الأحد، فبراير 14، 2021

تزكية د. سيف الدين عبد الفتاح

 



كنتُ قد عرضتُ بحثي "فحص دعوى أثر السياسة في تدوين موطأ مالك" على الأستاذ الدكتور سيف الدين عبد الفتاح، فقرأه متفضلا، ثم كتب على صدره هذه الكلمات:

"هذا البحث خطة عملية ونموذج عملي وبحثي لتطبيق المنهج لردّ دعوى التأثير بأثر السياسة في تدوين الموطأ.

بارك الله فيكم وفي منهجكم وعلمكم"


خواطر حول فكرة تحديد فترة الرئاسة في النظام الديمقراطي

 بسم الله..


من مبادئ الديمقراطية المعاصرة تحديد مدة تولي السلطة، بحيث يُنتخب الرئيس لعدد من السنوات، يمكن أن تجدد لفترة واحدة إضافية فقط. والغرض من ذلك: ألا تطول مدة بقاء الحاكم في السلطة فيحمله هذا على الطغيان والاستبداد والتحول إلى فرعون جديد.

هذه الصورة هي جزء من الأنظمة الرئاسية، بينما النظام البرلماني الذي يضع السلطة في يد رئيس الحكومة لا يضع هذا القيدَ عادةً، إذ يمكن للحزب الفائز في الانتخابات أن يتولى السلطة بنفس شخص مرشحه لمدة غير محددة. (مثال: نتنياهو يتولى رئاسة الحكومة منذ 2009 حتى الآن، أي 12 عاما متواصلة)

السؤال هنا: هل أدى هذا الوضع إلى خفوت الديكتاتورية أم إلى اختبائها فيما يُسَمَّى "الدولة العميقة"؟

الإجابة: انظر هذا المنشور: https://www.facebook.com/mohammad.elhamy/posts/10157666087466615

لكن حديثنا الآن له غرض آخر.. ولكن اصبر معي قليلا..

لقد جاءتنا هذه الفكرة، فكرة تحديد مدة السلطة، ضمن الموجة الغربية المستمرة منذ قرنين من الزمن، وسُئِل المسلمون: ما موقفكم من تحديد مدة تولي السلطة؟

وهذا السؤال حين يُطْرَح من قِبَل المنتصر -أو المنبهر بالمنتصر- على المهزوم المغلوب، فإنه يكون سؤال مُحَمَّلًا بقوة المنتصر وسطوته، وتكون إجابته مُحَمَّلَةً بضعف المغلوب وذِلَّتِه.

[كمثال على الهامش: كانت الدولة العثمانية في أوج قوتها، مطلع القرن السابع عشر، حين كانت تحارب الكومنولث البولندي الليتواني، وكان تجربة ديمقراطية مبكرة في أوروبا، حيث يتربع ملك منتخب على عرش نظام قوامه البرلمان المركزي والمجالس المحلية.. فلم ير العثمانيون أنهم بحاجة إلى الديمقراطية، بل رأى البولنديون بعد الهزائم أمام العثمانيين أن هذا النظام البرلماني يعطل المبادرة ويثبط القرارات الجسورة.. ولأن التجربة لم تستمر طويلا، فلم تكن ذات إغراء ولا بريق لأحد في الجوار، لا الروس ولا العثمانيين ولا الأوربيين]

والفقه السياسي عند المسلمين، يُسْتَمَدُّ في هذه المسائل من عصر الخلافة الراشدة، وبالنظر إلى ذلك العصر سنجد أن الخلفاء الأربعة بقوا في السلطة حتى وفاتهم، ولم يُطْرَح عليهم ولا طرحوا هم فكرة المدة الزمنية.

فذهبت طائفة من العلماء المعاصرين إلى أن الإسلام ليست فيه فكرة تحديد المدة الزمنية للسلطة.

وذهبت طائفة أخرى إلى القول بأن هذه الفكرة جائزة اعتمادا على أن عدم فِعْل الخلفاء الراشدين لشئ لا يدل على تحريمه، ولم يرد عنهم النهي عن ذلك، فهي فكرة واقعة في دائرة النظر وتقدير المصالح والمفاسد. وإذا تحققنا أن ثمة مفسدة في إطلاق المدة الزمنية للحاكم، فيكون من الجائز تقييد المدة وتأقيت عقد السلطة، قياسا على أن الإمامة عقد كسائر العقود، وهي عقد وكالة بين الأمة والأمير، وإذا جاز في العقود عموما وفي عقد الوكالة خصوصا فكرة التأقيت فإنه يجوز أن يكون ذلك في عقد الإمامة.

