريع" أو نحوا من هذا، فاستفزني هذا الكلام، فذهبت إليه في الاستراحة التي تكون بين جزئي المحاضرة، وفيها كان الطلاب يذهبون فيسألون الأستاذ، وقد كانت شخصيته لطيفة فكان يجيبهم ويبش لهم، فعمدت إليه ومعي الكتاب، وانتظرت حتى فرغ الطلاب من حوله، ثم دار بيننا هذا الحوار، قلت له:

-      لو سمحت حضرتك، أريد أن أسأل سؤالا
-      تفضل يا بني
-      أنت تقول في المذكرة أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الثالث للتشريع.. هذا صحيح؟
-      نعم، صحيح!
-      الشريعة الإسلامية المصدر الثالث للتشريع؟!!
-      نعم!
-      الشريعة الإسلامية!! المصدر الثالث!!! للتشريع؟!!!

زاد استغرابه، وصار لا يفهم ما أقول، فقال بنوع جدية وصرامة:
-      أين السؤال؟!

فقلت له وأنا سادر في أسلوبي:
-      يعني لم تدرك السؤال بعد؟!
-      عيب يا بني.. عيب! ما هذه اللهجة وما هذه الطريقة في الكلام.. من أين أنت؟
-      من أرمنت، قنا (وأنطقها بلهجتي الصعيدية التي تُنطق فيها القاف كأنها جيم قاهرية)
-      أين أرمنت قنا هذه؟!
-      ألا تعرفها.. لا تعرف أرمنت، قنا؟!
-      لا، لا أعرف
-      مركز أرمنت، محافظة قنا.
-      آها، نعم، محافظة قنا معروفة.. المهم، أين السؤال، عم تريد أن تسأل؟
-      حضرتك تقول: الشريعة الإسلامية المصدر الثالث للتشريع، هل هذا صحيح؟!
-      نعم، هذا صحيح، أنا أقول هذا فعلا، ما الذي يعسر عليك في فهم هذا؟!
-      أنا معترض على قولك: إن الشريعة الإسلامية المصدر الثالث للتشريع.
-      حسنا، فماذا تريدني أن أقول؟ هل تحب أن أقول إنها المصدر الأول؟
-      نعم، يجب أن تقول: المصدر الأول
-      ولكنها ليست كذلك، ليست المصدر الأول
-      ليكن، ليكن أنها الآن ليست المصدر الأول، لكن هل أنت مقتنع أن مكانها الطبيعي أن تكون المصدر الثالث؟! هل يليق بالشريعة أن تكون المصدر الثالث برأيك؟ أم أنك تسير مع الوضع الحالي الذي جعلها المصدر الثالث؟
-      رد بتجهم: أنت تكثر القراءة في الكتب الصفراء!

لم أفهم إشارته وتلميحه، ولم أكن أعرف أن الكتب الصفراء مصطلح يطلق على كتب التراث الإسلامي، وتصورت أنه يقصد الكتب التي ورقها أصفر كالكتب القديمة المطبوعة على الورق الأصفر، وقع في ذهني المعنى المباشر للألوان، وهو ظاهر الكلام، فأجبته ببراءة ولهجة دفاعية:

-      لا والله العظيم، أنا لا أقرأ أبدا في كتب صفراء.. أنا...

وجد الدكتور نفسه أمام طالب بينه وبينه فجوة في التواصل! فقال بلهجة ودود:

-      الشريعة الإسلامية يا بني لا تصلح أن تكون مصدرا مستقلا في التشريع
-      لكن هذا الكلام غلط يا دكتور
-      أين الغلط يا ابني؟
-      هذه الشريعة الإسلامية أنزلها الله تعالى
-      من قال لك: أنزلها الله؟! الشريعة الإسلامية هذه هي أقوال الفقهاء، مجرد اجتهاد بشري، مجرد فهم للنص، وأنا فقيه.. أنا من فقهاء الأمة! وأنا أفهم النص مثلما كان يفهمه الإمام أحمد والإمام الشافعي والإمام مالك وهؤلاء الفقهاء
-      لا طبعا.. كيف؟ كيف تُسَوِّي نفسك بهؤلاء الأئمة؟
-      وما أدراك أنت بهؤلاء؟ هل تعرفهم؟ هل تعرف أنت مالك والشافعي وأحمد؟ هل قرأت لهم شيئا؟ هل إذا أعطيتك الآن مجموعة من كتبي مثل كتبهم.. هل تشهد أني أفهم مثلهم؟!

