الثلاثاء، ديسمبر 04، 2018

إعدامات في مصر وتبديل للدين في تونس، ألا من مراجعة لفقه الانسحاب والتنازل بدعوى المصالح والمفاسد؟!


أكثر الأسئلة التي كان يطرحها الإعلام العلماني على أي سياسي إسلامي: ماذا ستفعلون في النساء العاريات على الشواطيء، في النساء غير المحجبات واللاتي لا يردن أن يرتدين الحجاب، في مصانع ومحلات بيع الخمور، في السينما والمسرح، في رياضات السباحة وفن الباليه... وهكذا!

في المقابل فإن سائر الإجابات التي يبذلها الإسلاميون في هذه الأبواب تفيد بث الطمأنينة لهذه القطاعات، حتى إن أكثرها وضوحا و"تشددا" هي الإجابة التي تتحدث عن التدرج والرفق في تغيير هذه الأمور، وتتفق الإجابات الإسلامية على أن هموم الأمة أوسع وأكبر من هذه الأشياء، هموم في الاقتصاد والسياسة والطاقة والتعليم. وبالرغم من هذا فإن الحملات الإعلامية العلمانية وحديث المثقفين العلمانيين يأخذ هذه الصورة: هؤلاء خطر على الحريات، هؤلاء خطر على الفن والثقافة والسياحة والرياضة والمسرح، هؤلاء لا يفكرون إلا بغرائزهم ولا ينتبهون إلا للمرأة وحجاب المرأة ويتركون هموم الوطن الاقتصادية والإنتاجية والتعليمية، هؤلاء طلائع الظلام القادم من العصور الوسطى الرجعية!

ثم حين يكون العلماني في موقع السلطة، بانقلاب أو توريث، مدعوم بالدول الأجنبية بطبيعة الحال، فإنه لا يفعل شيئا في أبواب الاقتصاد والسياسة والإنتاج والطاقة والتعليم، أبدا.. بل هو يتوجه من ناحيته لمحاربة دين الناس وعقيدتهم وأخلاقهم، لا حرية متاحة إلا حرية الانحلال والإباحية، ولا تقدم إلا على مستوى انتشار الخمور والفجور، ولا قوانين تصدر إلا التي تزيد من سطوة الحاكم العلماني وهيمنة الأجنبي ومحاربة الدين. وهاهو الباجي قايد السبسي لم يجد شيئا ينبغي أن يهتم به سوى إصدار قانون يُسَوِّي بين الرجل والمرأة في الميراث رغم امتلاء تونس بالمشكلات! ومع هذا فالنخبة الثقافية العلمانية بامتداد العالم العربي لا تحدثه عن هذه المشكلات المزمنة بل تصفق له على هذه المشكلة الجديدة التي يصنعها في بلده.

هذه هي أولويات العلمانيين..

وإنها لأولوياتهم منذ وُجِدوا في بلادنا، فهم أبناء الاستعمار الأجنبي وربائبه، وما كان لهم أن يصلوا إلى السلطة ويحكمونا إلا بقوة الاستعمار المسلحة ودعمه، وبقدر ما أنهم رسَّخوا وعَمَّقوا ما نحن فيه من التخلف على سائر المستويات بقدر ما أنهم نشروا في بلادنا الكفر والانحلال والتهتك.

المشكلة الحقيقية أن كثيرا منا لا يفهمون ذلك، يرونهم شركاء الوطن لا صنائع الاستعمار، يحسبونهم أصحاب فكر مختلف لا أصحاب عداوة أصيلة، يتوهمون أن هدفا مثل "تقدم الوطن" أو "استقلال الوطن" يمكن أن يجمع بيننا وبينهم. بعضنا جاهل بهم وهو جهل فادح فاضح لا يُعذَر صاحبه به، وبعضنا من ضعفه وعجزه يريد أن يتوهم هذا لئلا يواجه الحقيقة التي تزيده شعورا بحجم التكاليف والمسؤولية، وبعضنا من أخطائه وفشله وخياناته أيضا يُسَوِّق هذا الوهم لئلا يقال عنه: أخطأ وفشل وخان.