وليس من غرض المنشور الدخول في هذا السجال الفقهي ولا الفصل فيه، ولكن لا بد من إيضاح أمور:

- أن كلا الفريقين يتفق على أن الحاكم الشرعي يُوَلَّى برضا الأمة، وللأمة حق مراقبته ونصحه، ولها حق عزله والقيام عليه إذا أفسد وجار وانحرف، مع مراعاة المفاسد والمصالح المترتبة على عملية الخروج كتنزيل عملي لحق العزل في الحالة المُعَيَّنة التي يقدرها أهل العصر.

- أن كلا الفريقين يتفق، من خلال فقه الخلافة الراشدة نفسه، أن عزل الأمير غير مرتبط بوقت وإنما مرتبط بسياسته وسلوكه، فمن حق الأمة عزل الأمير بعد عام أو عامين أو ثلاثة وليس في الفقه ما يشترط على الامة الانتظار أربعة أعوام أو خمسة -كفترة أولى- قبل أن تفكر في الاعتراض أو أن تُقْدِم على خلع الأمير.. وهذا الأمر واضح من خُطَب الخلفاء الراشدين التي بدؤوا بها ولاياتهم، كقول أبي بكر "فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم".

- أن كلا الفريقين يتفق على أن من واجب الأمة اختيار الأفضل للولاية، دون مراعاة المجاملات والروابط والعصبيات، بل يُقَدَّم للولاية من هو أولى بها وأحق.

ولو دققنا في هذه النقطة الأخيرة، لفهمنا لماذا لم يفكر علماؤنا الأقدمون في مسألة تأقيت عقد السلطة، إذ إن تولية الأفضل والأحق بالمنصب سيجعل من مقتضى هذا ولوازمه أنه لا يُعْزَل هذا الأفضل ويُؤتَى بغيره إلا لو وقع منه أو له ما يجعله غير كفء ولا جدير بالولاية، سواء لفساد طرأ عليه في دينه أو جسمه.

وقبل أن نغادر هذا الجزء، يجب القول بأن النظام الاجتماعي الإسلامي يذهب إلى بناء مجتمع قوي، وسلطة محدودة الصلاحيات، وهو حافل بالتشريعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تجعل عملية اختيار الحاكم جزءا واحدا من منظومة أشمل، تكون معها صلاحيات الحاكم أقل كثيرا من صلاحيات أي حاكم ديمقراطي معاصر

وللتفصيل في هذه الفقرة الأخيرة انظر هذه الروابط:
https://www.youtube.com/watch?v=ikfGGWK3BUI
https://www.youtube.com/watch?v=HEg-ax7G-xs
https://www.youtube.com/watch?v=puEAp2pDpN0

***

دعونا نُرَكِّز النظر الآن على العلماء وعلى الحركات الإسلامية، الذين قبلوا بهذه الفكرة، فكرة تحديد مدة السلطة والولاية، وقبلوا بفكرة الانتخابات، وجعلوها ضمن لوائحهم في جماعاتهم وفي مؤسساتهم العلمية.

وهؤلاء لا يمكن الحديث عن أن قبولهم بهذه الفكرة هو محض نظر وتفكير علمي، بل إن في قبولهم به تأثرا واضحا بالثقافة الغربية الغالبة والبرّاقة، وفيه أيضا نفورهم من نتائج الطغيان والاستبداد الذي يشمل العالم الإسلامي، فالمواقف لا تُتَّخَذ في الفراغ، وإنما هي حصيلة الظروف والمشكلات الواقعية.

بحسب ما أعلم، فإن الزعماء المؤسسين للحركات الإسلامية وللمؤسسات العلمية ظلوا حتى نهاية عمرهم، أو حتى لحظة عجزهم، في موضع القيادة، وإذا حصل نوع من الانتخابات في جماعتهم فإنه يُجَدَّد لهم لمدة أو لمُدَدٍ أخرى في مناصبهم.. فإذا جاءتهم الوفاة أو جاءهم العجز عن القيام بالمهمة، كانت توصيتهم باسم من يخلفه في المنصب توصية نافذة، وتأتي عملية الانتخابات الشكلية كاستجابة لرغبة الزعيم أو القائد.

