السبت، مايو 16، 2020

أيهما أفضل: السجن الحديث أم الرق القديم؟!

 


تخوف عمر رضي الله عنه من انحلال الإسلام من النفوس إذا نشأت أجيال لا تعرف الجاهلية، فقال: "تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية".

 وذلك أن الذي لم يعرف مرارة الجاهلية وقبحها وظلمها واستعبادها للبشر، لن يفهم ولن يقدِّر عظمة نعمة الإسلام وعظيم تكريمه للناس.

 وفي زماننا هذا تواجهنا مشكلة مركبة معقدة، ذلك أن الكثرة العظيمة الغالبة لا يشعرون أنهم في جاهلية، ولا يشعرون بقسوتها وظلمها وعبوديتها، لقد غرتهم الجاهلية الغالبة التي زخرفت نفسها فجعلتهم يرون هذا كله من النظام والقانون والجدية والكفاح!

 وقد تأثر بهذا كثير جدا -بل أكثرُ- المتكلمين بالإسلام من دعاته وعلمائه، ذلك أنه نشأت أجيال لم تعرف كيف كانت الحياة في المجتمعات الإسلامية قبل عصر الجاهلية الجديدة هذه، أو لنقل: إن الجاهلية الجديدة لم تسمح لهم إلا بمعرفة مساوئ وقبائح ما وقع في العصور الإسلامية من بعض الظلم والفساد والحروب ونحوها، مع ما زادته في هذا من التشويه، بحيث أنه لو صحَّ كل ما ينسب إلى هذه العصور من قبائح ثم قورن بما يحصل في عصرنا لكانت تلك العصور جنة بالنسبة لما نحن فيه. إلا أننا ندرس ذلك كله ونتلقه كقبائح وندرس ما يناظرها في عصورنا هذه على أنه نظام وقانون وانفتاح وحرية وما إلى ذلك.

 وهذه العصور الإسلامية، عصور الأمويين والعباسيين والعثمانيين، قد وقع فيها فعلا ما هو انحراف واضح عن الإسلام، يزيد هذا فيها وينقص.. فأما الإسلام نفسه وأحكامه وشرائعه فهي تكاد الآن تكون مجهولة بالكلية في الشؤون التي تختص بالحكام والمجتمعات، أي في الشؤون التي تغلب عليها الثقافة المعاصرة أو الجاهلية المعاصرة.

 فلا يقال مثلا: شريعة الإسلام في المسألة كذا، ولكن العصور الإسلامية انحرفت في كذا وكذا.. بل يؤتى ببعض أقبح لحظات الظلم من تلك العصور فينسب إلى الإسلام رأسا، ثم يوضع في مقابله حكم الجاهلية المعاصرة مزخرفا ومزينا وبراقا.. فلهذا نشأ في أجيال المتثقفين من نفر من الإسلام وتاريخه نفورا شديدا، بل تأثر بهذا كثير من الدعاة والعلماء وكانت لهم قسوة مستنكرة على التاريخ الإسلامي وعلى كثير من علمائه.

 ولن يكون ثمة علاج لهذه المعضلة إلا بالقراءة لمن تحرر من ضغط الثقافة المعاصرة الغالبة، واستطاع أن يقف على ثقة من نفسه ودينه، وينظر إلى الحاضر متحررا منه متجردا من ثقله، قادرا على محاكمته وتقييمه بمعيار الإسلام.. ولهذا كثيرا ما أنصح بقراءة كتب: سيد قطب، ومحمد قطب، وعلى عزت بيجوفيتش، وإبراهيم السكران، وعبد العزيز الطريفي.. بل أزيد فأقول: إن كتب المستشرقين المستوعبين لتناقض الإسلام مع الواقع الغربي المعاصر أنفع في أكثر الأحيان من قراءة كتب بعض الدعاة المنهزمين أمام المواقع المتشربين لثقافته.

 هذا الكلام كله هو بمثابة الخاطرة المستمرة التي تقفز أمامي دائما مع كل كتاب جديد وكل قراءة جديدة، واليوم قد فاض الكيل بينما كنت أقرأ في كتاب "التفسير والبيان" للشيخ الطريفي حفظه الله وفك أسره، إذ تناول أحكام السجن والنفي لدى مروره على قول الله تعالى (قلنا اهبطوا منها جميعا بعضكم لبعض عدو).

 وموضوع السجن هذا من الأبحاث التي أضعها على جدولي (الذي يطول ويزيد، ويضيق عنه الوقت وتضعف أمامه الهمة) منذ زمن، ولكني لم أنهض له بعد، وسأذكر الآن قناعتي التي وصلت إليها، ولكني لست على استعداد للجدال فيها الآن، ألا وهي: إن الرق والعبودية التي كانت سائدة في المجتمعات الإسلامية خيرا للإنسان والمجتمع من السجون المعاصرة (بما في ذلك السجون الغربية)، وهذه قناعة تضافر في تكوينها القراءة في أحكام الرق وفي أحوال الرقيق في المجتمع الإسلامي ثم في تجارب السجون المعاصرة سواء من خلال علم النفس أو علم اجتماع الجريمة وأدب السجون. وأعلم أن هذا الكلام سيبدو غريبا وشاذا لدى أكثر القارئين، ومع هذا فلنؤجل النقاش فيه إلى حينه.

 نعود الآن لما كتبه الشيخ الطريفي، وسأنقل منه عبارات قصيرة منفردة، من كلامه الذي هو نفسه مختصر موجز:

 1. مدة السجن:

 "الأصل في السجن والنفي: منعُ وقوعه بلا حدّ وضبطِ مدة يعرف الجاني أقصاها، ويعرف ورثته وزوجه ومن له حق عليه من أهل العقود والمنافع ذلك، ويجوز حبس من لا يندفع شره إلا بنفيه وسجنه، كمن يتوعد بقتل لغيره، والزنديق ليتوب".

 "وقول جماهير أهل العلم من الحنفية والمالكية والحنابلة: إنه يجوز إطلاق مدة السجن وربطها برجوع المفسد عن فساده.

 قال أحمد في المبتدع الداعية: يحبس حتى يكف عنها، وقال بهذا أبو يعلى وابن فرحون وغيرهم

وقال أبو عبد الله الزبيري -من أصحاب الشافعي- تُقَدَّر غايته بشهر للاستبراء والكشف، وبستة أشهر للتأديب والتقويم

وقال الماوردي: فالظاهر من مذهب الشافعي: تقديره بما دون الحول ولو بيوم واحد؛ لئلا يصير مساويا لتعزير الحول في الزنى

 وُمحال أن يعزم رجل على قتل رجل أو إفساد في الأرض ويعلن ذلك وهو في سجنه، ثم يقول عالم معتبر: يجوز إخراجه ليقتل خصما يتوعده بلا حق.