هؤلاء الذين هم منا، هم من يجبروننا على إعادة التكرار والثرثرة في الكلام المعروف المملول عن عداوة هؤلاء وكونهم صنائع الاستعمار وممثلوا مصالحه في بلادنا.. أولئك يقطعون الطريق حول تطور الكلام والأفكار لتبحث في "كيفية التخلص منهم" لنظل نراوح مكاننا في إثبات أنهم خصوم وأعداء.

وهم من ناحيتهم لا يُقَصِّرون في إظهار عداوتهم، فما إن تلوح لهم فرصة حتى تكون منازلنا بين القبور والسجون والمنافي، بين من قضى نحبه ومن ينتظر، من لم يمت بالرصاص مات بالتعذيب، ومن لم يمت بالمشنقة مات من أمراض السجن، ومن لم يمت بهذا كله مات بباب من أبواب الفساد الذي ينشرونه في بلادنا: تحت ركام عقار بُني بخلاف مواصفات الأمان، أو في حرقا في قطار، أو غرقا في سفينة، أو تحت عجلات سيارة على الطريق العام.

إن أي حساب لتكلفة بقاء هذه الأنظمة على أمتنا سيؤدي مباشرة إلى نتيجة تقول: إن كل فوضى ناتجة عن الثورة عليهم وإسقاط أنظمتهم هي بكل تأكيد أهون وأقل ضررا، فحجم ضرر هذه النظم على الأمة لمدة ستين سنة لا يمكن حصره، بينما لا يمكن أن تستمر فوضى في مكان ما لستين سنة مثلا، الناس يستطيعون تدبير أمرهم وحكم نفسهم والتكيف مع أوضاعهم أفضل كثيرا من حالهم تحت أنظمة قاهرة تتفنن في قتلهم وسلب أموالهم وتمكين الأجنبي في بلادهم.

وقد ثبت من سيرتهم التي كتبوها بدمائنا، ورسموها بسياطهم فوق لحومنا، أنهم لا يؤمنون بشيء، إذ ليس من مبدأ أو قاعدة يمكن التفاهم معهم عليها، لا هم يؤمنون بالديمقراطية ولا بالحريات العامة ولا بحق الشعب في المتابعة والمراقبة فضلا عن المحاسبة.

فمن هاهنا كانت لحظات الثورات العربية لحظات فارقة ذهبية لقلب هذا الوضع، والتخلص من هذه الأنظمة، ذلك أن الشعوب لا تنفجر متى أردنا ذلك، بل ولا تزال تحير علماء الاجتماع في تحديد توقيت وأسباب انفجارها، إلا أن أولئك الجاهلين المغفلين منا سارعوا لامتصاصها وتبريدها، بل وظفت الأنظمة بعضا منهم لتداركها قبل وقوعها، حدث هذا في مصر وتونس والمغرب واليمن والأردن.

في تلك البلاد، كان الإسلاميون وسيلة امتصاص وتبريد الثورات وتداركها، رغم أنهم أكثر الكاسبين من نجاح الثورات، وأول الخاسرين إذا أخفقت، بل وهم من قبلها مضطهدون ومن بعدها مضطهدون. فالإسلاميون في اليمن هم من شلُّوا حركة الثورة وأدخلوها في دهاليز اللقاء المشترك والمبادرة الخليجية وترتيبات المبعوث الأممي حتى أكل الحوثي اليمن، وقد كانوا قادرين –فقط لو تجاسروا وقرروا- أن يُجَنِّبوا اليمن مصيره المريع الذي يلقاه اليوم بين طرفين مجرمين: الحوثي ممثل إيران مقابل السعودية والإمارات، ولا يدفع الثمن إلا أهل اليمن.