ونستطيع أن نعدَّ من خرجوا على هذا النسق وأصروا على الاستقالة في حال قدرتهم كحالة شاذة، مثل مهدي عاكف في حالة إخوان مصر أو خالد مشعل في حركته.

والآن سيكون لدينا احتمالان لتفسير هذا الموقف؛

الأول: إما أن هذه الحركات والمؤسسات العلمية أصابها النفاق أو أصابها الفساد، فهي تعلن شيئا وتمارس عكسه.

والثاني: أن هذه الحركات والمؤسسات رأت من خلال الممارسة العملية أن عملية الانتخاب لا تأتي بالعناصر الصالحة للقيادة والعمل، فهم يتحايلون على هذه العملية بما تيسَّر لهم من الحيل.

ولا مانع أن يكون واقع الحال خليطا من هذا وذاك، شيئا من هنا وشيئا من هناك.

ولمرة أخرى، لن ندخل في هذا الجدل، ولكن: ألا تتفقون معي في أن هؤلاء العلماء وهذه الحركات الإسلامية، كان أجدر بها أن تقول:

إن هذه الفكرة الديمقراطية لا تلزمنا، ونحن أقدر على أن نستخرج من ديننا نظاما يجعلنا غير مرتبطين بفكرة التوقيت أو بفكرة الانتخابات ولكنه يجعلنا مرتبطين بتجنب الطغيان والاستئثار بالمنصب.. وذلك كي لا نضطر إلى عزل الأصلح عن منصبه وتولية من هو أضعف منه، وكي لا نُضطَرّ إلى انتظار مفاجآت الانتخابات التي لا تتوفر لها الظروف الطبيعية، حيث لا تتوفر الفرصة للقواعد لتقييم المهارات الإدارية والكفاءة في المترشحين للمناصب والولايات.

ألا تتفقون معي في أن بذل الجهد لاستخراج نظام كهذا، خير من الاستعلان بالإيمان بالديمقراطية والالتزام بالممارسة الانتخابية ثم يخرج الأمر في النهاية كنوع من المسرحية الهزلية المفضوحة؟!

السؤال هنا: هل تأتي الانتخابات دائما بمن هو أصلح وأكفأ؟

والجواب المؤكد الذي يتفق عليه الناس: لا، ليس شرطا.. قد تأتي بمن هو أصلح أو بمن هو أسوأ.

إذن، لماذا نحن مضطرون إلى اعتماد هذه الوسيلة دون غيرها؟

والجواب: لأننا لم نفكر في غيرها و/أو لا نعرف غيرها، أو لأننا نريد أن نثبت لعالمنا وحكوماتنا أننا ديمقراطيون، إحراجا لحكوماتنا و/أو إظهارا لنزاهتنا أمام الغرب.

***

أريد أن أقول بوضوح شديد، كي لا أترك أي مجال لتفسير كلامي تفسيرا خاطئا، أننا كأمة إسلامية أو كشعب مسلم أو كحركات إسلامية أو كفصائل ثورية أو .... أو .... أو ..... (أيا ما كان التوصيف).. أننا معنيون ومهتمّون ألا يتسلط علينا طاغية أو ظالم، لا بالقهر الصريح ولا بالانتخابات الشكلية.

ونحن معنيون ومهتمّون أن يسود علينا خيارُنا وأكفاؤنا سواء كان ذلك بانتخابات صحيحة أو بالموهبة والكفاءة التي أظهرتها الأيام والأحداث والتي فرضت نفسها.

ونحن معنيون ومهتمّون أن يبقى الأصلح فينا في موقعه ومكانه اللائق به، طالما كان قادرا على القيام بدوره، سواءٌ استمرّ في موقعه هذا سنة أو عشرة أو عشرين.. طالما أننا نملك دائما حق مراقبته ونصحه وتقويمه، ونملك حق عزله والخروج عليه إذا ظهر منه الفساد والانحراف.

