الخميس، نوفمبر 01، 2012

صديقي عمرو، لا أقبل أفكارك الجميلة، فماذا نفعل؟


فتح ردي على صديقي عمرو عزت باب سجال كما توقعت، فقد كتب مقالا يدعوني فيه للنظر في المرآة قبل حديث السياسية، وقد صرت مؤمنا –بعد أكثر من عقد من الحوارات- أن الوصول إلى اتفاق بين النماذج المعرفية المختلفة هو نوع من الوهم الذي كنا نتمناه ونحن صغار –سنا وعقلا وتجربة- فلما كبرنا قليلا صرنا نفهم أنواع الهروب والتدليس وأساليب تفجير الحوار حتى ينتهي الطرفان –بعد الجدال الطويل- إلى الصفر، بل ولعل أحدهما ازداد نفورا من صاحبه.. وهذا ما زادني إيمانا بتوجيه النبي (ص) بترك الجدال حيث يقول: "أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المِرَاء (الجدال) وإن كان محقا".. فصار الأسلم –برأيي- ألا يزيد الرد والتعقيب على مقالين، ثم القارئ هو الحكم.. فمن هنا فهذا آخر ما أكتب في الموضوع إن شاء الله!

***

أقر صديقي عمرو عزت بأن مقالي "فيه صدق ووضوح وأقل قدر من المواربة في التعبير"، وإن كان سحب هذه الصفات الحسنة ليجعلها تعبيرا عن "السعي السلطوي الإسلامي السلفي"، وهنا بدأ صديقي في تشويهي وتشويه ما أحمل من أفكار.. منذ هذه اللحظة فنحن لسنا أمام عمرو الند والقرين المكافئ بل أمام عمرو الواعظ الفاهم الذي يعطي دروسا لصديقه "السلفي" في الديمقراطية وسياقاتها ومن أين نبدأ وكيف نبدأ، وهذا بالأساس انحراف منهجي سيتفرع عنه انحراف الحوار عن غايته!

من أراد تتبع الحوار فليقرأ المقالات من أولها، والقصة أن عمرو كتب مقالا يندد فيه بوجود ما يسمى الهوية، وصال بقلمه على أحد الذين يعتقدون بأن للشعب المصري هوية إسلامية، وحدثنا عن فكرته بضرورة أن تكون الدولة علمانية محايدة الاتجاه تجاه جميع مواطنيها، ثم سخر من الطرف الآخر واستعرض عضلاته الثقافية وما قرأه من كتب وأفكار كثيرة (فعمرو مثقف!) انتهت به إلى قناعته الحالية التي لا ترى للدولة هوية!

فلما رددت عليه لم أكن مهتما بمناقشة أفكاره أصلا، كنت مهتما بالأساس بكشف الغطاء عن الفكرة المختبئة في كلام عمرو –وسائر ذوي التوجه العلماني- وهي أنهم يريدون تسيير الناس وراء الأفكار التي يعتنقونها باعتبارها الأفضل والأكثر تعبيرا عن حقوق الإنسان والحرية والمساواة.. وسائر باقة الألفاظ الرنانة المحفوظة، والتي نتفق في معناها العام ونختلف في تفاصيلها وحدودها!

كان مقالي يقول بالأساس: ماذا نفعل إذا اختلف الناس وأرادوا التعايش سلميا؟ ماذا إذا لم تقتنع الأغلبية بأن عمرا ورفاقه يفهمون أكثر منهم ويعلمون ما لا يعلمون ولديهم الصواب الذي لم يصلوا إليه بعد؟

ما موقفك يا عمرو من الديمقراطية باعتبارها الوسيلة التي تعبر عن رغبة الشعوب؟

هل لديك فكرة حاكمة (وهي علمانية الدولة) تريد أن تجعلها فوق الديمقراطية، بحيث لا يجوز للديمقراطية أن تخالفها؟ أم أنت قابل لما ستفرزه هذه الديمقراطية –وهو المعبر عموما عن رغبة الأغلبية- مستمرا في نضالك لإقناع المجتمع بأن أفكارك هي الأصوب والأفضل؟

إن خصومه أيضا نوعان: نوع لديه فكرة حاكمة (وهي الشريعة) وهي عنده فوق الديمقراطية؟ ونوع سيقبل ما أفرزته الديمقراطية التي لا تفرز في بلادنا إلا الإسلاميين!