والإسلاميون في المغرب قبلوا أن يشاركوا مشاركة شكلية في الحكومة التي هي بلا صلاحيات ليكونوا درع القصر في الالتفاف حول الثورة الوشيكة، وليكونوا أيضا سيفه في طعنها والقضاء عليها في مهدها، وقد فعلوا، ثم وجدوا أنفسهم بلا صلاحيات ولا قدرة، بل إذا نجحوا فالمدح متجه لجلالة الملك وإذا فشلوا فالسب والشتم متوجه إليهم! ومثل هذه التجربة تقال عن الأردن أيضا مع تغيير تفاصيل غير مؤثرة!

والإسلاميون في مصر كانوا الأسرع إلى تهدئة الشارع وتبريد الثورة، ولولا ظهور شخصية ثورية مثل حازم أبو إسماعيل مع وجود رغبة دولية في "تجريب" الإسلاميين في الحكم لكانت قد تكررت تجربة 1954 بحذافيرها، لكن هذه المتغيرات أفسحت المجال لسنة في السلطة منزوعة الصلاحيات، ومع هذا فإن أداءهم في هذه السنة كان أداء من امتلك الدولة وسيطر عليها، فسيطر عليهم الحرص على الدولة ومؤسساتها وتغييب الشعب عن الصراع الدائر في الدهاليز بل والحرص على تهدئته وتبريد روحه الثورية، فكان أن انقلبت هذه الروح الثورية بفعل مؤسسات الدولة وإعلامها لتكون ضد الإسلاميين أنفسهم، لم يفكر أولئك في مواجهة هذه الدولة العميقة لحظةَ أن كانوا قادرين ووراءهم ثورة شعبية رفعتهم –رغما عنها- إلى السلطة، كما لم يفكروا في مواجهتها وهم مهددون، ثم لم يفكروا في مواجهتها بعد الانقلاب.. حالة عجيبة من حالات الانكسار النفسي والهزيمة المعنوية! وصار الذي هتف "سلميتنا أقوى من الرصاص" نزيلا في الزنزانة بتهمة الإرهاب!

تجربة تونس فريدة جدا في بيان نكبتنا ونكستنا العربية الإسلامية، وواحدة من أهم الشواهد الضخمة المنتصبة على ما نحن فيه من التيه. يقولون عن راشد الغنوشي مفكر، رغم أن سلوكه السياسي نموذج من السذاجة والضعف والارتباك ثم الفشل. ولا يمكن تفسير مساره إلا أنه آمن بالديمقراطية أكثر من إيمانه بالله وبكتابه وبرسوله، فإن كلام الله وسيرة رسوله ضد الغنوشي على طول الخط.. والغنوشي الذي تأسف قديما وأدان الحركة الإسلامية لأنها لم تهتم بعلوم الاجتماع والتاريخ والاقتصاد ظهر أنه لم يعتبر من هذه العلوم ولم يستفد منها شيئا! فمختصر مسار حركة النهضة التونسية أنها لم ترد إقامة الإسلام الذي هو مبرر وجودها كحركة إسلامية فتنازلت عن كل تأسيس إسلامي في الدستور أو هياكل الدولة، بل ولا احترمت الديمقراطية كوسيلة لبيان إرادة الشعب التي رفعتها إلى السلطة فتنازلت عن السلطة، إنما احترمت رغبة الأقوياء –وهم في أشد حالات ضعفهم، في لحظة الثورة- وسمَّت ذلك "البحث عن التوافق، الصيغة المشتركة للتعايش..." ونحو هذه الألفاظ النخبوية السفيهة الكفيلة باستجلاب الهزيمة في أي لحظة صراع فارقة. فانتهى هذا إلى أنها أسلمت الثورة إلى نظام بن علي نفسه مرة أخرى، وبشرعية كاملة، وهي الآن لا تملك أن تحمي نفسها من أن تنزل نفس السجون إن قررت السلطة أن تفعل هذا. وبالموازاة مع هذا كله أسهلت حركة النهضة في التنازل عن الإسلامي وتكييفه وتأويله وتطويعه وتعديله ليتفق مع رغبات الحداثة الغربية العلمانية الغالبة. ثم لا يأتينا من الغنوشي إلا مقالات تبريرية وتراجعات وتعديلات على أفكاره القديمة حتى صار الغنوشي نموذجا مثاليا للتأصيل "الشرعي" للعلمانية!