 وإنما مراد من قال من العلماء بمنع إبقاء السجين في سجنه إلى أجل غير معلوم في حال التعزير على ذنب وجرم، لا في حال الخوف المتيقن من القيام بجرم، ولا عبرة بالظن هنا، وليس كل ذنب يعزم الإنسان على تكراره يسجن فيه إلى أجل غير معلوم".

 2. النفي قبل السجن:

 "النفي سجن موسع، والسجن عقوبة وعذاب للنفس أولا، ثم للبدن: أن تتعطل قواه عن الحركة فتضعف، ويتعطل عقله ويُحرم من مشاهدة آيات الكون فيضعف، ويفقد الصلة بمن يعرف من أهل وقرابة وصداقة فتفقد حواسه الخمس متعتها، فتتعذب بذلك.

 فلا يجوز المصير إلى السجن إلا بجُرم بيِّن؛ فيُبْدأ بالنفي، وإن استحق لعِظَم جرمه السجنَ، سُجِن".

 3. السجن على النية:

 "ولا يجوز السجن لمجرد النية؛ فآدم وحواء نهاهما الله عن قرب الشجرة، ولا شك أنهما نويا القرب قبل القرب، والله يطّلع على السريرة كما يطّلع على الجريرة، ولم يعاقب سبحانه إلا على الفعل، ومع هذا لم ينزل الله العقوبة عليهما بمجرد العزم والهمّ والقصد الجازم.

بخلاف وجود العزم الذي لا يُدفع إلا بالحبس؛ حيثُ لا يؤمن من عمله، أما التأديب على النية فلا يجوز في الدين".

 4. معنى الحبس ومساحة السجن:

 "والتوسع في السجون اليوم، ومن ذلك: السجن في أماكن ضيقة لا تتسع إلا للواحد ممتدا، جُرْمٌ عظيم، وخطأ جسيم، وعقوبة ما نزل بها الشرع. قال ابن تيمية: الحبس الشرعي ليس هو السجن في مكان ضيق، وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه، سواء كان في بيت أو مسجد أو كان بتوكيل نفس الخصم أو وكيل الخصم عليه" [ = ما نعرفه اليوم باسم: الإقامة الجبرية]

 5. الإنفاق على أسرة المنفي والسجين

 "لا ينفي السلطان أحدا في فلاة وصحراء لا رزق له فيها ولا مسكن يأوي إليه، فهذا إفضاءٌ إلى قتل، فيجب على السلطان التكفل برزقه ورزق عياله من ورائه".

 انتهى كلام الشيخ الطريفي، حفظه الله وفك أسره، ينظر في: التفسير والبيان في أحكام القرآن، 1/ 38 وما بعدها.

 ونكرر: لا ننفي أنه وقع انحراف في العصور الإسلامية يزيد أو ينقص عن هذه الأحكام، ولكن المصلحين الذين ينادون بعودة الحياة الإسلامية وتطبيق الشريعة ينادون بالعودة إلى هذه الأحكام لا بالعودة إلى عصور الانحراف!

 وهذا مع التاكيد والتكرار أن انحراف تلك العصور لا يساوي بحال انحراف الجاهلية المعاصرة التي استعبدت الإنسان حرفيا: عقلا وروحا وتفننت في صناعة وسائل التعذيب وأساليب التحقيق وفلسفة بناء السجن وتقسيمه وأدوات مراقبته وعزله.. هذا فوق أن السجن في أيامنا هذه هو أول العقاب وليس آخره، فعقوبة النفي قد صارت في زماننا هذا حلما وأمنية وليست عقوبة أخف من عقوبة السجن.

السبت، مايو 09، 2020

نصيبك من القرآن نصيبك من العمل


كتب د. محمد بن عبد الله الخضيري رسالته للدكتوراة في التفسير، فجاءت عملا علميا ضخما وعزيزا عن "تفسير التابعين"، وقد حصل على الشهادة العلمية بدرجة ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى مع التوصية بتبادل الرسالة مع الجامعات.

وقبل أن يجذبني الثناء للاستطراد في الحديث عن الكتاب أدخل مباشرة إلى واحدة من النتائج التي استخلصها، تلك هي أنه وجد ميلا إلى التخصص في تفاسير التابعين، فقد برزت مدرسة المدينة المنورة في التفسير في جانب السِيَر ورواية الأخبار والأحاديث والسنن، وذلك أن النبي عاش بين ظهرانيهم فكان لهم اهتمام بما نُقل عن النبي من الآثار والأخبار. بينما برزت مدرسة التفسير في مكة المكرمة في جانب مسائل الحج ودراسة آيات الأحكام الخاصة به وذلك لقربهم من المشاعر وكثرة سؤال الوافدين عليها. بينما برزت مدرسة التفسير في البصرة في جانب اللغة والفصاحة ومعرفة الغريب، وذلك لوقوعها على حدود البادية وكثرة القادمين إليها من الموالي الذين لم يكثر فيهم اللحن فحفظت هذه المدرسة شأن اللغة العربية من اللحن بالسبق إلى تدوينها. وأما مدرسة الكوفة فقد برزت في استنباط الأحكام الفقهية والاستكثار منها. وأما مدرسة الشام في التفسير فقد برزت في أحكام الجهاد لأن الشام كان قلب حركة الجهاد، ولأن أهل الشام كانوا أهل غزو وجهاد.

ومثل هذا البروز ظهر في أئمة التفسير كأفراد أيضا؛ فقد تميز مجاهد في علم القرآن ولم يقاربه أحد في كثرة المروي من التفسير، وبرز الحسن البصري في جانب الوعظ والتوجيه، وبرز سعيد بن المسيب في جانب الأحكام لا سيما مسائل الطلاق، وبرز عطاء في فقه المناسك[1].

ومن هذا يتبين لنا أن الإنسان ينتفع بالقرآن بحسب الحاجة التي تفرض نفسها أو بحسب الشأن الذي انتدب الإنسان نفسه فيه، فمن انتدب نفسه للوعظ فسيكون انتفاعه من القرآن في هذا الباب أعظم من غيره، وكذلك الذي انتدب نفسه للفقه أو للجهاد أو للسير أو لمجادلة أهل العقائد والأديان الأخرى.