وأنا أدافع عن موقفي هذا بعدد من الأسباب، هي كالآتي:

1. أن الديمقراطية والانتخابات فكرة أو وسيلة غربية ليست هي من ديننا، فنحن غير مُلْزَمين بها.. وإنما ننظر فيها كفكرة أو كأداة أو كوسيلة، فنأخذ بها طالما كان فيها خير للأمة، ولا نأخذ بها إن كان فيها شرٌّ للأمة.. ومسألة تأقيت عقد السلطة هذا من الأمور التي يجري فيها النظر وتقدير المصلحة والمفسدة.. فنحن غير ملزمين أن نعزل الأكفاء الأخيار لمجرد أنه قد حان وقتٌ ما يجب فيه أن ينعزلوا. ولا نحن كذلك ملزمين بالصبر على المفسدين والأشرار لمجرد أنه يلزمنا البقاء ساكتين لوقتٍ ما.

2. أن حالتنا الآن كمسلمين، وكحركات إسلامية، وكفصائل ثورية، و... و... و...، ليست هي حالة التمكن والاستقرار والراحة التي نجد فيها كثرة من الرجال القادرين على إدارة الصراعات، بل نحن في مراحل كفاح وتحرر وحروب استقلال ونزاعات مريرة مع احتلال أجنبي ومع طغيان داخلي.. ومثل هذه الأحوال لا يقوم لها إلا رجال نادرون، بما حباهم الله من المواهب والكفاءات. فليس من المعقول في هذا الحال أن نطعن أنفسنا بأيدينا، ونُلْزِم الأكفاء النادرين بمغادرة مواقعهم لمجرد أننا مخلصون للديمقراطية ومبادئها!!!

من في قادة الدول عند اللحظات الخطرة أو في زعماء الثورات وحركات التحرر أخلى موقعه خضوعا للديمقراطية؟!

3. أن الغرب الذي ابتدع الديمقراطية واخترعها وروّج لها وفلسفها وعلَّمنا إياها، هو نفسه لما رأى أن الديمقراطية تهدد مصالحه، دهسها ولم يبالي.. لم تطرف له عين ولم تهتز فيه شعرة.. وانظر إلى مذكرات أي صانع قرار أمريكي تجده يقول في بساطة ما مفاده الأخير: حين يكون الاختيار بين مصالحنا وقيمنا الأخلاقية نختار مصالحنا. لكن بعضهم أبرع من بعض في صياغة هذه العبارة بأشكال دبلوماسية وبلاغية ناعمة.

فلا يُعقل، والحال هكذا، أن نكون نحن أشد إيمانا بالديمقراطية من أهلها وأصحابها إذا كانت ضد مصالحنا.

4. أن الذين قُهِروا زمنا على الشكل الديمقراطي، بأثر من التفوق الغربي، يتحايلون عليها الآن، في الصين يُعَدَّل الدستور ليسمح للرئيس بِمُدَدٍ أخرى، وفي روسيا يدير بوتين لعبة طريفة مع أحد أتباعه (ميدفيدف) فيتبادلان موقع الرئيس ورئيس الحكومة، وفي عالمنا العربي مسرح حافل بكل مساخر الديمقراطية، استفتاءات شكلية واستفتاءات مزورة وانتخابات بين قوائم معينة واستفتاء على شخص وحيد واختيارات سابقة التجهيز وترتيبات لا تكفّ عن التجديد والإبداع غرضها واحد فقط: أن تأتي السلطة على الهوى الغربي.

فلماذا نحن من دون كل هؤلاء سنؤمن بالديمقراطية ونخضع لها مهما كانت أضرارها؟!

***

أعود فأكرر من جديد، وكمحاولة أخرى لئلا يُفهم كلامي على غير ما أقصد:

الديمقراطية والانتخابات ليست إلا وسيلة وفكرة، لسنا مجبرين على الأخذ بها ولا على الخضوع لها مهما كانت نتائجها.. ما يهمّنا الوصول إلى الغايات المقصودة من وراء الأفكار والوسائل:

ألا يتسلط علينا فاسد ولا مستبد، ألا نخسر صالحا كفئا في وقت الحاجة إليه.

الأربعاء، فبراير 03، 2021

أفاضوا في مدح النبي وماتوا كافرين!!