سيقولون: كل هذه البلاد وفَّرت على نفسها الصراع والدماء الذي انطلق في مصر وليبيا وسوريا.

ونقول: الاستسلام حلٌّ يجيده كل أحد، ويملكه كل أحد، ولا يُعدَّ ذكاء ولا حكمة أنك تنسحب من المعركة، تنسحب منها في أفضل فرصة ممكنة (فرصة ثورة شعبية).. ولا يُمدح أحدٌ بأنه انسحب من كل معركة فوفَّر على نفسه وجنوده الحياة! هذا يسمى انسحابا واستسلاما وضعفا وجبنا ويسمى أيضا خيانة!.. ولا يُعدّ الانسحاب حكمة إلا من قائد تتواصل انتصاراته لكنه انسحب من واحدة أو اثنتين لظروف رآها، أما من يقضي حياته في الانسحاب وتجنب المعارك فلا يسمى حكيما بل جبانا!

نعم، مرسي لم يكن رئيسا جيدا، لم يخض المعركة بحقها في الوقت الذي كان الشعب فيه معه، لكن صمود اللحظة الأخيرة هو ما جعل صورة الحق والباطل واضحة في مصر حتى الآن، وهذا ما يُحسب له، لا يزال السيسي عسكريا منقلبا.. بينما لا يستطيع أحد أن يقول مثل ذلك عن السبسي في تونس! فإنه يتمتع بشرعية كاملة!

وهكذا ماذا تكون الثورة قد حققت من النتائج، إن نحن أخذت حركة النهضة بناصيتها فأعادتها إلى النظام القديم ومعها الشرعية التي تنقله من مغتصب إلى ديمقراطي؟! هذا مع أنه لا ضمانة أبدا أنه سيحترم هذه الديمقراطية ولن ينقلب عليها، إذ لسنا نعرف من أخلاقهم ولا من أخلاق داعميهم الإيمان بالديمقراطية، كما ليس بأيدي النهضة والغنوشي من الضمانات الواقعية والاستعدادات العملية ما يجعلهم يتخوفون من الانقلاب على الديمقراطية.

إذا أردنا إجمال الحقائق في عالم البشر والسياسية فسيكون من بينها هذه الأمور:

1.    لا تنهض الأمم إلا حين تمر بمخاضات عسيرة مؤلمة تفقد فيها كثيرا من الخسائر حتى يتحقق لها التحرر والاستقلال الذي يؤهلها لتكون قوى كبيرة وعظمى فيما بعد.
2.    الاستبداد المعاصر هو صنيعة الاحتلال، والاحتلال داعمه وكفيله، فمعركة التصدي للاستبداد الداخلي هي جزء من معركة التحرر من الاحتلال الأجنبي، وهؤلاء الحكام وهذه الأنظمة ليسوا مجرد وطنيين وقع بيننا وبينهم الاختلاف في الرأي والنظر وطريق النهضة، بل هم وكلاء الاحتلال الذين يحاربون هذه البلاد وأهلها أشد مما كان يحاربها أسيادهم.
3.    ليس من مستبد ولا محتل يرحل من مكانه ويفرط في سلطانه لمجرد احترام الرغبة الشعبية، بل لا يرحل مستبد ولا محتل إلا كارها مقهورا مجبرا بعد استنفاد وسائله في التشبث والبقاء.
4.    الثورات لحظات فارقة ونادرة ولا تتكرر كلما شئنا.

