الأحد، يناير 29، 2012

حازم أبو إسماعيل.. الرجل الثائر

بداية، هذا المقال لبيان دور هذا الرجل في إعادة إشعال الثورة وليس نفيا لأدوار غيره في هذا الأمر.

تعرضت الثورة المصرية إلى لحظات خطيرة بالفعل، ولولا الله ثم الله ثم الله لكانت الثورة الآن قد سُرِقت وانتهى أمرها، وملخص الحكاية كالآتي:

أخطأ العسكر خطأ وحيدا، كلفوا لجنة وطنية محترمة بصياغة التعديلات الدستورية، فأنتجت هذه اللجنة تعديلات في قمة الدقة والروعة، رسمت بها مسارا بلا ثغرات لانتهاء المرحلة الانتقالية بأسرع وآمن طريق ممكن.

وهنا ثارت ثائرة العلمانيين في مصر، وسخروا كل قنواتهم وصحافتهم وأموالهم، بخلاف الأموال التي تدفقت عليهم، لشيطنة الإسلاميين ورفض التعديلات الدستورية التي تمثل كارثة عليهم في عنصرين تحديدا: انتخابات عاجلة لتقصير الفترة الانتقالية، ودستور جديد تكتبه لجنة يختارها أعضاء البرلمان المنتخبون. ولما كانوا بلا حجم في الشارع فضلوا مصالحهم الشخصية على مصلحة الوطن، وفَضَّلوا حكم العسكر على حكم مدني إسلامي، وسارعوا لإشاعة أن صفقة تمت بين الإخوان والعسكر، وشملت حملتهم مهاجمة المجلس العسكري الذي سمح للإسلاميين بمجرد الوجود، وشهدت الشهور الآتية حملة شيطانية إبليسية فاجرة لقلب المسار ونسف التحول الديمقراطي..

كان من فوائد هذه الحملة أنها ركزت الضوء على جرائم العسكر وانتهاكاتهم، وكسرت هيبة الجنرالات في نفوس الناس، وجعلت مهاجمة المجلس العسكري أمرا معتادا بعد أن كانت الهيبة العميقة في نفوس الناس تمنعهم من مهاجمة الجيش لا سيما وقد أرادوا تصديق أنفسهم في أن الجيش قد انحاز إليهم وحمى ثورتهم..

حين ذاك وجد الإسلاميون أنفسهم في معسكر المجلس العسكري بغير رغبة ولا إرادة، ولا صفقة بطبيعة الحال، وتراوحت مواقفهم إزاء الجنرالات بين التأييد المطلق والتأييد الخافت والسكوت على جرائمهم واحتمال أذى المرحلة الانتقالية، والتماس العذر لإدارتهم السياسية.

من ناحيته، حاول المجلس العسكري تكفير الخطيئة التي ارتكبها، فتقدم للعلمانيين بكثير من الرسائل لكنها لم تكفهم: شكل حكومتين، ومجلس أعلى للصحافة، ومجلس أعلى لحقوق الإنسان بدون أي شخصية إسلامية، وتباطأ في الفترة الانتقالية وإصدار قانون انتخاب مجلسش الشعب والشورى حتى اللحظة الأخيرة.. والإسلاميون من ناحيتهم لا يريدون اشتباكا ولا صداما، لا سيما وقد ظهر لهم أن رفاق النضال من العلمانيين ليسوا إلا معارضين لمبارك لا للديكتاتورية وأنهم مجرد نماذج أخرى منه، فلئن أمسكوا بالسلطة فسيكونون أظلم منه وأشد بطشا. والعلمانيون من ناحيتهم لا يرضون بأقل من كتابة الدستور بأنفسهم أو على الأقل كتابة مبادئه الأساسية الملزمة لكل الناس، وليذهب الاختيار الشعبي إلى الجحيم.. ولا بأس أن يذهب الشعب كله إلى الجحيم أيضا.

فئات أخرى ظلت حائرة في هذا المشهد الحافل بالاستقطاب، إسلاميون وغير إسلاميين يرون جرائم المجلس العسكري وانتهاكاته وإطالته للفترة الانتقالية وتنازلاته للعلمانيين وعدم احترام وعوده، همهم الأول هو إنهاء الحكم العسكري وتثبيت الحكم المدني الديمقراطي ولو جاء بالإخوان أو السلفيين أو الجن الأزرق!

