السبت، يناير 21، 2012

قصة طالوت تتكرر في مصر!

بين فلاسفة التاريخ خلاف: هل الظروف التاريخية هي من يصنع البطل، أم أن البطل هو من يحفر وينحت في الصخور حتى ينبي مجده ومجد قومه ويصل إلى ما يريد، وليس الهدف في هذا المقال أن نفصل في الخلاف، وإنما المؤكد أن كثيرا من الظروف التاريخية كانت تنتظر بطلا ولم تجد، والمؤكد أيضا أن الظروف أحيانا كانت أقوى من البطل فلم يصل إلى ما يريد.. المؤكد الثالث: أن وجود البطل في اللحظة التاريخية هو أمر حتمي لتفعيل الأفكار والتصورات والرؤى ليجسدها على أرض الواقع في شخصه، وبدونه تظل الأفكار أحلاما وخيالا وأمنيات!

***

مرت على بني إسرائيل كثير من فترات الذل، منها تلك التي استبيحت فيها حرماتهم وأرضهم حتى استولى العدو على أثمن مقدساتهم: التابوت الذي يحوي تراث آل موسى وآل هارون، قيل: كان فيه عصا موسى وآثار الألواح التي كتبت فيها التوراة أول مرة.. وعاش بنو إسرائيل حالة الذل والقهر وكانت كل الظروف تدفعهم للجهاد إلا أنهم افتقدوا شيئا واحدا "البطل"، ذلك الرجل المناسب للحظة التاريخية.

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا)

ورغم أن الله بعث فيهم نبيه شمويل[1] (عليه السلام) إلا أنه لم يكن رجل اللحظة التاريخية عسكريا، وقد توسل إليه بنو إسرائيل أن يدعو الله لكي يبعث فيهم ملكا يقودهم في الجهاد لاستعادة التراث واستعادة أيام العزة والمجد والسلطان.

وها هنا يجب أن ننتبه إلى معنى شديد الحساسية، ذلك أن النبي نفسه، وهو أعلمهم بالله وأكثرهم خشية وأولهم في درجة التقوى لم يكن مناسبا لقيادة القوم في الجهاد، تماما مثلما كان موسى خير عند الله من الخضر تقوى وورعا لكن غاب عنه ما علمه الخضر، وتماما مثلما كان سليمان خيرا عند الله من الذي أوتي علم الكتاب لكنه لم يقدر على ما استطاعه ذلك الرجل الذي حمل إليه عرش اليمن قبل أن يرتد إليه طرفه!

إن رجل اللحظة التاريخية لابد أن يكون على علم وعلى تقوى ولديه استيعاب للمنهج لكن لا يُشترط أن يكون أعلم قومه أو أتقاهم أو أفصحهم[2]، وهكذا بعث الله لهم من توفرت فيه إمكانيات ومواهب اللحظة التاريخية، رجلا من أوساطهم لم يكن ذا ثراء ولا نفوذ ولا شهرة، طالوت.

(وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)

فهو يمتاز عنهم بالعلم في السياسة والإدارة التي لا بد منها للملك، وبالجسم الذي لا بد منه للجهاد والحرب، وهكذا تجاوز الاختيار الإلهي أعلمهم بالله: نبيه صمويل، وأوسعهم مالا وثراء ونفوذا: قادة بني إسرائيل، واختار لهم عبده طالوت الموهوب في السياسة والإدارة والحرب!

ولأن بني إسرائيل كانوا قوم سوء لا يصدقون الأنبياء (كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون)، أرسل الله إليهم معجزة باهرة: إذ جاءهم التابوت المقدس من أرض العدو تحمله الملائكة كدليل على أن طالوت هو الاختيار الإلهي.. (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)

***

تولى طالوت قيادة من استسلم لأمر الله من بني إسرائيل، واتجه بهم نحو تحرير الأرض المسلوبة، ولكنه اختبر الذين معه، إذ سار بهم حتى بلغ العطش منهم مبلغه ثم أمرهم ألا يشربوا من النهر إلا غرفة واحدة وإلا فصلهم من الجيش، ولكنهم شربوا منه إلى ان امتلأت بطونهم فلم يبق معه إلا القليل.

ثم إن هؤلاء القليل منهم من ارتاع لعدد القوة الباقية في الجيش، والتي لا تكفي أبدا للصمود أمام قوة العدو الكبيرة التي يقودها الملك الجبار جالوت، لولا أن فئة قليلة من القليل آمنت بالله واستمسكت بما هي عليه من الحق وقررت الثبات في المواجهة

(فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)

وتحقق وعد الله، والتقى الجيشان، وفي خضم المعركة استطاع غلام حديث السن أن يقتل الملك الجبار، ذلك هو داود الذي سيكون بعدئذ نبي بني إسرائيل وملكهم، والذي سيؤسس أقوى مجد لهم في التاريخ ليبلغ في عهد ابنه سليمان ما لم يبلغه أحد من العالمين!

(وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)

***

إن قصة بني إسرائيل هي قصة الشعوب العربية في وقتنا هذا، الأمة المستعبدة المقهورة التي سلبها العدو أعز ما تملك من الأرض والمقدسات والإرادة، وقد دخلها الوهن، ولقد أدركت الأمة ماذا تريد، إنها تريد القائد، فكم نادت على ألسنة الشعراء والكتاب والخطباء والمؤلفين: أين صلاح الدين؟

وهنا سأكتفي بالحديث عن الواقع المصري كمثال ولا أوضح على تشابه القصتين:

لقد ظل الناس ينتظرون ثورة، وكانت أحاديث البيوت والمقاهي والحافلات والانترنت تحفل بالغضب ونفاد الصبر، فلما جاءت الثورة (تولوا إلا قليلا منهم) فاستخفهم الإعلام والشيطان حتى تولى عن الثورة بعض العمائم ووقفت ضدها عمائم أخرى، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

ثم أنزل الله بالطاغية معجزة لم يتصور أحد أن تكون بهذه السهولة، وانهار الجبار الكبير فيما يشبه تماما أن يأتي التابوت إلى بني إسرائيل تحمله الملائكة، وخرج من وسط الركام فارس كان مغمورا لا يعرفه إلا طلبة العلم والنهضة: حازم صلاح أبو إسماعيل.

فلقى أبو إسماعيل مثلما لقي طالوت (أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه) ونزلت به اتهامات التشويه جميعها: متخلف، ومتشدد، ومتهور، لا يزن الأمور، لا يقدر العواقب، لا يستشير أحدا، خرج عن إجماع العلماء، يهوى الصدام.. واتهم كذلك من فصائل ثورية بالنقيض: جبان، متراجع، متردد، خائف.. إلى آخر القائمة.

لكن أهم ما في الأمر ليس الدرس المستفاد للنفوس المتولية، بل الدرس المستفاد للنفوس المستعدة للبذل والتضحية، وهي في قصة طالوت ثلاثة دروس أراها أهم ما في القصة في سياق واقعنا:

الأول: أن النفوس التي استجابت لرغبة الله فاستعدت للجهاد وقبلت بأن يتملكها رجل من أواسطهم وجهزت نفسها وانطلقت في جيش طالوت.. هؤلاء لم يصلوا جميعا، لقد سقط كثير منهم في اختبارين: اختبار النهر حيث انتصرت شهوة النفس على إرادة العقل، وهنا ينبغي أن يفتش كل واحد عن شهوات نفسه ليحكم السيطرة عليها قبل اللحظة الفارقة.. قبل أن يجد نفسه خارج ركاب المؤمنين الذين صنعوا النصر، وفازوا برضا الله! والثاني: اختبار الهول، حيث غلبت على البعض موازين القوة في الدنيا، فرأوا المشهد ماديا حسابيا بحتا فقالوا (لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده)..

لم يصمد في الاختبار إلا الذين انتصروا على شهوة نفوسهم ومادية عقولهم، فهؤلاء هم من قالوا (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين).

الثاني: أن الله نصر الفئة المؤمنة القليلة، ولم يأخذهم بذنب الكثرة من قومهم، وفي هذا دليل على أن المطلوب للمواجهة قلة مؤمنة تحقق معنى الإيمان لكي تنتصر، وأن اللحظة الفارقة لا تستدعي تأجيلها حتى نستعد ونحاول نشر الدعوة بين من لم يستجيبوا بعد، وهذه "فتنة التدرج" التي هبطت علينا في الواقع الإسلامي المصري من حيث لا نحتسب، وهي دعوى تريد تضييع اللحظة مقابل التدرج في الإصلاح ونشر الدعوة بين المزيد من الناس.. ها هي قصة طالوت تثبت أن الأمر نزل فجأة، فثمة من استجاب وأخذ في إعداد العدة، وثمة من تولى، فلم ينتظر أحد من تولى بل تقدموا بمن استعد.. ثم انتصروا على الملك الجبار، على القوى الدولية التي اهتز لها ذات حين بعض المؤمنين فقالوا لا طاقة لنا فلم ينته الأمر إلا وكان نصر الله حليفهم.

الثالث: أن ثمة جنديا مجهولا غاب طوال القصة ولم يعرفه أحد، لم يدر حوله نقاش ولا صراع، بل لم ينتبه إليه أحد، غلام فتى صغير، لم يعرف إلا في لحظة فاصلة.. ذلك هو داود، الفتى الذي كتب الله على يديه الإنجاز الكبير في المعركة!.. أفلا ينبغي للمؤمن أن يتمنى مقام داود في نصرة قومه؟ وإذا تمنى، أفلا ينبغي أن يستعد؟!..

نشر في المركز العربي للدراسات والأبحاث



[1] يعرب على شمعون أو صمويل، ومعناه "سَمِع الله" وقد أوردت كتب التفسير المطولة سبب تسميته بهذا الاسم مما يخرج عن موضوع مقالنا الآن.

[2] ناقشنا هذا بتفصيل أكبر في سلسلة: فقه اختيار الرجال للأعمال http://melhamy.blogspot.com/2011/04/1.html