حين يفقد العلماء وقادة الحركات الإسلامية الوعي بهذه الأمور وتنحصر رؤيتهم في حقن الدماء "هنا" و"الآن" فإنهم لا يصنعون خيرا للبلاد والعباد، بل على العكس، هم يسلمونها لحقبة قادمة بعشرات السنين لا تحصى فيها الخسائر من الدين والدماء والأموال والهيمنة الأجنية والتخلف العلمي والحضاري. ومن هنا فإن إفشال الثورات بتبريدها وتسكينها وتخديرها قبل تحقيق التمكين الحقيقي لممثلي الشعب –وهم في بلادنا الإسلاميون- ليس إنقاذا للأوطان من الفوضى، بل هو إنقاذ للأجنبي من الورطة التي قد تنفجر في وجهه وتُخرجه من البلد.

وحينئذ فالموازنة بين المصالح والمفاسد لا ينبغي أن تكون مقتصرة عن اللحظة "الآن" والمكان "هنا"، بل ينبغي أن تتسع لتشمل المستقبل –الذي نعرفه بخبرة الماضي- وأن تتسع بحجم الأمة لنرى كيف يمكن أن يؤثر الاستسلام هنا أو الانتصار هنا على الأمة كلها في معاركها الدائرة شرقا وغربا. وساعتئذ سنرى أن احتمال الألم في المخاض حتى الاستقلال والتحرر من الاستبداد والاحتلال أهون كثيرا كثيرا كثيرا من أخذ جرعة المخدر اللحظية المُسَكِّنة والتي سرعان ما تنتهي لنجد ألما طويلا مستمرا لا ينتهي أيضا إلا بمخاض آخر تكاليفه أشد وأقسى!

سل الذين مَكَّنوا لعبد الناصر في مصر حين لم يواجههوه أول أمره: دماء من حقنتم؟! ودماء من أرقتم؟!.. وهل كانت مواجهة عبد الناصر قبل أن يستبد ستؤدي مهما بلغت تكاليفها إلى هذه النكبة التي نحياها ستين سنة؟!

السبت، ديسمبر 01، 2018

الصحة والهواء.. كناشة من تاريخنا الحضاري


واحدةٌ من أهم أسباب وظواهر ضعفنا الحضاري انقطاعُنا عن تراثنا الحضاري الثري، ولذلك فكثيرا ما يندهشون الباحثون في التاريخ والحضارة الإسلامية حين يصادفون أمورا كانوا يظنون أن الحضارة الإسلامية لم تعرفها أو تكتب عنها شيئا!

في هذه السطور القادمة إشارات واقتباسات في أمر الصحة والعلل والأمراض من تراثنا الحضاري العريق، في مسألة تلوث الهواء وآثاره على الصحة العامة:

1. عاش علي بن العباس المجوسي -الذي عاش في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري في بغداد عاصمة العلوم واتصل بعضد الدولة البويهي أقوى أمراء الدولة البويهية، وألف بطلب منه "كامل الصناعة الطبية" الذي يعد من أهم كتب الطب في التراث الإسلامي[1]، ونحن نقرأ عنده تفصيلا لتأثير تلوث الهواء على صحة الإنسان، ومن ثَمَّ كيف تكون طرق الوقاية وطرق العلاج مختلفة بحسب اختلاف الفصول في السنة، يقول: "اعلم أنه ينبغي لكل من أراد حفظ صحته أن يكون تصرفه في المواضع التي يكون هواؤها صافيًا لطيفًا طيبًا لذيذًا لمستنشق، سريع التغير من الرياح الهابة، ليس بالغليظ ولا مما يخالطه بخارات رديئة ما أمكن؛ فإن الهواء أحد الأسباب القوية في تغير الأبدان لحاجة الحياة إليه اضطرارًا، ولأن أوقات السنة أقوى الأسباب في تغيير الهواء. وينبغي أن تذكر تدبير الصحة الذي يكون في كل واحد من أوقات السنة، فاعلم ذلك ترشد"[2].