وبينما ظلت الفئات غير الإسلامية لا تجد لها ناظما ولا قائدا، خرج بين الإسلاميين ذلك الرجل الفذ العظيم: حازم صلاح أبو إسماعيل.

سيذكر التاريخ هذا الرجل، وستذكرون ما أقول لكم، باعتباره مشهدا فارقا بين الحالة الإسلامية قبله وبعده، لقد جمع بين الثورية (التي بدا أنها حكر في هذا الوقت على العلمانيين) والإسلامية (التي بدت في صف المجلس العسكري) ثم جمع بعد كل هذا خطابا شديد الوضوح إسلاميا (لم يجرؤ عليه حتى كثير من السلفيين) وشديد الوعي بالسياسة ومسار المجلس العسكري (لم نجده عند أحد من العلمانيين).. فكان الإسلامي الثائر الذي نبه في لحظة صمت سائدة إلى حقيقة أن المجلس العسكري يسرق الثورة وأن جنرالاته إنما هم "ذئاب وثعالب".

استطاع حازم أبو إسماعيل جذب الكثير من الشباب الإسلامي، وبالأخص أولئك الكثيرون الذين انسحبوا من حركة الإخوان والسلفيين فيما قبل الثورة أو بعدها لاختلافهم مع ضعف النهج الثوري في هذه الحركات، وبدا الرجل كفارس جديد يداعب خيال الشباب الإسلامي الذي رأى لأول مرة في جيله رجلا يقدم خطابا إسلاميا واضحا ومتمسكا بالثوابت، لا يتراجع ولا يتلجلج ولا يناور أمام محاكم التفتيش الإعلامية، ثم هو بعد ذلك يستوعب أوضاع السياسة والاقتصاد والقانون، ولديه رؤية ناهضة واضحة.

على كل حال، ليس هذا هو المقصود بالمقال، وإنما المقصود أن هذا الرجل كان هو الزعيم الوحيد.. وأكرر: الوحيد، الذي جابه المجلس العسكري وفضح مؤامراته في سرقة الثورة والتآمر عليها، ولم يكن أحد من مرشحي الرئاسة جميعا يتكلم بذات القوة أو الوضوح التي يتحدث بها، ثم كان هو الوحيد الذي "يعمل" في مواجهة مخطط العسكر، فلم يكن أحد غيره من مرشحي الرئاسة أو الشخصيات العامة من يحشد لمقاومة سرقة الثورة.

ثم تلقينا جميعا صاعقة هائلة في يوم 1/10/2011، إذ استطاع رئيس الأركان سامي عنان التغرير بقيادات الأحزاب جميعا، واستخلص منهم توقيعا على وثيقة العار والفضيحة والجريمة في حق الوطن والثورة، وهي الوثيقة التي تنسف تماما التعديلات الدستورية وتضرب الإرادة الشعبية في مقتل، وتسمح للعسكر باستعادة الحكم في مصر، وملخصه أن الفترة الانتقالية قد طالت إلى سنتين ونصف بحد أدنى، وأن الدستور سيوضع في حكم العسكر، وستوضع له مبادئ فوق دستورية تعهدت الأحزاب بالالتزام "الشرفي" بها، بالإضافة إلى جدول زمني ممطوط للانتخابات البرلمانية، وإبقاء حالة الطوارئ (بالمخالفة للاستفتاء والتعديل الدستوري)، ثم تأييدا مطلقا للمجلس العسكري!

لم يعد أدنى شك في أن قيادات الأحزاب هؤلاء يتراوحون بين السذاجة والمكر، وكانت صدمة الإسلاميين هائلة في رئيسي حزبي "الحرية والعدالة" و"النور" على وجه التحديد، أما الأحزاب الأخرى فهم ميئوس منهم أصلا، لا سيما وقد صرح محمد أبو الغار –رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، وهو أحد الأحزاب التي يمولها ساويرس- بأنه وقع على الوثيقة لأن "القوى المدنية" لم تستطع أن تتفق أو تتحد في وجه التيارات الظلامية (يعني: الإسلامية)، وهو ما يعني أنه ألقى بنفسه في حضن العسكر هروبا من ديمقراطية تأتي بالإسلاميين..