وهذا الأمر يفسر لم كانت أشهر التفاسير المعاصرة يغلب عليها ما لم يكن غالبا على التفاسير القديمة، فقديما كان المفسرون يؤلفون تفاسيرهم فتتنوع اهتماماتهم منه فمنهم من يعنى بجانب اللغة والبيان لإبراز بلاغة القرآن وفرادة ألفاظه ومعانيه، ومنهم من يعني بجانب جمع المأثور من أقوال النبي والصحابة والتابعين لمواجهة شطحات التأويلات الفلسفية أو الباطنية، ومنهم من يعني بجانب يرى أن الحاجة ماسة إليه في عصره وبلده كالأحكام أو العقيدة والوعظ وغيره.

ولا شك أن كل هذه الاتجاهات استمرت في عصرنا هذا، إلا أن أشهر التفاسير في عصرنا برز فيها جانب توضيح هداية القرآن وإثبات محاسن الإسلام، ومثل هذا المعنى لم يكن مسيطرا على التفاسير من قبل، وما ذلك إلا لأن الأمة قبل عصر الضعف والاحتلال الحالي كانت لا تواجه محنة التشكيك في الإسلام ولا الانبهار بحضارة أمة غالبة عليها، كان القرآن في العصور الماضية هو المرجعية العليا التي يستدل بها المتخالفون ويحاول كلٌّ منهم الاحتجاج لمذهبه واتجاهه من خلال القرآن نفسه (وفي هذا يمكن مراجعة الدراسة المتميزة "العقائدية وتفسير النص القرآن" لياسر المطرفي)، بينما جاءنا هذا العصر بمحنة أن الإسلام نفسه صار في موضع الضعف والتهمة والتشكيك.

ومن هنا سعى المفسرون المشتغلون بهموم الأمة وقضاياها إلى تناول التفسير بما يُظهر هداية القرآن ومحاسن الإسلام وخفت عندهم جانب العناية باللغة والتركيب أو جانب العناية بالأحكام الفقهية أو جانب مجادلة الفرق والمذاهب الإسلامية، وتلك هي التفاسير التي اشتهرت أكثر من غيرها في واقعنا المعاصر كتفسير المنار للشيخ محمد عبده وتلميذه الشيخ رشيد رضا، وتفسير الظلال للأستاذ سيد قطب، وتفسير الشيخ سعيد حوى، وتفسير الشيخ الشعراوي.

وبعض التفاسير طغى عليها الاهتمام العلمي والعناية التي لم توجد من قبل في كتب التفسير بالحديث عن العلوم وما تشير إليه الآيات من دقائق الخلق وبدائع المخلوقات، مثل تفسير الشيخ طنطاوي جوهري المعروف بتفسير الجواهر، وهي الظاهرة التي تطورت في كتب الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، حتى صار من المشروعات المأمولة لدى المهتمين بهذا الباب: إخراج تفسير علمي للقرآن الكريم. وما ذلك إلا لطغيان العلموية في عصرنا هذا حتى صار كأنه المرجعية العليا التي يُحتكم إليها ويقاس بمعيارها كل شيء، فصار من الهموم الإسلامية المعاصرة إثبات أن القرآن لا يناقض العلم بل إثبات أن القرآن سبق العلم إلى كثير من الحقائق.

وثمة باب آخر من التفسير زاد الاهتمام به في عصرنا الحاضر وهو باب التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، وهو الباب الذي يحاول استكشاف موضوع السورة الواحدة وعلاقة الآيات داخل كل سورة بموضوع السورة، وقد كان أول التفكير فيه قديم لكنه كثر وصار الاهتمام به ظاهرة قوية، وبرز في هذا الباب عدد من الأسماء والمؤلفات كان أوسعها "موسوعة التفسير الموضوعي" الصادرة عن مركز تفسير في عشر مجلدات. وأحسب أن السبب هو طغيان الطريقة الحديثة في التأليف البحثي الموضوعي الذي كوَّن شعورا عاما غالبا ينفر من الاستطراد والخروج عن الموضوع، ويضع الشروط القاسية لتكون كل فقرة وكل سطر منها ذا وظيفة واضحة وجزءا لا يمكن الاستغناء عنه من البنيان البحثي الكلي للفكرة. ولم تكن هذه الطريقة في التأليف طاغية في العصور السالفة أو هو على الأقل لم يكن التأليف محكوما بمثل هذه الطريقة فكان المؤلفون يكثرون من الاستطراد والبيان فيما يرون أنه مما يلامس الموضوع، ومن ثمَّ فلم يغلب على الأقدمين الاهتمام بشأن موضوعات السور، لكون الطريقة الموضوعية لم تكن مُلِحَّة على أفكارهم وأذهانهم.

هذا فضلا عن ظهور محاولة جديدة لتفسير القرآن بحسب ترتيب النزول وهي المحاولة التي تحاول استكشاف "تطور الخطاب القرآني" سواء أكان ذلك لأغراض تاريخية أو دعوية أو حركية، وهذه المحاولة جاء أصلها من المستشرقين الذين حاولوا تطبيق المنهج التاريخي على القرآن الكريم وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم كأن القرآن خطاب بشري وليد للزمان والمكان والظرف والحال، ولكن هذه الطريقة لم تمنع آخرين من محاولة استكشاف المنهج القرآني المتدرج في الدعوة والخطاب والبناء الحركي، وإن كانت هذه المحاولة على حد ما أعلم لم تسفر عن نتائج مهمة[2].

وإذا ابتعدنا عن هذا المضمار العلمي الفسيح والرحب، ونظرنا إلى أنفسنا، فسنجد أن القرآن الكريم يعطي المرء منه على الوجه الذي يطلبه القارئ فيه، فإن الذي يهتم ويحفل لإصلاح نفسه وتهذيب أخلاقه سيصيب من القرآن ما يصلحه ويهذبه، والذي يهتم لعلاقاته مع أهله وأولاده والناس من حوله سيصيب من القرآن ما ينفعه في هذه الأمور، والذي يهتم لإصلاح مجتمعه سياسيا واقتصاديا وفكريا فإنه سيصيب في القرآن هذه المعاني، والذي يهتم لشأن الجدل مع الأديان والعقائد وأهل الظلم والطغيان فسينهل مما يجده في هذا الباب.