ويقول في أسباب نشوء الوباء: "ولما كانت الأمراض الوبائية قد تحدث أيضًا من قبل بخارات عفنة تخالط الهواء بمنزلة البخارات المتحللة من جثث الموتى من الناس والبهائم، والتي تتحلل من الماء الذي تقع فيه البقول، والفاكهة الكثيرة تتعفن، وَجَبَ -مع ما ذكرنا من تنقية الأبدان والتدبير المضاد لما يحدث في البدن- أن يتنحى عن ذلك البلد وعن المواضع التي قد اتفق ذلك فيها إن أمكن ذلك، وإلاَّ فليكن المأوى فوق الريح التي تمر بتلك العفونات، أو في السراديب القليلة الندى والبيوت التي لا يدخلها هواء كثير وتُرش بالخل وتفرش بالآس والرياحين الباردة، وتبخر المواضع التي تأويها بالبخورات الطيبة كالعود والصندل والكافور والمسك... ويكثروا من استخدام الرياحين الباردة الطيبة، فعلى هذا المثال ينبغي أن يتدبر من أراد أن يتخلص من الأمراض الوبائية"[3].

ومن هنا أوصى بالبعد مسافة رمح عن المصاب بالأمراض المعدية "كالجذام والجرب والسل والبرسام والجدري والرمد، فإن هذه الأمراض تُعدي من يجالس صاحبها؛ فينبغي أن لا يجالس الإنسان أمثال هؤلاء، ولا يأوي مع من هذه حالته في بيت واحد، وأن يتباعد عنهم إلى مواضع تكون فوق الرمح"[4].

2. ومنذ أوائل القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) كان ابن سينا –وهو أشهر من أن يُعرَّف- يقسم التلوث إلى نوعين: تلوث طبيعي أو عادي أو بسيط، وتلوث خارج العادة وفوق الطبيعي، وهو التقسيم الذي لا يزال معتمدا في علم البيئة المعاصر. يقول ابن سينا بأن "الأسباب المغيرة لأحوال الأبدان والحافظة لها إمَّا ضرورية لا يتأتى للإنسان التفصي[5] عنها في حياته، وإما غير ضرورية"، وجعل أول هذه الضروريات "جنس الهواء المحيط وجنس ما يؤكل ويشرب"[6].

ويُعَرِّف الهواء النقي بأنه "الهواء الجيد" الذي "ليس يخالطه من الأبخرة والأدخنة شيء غريب، وهو مكشوف للسماء غير محقون... فهذا الهواء الفاضل نقي صافٍ لا يخالطه بخار بطائح وآجام وخنادق وأرضين نزه ومباقل، وخصوصًا ما يكون فيه مثل الكرنب والجرجير وأشجار خبيثة الجوهر مثل الجوز والشوحط والتين وأرياح عفنة، ومع ذلك يكون بحيث لا يحتبس عنه الرياح الفاضلة... ولا أيضًا محقونًا في جدران حديثة العهد بالصهاريج ونحوها لم تجف بعد تمام جفافها، ولا عاصيًا على النفس كأنما يقبض على الحلق"[7].

ويقسم تلوث الهواء إلى نوعين: "والهواء يعرض له تغيرات طبيعية، وتغيرات غير طبيعية أو تغيّرات خارجة عن المجرى الطبيعي مضادة له. والتغيرات الطبيعية هي التغيرات الفصلية، فإنه يستحيل عند كل فصل إلى مزاج آخر"[8]، "وأمَّا التغيرات الخارجة عن الطبيعة فإمَّا لاستحالة في جوهر الهواء وإما لاستحالة في كيفياته؛ أما الذي في جوهره فهو أن يستحيل جوهره إلى الرداءة؛ لأن كيفية منه أفرطت في الاشتداد أو النقص، وهذا هو الوباء وهو بعض تعفن يعرض في الهواء يشبه تعفن الماء المستنقع الآجن... ونعني بالهواء الجسم المبثوث في الجو وهو جسم ممتزج من الهواء الحقيقي ومن الأجزاء المائية البخارية ومن الأجزاء الأرضية المتصعدة في الدخان والغبار ومن أجزاء نارية"[9].

