الخميس، أكتوبر 19، 2017

بصمتنا الأخلاقية

لماذا يفضل المسلمون عليا على معاوية رضي الله عنهما؟

لماذا يكرهون الحجاج بن يوسف الثقفي؟

لماذا يتعاطفون مع عبد الله بن الزبير ضد عبد الملك بن مروان؟

لماذا كلما جاء ذكر السلطان سليمان القانوني قال بعض الناس: ولكنه قتل ابنه الأمير مصطفى ظلما؟

لماذا لا يندم المسلمون على أنهم لم يبيدو اليهود والنصارى في الوقت الذي كانت لهم القوة والسيادة؟

السر في هذا هو "الميزان الأخلاقي للحضارة الإسلامية"، ومعياره عصر الخلافة الراشدة الذي ظل مقياسا أخلاقيا لنظام الحكم والسياسة يقيس به المسلمون بقية فصول التاريخ، ويحاكمون به القادة والأبطال! وهو السر الذي لا تعرفه العلمانية ولا الحضارة الغربية المعاصرة.

وهذا ما نشرحه بإيجاز في السطور القادمة، والله المستعان.

1. العلمانية بلا أخلاق

أحد أهم أسباب رفضنا للعلمانية هو أنها لا يمكن أن تكون أخلاقية. العلمانية مرجعيتها المصلحة والمنفعة، وهو أمر منطقي ومفهوم، فإذا كان الإنسان علمانيا فإن الأخلاق التي تقف ضد مصلحته هي خرافة وهراء، بل هي شيء مزعج أيضا!

بغير إيماننا بالله لن تعود للأخلاق أي قداسة، لماذا يتمسك الإنسان بالصدق إذا كان الكذب سيأتيه بأرباح طائلة؟ لماذا يهتم للضعفاء والمساكين إذا كان عليه أن يدوس عليهم في طريقه إلى السلطة والشهرة؟ لماذا يحرص على الرحمة إذا كان لن يبلغ هدفه إلا بالقوة والقسوة؟!

إن الأخلاق ليست "حقيقة علمية" بل هي قيمة دينية، والذي سيحذف الدين من حياته لن يرى أي شيء يدعوه للتمسك بأي أخلاق. يقول علي عزت بيجوفيتش:

"إن المساواة والإخاء بين الناس ممكن فقط إذا كان الإنسان مخلوقا لله، فالمساواة الإنسانية خصوصية أخلاقية وليست حقيقة (مادية)، إن وجودها قائم باعتبارها صفة أخلاقية للإنسان، كسمو إنساني أو كقيمة مساوية للشخصية الإنسانية، وفي مقابل ذلك إذا نظرنا إلى الناس من الناحية المادية فالناس غير متساوين ... فطالما حذفنا المدخل الديني من حسابنا سرعان ما يمتلئ المكان بأشكال من اللا مساواة: عرقيا وقوميا واجتماعيا وسياسيا. إن السمو الإنساني لم يكن من المستطاع اكتشافه بواسطة علم الأحياء أو علم النفس أو بأي علم آخر".

فقط حين نؤمن بدين يخبرنا بالمساواة بين الناس يرسخ في أعماقنا أن كل الناس لهم نفس النفوس ونفس المشاعر ونفس العواطف ونفس الحقوق. إن قيمة آية واحدة أو حديث واحد في إصلاح الأخلاق يفوق كل ما يمكن قوله من أدب وروايات ومواثيق حقوقية، هي عمليا لا تساوي الحبر الذي كتبت به.

2. الشريعة الأخلاقية

مما يلفت النظر في أبحاث المستشرقين، لا سيما القانونيين، اهتمامهم بأن الشريعة الإسلامية شريعة أخلاقية، وأن رعاية الأخلاق أصل أصيل فيها، فالقانون لا ينفك عن الأخلاق في الإسلام، ولهذا فالشريعة لا تسعى لمجرد الحفاظ على النظام أو الدولة بل تسعى للسمو بالفرد والمجتمع (راجع هذا المقال)، يقول المستشرق والقانوني الفرنسي جاك ريسلر:

"إن القرآن يجد الحلول لجميع القضايا، ويربط بين القانون الديني والقانون الأخلاقي، ويسعى إلى خلق النظام والوحدة الاجتماعية، وإلى تخفيف البؤس والقسوة والخرافات، إنه يسعى إلى الأخذ بيد المستضعفين، ويوصي بالبر، ويأمر بالرحمة"
وذات المعنى يقوله مؤرخ الحضارة الأمريكي ول ديورانت:

"القانون والأخلاق في القرآن شيء واحد؛ فالسلوك الديني في كليهما يشمل أيضًا السلوك الدنيوي، وكل أمر فيهما موحى به من عند الله، والقرآن يشمل قواعد للآداب، وصحة الجسم، والزواج والطلاق، ومعاملة الأبناء والعبيد والحيوان، والتجارة والسياسة، والجريمة والعقاب، والحرب والسلم"

ولأن الشريعة منبعها القرآن، والقرآن نازل من عند الله وفسَّره رسول الله، فهو نص لم تصدره سلطة ولم تحتكر تفسيره جهة تابعة للسلطة، والعلماء طوال التاريخ الإسلامي لم يكونوا جزءا من السلطة بل كانوا جزءا من عموم الأمة، ولم تكن لهم مؤسسة كهنوتية يمكن للسلطة أن تتحكم فيها أو تحتويها بل كانوا تيارا عاما منتشرا في الأمة.. لكل هذا احتفظت مرجعية القرآن والسنة بالتعالي والتسامي الذي يخضع له الحاكم والمحكوم، فالقرآن والسنة فوق السلطة، ولهذا كانت الهيمنة المظللة للمجتمع الإسلامي هيمنة أخلاقية.

ولهذا فقد كان للفقه الإسلامي بصمته الأخلاقية كقانون أخلاقي رفيع، أثمر حسا مرهفا في طبع الفقيه المسلم.. وقد كتب المستشرق والقانوني الإيطالي دافيد دي سانتيلانا، وهو من المتخصصين في الفقه المالكي، عددا من البحوث يشهد فيها بسمو الشريعة، وهو يشير إلى هذا الطابع الأخلاقي، فيقول:

"ولكنه إذا كان حق المرء هو منفعته الخاصة وواجبه الأدبي معًا؛ فإن لذلك الحقِّ حدودًا معينة بموجب مبادئ الأخلاق والمصلحة العامة؛ فالصلح والتراضي هما سيِّدَا الأحكام في كل وقت، وأخذ الثأر ممنوع منعًا باتًّا، والتضييق البدني على الْمَدِين مخالف للقانون، ولا اعتساف في استعمال الحقِّ تمامًا؛ إذ ليس لأحد أن يمارس حقًّا له، بالدرجة التي يسبب للآخر ضررًا مُحَقَّقًا، وللفقهاء المسلمين في هذا الصدد إحساس دقيق مرهف يفوق ما نتصوره؛ فمثلاً: يمنع أن يخوِّل حقَّ الادعاء إلى وكيل هو عدو للطرف الذي أُقِيمَتْ عليه الدعوى، وممنوع أن يُؤجر حيوان لشخص عُرِفَ بقسوته على الحيوان.. وهكذا ترسم الأخلاقُ والآداب في كل مسألة حدود القانون"

ثم يختم كلامه بعد حديث طويل في محاسن الشريعة بقوله:

"لا شَكَّ وأن المستوى الأخلاقي الرفيع الذي يسم الجانب الأكبر من شريعة العرب قد عَمِلَ على تطوير وترقية مفاهيمنا العصرية، وهنا يكمن فضل هذه الشريعة الباقي على مرِّ الدهور"

وهكذا يبدو واضحا جليا أن النظرة الأخلاقية هي نظرة مهيمنة مسيطرة في الحضارة الإسلامية، وأن هذا التميز هو ما يرفع شأنها ويجعلها حلا يقدمه المسلمون لهذه الإنسانية الحائرة المعذبة.

3. الخلافة الراشدة الأخلاقية

لقد كان عصر الخلافة الراشدة هو العصر المثالي لتطبيق الإسلام، وبه ثبت أن السياسة الأخلاقية يمكنها أن تنشيء مجتمعا عظيما قائما على العدل مهما كثرت شعوبه وتنوعت أعراقهم وأجناسهم ولغاتهم وأديانهم كذلك، وأن السياسة الملتزمة بالأخلاق يمكن لها أن تدير امبراطورية واسعة تمتد من حدود الهند شرقا حتى الشمال الإفريقي غربا، ومن بلاد أرمينية وأذربيجان شمالا إلا بلاد السودان جنوبا.

ويمكن للسياسة الأخلاقية أن تدير الدولة في سائر فتراتها، في لحظات التأسيس والتهديدات الأمنية الخطيرة كما في عصر أبي بكر، وفي لحظات القوة والنهوض والتوسع كما في عصر عمر، وفي لحظات الرفاهية والرخاء كما في عصر عثمان، وفي لحظات الفتن والحروب الداخلية كما في عصر علي رضي الله عنهم أجمعين.