إلا أن أهم ما في الأمر أن القرآن الكريم نزل ليكون دافعا للعمل لا لمجرد الثقافة الفكرية والرياضة الذهنية، فإدارك هذه المعاني إدراكا نظريا لا يترتب عليه عمل هو أمر مذموم، هكذا فهم الصحابة خطاب الله لهم فكانوا يتعلمون الآيات العشر فيعملون بها ثم يتعلمون غيرها كما قال عبد الله بن مسعود: "كنا لا نتجاوز عشر آيات حتى نتعلمهن ونعمل بهن، ونعلمهن، ونعلم حلالهن وحرامهن، فأوتينا العلم والعمل"، وقد قدَّمنا في أول هذه السطور أن القرآن يثبت ويثمر بالممارسة والحاجة، فبحسب ما تكون فيه من العمل وبحسب الحاجة التي تطلبها بحسب ما تستفيد من القرآن الكريم حقا.. أما قراءة القرآن كما تُقرأ الجرائد أو الاستماع له كما يُستمع إلى الأغاني والابتهالات فهي إن لم تكن حجة على صاحبها يحاسب عليها فإنها لن تنفعه ولن يشعر فيها بلذة خطاب الله له بل لعله قرأ القرآن قراءة المستثقل له المتحمل العبء به.




[1] للمزيد، راجع: د. محمد بن عبد الله الخضيري، تفسير التابعين: عرض ودراسة مقارنة، ط1 (الرياض: دار الوطن، 1999م)، 1/20 وما بعدها.
[2] للمزيد، ينظر دراسة د. طه محمد فارس، "تفاسير القرآن الكريم حسب ترتيب النزول" إذ ناقش فيها المحاولات الأربعة للتفسير على هذه الطريقة.

الأربعاء، مايو 06، 2020

جولة في علم النفس والاجتماع من سورة سبأ


منذ أكثر من سنة، أجدني كلما مررتُ بسورة سبأ منجذبا بقوة إلى أن هذه السورة تحفل بالإشارات والمعاني التي نطلق عليها الآن "علم الاجتماع السياسي"، فكثير من آياتها تتناول مسائل السلطة والترف ونفسية المتسلطين المترفين، وكذلك نفسية التابعين المنبهرين الذين ينجذبون لمعاني القوة والغنى، كما تقدم الحل لهؤلاء التابعين لينقذوا أنفسهم من سطوة الغالب وسطوة الثقافة السائدة الغالبة.

وما زلتُ أقدم رجلا وأؤخر أخرى في أن أخوض هذا الأمر، لا سيما بعد أن تجولت في التفاسير فانتفعت بشذرات من هنا وهناك دون أن أجد أحدا فتح هذا المعنى أو ولج هذا الباب، حتى إذا مررتُ بها في شهر رمضان وجدت في نفسي عزما أن أكتب ما جال في خاطري، واضعا ذلك أمام أهل العلم والمتخصصين، فإما أن يكون فيه نفع فحسبي منه هذا، وإما أن يردوا علي ما أقول فلا أجد في نفسي حرجا من تمزيقه وإهماله.

إنني أجد في نفسي شعورا قويا غالبا أن هذا المعنى يجعل السورة تستقيم على هيئة واحدة في نفسي، ولولا أن الأمر بلغ من نفسي مبلغه من الوضوح والقوة لما تجرأت عليه، فأسأل الله أن يعين ويسدد، كما أسأله تعالى أن يغفر ويرحم.

(1)

سرد القرآن الكريم كثيرا حجج الكافرين في إنكار النبوة والبعث، وكيف أنهم يتحججون على هذا بحجج متهافتة كأن يقولوا كيف بعد أن نكون ترابا نبعث مرة أخرى؟ وكيف يؤمن أراذل الناس ولا نؤمن نحن أصحاب العقول والحكمة؟ ولماذا لم ينزل القرآن على رجل من القريتين عظيم؟ وما رأيك أن تفجر لنا الينابيع وتبني لنفسك القصور وتصطحب معك الملائكة ونحن نؤمن بك.. ونحو هذه الحجج الكثيرة.

لكن في هذه السورة نجد أنفسنا أمام نفسية أخرى، إنها نفسية المستكبر الساخر المتأفف الذي يقطع برأيه ووجهة نظره دون أن يحاول تقديم حجة مقنعة، بل دون أن يبحث عن حجة، إنه يقرر آراءه كأنها حقائق من غير أن يكلف نفسه إثباتها أو الاحتجاج لها.. لذلك ترى عباراته قصيرة، قاطعة، حاسمة، يقولها صاحبها كأنه يختم الكلام وينهيه ويفصل فيه!

 إنها النفسية التي نراها في صاحب السلطة الطاغي أو صاحب الترف الواسع.. لا شك أنك رأيت مثل هؤلاء وسمعتهم، وهم يقدمون آراءهم وقناعاتهم وكأنها حقائق لا تقبل الجدل ولا تحتمل حتى النقاش، وهو إذ يقول رأيه ذاك فإنه يسخر من المخالفين له سخرية لاذعة مستكبرة.

هكذا نراهم في هذه السورة..

(وقال الذين كفروا: لا تأتينا الساعة).. ولم يقولوا لماذا وصلوا إلى هذه القناعة؟
(وقال الذين كفروا: لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه)
(وقالوا: نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين)
(وإذا تُتلى عليهم آياتنا بينات قالوا: ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم، وقالوا: ما هذا إلا سحر مفترى، وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم: إن هذا إلا سحر مبين).

وجاء في السورة مَثَلٌ من سخريتهم:
(وقال الذين كفروا: هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مُزِّقتم كل مُمَزَّق إنكم لفي خلق جديد * أَفْتَرَى على الله كذبا أم به جِنَّة؟!)
(ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟!)

ثم يجمل القرآن هذه الظاهرة فيكشف أنها سنة مضطردة مستمرة، أهل الترف والسلطان هم خصوم المرسلين: (وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنما بما أرسلتم به كافرون).

ثم يكشف القرآن عن اللحظة التي يؤمن فيها هؤلاء، إنهم لا يؤمنون إلا حين حين ينقضي الوقت وتفوت الفرصة، حينما ينهار السلطان ويأتي الفزع، حين تنكسر قوتهم أمام القوة العليا، قوة الله تعالى: (ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأُخِذوا من مكان قريب * وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد * وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد).