4. وفي ذات عصر ابن سينا، ولكن في مصر، كان رئيس أطباء مصر في عصره علي بن رضوان المصري –وهو رياضي وفيلسوف كذلك[10]- يكتب عن أسباب الأمراض الوافدة فيجعل السبب: التلوث في الهواء والماء والغذاء، ويضيف إليها العوامل النفسية. يقول: "ومعنى المرض الوافد أن يعم كثيرًا في بلد واحد وزمان واحد، ومنه نوع يقال له: الموتان[11]، وهو الذي يكثر معه المرض. وحدوث الأمراض الوافدة تكون عن أسباب كثيرة تجمع في الجملة في أربعة: تغير كيفية الهواء، وكيفية الماء، وكيفية الأغذية، وكيفية الأحداث النفسانية"[12].

وهو يقسم تلوث الهواء إلى نوعين، كما فعل ابن سينا، يقول: "الهواء تتغير كيفيته على ضربين، أحدهما تغيره الذي جرت به العادة، وهذا لا يُحدث مرضًا وافدًا ولست أسمِّيه تغيرًا ممرضًا، والثاني تغيره الخارج عن مجرى العادة، وهذا هو الذي يحدث المرض الوافد، وكذلك الحال في الباقية[13] فإنها إمَّا أن تتغير على العادة فلا يحدث مرضًا، وإمَّا أن يكون تغيرها تغيرًا خارجًا عن العادة فيحدث المرض الوافد، وخروج تغير الهواء عن عادته يكون إمَّا أن يسخن أكثر أو يبرد أكثر أو يرطب أو يجف أو يخالطه حال عفنية، والحال العفنية إما أن تكون قريبة وإما بعيدة... وقد يتغير أيضًا مزاج الهواء عن العادة بأن يصل وفد كثير قد انهك أبدانهم طول السفر وساءت أخلاطهم، فتخالط الهواء منها شيء كثير، ويقع الوباء في الناس ويظهر المرض الوافد"[14].

5. وقد وصف حجة الإسلام أبي حامد الغزالي –في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري- مسار دخول الفيروسات إلى جسم الإنسان وإضرارها به وحدوث العدوى، فذكر كيف يبقى الميكروب في الجسم زمنا دون أن يظهر أثر المرض على الإنسان، وهي ما يعرف بفترة الحضانة، يقول: "الهواء لا يضر من حيث ملاقاته ظاهر البدن بل من حيث دوام الاستنشاق، فيَصِل إلى القلب والرئة فيؤثر في الباطن ولا يظهر على الظاهر إلا بعد التأثير في الباطن، فالخارج من البلد الذي يقع به لا يخلص غالبًا مما استحكم به"[15].

6. ومن الإنجازات كذلك ما نراه في بيتي شعر في غاية الطرافة يعودان للطبيب العباسي هبة الله بن التلميذ –الذي عاش في القرن السادس الهجري وخدم لدى الخليفة العباسي المستضيئ بنور الله- يتحدث فيهما عن خطورة وقوع الذبابة على الجرح المفتوح، فيقول:

لا تــحقرن عدوًّا لان جـانبـه ... ولـو يكون قليل البطش والجلـد
فللذبابـة في الجرح الممد يَدٌ ... تنال مـا قصـرت عنه يد الأسـد[16]