في كل تلك الأحوال لم يضطر خليفة منهم إلى تنحية الإسلام والأخلاق جانبا ليدير شأن السياسة بمعزل عنها، بل عملت هذه الأخلاق على صناعة نموذج حضاري فريد، جمع بين القوة والرحمة، بين التمسك والتسامح، بين القدرة والعفو... وهكذا!

وهذا بحد ذاته أعظم دليل ينقض منطق ومنهج السياسة المعاصرة التي تعتمد على الكذب والمخادعة والسيطرة على الشعوب المستضعفة ونهب ثرواتها، والاستعانة على كل هذا بالمذابح الواسعة واستعمال الأسلحة التدميرية الجبارة لتركيع الشعوب وإخضاع إرادتها.

وبناء على هذا النموذج الراشدي كوَّن المسلمون نظرتهم للتاريخ والسياسة والحرب والبطولة والأخلاق والإدارة والاقتصاد والثقافة... وسائر مناحي الحياة!

4. أحكام المسلمين على تاريخهم

1. إن أي تقييم مادي لعصر الخليفة الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه سيكون في صف معاوية لا في صف عليٍّ، فعلي لم يستطع إقرار الأمن طوال فترة خلافته التي استمرت لأربع سنوات، ولم يمثل قيادة زعامية لأنصاره كتلك التي مثلها معاوية، ففي حين تكتل أهل الشام خلف معاوية تفرق أهل الأمصار عن علي، ثم افترق معسكر أنصاره فخرج منه الشيعة والخوارج، ثم اغتيل على يد الخوارج. في المقابل: استمر معاوية زعيما محبوبا على أهل الشام، ثم حكم بعد علي لمدة عشرين سنة استطاع فيها توحيد الأمة وإعادة عصر السيادة واستئناف الفتوح الإسلامية وتوسع الدولة.

هذا الذي تسوق إليه القراءة المادية (العلمانية) لم يعتنقه أحد في أجيال المسلمين، بل ظل علي رضي الله عنه أجل وأعلى عند المسلمين من معاوية، بل تجتمع الأمة على أن معاوية وأنصاره هم الفئة الباغية بنص معصوم من السنة كشف عن هذه الحقيقة "ويح عمار تقتله الفئة الباغية"، وعلي هو خليفة المسلمين الراشد في حين أن معاوية هو أول ملوك الإسلام غير المحسوب على الفترة الراشدة، وهي الفترة التي بدأ فيها انحلال عرى الإسلام بعروة الحكم. وهكذا كان للنص المعصوم أثره الواضح في الانحياز الفكري والشعوري واختيار الموقف الأخلاقي للأمة كلها.

ومن هنا كان نموذج الخلافة الراشدة هو المقياس الذي يحاكم المسلمون إليه سائر الزعماء والقادة الذين جاءوا من بعدهم.

2. نفس الكلام يُقال عن عبد الملك بن مروان – وقائد جيشه الحجاج بن يوسف الثقفي -في مقابل عبد الله بن الزبير، فقد استطاع عبد الملك بن مروان في ظروف سياسية أقرب إلى المستحيل وانطلاقا من انقسام في الشام أن يستعيد السيطرة على كل الأمة وأن يعيد توحيدها وأن يستأنف من جديد عصر الفتوحات بعد توقفه الثاني وأن يبدأ موجة إعمارية واسعة وأن يضع أساس تعريب الدواوين وتعريب العملة وغير ذلك. بينما كان عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قد جاءته الخلافة تسعى وظل خليفة تسعة أعوام لا ينازعه إلا هذه القطعة في الشام، إلا أنه لم يستطع الحفاظ على هذا الملك الواسع وظل يتناقص ويؤخذ من بين يديه حتى تفرق عنه بعض أهله وقُتِل في النهاية.

إن القراءة المادية للتاريخ تنحاز مباشرة إلى عبد الملك بن مروان، وتنحاز أيضا إلى قائد جيشه الحجاج بن يوسف الثقفي في مقابل عبد الله بن الزبير. إلا أن الأمة لم تعتنق هذا المذهب، وإنما انحازت فكريا وشعوريا إلى عبد الله بن الزبير الخليفة الشرعي المظلوم، واعتبرت عبد الملك أول خليفة يحكم بالتغلب، ولا زالت تدين الحجاج وتقسو عليه وتراه من أعظم ذنوب بني أمية.

ما كان ذلك كله ليكون لولا أن النص المعصوم والتجربة التاريخية الراشدة رسخت صورة للحق وجعلته فوق القوة، بينما انعدام هذا يؤول عمليا إلى أن الحق هو ما تقرره القوة وتسبغ عليه الشرعية.