ومن العجيب في هذا الموطن أن القرآن الكريم عبَّر عن عقوبتهم تعبيرا مثير للتأمل، وذلك هو قوله تعالى (وَحِيل بينهم وبين ما يشتهون)، فكأن أبلغ العقوبة هي منعهم من التمتع والتنعم بما كانوا فيه من أنواع الشهوات، حتى ولو لم ينزل بهم العذاب.. وهذا أمرٌ نراه ونبصره فيما نرى ونقرأ ونسمع عن المترفين الذين تقلبت بهم الأيام أو عن الملوك الذين خُلِعوا من الحكم ونُزِعوا من السلطة، إنهم حتى لو لم يدركهم الفقر والسجن والذل يظلون في عذاب مرير، إذ لا شيء يُعوض لذة السلطان أو لذة الترف، كما قال الشاعر:
فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا .. إذا نحن فيهم سوقة نتنصَّف

فهذي مقالة من هبط عن الجاه والسلطان، فصار مساويا للناس، لا هو ذليل ولا هو سجين، إلا أنه يبكي على حال صار فيه مثل الناس، يملكون أن يشتكوه ويقاضوه، من بعد ما كان هو الآمر الناهي السائس الحاكم عليهم.

 (2)

وفي المقابل نجد أن الرد القرآني عليهم يأتي في صيغة صاعقة هائلة القوة، تضرب أصل كبريائهم وتنسف أساس قوتهم، فلم يكن الرد القرآني عليهم ردًّا يجادل بالحجة، إذ هؤلاء لم يتكلموا بالحجة أصلا، ولم يكن ردُّ القرآن هنا يخاطب العقل بل يقتحم النفس المتجبرة، وإنك لترى الآيات وهي كالعاصفة تهوي بهم، وتُخاطبهم خطاب الإله القوي القادر القاهر، المحيط بكل شيء علما، القادر على كل شيء، الذي لا يقف أمامه شيء، الإله الذي يتصرف بهذا الكون كله تصرفا لا معقب له، الإله الذي أعطى بعض عباده أوسع وأقوى مما يتجبر به هؤلاء، ثم هو الإله الذي أهلك من تكبر مهما كانوا أقوى وأعظم من هؤلاء..

سأختار بعضا قليلا من هذه الآيات، فتأمل، واستمع:

1. أخبر الله تعالى عن علمه المحيط الشامل الواسع فقال:
(الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير)
(يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها)

2. وأخبر تعالى عن قدرته الهائلة، وضعفهم المزري، فقال:
(إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء)
(فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق)
(وكذَّب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم، فكذبوا رسلي، فكيف كان نكير!)
(قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب * قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد)

3. وردَّ الله على أقوالهم الساخرة ردودا لا تتناول الحجة –إذ لا حجة أصلا- بل تضرب الكبر الذي أخرج هذه الأقوال:
(وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة، قل: بلى وربي لتأتينكم. عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين)
(ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون)
(وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه. ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول، يقول الذين استُضْعِفوا: لولا أنتم لكنا مؤمنين)

4. ولقد تعددت الآيات التي نزع الله فيها منهم كل شيء، حتى لم يعد لهم لا شأن ولا قيمة:
فقد نزع منهم حقيقة امتلاكهم لشئ في قوله: (قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله، لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير)
ونزع منهم قيمتهم وقدرتهم على النفع لأحد (ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له)
ونزع قيمة كثرة الأموال والأولاد (وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى)

(3)

ذُكِرت في هذه السورة قصتان: قصة داود وسليمان عليهما السلام، وقصة قوم سبأ..

وكلا القصتين يجمع بينهما معنى الترف والسلطة، إلا أن الأولى مثال للصالحين إذا آتاهم الله المال والسلطان، والأخرى مثالٌ للمتكبرين..

لقد أوتي داود وسليمان ما لن يبلغه أحدٌ من العالمين، لقد أمر الله الجبال والطيور أن تتجاوب مع داود في التسبيح فكان يسمع تسبيحها، وألان الله لداود الحديد، وقد ورد في التفاسير أنه كان يشكله بيده كما يُشَكِّل الأطفال قطع الصلصال، وأما سليمان فقد سَخَّر الله له الريح تحمله وتنقله مسافة الشهر في بضع ساعات، وأسال له النحاس، وسَخَّر له الجنَّ يعملون بأمره ويرتعدون من هيبته!

تلك سلطة لم يؤتها أحد ولن يؤتاها أحد، ولا حتى القوى العظمى في عصرنا أو ما بعده، ولئن أتيح للقوى الصناعية في عصرنا أن تصنع وتستفيد من الحديد والنحاس والمعادن، فأين هذا من معنى التسخير الذي هو خضوع هذه المواد لصانعها؟.. إنه ما من قوة عظمى إلا وهي تتخذ من وسائل التأمين والحماية لكل اكتشاف خشية أن ينفجر فيها أو يرتد عليها أو ينفلت من تحكمها.. ثم أين هي القوة العظمى التي يمكن أن تُسَخِّر الجن؟!

ومع هذا السلطان الضخم غير المسبوق ولا الملحوق فإن داود وسليمان كانا مثالا للعبد الصالح الذي يخضع لله ويعمل بأمره ويشكر له.

وأما قوم سبأ، فإنهم قد وجدوا أنفسهم في سعة ونعيم حتى إن مساكنهم كانت آية تحوطها الجنان، وحتى إن المسافة التي بينهم وبين مقاصد سفرهم كانت عامرة بالقرى التي تجعل سفرهم نزهة سعيدة لا يحتاجون فيها إلى حمل أمتعة أو التزود بطعام وشراب.. فماذا كان؟!

كان أن تكبر المترفون منهم وسألوا الله أن يباعد بين أسفارهم، وذكر بعض المفسرين صراحة أنهم دعوا الله لكي "يتطاولوا على الفقراء بركوب الرواحل وحمل الزاد والماء"، فهنا ترى بوضوح نموذجا متكررا من نفسية المترفين وأصحاب السلطان، إنهم لا يحبون أن يكونوا في مساواة مع الناس ولو في الخير، إنما يحبون التميز عنهم ولو كان الثمن هو التعب والضنك وأن يعمَّ الناس الفقر!!

هو والله مشهد يُذَكِّرنا بالذي يموت الناس في بلاده من الفقر والمرض والحاجة بينما همُّه وهمّته في بناء القصور الرئاسية والملكية، وشراء الطائرات الفاخرة واليخوت الفارهة والسيارات العجيبة الغريبة! هذا مع أنه غير محتاج لكل هذا فعنده منها ومن أمثالها الكثير، فماذا عليه لو أغنى الناس وصار مثلهم؟!.. هذا أمرٌ يقول به العقل ولكن ترفضه نفسية المترف المتكبر!

فعاقب الله سبأ بتبدل الأحوال، وانقلاب الجنان العامرة والقرى الظاهرة.. جاءهم سيل العرم فحطَّم هذا كله، ومزَّقهم، وجعلهم أحاديث.. جعلهم تاريخا، وضرب المثل بهم في التمزق فقيل "تفرقوا أيدي سبأ"!!