أصابني الارتباك، كان موقفا غريبا وغير متوقع، رجل يقول إنه مثل مالك وأحمد، ويفهم مثلهم.. لكني مع ذلك تماسكت وقلت:

-      لا، حضرتك لديك علم في القانون الوضعي الذي تُدَرِّسه، لكن لا يمكن يكون لديك من علم الشريعة مثل أحمد ومالك وهؤلاء الأئمة، هؤلاء أخذوا علمهم من القرآن والسنة.
-      نحن أيضا مصدر علمنا الكتاب والسنة، كيف تتخيل العلم الذي لدينا؟ القانون الفرنسي نفسه مأخوذ عن الشريعة الإسلامية، ثم نُقِل إلينا بهذه الكيفية، ففي الواقع فإن العالم كله يحتكم إلى الشريعة الإسلامية حين يحتكم إلى القانون الفرنسي.

هنا أصابني الانبهار، وأخذني مسار الكلام لأعجب به، لقد رسم لي أن العالم كله يحتك إلى الشريعة الإسلامية، وكفى بهذا فخرا ومصدر سعادة.. ومع ذلك فقد كان شيئا ما في نفسي يرفض هذا، ويراه تلفيقا أو تزويرا أو كلاما غير مقبول، فعاودت أقول وأرد:

-      لا.. لا يمكن أن يكون هذا القانون هو القانون الإسلامي
-      يا بني، أنا عميد كلية الحقوق، وعندما أقول لك: إن القانون الفرنسي مأخوذ من الشريعة الإسلامية، فأنا أعلم ما أقول!

في هذه العبارة الأخيرة احتد عليَّ، وارتفع صوته في النقاش، وما كنتُ لأستغرب هذا، فمثل هذا الحوار والجدال لم يكن ممكنا أن يدور مع مُدَرِّسٍ في المدرسة، وها هو يدور بين طالب وعميد لكلية الحقوق، ومع أن الرجل أفحمني وأسكتني، ومع أني لم أعد أعرف بم أجيب ولا كيف أرد، إلا أنني بقيت على انبهاري بالرجل وإعجابي به. ثم مع ذلك فقد كرهت مادة القانون، وعزمت ألا أحضر هذه المحاضرة!

كنت مبهورا نعم، لكن أيضا لم أبتلع قوله أن تكون الشريعة هي المصدر الثالث للتشريع، ثم إن له فلسفة تُعْجِزُني، والعجز يضيق الصدر ويسبب أزمة، ما هذا الرجل؟! هل يمكن أن يكون فعلا كالإمام أحمد أم أنه يريد بهذا تشويه علماء الشرع حين ينزل بهم إلى نفسه؟! هل له فعلا مثل إنتاجهم؟! هل يمكن أن يكون له مثل فهمهم وعلمهم بالدين؟!.. أمور لم أستطع أن أبتلعها وإن أسكتني حواره، وكان الحل الأسهل أن أتجنب هذه المادة وصاحبها.. وقد كان! ثم كانت بعد ذلك آثارها، لقد ظللت أرسب في هذه المادة ثلاث سنوات متتاليات!

ويبدو أن ذلك الحوار قد طبع صورتي في ذهنه، فقد شاهدني ذات يوم وأنا داخل إلى المدرج فنادى عليَّ، ثم سألني: لم لا تحضر معنا؟ فأجبته باقتضاب وأنا أتملص من الموقف: سأحضر سأحضر، ثم سارعتُ منصرفا.

ومن المفارقات، أني وبعد هذه المحاورة التي أبدو فيها كإسلامي متشدد، ما لبثت أن انخرطت في صفوف التيار اليساري، ناشطا طلابيا!