من الأفضل لنا جميعا أن نفهم أننا إزاء اتجاهين مختلفين، نموذجين معرفيين متناقضين، ولئن لم نقبل أن يكون معيار الأغلبية والأقلية هو الموجه للاتجاه السياسي للدولة، فنحن نفتح الباب أمام احتماء كل قوم برجالهم!

وقد بينت في المقال السابق بعضا من أفكار القوم –وأنا منهم- لكي أزيد توضيح الفكرة، وهي أننا نموذجين مختلفين لن يفلح الإقناع في حسم أحدهما في المدى القريب ولا المتوسط، فكيف نحل إشكالنا "هنا والآن"؟!

***

أحسب أن عمرا فهم قصدي وراوغ في الرد عليه، ذلك أني أحسن الظن به ولا أتوقع أنه لم يفهمه!

لقد ترك القضية الأساسية وهي "ماذا نفعل –هنا والآن- لحل إشكالية التناقض هذا" وأخذ يعيد الحديث عن "جمال" فكرته وكيف أنها الأفضل والأصوب والأقدر على صناعة وضع أحسن للمجتمعات، كما أعاد الحديث في تشويه فكرة صديقه السلفي واتهم نواياه "السعي السلطوي السلفي" وهو اتهام يراه القوم عظيما حين يُوَجَّه إليهم لكنهم لا يتوقفون قبل ترديده على خصومهم!

***

عمرو عزت الذي يحاول حل المشكلة القائمة "هنا والآن" اضطر لأن يعود إلى نقطة في التاريخ –وهو ما يرفضه في أغلب مقالاته السابقة- ولكنه جعلها نقطة "بداية الخليقة" حيث أقف أنا وهو أمام المرآة لا سلطة لأحدنا على الآخر ثم أخذ يعدد فوائد هذا الوضع!

وهنا يضطرب منطق عمرو؛ فهو عادة لا يحب الخوض في التاريخ لأن الناس مختلفون في منطلقاتهم التاريخية، لكنه يقترح علي نقطة تاريخية للبدء منها، ثم اضطره شرح قناعاته أن يبدأ من النقطة التاريخية التي بدأت منها فكرته "رحلة الديمقراطية".. وبالتأكيد لن أدخل معه في هذا الحوار التفصيلي الذي يساهم في مزيد انحراف النقاش، بل المشكلة ببساطة: أن خصومه يملكون لحظة أخرى للانطلاق منها، لحظة نزول القرآن على النبي محمد، ثم لحظة الفتح الإسلامي لمصر، وهي اللحظات التي ما تزال تمثل تحولا تاريخيا ما زال حيا في حياة المصريين ومؤثرا على انحيازاتهم وأفكارهم واختياراتهم!

لئن كنتُ أتحدث بالوضوح والصدق الذي أقره عمرو، فإني ألاحظ أنه لا يتحدث بصراحة عن موقفه، هو لا يقول بوضوح أن ما يطرحه هو مناقض للإسلام ولا سبيل لأن يتلاقى معه، ولهذا فهو يكرر الحديث المعسول عن "عيش مشترك وحريات وحقوق مصونة في مواجهة السلطات السياسية والاجتماعية والدينية"!

إن "هنا والآن" يا صديقي تفرض علينا أن ننزل إلى الواقع من برج الأفكار، نحن في عالم منقسم إلى دول ذات سلطة، إنني ألعن "الدولة الحديثة" في كل وقت لأنها تصنع الإنسان كما تحب لكن لا يسعني تجاهل أنها موجودة وفاعلة، ولهذا فأنا أناصر أكثر الأفكار التي تجعلها معبرة تعبيرا حقيقيا عن رغبة الناس لا مسيطرة عليهم وقاهرة لهم.
ثم إن "هنا والآن" تخبرنا بأن كل ما تقوله من أفكار تبدو جميلة لا أثر لها في الواقع، بل آخرها أن تكون بيانات في منظمات حقوق الإنسان (وهي أيضا مسيسة وغير نزيهة في كثير من الأحيان) أما الواقع فهو حروب ودماء وقنابل وأشلاء والقوي فيه يقهر الضعيف ويسحقه.. ومن موقع كوني باحثا في التاريخ فأنا أناصر أفضل فكرة نشرت الرحمة والعدل بين الناس وهي الإسلام.. فحتى في لحظة الحرب والفتح كان المسلمون –وباعتراف المؤرخين غير المسلمين- هم معجزة العالم في العدل والرحمة!