(4)

إن أهل الترف والسلطان هم أقل الناس شكرا مع أنهم أوسع الناس حظا من النعمة والتنعم، لهذا نبَّه الله تعالى على قلة الشاكرين، فقال تعالى (وقليل من عبادي الشكور).

وإنهم مع ما هم فيه من الترف والنعيم ينطوون على البخل والإمساك، لذلك تعددت الآيات في شأن المال وأن الذي يملكه ويرزقه وينزله ويقبضه ويعوض عنه هو الله تعالى:

فقال تعالى عن المؤمنين (لهم مغفرة ورزق كريم)
وضرب المثل بقصة داود وسليمان وما آتاهما الله من الرزق الواسع والملك العريض
وقال تعالى (قل من يرزقكم من السموات والأرض قل الله)
وقال تعالى (قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون)
وكررها مرة أخرى بعد أربعة أسطر فقط فقال: (قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له، وما أنفقتم من شيء فهو يُخلفه، وهو خير الرازقين)

ثم إنهم مع ما هم فيه من السعة والسلطان يتحسسون من كل داعية، يحسبون أنه يريد هدم مكانتهم ونفوذهم وأن يحل مكانهم ويقوض شأنهم، ولا يصدقون أن أحدا قد يدعوهم لدعوة هي لصالحهم وفيها خيرهم ونجاتهم، وليس له فيها من غرض، وما ذلك إلا لأنهم أنفقوا في تحصيل هذا الترف والسلطان من وسائل المكر والمخادعة والتلاعب والمناورة وأفانين السوء ما صاروا معه يحسبون كل صيحة عليهم، لسان حالهم كما قال المتنبي:
إذا ساء فِعل المرء ساءت ظنونه .. وصدَّق ما يعتاده من تَوَهُّمِ
وعادى محبيه بقول عُداته .. وأصبح في بحر من الشكّ مُظْلِم

ونجد هذا المدخل النفسي لديهم في قول الله تعالى موجها نبيه: (قل ما سألتكم عليه من أجر فهو لكم، إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد).

ومن العجيب اللافت للنظر أن بقايا من الكبر والسطوة ستبقى موجودة في نفوسهم حتى حين يحضرون العذاب، فلهذا عاقبهم الله بالإهانة فوق عقابه لهم بالعذاب، (وأَسَرُّوا الندامة لما رأوا العذاب، وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا، هل يُجزَون إلا ما كانوا يعملون؟).

 (5)

وفيما يتعلق بالإهانة أيضا، فإنه مما يلفت النظر في هذه السورة تكرار قول الله عز وجل الحديث عن أولئك القوم الذين يعملون على إبطال آيات الله وتعجيزا لها (والذين سعوا في آياتنا معاجزين)، ففي أول السورة قال تعالى (والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم)، وفي أواخرها قال تعالى (والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون). ويُرى في ختام الآيتيْن معنى الإهانة بالإضافة إلى معنى العذاب:

فهو في الآية الأولى (عذابٌ من رجز أليم) وليس عذابا أليما فحسب، والرجز -كما يفيد المفسرون وعلماء اللغة- يشتمل على معنى الاضطراب والاهتزاز والارتجاف وذلك لأن أصله مرض يصيب الناقة فيجعلها تضطرب وتهتز، ويفيد كذلك معنى الحمل الثقيل الذي يهتز ويضطرب من يحمله، كما يفيد معنى القَذَر الذي هو قريب من لفظ "الرجس"، فهو أسوأ العذاب[1].

وهو في الآية الثانية يتحدث عن أنهم (مُحْضَرون)، فهم يُساقون ويُوقفون ويُقامون، لا سلطة لهم ولا إرادة لهم في أنفسهم، ولا قدرة لهم على الامتناع والمقاومة والاستنكار.. فيتمّ بهذا معنى الإهانة.

ولم يُذكر وصف (المُعاجِزين) في القرآن الكريم إلا مرة أخرى في سورة الحج، في قول الله تعالى (والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم)، فجاء في هذه الآية معنى العذاب دون معنى الإهانة، مما نرجح معه أن آيات سورة سبأ إنما قصدت فئة المترفين وأصحاب السلطة على وجه خاص، فكررت لأجل ذلك وصف العذاب المهين.

(6)

ومن أعجب وأبدع ما يلفت النظر في سورة سبأ هو حكايتها لموقف الدار الآخرة حين يتجادل الأتباع والمتبوعين، فإن فيها لمحات لا أعرف أنها موجودة في سور أخرى من القرآن الكريم..

لنسمع الحوار أولا:
-      (يقول الذين اسْتُضْعِفوا للذين استكبروا: لولا أنتم لكُنَّا مؤمنين
-      قال الذين استكبروا: أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم؟ بل كنتم مجرمين
-      قال الذين استُضْعِفوا للذين استكبروا: بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا)

هذا الحوار يوحي إلينا بأن أولئك التابعين إنما اتبعوهم انبهارا لا قهرا، اتبعوهم افتتنانا بهم لا خوفا منهم ورهبة، فإنك ترى المتبوعين يتبرؤون من أنهم أكرهوهم على شيء (أنحن صددناكم عن الهدى؟)، والتابعون يعترفون أن المسألة لم تكن إكراها بل كانت مكرا مستمرا، وهذا المكر المستمر ليلا ونهارا هو الذي فتنهم وأذهلهم وجعلهم يصدون عن الهدى.

يتبين هذا المعنى واضحا حين نراجع مواقف أخرى من حوار التابعين والمتبوعين.. ففي سورة غافر قصَّ الله علينا حوار قوم فرعون وهم في النار، فقال تعالى:

-      (فيقول الضعفاء للذين استكبروا: إنا كنا لكم تبعا، فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار؟
-      قال الذين استكبروا: إنا كلٌّ فيها. إن الله قد حكم بين العباد)

فهنا أنت ترى حوارا واضحا بين تابع ومتبوع من نوع الحاكم والمحكوم، وترى في نفس المحكوم المضطهد ذلة وضعفا لا تزال معه وهو في النار، فسؤاله عليه مسحة الرجاء الذليل والطلب الكسير والأمل المصبوغ بالخوف والتأدب والتمسح فيقولونها بصيغة السؤال (هل) مع التعظيم (أنتم مُغنون) مع التقليل من الطلب (نصيبا من).. ويجيئ الرد محمولا بالكبر والعجرفة القديمة للحاكم الآمر المتسلط، فتراها عبارة قصيرة ولهجة قاطعة (إنا كلٌّ فيها. إن الله قد حكم بين العباد)، كأنها باللهجة العامية "مش عايز دوشة، لا تطول معي في الحكي، لا توجع لي راسي".. إلخ!