 


ليس كل من عرف محمدا صلى الله عليه وسلم أحبَّه، ولا كلَّ من عرفه آمن به واتبعه. فالقول بأن الشعوب الغربية لن يتغير موقفها كثيرا إذا عرفت نبينا –صلى الله عليه وسلم- ليس نوعا من التشاؤم أو هو ضرب من الوهم، بل هو أقرب لتقرير واقع، وتطبيق لفهم طبائع النفس والاجتماع.

وليس أقرب دليلا على هذا من أن قريشا لم يؤمنوا به ولم يتبعوه، وهم أعرف الناس به، فهم أهل النبي وعصبته، وفيهم وُلِد وكبر وعُرِف قدره وشرفه وخُلُقُه. بل تحول فجأة من "الصادق الأمين" إلى: ساحر وكاهن وشاعر ومجنون!!

فالجهل هو الحاجز الأول، ولكنه ليس الحاجز الأهم، والمعرفة وحدها لا تدفع صاحبها إلى اتباع الحق، وإلا فما كان يُتَصَوَّر أن يكفر إبليس وهو الذي عاش دهرا مع الملائكة، ورأى من الملكوت ما لم يره البشر. إن بين العلم وبين العلم حواجز من الشهوات والمصالح التي لا تهدمها إلا مجاهدة النفس وتحمل العواقب ودفع التكاليف، ولذلك "حُفَّت الجنة بالمكاره، وحُفَّت النار بالشهوات" كما في الحديث الصحيح.

وكنا في المقال السابق على صفحات هذه المجلة قد طرحنا سؤال "هل يتغير موقف الشعوب الغربية إذا عرفوا محمدا صلى الله عليه وسلم"، وللإجابة على هذا السؤال افتتحنا موضوعيْن؛ الأول: هو ما يُسمى "علم نفس الطاعة" وهو من فروع علم النفس السياسي وعلم النفس الاجتماعي، حيث قد ثبت أن تأثير السلطة في الجماهير يبلغ من القوة بحيث أنها تفضل الطاعة والخضوع مهما كانت قناعتهم بخطأ القرار. وذلك ما تناولناه في المقال الماضي.

والثاني: هو سيادة المنهج الوضعي في التفكير والبحث العلمي في الغرب، وهو ما نشير إليه سريعا في هذه السطور، وبالله التوفيق.

كان من نتائج انقلاب الغرب على المسيحية، وإقصاء الدين من الحياة، أن دخل إلى الحياة العلمية ثم ساد فيها منهج الوضعية. حيث تمثل هذا المنهج في العديد من الفلسفات والأفكار والمذاهب، حتى صار أساسه راسخا وثمراته كثيرة وغزيرة.

الوضعية، بتبسيط شديد يناسب المقام هنا، هي المقابل والنقيض للمعيارية، ولكن ما هي المعيارية؟

المعيارية هي بمثابة الميزان والنموذج والمِثال الذي نسعى للوصول إليه. نريد مثلا أن نصل إلى نظام سياسي يحقق العدل ويقوم بالحق وينشر الفضائل، إن تصوّرنا للعدل والحق والفضائل هو المثال والنموذج والمعيار الذي نحاول الوصول إليه، وعلى ضوئه نستكشف القصور والأخطاء والنقص في واقعنا، فنسعى في تحسينه وتعديله، ونكافح في سبيل ذلك أولئك الظالمين والمجرمين الذين يتسببون في هذه الأوضاع الفاسدة ويغلقون طريق الإصلاح. وهكذا، كل دين أو فلسفة أو مذهب، له تصوّره عن العدل والخير والحق والجمال والأخلاق، ومن خلالها اختار شكل الإصلاح والكفاح، ومن خلالها بنى قوانينه وتشريعاته ونظمه السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ما يهمنا هنا، أن العلم الصادر عن منظومة معيارية، يهتم بدراسة مجاليْن معا: يدرس "ما هو كائن" ويدرس أيضا "ما يجب أن يكون"، ويحاول أن يصل إلى أفضل السُبُل لإصلاح ما هو كائن كي ينسجم ويصل إلى ما يجب أن يكون. إنه علمٌ ذو ميزان ومعيار، فليس مقبولا أن تخرج نظريةٌ علميةٌ تدعو إلى مخالفة القيم والمبادئ والأخلاق الأساسية في هذا الدين أو هذه الفلسفة.