7. وقد تعرض المؤرخ الكبير ومؤسس علم الاجتماع ابن خلدون لموضوع تأثير الهواء على صحة الإنسان، وذلك حين تعرض للفوارق بين بيئات الحضريين والبدويين، وكيف تكثر الأمراض في البيئة الحضرية بينما تقل في البيئة البدوية، يقول: "إن الأهوية في الأمصار تفسد بمخالطة الأبخرة العفنة من كثرة الفضلات، والأهوية منشطة للأرواح، ومقوية بنشاطها الأثر الحار الغريزي في الهضم، ثم الرياضة مفقودة لأهل الأمصار[17] إذ هم في الغالب وادعون ساكنون، لا تأخذ منهم الرياضة شيئًا، ولا تؤثر فيهم أثرًا، فكان وقوع الأمراض كثيرًا في المدن والأمصار، وعلى قدر وقوعه كانت حاجتهم إلى هذه الصناعة"[18].

وأما أهل البدو "أهويتهم فقليلة بالعفن لقلة الرطوبات والعفونات إن كانوا ظواعن[19]، ثم إن الرياضة موجودة فيهم لكثرة الحركة في ركض الخيل أو الصيد أو طلب الحاجات لمهنة أنفسهم في حاجاتهم، فيحسن بذلك كله الهضم ويجود، ويفقد إدخال الطعام على الطعام فتكون أمزجتهم أصلح وأبعد من الأمراض فتقل حاجتهم إلى الطب، ولهذا لا يوجد الطبيب في البادية"[20].

وقد كانت لهذه المعارف العلمية تطبيقاتها المتنوعة في عالم الإسلام من خلال المستشفيات والمدن والبيوت والحدائق وغيرها مما فصَّلناه في مقالات أخرى[21]، وهي من الأبواب التي تحتاج بحوثا طويلة ومعمقة لتكشف عن هذه الأوجه المطموسة من حضارتنا الإسلامية المشرقة.

نشر في مجلة المجتمع الكويتية - ديسمبر 2018



[1] الزركلي: الأعلام 4/297.
[2] علي بن العباس المجوسي: الكامل في الصناعة الطبية ص4.
[3] علي بن العباس المجوسي: الكامل في الصناعة الطبية ص65.
[4] علي بن العباس المجوسي: الكامل في الصناعة الطبية ص64، 65
[5] لا يتأتى التفصي: أي لا يمكن للإنسان الانفصال عنها.
[6] ابن سينا: القانون في الطب 1/113.
[7] ابن سينا: القانون في الطب 1/118.
[8] ابن سينا: القانون في الطب 1/114.
[9] ابن سينا: القانون في الطب 1/125.
[10] الزركلي: الأعلام 4/289.
[11] الموتان: الأمراض إذا عمَّت كثيرا من الناس وكانت مهلكة سميت "موتان" بمعنى: الوباء أو الجائحة بالتعبير الطبي الحديث.
[12] ابن رضوان المصري: رسالة في الحيلة في دفع مضار الأبدان بأرض مصر، تحقيق: د. رمزية الأطرقجي، مركز إحياء التراث العلمي العربي، جامعة بغداد، 1988، ص46.
[13] أي الماء والغذاء والعوامل النفسية.
[14] ابن رضوان المصري: رسالة في الحيلة في دفع مضار الأبدان بأرض مصر، ص46، 47.
[15]  ابن حجر العسقلاني: فتح الباري 10/189.
[16] ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء 1/248.
[17] أي: المدن والحواضر.
[18] تاريخ ابن خلدون 1/416، 417.
[19] ظواعن: أي كثيرو التنقل.
[20] تاريخ ابن خلدون 1/417.
[21] انظر: محمد إلهامي، مراعاة البيئة في بناء المدينة في الحضارة الإسلامية http://islamonline.net/18823؛ http://islamonline.net/18942 ؛ محمد إلهامي، مواقع المستشفيات في الحضارة الإسلامية، http://www.albayan.co.uk/mobile/MGZarticle2.aspx?ID=5195 ؛ محمد إلهامي، الحدائق الإسلامية،  مجلة الوعي الإسلامي، شعبان 1435هـ = مايو2014م.