صحيح أن مصطفى النجار –رئيس حزب العدل- سحب توقيعه بعد الثورة عليه، وأصدر حزب النور تصريحا يحمل ضمنيا عدم رضاه، ثم أصدرت جماعة الإخوان بيانا معناه رفض الوثيقة دون التصريح بسحب التوقيع، وكل هذا تم بفعل الشباب الثائر الذي ملأ وسائله الإعلامية بالاحتجاج على وثيقة العار هذه.. إلا أن الصحيح أيضا أن العسكر تجاهلوا كل هذا ومضوا في تنفيذ هذه الوثيقة وأصروا عليها، ولم يعبأوا بكل هذا..

وهنا بدا أن الثورة قد سُرِقت بالفعل، لكن الله قيض لها شبابا ثائرا رائعا، وقيض لها هذا الرجل: حازم صلاح أبو إسماعيل الذي بذل كل طاقته في الحشد لمليونية في 28/10، وأعلن أنها جمعة "المطلب الوحيد: تسليم السلطة" وإعلان موعد فتح الترشيح لانتخابات الرئاسة.

وبالفعل: وبعد خفوت ميدان التحرير في الشهور الماضية وضعف الحشود، استطاعت هذه الجمعة أن تعيد هذا الزخم إلى الميدان، وظلت الآلاف ساهرة حتى الليل تنتظر قرار الاعتصام من عدمه، وجرت أشياء كثيرة في الدهاليز أسفرت عن تأجيل الاعتصام إلى جمعة 18/11، ثم حشد الشيخ لهذه الجمعة بكل طاقته أيضا، وحشد معه كل الرافضين لحكم العسكر على اختلاف توجهاتهم، وكانت الجمعة الثانية التي أعادت صوت ميدان التحرير، وكان عشرة آلاف على الأقل مستعدون للاعتصام، وأعرف بشكل شخصي عددا من الشباب نزلوا من أعمالهم في الدول العربية لتجديد هذه الثورة بأثر من دعوة الشيخ.

أما المجلس العسكري الذي فوجيء بهذا التجدد للثورة التي ظن أنه سرقها، فقد استعمل العنف في إنهائها، وعلى حين فَضَّل الشيخ حازم عدم الاعتصام فانصرف الناس والكآبة تعلو وجوههم، إلا من أعداد قليلة أصرت على الاعتصام ومنهم أسر الشهداء والمصابين في الثورة، فانقضت قوات الأمن عليهم بكل ما كانت تحمله من ثأر للثورة ورغبة في سحقها والانتهاء منها.

وهكذا.. حين عادت الداخلية إلى ثوبها القديم، وأسفر المجلس العسكري عن نيته في سحق الثورة، عاد الشعب إلى الشوارع من جديد، ووقف الشباب المصري الباسل أمام قوات الأمن التي تحاول اقتحام ميدان التحرير من شارع محمد محمود، وكلما سقط الشباب وافتضح العسكر، كلما زاد هذا من التفاف الناس حول الثورة، وبالدم وحده سقطت وثيقة المبادئ فوق الدستورية، وقصرت الفترة الانتقالية عاما على الأقل، وما زالت الثورة مستمرة.. وما زال المصريون يجاهدون في سبيل حريتهم.

ومما أراه الآن في التغطيات الإعلامية، لا أجد واحدا يتذكر فضل حازم أبو إسماعيل في تجديد الزخم الثوري على الإطلاق، فكان لزاما أن تكتب مثل هذه الكلمات تذكيرا بتاريخ ينساه البعض سهوا ويتناساه البعض عمدا ولا يشير إليه أحد رغم أنه تاريخ لم يمض عليه إلا أيام!!

نشر في: شبكة رصد الإخبارية، ورابطة النهضة والإصلاح

اقرأ:

أيها الإسلامي لا تخن ضميرك

قصة طالوت تتكرر في مصر

الحركة الإسلامية والرئيس التوافقي