ومن المفارقات أيضا أني لم أحاول فيما بعد هذا الحوار أن أعود إلى الكتب فأقرأ لأردَّ عليه، استمر شأني في القراءة كما هو، القراءة المتنوعة غير الموجهة، لكن لم أقرأ بغرض الردّ عليه، كأن الحوار لم يستفزني للرد رغم أنه أعجزني وأضاق صدري، لقد وقر في نفسي أنه أستاذي وكيف أردّ عليه؟!

أتذكر أني كنت في تلك الفترة اقرأ في الكتب الإسلامية عموما، وأقرأ تفسير القرآن لابن كثير، ومقدمة ابن رشد التي هي بداية المجتهد ونهاية المقتصد، وكتاب أصول الفقه الصغير الذي ألفه الشيخ محمد خلاف. كانت هذه الكتب الثلاثة تلازمني في المرحلة الثانوية، ثم في أول سنة بالجامعة كنت أقرأ فيهم فيتحسن فهمي، ثم اشتريت كتاب "الأم" للإمام الشافعي، وبمرور الوقت بدأت تتكون ملكة القراءة في كتب السلف، لا سيما في المعسكرات الطلابية ومعارض الكتاب الإسلامية، ولقد أعطى نشاط التيار الإسلامي في السبعينات دفعة هائلة لمثل هذه الميول.. لكن هذا سيأتي فيما بعد!

أما قصة انضمامي إلى التيار اليساري فكان السبب فيها أني بطبعي شخص نشط، ولا أستطيع الخمول والسكون، وفي ذلك الوقت لم يكن قد بدأ النشاط الإسلامي في الجامعات، بل كان النشاط يكاد يكون حكرا على اليساريين، نعم.. كان هناك ثمة جماعة ضعيفة اسمها "الجماعة الدينية" إلا أنه يغلب عليهم التوجه الصوفي والتوجه الأمني كذلك، كان معظمهم صوفية وتابعين للأمن! كنت أعرف الصوفيين بما لدي من تجربة قديمة في الصوفية، لكن التابعين للأمن كان تصنيفا جديدا أخذته من الرفاق الشباب اليساريين الذين كنا نعمل معا.

ومع هذا فلم يكن أولئك التابعون للأمن عتاة أو دهاة، إنما كان توجههم الصوفي ينزع بهم إلى ذلك كما ذكرت سابقا من أن التدين في عصر عبد الناصر كان ذا مسحة صوفية وأن هذا كان مطلب السلطة لتوظيف الدين ضمن سياستها، ولقد كان مألوفا أن يكون المرء اشتراكيا وصوفيا معا كما سبق الحديث. ثم إن هذه الجماعة الدينية ضعيفة وخاملة ولا نشاط لها، إنهم يُعرفون بالتزامهم الصلاة وبمجلة حائط ضعيفة متهالكة لا تسمن ولا تغني من جوع. وهو ما يخالف طبعي ويجعلني نافرا من حالة السبات هذه!

أما اليساريون فأصحاب نشاط وحركة، يصدرون عددا من مجلات الحائط، بل لقد كنتُ أصدر مجلة حائط وحدي، إعدادا وتنفيذا، وقد شاركوا فيها وكانوا يدعمونني، وكانت الجامعة تشهد حرية طلابية، وقد كان الطلاب اليساريون يُجَهِّزون معرضا ويتكلمون فيه عن السادات والحرب والحق في الخبز والعدالة الاجتماعية والأزمة الاقتصادية والبلد التي تعاني من المجاعة والشعب الذي يعضه الفقر، يتكلمون أحيانا أخرى عن الطالب المصري، وأزمة الكتاب لدى الطالب المصري، أزمة التعليم لدى الطالب المصري، ما الذي يتلقاه الطالب في مصر من المناهج الضعيفة غير العلمية غير المركزة.. إلخ!

كان اهتمامهم منصبا على المشاكل التي تمس الحياة اليومية، إضافة إلى البعد السياسي، وقد كان للسادات نصيب الأسد من نقدهم وهجومهم. وكان هذا ما يجذب إليهم، وهو من جملة ما جذبني كذلك.