الجمعة، أكتوبر 26، 2012

صديقي عمرو عزت، لا تنظر كثيرا في المرآة


بيني وبين الصديق عمرو عزت نقاشات منذ زمن يمكن أن نصفه بالطويل، منذ زمن المدونات.. سيظل عمرو من بين الأقلام التي أتمتع بأسلوبها وأنفر من أفكارها، كل مقالاته تقريبا تراودني في الرد عليها، ورغم أني دائما ما أقاوم استفزازها لأسباب عامة وخاصة.. إلا أن مقاله "السجل السلفي" استطاع استفزازي.. فهنيئا لك يا عمرو!

صديقي عمرو يكتب أسلوبا نصف ساخر، وهو الأسلوب الذي يريح صاحبه من عناء انتقاء الألفاظ والتعبيرات الجادة، وهو ما قد يصنع مشكلات أو يُظهر عوار الفكرة، فيكون الأسلوب الساخر نوعا من المراوغة والمناورة، وهي تنطلي عامة على القارئ السريع!

المركز عند عمرو هو الآتي: نحن شعب مختلف، نعيش في دولة، على الدولة أن تكون محايدة تجاه كل رعيتها، الدولة ينبغي أن تكون بلا هوية، وبالتالي بلا رسالة، عليها أن ترعى شؤون مواطنيها لتحقق لهم مستوى أفضل من الراحة والرفاهية في ظل العدل الاجتماعي (عمرو –لمن لا يعرفه- يساري).

عمرو متحمس لهذه الأفكار التي أثبتت التجربة البشرية أنها الأفضل في التعايش –هكذا يقول- فهي خلاصة التجارب الإنسانية التي أنفق فيها كثيرون أعمارهم، وهي جديرة بأن نعتمدها لتكون حياتنا أفضل!

***

لن أعتبر نفسي في بحث علمي لكي أدلل على كل ما أقول بعبارة من كلمات عمرو في مقال من مقالاته، وأسأل الله ألا تدعو الحاجة لهذا (ذلك أن سجالا بيني وبينه قد ينفتح بعد هذا المقال، وأرجو ألا يطول!)، بل سأعتبر نفسي في إطار الرد العام على الفكرة المركزية!

صديقي عمرو وضع صورته مع بطاقته وهو ينظر في المرآة.. وهو بالتأكيد لم ير في المرآة إلا نفسه وبطاقته! وبهذا صار لدينا عَمْران وبطاقتان! ولعله –وهذا مزاح- أراد تكثير نفسه ليناسب المقال المكتوب! ذلك أن المقال تحدث عن أن مصر زاخرة بالاختلافات الدينية (طوائف يهودية، طوائف مسيحية، طوائف إسلامية، ملحدون بلا دين، أديان أخرى).. وقد اجتهد في تسميتها حتى ليُخَيَّل لمن لا يعرف مصر أن ثمة أقلية إسلامية تحكم هذا "المتحف" قهرًا!.. ولهذا فهو يقول بأن من التعسف والتخلف والتجبر اعتبار مصر ذات هوية، واختار –كعادته في الكتابة- نموذجا من الناس له تصريح ليفرغ فيه وفي تصريحة شحنة الغضب.. والأفكار!


***

ورغم أن عمرو نظر في المرآة ورأى نفسه مكررا، ورغم أنه ذكر كل الطوائف التي خطرت بباله –وإن كانوا أفرادا معدودين- إلا أنه لم يستطع أن ينفي أن كل هؤلاء (المكررين والمحشدوين) لا يمثلون سوى أقلية في هذه الأرض.. وبالتالي فعمرو لا يحفل بمقاييس الديمقراطية لتسوية الوضع، فهي ليست في صالحه، بل يريد أن يجعل فكرته فكرة فوق الديمقراطية، أو بمعنى آخر "فكرة حاكمة للديمقراطية".. تلك الفكرة هي علمانية الدولة التي ينبغي أن تكون بلا انحياز وبلا هوية، وبالتالي بلا رؤية وبلا رسالة!

لا بأس يا عمرو..

سأطرح لديك فكرة أخرى!

ثمة إسلامي، لم ينظر في المرآة، بل ينظر في الواقع رأى نفسه كثيرا كثيرا كثيرا.. نحو 94% من الإحصاء الديني، يفوز في كل انتخابات، وهو يرى أنه يفوز لأنه يحمل راية الشريعة ويعد الناس بالسعي لتحكيمها، والناس ينتخبونه بالفعل!

هو لا يستسلم لحدود سايكس بيكو، لا يراها بداية التاريخ ولا نهاية المطاف، هو يشعر بأنها تمثل لحظة تاريخية حافلة بالعار والهزيمة، لقد تمكن الأعداء من تقسيم الأمة الواحدة إلى دويلات.. لا تستغرب، هو ما يزال يعيش في الماضي، يراه كان خيرا من الحاضر، وهدفه هو إعادة توحيد هذه الأمة الواسعة لتكون دولة واحدة، على رأسها حاكم واحد، يسميه "الخليفة.. أمير المؤمنين"!

أفهم أنه لا يعجبك ولا تقبل أفكاره، ولكنه أيضا.. موجود! وربما يكون موجودا أكثر منك عند مصنع الكراسي في إمبابة، لا أحسب أنك تحتاج من تسأله عنه ليدلك عليه!

وعلى هذا يا صديقي عمرو.. فهو يرى أنه صاحب فكرة، صاحب دين، وبالتالي صاحب انحياز وصاحب رسالة، يضايقه جدا أن عشرات الملايين مجبورون على التنازل عن غاياتهم لأن بعض المئات أو الآلاف أو حتى الملايين لديهم فكرة أن الدولة ينبغي أن تكون محايدة وبلا انحياز وبلا رسالة!