ثم إن "هنا والآن" تجعلنا نرى أن الدول التي كتبت فيها مواثيق حقوق الإنسان وتقع فيها مقرات المنظمات الدولية لا تخجل من التعبير عن هويتها، وأحيانا ما تكتب هذا في دستورها صراحة، ومن كان ذا غطاء علماني يدعي محايدته بالنسبة للدين يتبارى مرشحوه (أوباما ورومني) للتعبير عن مدى تدينهم المسيحي!! ولعلك رأيت هذه المناظرة!

***

إن حديثك عن التسلط والتحكم بالبشر كله لا محل له من الإعراب في حوارنا هذا، ولئن كان له محل فهو عليك لا لك، لأن موقفي هو ما يجعل الناس أحرارا متساوين لهم القدرة على انتخاب من يمثلهم وأن تسير حياتهم كما يرغبون، وما بينهم من خلافات يُحلُّ بالطريقة السلمية، بينما أنت تحاول جر الأغلبية للإيمان –أو القبول قهرا- بأفكار تراها تمثل ذروة وخلاصة التجربة التاريخية البشرية.

ربما كانت الديمقراطية أفضل الطرق السيئة لإدارة المجتمعات، لكن أن تحملنا على القبول بعلمانية الدولة رغم أن أغلبنا لا يريد هذا لهو الاستبداد الواضح الصريح، وساعتها قد أتقمص دور جون لوك لأخاطبك في ثوب توماس هوبز وأقول "إن هروبك من الفأر قد أوقعك في براثن الأسد"!

إنني أقاوم نفسي بعنف لأدافع عن مشروعي "وحدة الأمة وعودة الخلافة الإسلامية" التي تراها أنت مشروعا تسلطيا، ولأصحح ما شوهته حول الهوية وهوية الأغلبية و"استغلال" (انظر اللفظ) الديمقراطية والرغبات السلطوية الدفينة الكامنة في جينات عموم السلفيين، ثم في النهاية احتكار الحديث باسم الثورة وأهدافها وتحديد من يدافعون عنها ممن يسعون إلى تقويضها.. أقاوم هذا كله لأني لا أريد حرف مسار النقاش الأصلي:

ماذا نفعل هنا والآن إذا لم نتفق حتى على المنطلقات؟ هل نقبل برغبة الأغلبية ونمشي بالخلاف في إطاره السلمي؟ أم يستدعي كل قوم أنصارهم في الغرب والشرق ونخوض حربا أهلية لنحسم الأمر بالسلاح والدماء؟!

***

لقد كان صديقي عمرو من النزاهة بحيث لم يعايرني بأني سلفي لم أشارك في الثورة وكنت أقول بحرمة الخروج على الحاكم، فهو نزيه بالقدر الذي لا يسمح له باختلاق الأكاذيب –كما يفعل جيران عموده في المصري اليوم- لكنه أتحفني بالقول بأن أفكاري تجعلني ممن "يسرقون الثورة ويخونوها ولو كانوا ثوارًا ولو كانوا كثيرًا وأعجبتهم كثرتهم".
وهنا أراه لا يختلف كثيرا عن جيرانه الذين يكذبون في المصري اليوم، فأي فارق إن كنت خائنا للثورة على كل حال، سواء شاركت أو لم أشارك؟ وسواء قلت بحرمة الخروج على الحاكم أو خرجت عليه؟ وسواء قعدت في بيتي أم نطق جسدي بإصابات أيا محمد محمود؟

وهنا ما الذي يجعل عمرا مختلفا عنهم بالنسبة لي؟ فهم –حتى من كانوا منافقين وضد الثورة، كأصحاب المصري اليوم أنفسهم- تعبير عن الثورة حتى وإن لم يشاركوا (لأنهم يعبرون عن الثورة) وأنا وأمثالي نقيض للثورة وإن شاركنا فيها..

إن صديقي عمرو واحد من الأمثال التي تثبت لك أن كل الخلافات جزئية وتفصيلية، تذهب وتجيء، تثور وتنطفئ.. إلا خلاف الأفكار! وفي الذروة من الأفكار: الدين!

لا أحد منا مستعد ليبيع فكرته ولا أن يتنازل عن بعض دينه، سواء دينه الذي نطق به القرآن أو فاضت به وثائق حقوق الإنسان.. سأظل أسعى لأن ترث المرأة نصف الرجل في إطار منظومة إسلامية ترتب الوضع بما يجعل هذا النصف عدلا ومساواة، في حين يسعى صديقي لترث المرأة كالرجل فتلك هي المساواة عنده!

لكن هل من المساواة أن أكتب وأرد في مدونتي وموقع شبابي، بينما يساجلني عمرو في المصري اليوم؟!!