أما الوضعية، فهي التي تحاول أن تدرس ما هو كائن، ولا تهتم أصلا بمجال "ما يجب أن يكون"، لسبب بسيط: أنها قد أقصت وأزاحت وحاربت الدين، بما في ذلك سائر ما يتعلق به من أمور غيبية (ميتافيزيقية)، لقد قضتْ على وجود المعيار والميزان نفسه. وبهذا صار كل شيء مقبولا وممكنا وطبيعيا.

إذا انطلقت مجموعة من الرحالة والجغرافيين –مثلا- إلى رحلة مجهولة في مكان ما، واكتشفوا قوما من البشر لهم عادات وتقاليد وطقوس، سيهتم الرحالة "المعياري" أن يقيس أوضاع هؤلاء إلى المعيار والميزان الذي يعتنقه، فإذا رأى أنهم يأكلون لحم البشر فسيرسخ في نفسه أنهم قساة، وإذا رآهم يتزاوجون رجالا ونساء بغير عدد ولا تحفظ فسيرسخ في نفسه أنهم في إباحية وفوضى جنسية، إذا رآهم ينقسمون إلى طبقات تتفاوت في الحقوق والواجبات فسيرسخ في نفسه أنهم في ظلم... وهكذا! أما الرحالة "الوضعي" فلن يرى فيهم إلا قوما "مختلفين"! لهم عادات وتقاليد وأنظمة "مختلفة"! وما ذلك إلا لأنه ليس ثمة ميزان ولا معيار.

هذا المثال المبسط للغاية، وجد تطبيقات خطيرة له في سائر مناحي الحياة الغربية، ومن تلك المناحي: العلم. وأبرز مجالات العلم التي يبدو فيها هذا واضحا: الأخلاق. فلطالما كان علم الأخلاق علما يدرس ما يجب أن يكون، فتحول تحت ضغط الوضعية المادية إلى علم يدرس ما هو كائن، فالأخلاق في المنهج الوضعي ليست إلا "عادات قوم ما في زمان ما ومكان ما"، ليس أكثر من هذا.

ومن بين تطبيقات كثيرة وخطيرة لهذا الاتجاه، يهمنا في مقالنا هذا التركيز على ما وقع في الانفصال بين العلم والعمل.

لقد صار مألوفا تماما في الحياة الغربية أن تجد الباحث ينفق عمره في دراسة موضوع ما، ويصل إلى عدد من النتائج المهمة والممتازة، ولكنه لا يرى نفسه مكلفا باتباع النتائج التي وصل إليها، ولا اعتناق الأفكار التي أثبت هو صحَّتها، ولا الكفاح في سبيل ما برهن هو على أنه حق!! وكذلك زملاؤه في البيئة العلمية، لا يستنكرون عليه أنه لم يفعل!

لقد توقف عمل العالِم الباحث عند الفحص والدراسة وجمع الأدلة والبرهنة عليها وتقديم التفسير العلمي وتكوين صورة الموضوع المحكمة. عند هذه النقطة يرى هو –كما يرى زملاؤه- أن المهمة قد اكتملت. أما موقفه هو مما توصل إليه ومدى تطبيقه هو لقناعاته هذه في حياته، فأمرٌ آخر يُعَدّ من قبيل الحرية الشخصية التي لا يُسأل عنها!

لقد فاضت كتب كثير من المستشرقين بالثناء على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وإنجازه المُعْجِز في تحويل العرب من أمة مطمورة مغمورة متنازعة لا يتوقف القتال فيها إلى بناة حضارة وإمبراطورية عظيمة في زمن خاطف ولمحة بارقة، وفاضت كتب كثير منهم بالثناء على الإسلام وقيمه وحضارته وما قدَّمته الحضارة الإسلامية للعالم من بدائع الأفكار والقيم والتشريعات والقوانين وروائع العلوم والعمارة والفنون. ومع ذلك فإن أكثر هؤلاء لم يدخل الإسلام!

بل إن كثيرا من جوانب عظمة الإسلام لا يلتقطها إلا هؤلاء، لنشأتهم في حضارة أخرى وقدرتهم على المقارنة بين الإسلام وبين ما هم فيه، فإذا الذي تعوّدنا عليه لا يثير اهتمامنا ولا نعرف قيمته، بينما يبدو هذا عندهم شيئا بارزا ومتألقا ومثير للإعجاب. ومع ذلك فأكثر هؤلاء لم يدخل الإسلام!