هو يقدم لك التطمينات بإسهال في كل يوم، موجز هذه التطمينات أن تلك الأقليات لم تجد –عبر التاريخ- أرضا أسمح ولا أخصب من هذه الأرض ليعيشوا فيها ويساهموا في بناء حضارتها، ربما تطميناته لا تكفيك.. ليس هذا هو المهم الآن، المهم أن هذا هو آخر ما يستطيع تقديمه لأنه يرى هذا دينه الذي يؤمن به، والذي هو مضطر لتطبيقه وإلا سيخلد في النار.. إنه يا صديقي عمرو يخاف جدا من الخلود في النار!!

هو يقبل بمقاييس الديمقراطية، ربما لأنه على ثقة أنها في صالحه، وربما لأنه يقبلها حقا، دعنا الآن لا نفتش في نواياه ونتعامل مع ظاهره.. لعلك توافقني أن التفتيش في النوايا شيء سيء!

وثمة منهم –أي من هؤلاء الإسلاميين- من يضع فكرة حاكمة فوق الديمقراطية، كما تفعل أنت بالضبط، ولكنه يسميها الشريعة/ الحلال والحرام/ القرآن... إلخ في حين أنت مهتم أكثر بحقوق الإنسان ووثائقه وتجارب الإنسانية (هو يرى أنها تجارب الغرب لا الإنسانية، وأن الإنسانية لم تُسْتَشر فيها، ولم تساهم في صياغتها، وأن الغرب نفسه لا يحترمها ولا يتردد في طحنها عند تناقضها مع مصالحه)..

وهنا نصل إلى مرحلة حرجة.. ترى ماذا نفعل؟!

إذا أردنا أن يبقى الصراع مصريا خالصا، وسلميا خالصا، فأمامك يا صديقي نضال حتى تستطيع كسب المجتمع إلى صفك لتغيير الميزان الديمقراطي لصالحك! وإذا لم نُرِد واستجار بعضكم بجيوش العالم المتقدم فإن بعضنا سيستجير بـ "المجاهدين" من بين الأمة الواسعة التي –هي أيضا- ما زالت لم تستسلم لمقدس سايكس بيكو!

أنت ترى الشعب بلا هوية.. لا بأس!

لكني أراه ذا هوية! وأراه ذا هوية إسلامية.. وكل هؤلاء الذين ذكرتهم –وإن نظروا في المرآة وتكرروا- لا يخدشون هوية هذه الأغلبية!

أنت ترى الدولة كيانا صامتا محايدا.. وأنا لا أراها كذلك.. بل أراها ذات ماضٍ وانحياز، وبالتالي ذات رؤية ورسالة وأهداف.. وأعتنق ما قاله رجل عراقي من البصرة -اسمه أبو الحسن الماوردي مات قبل ألف سنة- أن من واجبات الحاكم "حراسة الدين وسياسة الدنيا"!

قل لي ماذا نفعل يا صديقي عمرو؟!

أنا لا أرتاح لما تسميه أنت "ضمانات أوسع للحريات والحقوق ويحترم التعدد والتنوع"، وأتوجس منه خيفة، وأرى أن تحت كل كلمة من هذه يختبئ معنى يخالف ديني! أنا –بالمناسبة- حين أذهب إلى مكان أكون فيه أقلية ألتزم بقوانينهم، فهم غير مستعدين لتغيير قوانينهم من أجلي، أو لأنها لا ترضيني، حتى وإن كانت أحيانا في صميم شؤوني الشخصية، ولهذا فإنني إن لم استطع التعايش مع قوانينهم ولم يكن لدي من الصبر والنضال لتغييرها أذهب عنهم بعيدا!

ولست بالطبع أدعوك للذهاب بعيدا، أدعوك فقط لئلا تجرني خلفك لأن مفهومك للحرية يقول بأنك الأصح وبأنني المتخلف الذي لم أفقه بعد تجارب البشرية التي أنتجت مواثيق حقوق الإنسان! اهنأ بتقدمك وحضارتك وفلسفاتك، وهذه الأسماء الطويلة التي قرأت لها (أنت مثقف جدا يا عمرو!) ولكن دعني أعش حياتي كما أريدها وأفهمها، أنا وسائر هذه الملايين التي تريد الشريعة وتنتخب ممثليها كما تحسبهم!

أكرر أنني أرى الشريعة الإسلامية تضمن حقوق غير المسلمين، وعلى ما بين الطوائف الإسلامية من خلافات في التفاصيل –وهي الخلافات الموجودة في كل فكر- إلا أن آخر ما يرضيني أقل مما يرضيك.. فماذا نفعل؟

إن لم نحتكم للشعب، ونقبل إرادته، ونسعى لتغييره إلى ما نريد.. فإني أرى المستقبل مظلما جدا! مظلمٌ بما هو أكثر مما قد تظنه "ظلاما" حين تطبق الشريعة على غير المسلمين!

***

لم يعجبني تلمحيك لطبيب الأسنان، وحريته، وحرية ابنه في اختيار الكلية، ولم يعجبني أسلوبك في التقليل من شأنه.. واعلم أن لدى كل إنسان ما قد يؤخذ من حياته الشخصية فيشهر به فيها! فأرجوك.. أرجوك بشدة.. ألا تعامل الناس في صميم حياتهم الشخصية بهذا الأسلوب!

صديقي عمرو!

لمرة أخرى.. لا تنظر كثيرا في المرآة!