والقصد أن الحوار هنا مفارق للحوار الذي في سورة سبأ، فحوار سورة سبأ فيه معنى انبهار التابع بالمتبوع، وفيها معنى سيطرة المتبوع على التابع عن طريق الفتنة الناعمة، الثقافة الغالبة، المكر الهادئ، لا على طريقة الحاكم كما هي في حوار قوم فرعون.

ونرى نوعا ثالثا من الحوار بين أهل النار في سورة الصافات، وهو حوار بين أصدقاء أنداد، لا يملك أحدهم للآخر إلا الاقتراح والإغراء، قال تعالى:

- (قالوا: إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين
- قالوا: بل لم تكونوا مؤمنين. وما كان لنا عليكم من سلطان، بل كنتم قوما طاغين. فحقَّ علينا قول ربنا إنا لذائقون. فأغويناكم إنا كنا غاوين)

هذا الحوار الذي في سورة سبأ، بهذه الصيغة والطريقة، مما ينسجم مع هدف السورة وموضوعها الذي يتناول أهل الترف والسلطان، وفتنتهم عن طريق الإبهار والبريق لا عن طريق القهر والغلبة.

(7)

فما الحل؟!

ما الحل في مواجهة فتنة الترف والسلطان المبهر البرَّاق؟ وكيف يمكن أن نتخلص من سطوة الغالبين وننجو من طبيعة المغلوبين في تقليد من غلبوهم.

في سورة سبأ ستأتينا الآية العظيمة التي تقول: (قل إنما أعظكم بواحدة: أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا).

وهذه الآية هي الأصل في فهم علم نفس الجماهير الذي يُنسب البدء فيه إلى المستشرق والفيلسوف الفرنسي الكبير جوستاف لوبون، بينما نجد في كلام المفسرين وفي كلام وتصرفات سلفنا الصالح ما يدل على أنهم سبقوا إليه ونصُّوا عليه، ولا عجب! فإن لوبون نفسه يُقِرَّ بأن هذا العلم وإن كان هو أول من كتب فيه فإن سائر الزعماء قبله طبقوه فعلا.

لكننا هنا لا نتحدث عن مجرد تطبيق، فهذا مفروغ منه، وإنما نقول: إن هذه الآية قد أشارت إلى هذا الطبع الجماهيري في التفكير، وأنه طبع غير عاقل، وأن من أراد الحق فعليه أن ينخلع من تأثير الجماهير فيختلي بنفسه أو يصطفي معه صديقا مقربا مخلصا ثم يفكر أو يفكران، فهنا يستطيع ويستطيعان التخلص من فتنة الغالبين المبهرين، ومن تأثير الجماهير عليهم.

ولا بأس من جولة سريعة في أقوال المفسرين والسلف الصالح في هذا المعنى:

لقد ذهب أبو حاتم إلى أن المعنى تامٌّ عند قوله "ثم تتفكروا" وأن "ما بصاحبكم" بداية جملة جديدة، و"ما" تكون نافية، فيكون المعنى: قوموا لله مثنى وفرادى ثم تفكروا، فستصلون إلى أن نبيكم ليس به جنون! وبهذا يكون مطلب القيام مثنى وفرادى مطلبٌ قائم بنفسه. وقال غيره من أهل التفسير أن المعنى هو أن تتفكروا: هل بصاحبكم من جنة، فـ "ما" هنا استفهام[2].

وعلى المعنيين فالشاهد المقصود أن التفكير السليم إنما يكون بالانخلاع عن المجموع وأن يكتفي المرء بنفسه أو بآخر فحسب، قال مقاتل: "يتفكر الرجل وحده ومع صاحبه فيعلم ويتفكر"[3]، وقال ابن قتيبة: "فتقوموا لله وفي ذاته، مقاما يخلو فيه الرجل منكم بصاحبه فيقول له: هلمّ فلنتصادق، هل رأينا بهذا الرجل جنّة قط أو جرينا عليه كذبا؟ فهذا موضع قيامهم مثنى. ثم ينفرد كل واحد عن صاحبه فيفكّر وينظر ويعتبر، فهذا موضع قيامهم فرادى. فإنّ في ذلك ما دلهم على أنه نذير. وكل من تحير في أمر قد اشتبه عليه واستبهم، أخرجه من الحيرة فيه: أن يسأل ويناظر، ثم يفكّر ويعتبر"[4].

واستخرج الزمخشري من الآية طبيعة التفكير في المجموع، قبل ثمانية قرون من حديث المعاصرين في هذا الموضوع، يقول: "والمعنى: إنما أعظكم بواحدة إن فعلتموها أصبتم الحق وتخلصتم، وهي: أن تقوموا لوجه الله خالصا. متفرّقين اثنين اثنين، وواحدا واحدا ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، أمّا الاثنان: فيتفكران ويعرض كلّ واحد منهما محصول فكره على صاحبه وينظران فيه متصادقين متناصفين، لا يميل بهما اتباع هوى ولا ينبض لهما عرق عصبية، حتى يهجم بهما الفكر الصالح والنظر الصحيح على جادة الحق وسننه، وكذلك الفرد: يفكر في نفسه بعدل ونصفة من غير أن يكابرها ويعرض فكره على عقله وذهنه وما استقرّ عنده من عادات العقلاء ومجارى أحوالهم، والذي أوجب تفرّقهم مثنى وفرادى: أنّ الاجتماع مما يشوّش الخواطر، ويعمى البصائر، ويمنع من الروية، ويخلط القول، ومع ذلك يقل الإنصاف، ويكثر الاعتساف، ويثور عجاج التعصب. ولا يُسْمَع إلا نصرة المذهب"[5].

وأضاف أبو حيان الأندلسي أن  هذا التفكير "مُشَاهدٌ في الدروس التي يجتمع فيها الجماعة، فلا يوقف فيها على تحقيق"[6]. وأضاف الطاهر بن عاشور أن السلامة من عوائق التفكر السليم تقتضي أن يكون "مثنى وفرادى فإن المرء إذا خلا بنفسه عند التأمل لم يرض لها بغير النصح، وإذا خلا ثاني اثنين فهو إنما يختار ثانيه أعلق أصحابه به وأقربهم منه رأيا فسلم كلاهما من غش صاحبه"[7].