انتشر في العالم الإسلامي مستشرقون لا يُحصى عددهم، وبعضهم لديه من العلم بالإسلام ومذاهبه وعلمائه ما ليس عند أكثر المسلمين، ولكنه لم يسلم. بعضهم قدَّم رؤى وتصورات عن المسلمين وعن الحركات الإسلامية في غاية الدقة والقوة، وأكثرهم لم يُسْلِم.

إن هذا الأمر المقبول تماما في الواقع الغربي هو نفسه من أقبح القبيح في ديننا، إذ يشدد الإسلام على ضرورة اتباع الحق مهما كانت التكاليف، وعلى التضحية في سبيله مهما ارتفع الثمن، والذين يعرفون الحق ولا يتبعونه هم "المغضوب عليهم" وهو أشر الناس، وإذا قال المرء ما لا يفعل فقد أصابه المقت العظيم (كَبُر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون). ولا يمكن لمن أمسك بكتاب في فضل العلم أو آدابه من تراثنا الإسلامي إلا وجد فيه كلاما عن ضرورة العمل، حتى لقد ألَّف الخطيب البغدادي –المحدث والمؤرخ المشهور- كتابا شهيرا جعل عنوانه "اقتضاء العلم العمل"، حشده بالنقول من القرآن والسنة وكلام السلف الصالح عن ضرورة العمل، وأن العلم إنما يُطلب للعمل.

ولقد نفر علماؤنا من مناقشة العلم الذي لا يترتب عليه عمل، وأنكروا على من يسأل الأسئلة التي لم تقع ولم تحدث، إذ العلم عندهم ليس رياضة نظرية لتمرين العقول وتنشيط الأذهان، بل هو هداية ونور لإصلاح العقول والقلوب والأبدان. وقد نُقل عن الكثير من العلماء النهي عن العلم الذي لا يُستفاد منه، والاستغراق في الدقائق والمُلَح والنوادر والغرائب التي لا يُنتفع بها.

هذا المنهج القبيح المستنكر في ديننا وتراثنا صار هو الأمر الطبيعي في الحضارة الغربية، ولست أحصي عدد المرات التي كنت أقرأ فيها لبعض المستشرقين في بداية تعرفي على كتبهم، فكنتُ أتوقع الواحد منهم سيعلن إسلامه في السطر القادم، من روعة ما يكتبه وقوته، ثم ينتهي الكتاب، ثم ينتهي أجله هو وقد مات كما كان، كأنما لم يعرف الإسلام!

لهذا نقول: إن الشعوب الغربية تحتاج أكثر من "معرفة" نبينا صلى الله عليه وسلم، فإن المعرفة وحدها لن تنقل أكثرهم إلى الإيمان، بل ولن تثني أكثرهم عن الإساءة له صلى الله عليه وسلم. الشعوب الغربية –والشرقية وسائر الشعوب- تحتاج أن ترى المسلمين أقوياء أعزاء، حينها تتغير نظرتهم على الحقيقة. فإن تعذَّر اجتماع القوة والعزة فالعزة وحدها قادرة أن تجتذب منهم، فإن العزيز مهما ضعف ومهما افتقر يصير موضع إعجاب وتقدير، وأقل أحواله أن يصير موضع تساؤل واهتمام!

آخر ما تحتاجه الشعوب الغربية أن نخاطبهم بديننا خطاب المستضعف الذليل الذي يتوسل لهم أن يستمعوا وأن يتعرفوا على ديننا ونبينا، إن المبذول مملول، ولذلك قال ابن تيمية في بيان حكمة قتل سابّ الرسول: "الكلمة الواحدة من سب النبي صلى الله عليه وسلم لا تحتمل بإسلام ألوف من الكفار ولأن يظهر دين الله ظهورا يمنع أحدا أن ينطق فيه بطعن أحب إلى الله ورسوله من أن يدخل فيه أقوام وهو منتهك مستهان"[1].


نشر في مجلة المجتمع الكويتية، فبراير 2021



[1] ابن تيمية، الصارم المسلول على شاتم الرسول، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، (الرياض: الحرس الوطني السعودي، د. ت)، ص505.