وفي صدر الإسلام، في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، سمع عمرٌ كلام بعض الناس في شأن الخلافة وهو في موسم الحج فأراد معالجة الأمر بخطبة في الناس، فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: "يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يُطَيِّرها عنك كل مُطَيِّر وأن لا يعوها وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت متمكنا فيعي أهل العلم مقالتك ويضعونها على مواضعها"[8]. فهنا خشي عبد الرحمن بن عوف أن يؤثر أمر الجموع والحشود على حسن فهم الكلام وتعقله، ونَصَحَ بأن يقال ذات الكلام في حضور أهل الفقه وأشراف الناس، بل إن في كلام عبد الرحمن بن عوف إشارة إلى أن الجماهير تؤثر على إلقاء الكلمة نفسها، وذلك في قوله "فتقولَ ما قلتَ مُتَمَكِّنًا"، فالكلام في الحشود الكثيرة قد يذهب أحيانا بالتمكن المطلوب.

وفي هذه الوصية من عبد الرحمن بن عوف معنى آخر يُدرس في مباحث علم نفس الجماهير، وهو أن الجماهير تهتبل كلام القائد الذي يخطب فيها وتنقله دون وعي في العموم، وهذا من جاذبية القائد وسحره عليهم، وقدرته على التأثير فيهم، ولهذا استخرج العلماء من هذا النص التفريق بين أمور البلاغ العام التي تنقل للجميع وبين الأمور التي تحتاج إلى الموازنة والحكمة وبيان الحوادث التاريخية الدقيقة، فهي التي فيها يكون الانفراد بوجوه الناس، ممن يعقل وضع الأشياء في مواضعها، وأن العلم لا يحدث منه الناس إلا بما يرجى ضبطهم له[9]. وعلق القاضي ابن العربي على هذه الوصية بقوله: "كان خوف سوء التأويل للقول، وحمله على غير وجهه، مخوفا في الصدر الأول"[10].

ومن أشهر ما ينقل عن علي رضي الله عنه في هذه العلاقة بين الجمهور وشأن العلم والتفكير قوله رضي الله عنه: الناس عالم أو متعلم على سبيل النجاة أو همج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح[11]. ويُلاحظ هنا إفراده العالم والمتعلم فلم يقل "العلماء" أو "المتعلمون"، بينما جَمَع في وصف الجهل، وأضاف إلى ذلك الوصف بأنهم أتباع كل ناعق، ويميلون مع كل ريح. وهذا هو جوهر معنى التأثير في الجمهور المحتشد وتوجيهه حتى لكأنه يفقد العقل والرشد، فيصير تبعا لكل صيحة ومستسلما لكل ريح!

وإذا استوعبنا هذه العلاقة بين الجموع والتفكير العقلاني، فهمنا كثيرا من سلوك العلماء في حلقات العلم وتضييقها على من تثبت جديتهم من التلاميذ وتراثهم في آداب المتعلم من جهة خفض الصوت ولزوم الأدب وتجنب الشغب والمماراة وكراهيتهم المناظرة بحضرة الجمع الكثير وغيرها من الأمور التي لا يتسع المجال لسردها مما يؤثر فيها كثرة الجمهور على فهم العلم، وأما الجموع الكثيرة فقد جعلوا لها الوعظ العام والكلام في الرقائق وعمومات الدين وأصوله الكبرى ونحو ذلك.

وموضوع علم نفس الجماهير، وأصوله المنثورة في القرآن والسنة وكلام سلفنا الصالح موضوع طويل، وكنتُ شرعتُ في كتابته ثم توقفت.. فلعل القارئ الكريم يعينني بدعوة صالحة لأستأنف هذا البحث فيها.

فإذا عدنا من هذا الاستطراد إلى سورة سبأ، وجدنا أن السورة احتوت على حلول أخرى للنجاة من فتنة الغالبين من المترفين وأهل السلطان، وقد جاءت هذه الحلول تصريحا أو تلميحا:

- فكل إيمان بالله وبقوته وقدرته وعلمه الهائل المحيط يعصم من هذه الفتنة
- والإيمان بالآخرة وتذكرها يعصم من هذه الفتنة (بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد)
- وكل اقتداء بعباد الله الصالحين كداود وسليمان يعصم من هذه الفتنة
- وكل اتعاظ بمصائر المترفين كقوم سبأ يعصم من هذه الفتنة
- والحث على الإنفاق في سبيل الله، وهو منثور في السورة، يعصم من أن تتكون نفسية المترف في قلب المسلم، فتعصمه بهذا من أن يُفْتَن أو يَفْتِن.

نسأل الله تعالى أن يعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يفقهنا في كتابه الكريم.



[1] للتوسع في معنى الرجز، انظر: د. أحمد عبيد الكبيسي، موسوعة "الكلمة وأخواتها" في القرآن الكريم، ط1 (بيروت: دار المعرفة، 2017م)، 5/57 وما بعدها.
[2] انظر: النحاس، القطع والائتناف، ص565؛ مكي بن أبي طالب، الهداية إلى بلوغ النهاية، 9/5938؛ ابن سيده، إعراب القرآن، 7/218.
[3] مقاتل بن سليمان، تفسير مقاتل بن سليمان، 3/537.
[4] ابن قتيبة، تأويل مشكل القرآن، ص191. وانظر: الطبري، تفسير الطبري، 20/418؛ النحاس، معاني القرآن، 5/423.
[5] الزمخشري، الكشاف، 3/590؛ وانظر: المنتجب الهمذاني، الكتاب الفريد، 5/306؛ البيضاوي، تفسير البيضاوي، 4/250؛ النسفي، تفسير النسفي، 3/70؛ النيسابوري، تفسير النيسابوري، 5/501؛ الإيجي، تفسير الإيجي، 3/394؛ أبو السعود، تفسير أبي السعود، 7/138؛ ابن عجيبة، البحر المديد، 4/506؛ الألوسي، روح المعاني، 11/328.
[6] أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط، 8/561.
[7] الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، 22/233.
[8] البخاري 6/2503 (6442).
[9] انظر: ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، 6/170؛ ابن هبيرة، الإفصاح عن معاني الصحاح، 1/116؛ الكرماني، الكواكب الدراري، 23/213؛ الشاطبي، الموافقات، 5/170، 171؛ ابن الملقن، التوضيح، 31/218.
[10] ابن العربي، العواصم من القواصم، ص195.
[11] نقل هذا القول على خلاف يسير في ألفاظه، انظر: المسعودي، مروج الذهب، 3/35؛ السمرقندي، بستان العارفين، ص304؛ ابن عبد البر، جامع بيان العلم، 1/145؛ الزمخشري، الفائق في غريب الحديث والأثر، 2/29.