5. الحساسية الأخلاقية

وقد بلغت هذه الحساسية الأخلاقية مبلغا عظيما، إلى حد أن بعض المسلمين بل وبعض علمائهم يحتدون في وصف التاريخ الإسلامي والحكم عليه وتقييمه، ويبالغون في ذلك مبالغة شديدة، تصل إلى أن يتخذها بعض العلمانيين مدخلا للطعن في التاريخ الإسلامي كله بل وفي صلاحية الإسلام ليكون حلا وليصنع نموذجا يمكن تطبيقه في واقع البشر.

لقد صنع الخلفاء الراشدون نموذجا مثاليا في الحكم والسياسة، إلا أن الواقع والعقل يقتضينا ألا نهدر من حق سائر أبطالنا التاريخيين الذين لم يستطيعوا أن يصلوا إلى هذه الآفاق فكانت لهم بعض إخفاقات في ناحية أو عدة نواح، فضلا عن أن نقسو عليهم وندينهم كما يفعل البعض مع معاوية رضي الله عنه أو مع غيره!

إن كثيرا من الخلفاء والقادة التاريخيين الذين يقسو عليهم المؤرخون المسلمون إذ يحاكمونهم بمقياس الخلافة الراشدة لو أنهم كانوا في سياق حضارة أخرى لكانوا أبطالا لا يُمسّون، من هؤلاء عبد الملك بن مروان وهشام بن عبد الملك وأبو جعفر المنصور والمهدي والمأمون والظاهر بيبرس وقلاوون والسلطان سليم وسليمان القانوني وغيرهم.. فإن الإنجاز التاريخي المادي وحده يجعلهم في عداد عظماء التاريخ، ولكن أحدا من المسلمين لا يتخذهم قدوة لما كان منهم من أخطاء.. بل حتى أمثلة مثل يزيد بن معاوية والحجاج بن يوسف الثقفي لو ظهروا في سياق غربي لكانوا من أبطاله، إن أولئك لم تنطبع عنهم صورة سيئة إلا لأن النموذج الذي يُحاكمون بالقياس إليه هو نموذج أخلاقي رفيع.

إن النزول عن مستوى الخلافة الراشدة هو نفسه مستوى رفيع لم تصل إليه بقية التجارب والنماذج التاريخية، إذ لم يزل شأن التاريخ الإسلامي شأن تجربة مصبوغة بالأخلاق ومحكومة بالإسلام، بينما عامة شأن التجارب الأخرى أنها لا تُقاس إلا بمدى نجاحها ماديا، ولو جرى هذا على حساب ملايين الجثث وخراب البلاد وهلاك العباد. فالمهم هو الوصول إلى هذا النصر المادي مهما تكن الوسائل!

الخلاصة

لقد قدم الخلفاء الراشدون نموذجا أخلاقيا جعل القبطي المصري يثق في العدالة المكفولة له، فيتكلف أن يسافر من مصر إلى المدينة المنورة ليشكو إلى عمر واليه الفاتح في مصر، ثم يجد عنده العدل كما يتوقع، وقد كان قبل عامين فحسب يلقى العذاب والاضطهاد من الرومان فلا يجرؤ على الشكاية بل إما أن يفعل ما يراد منه وهو صاغر أو يهرب منهم في أقاصي الصحراء أو في كهوف الجبال!

وبعد فترة سيجد أهل سمرقند من العدالة ما يحملهم على أن يرفعوا أمام القاضي في دمشق شكوى من الفاتح قتيبة بن مسلم الباهلي أنه تجاوز في فتح بلادهم نهج الشريعة الإسلامية في الفتوح، فيخرج قوم من سمرقند حتى يصلون إلى دمشق فيقدمون شكواهم، ثم ينظر القاضي فيحكم بأن يخرج المسلمون من هذا البلد لوقوع هذا الخلل، فيخرج الجيش بعدما كان قد فتح سمرقند ليكون فتحه جاريا على شريعة الفتح وأخلاقه.

وتلك القصص لا يمكن أن توجد في سيرة إمبراطورية استعمارية مع شعب مغلوب، ولذلك سرعان ما امتزج المسلمون الفاتحون بالشعوب المفتوحة. والإسلام هو الذي نشر الحضارة شرقا وغربا فكانت له عواصمه الحضارية منذ سمر قند وبخارى ونيسابور وأصفهان والري وبغداد ودمشق واسطنبول والقاهرة والقيروان وفاس وغرناطة وقرطبة وطليطلة.. وكلها عواصم خارج الجزيرة العربية، لا كما تفعل المستعمرات التي تستصفي خيرات الناس وبلادهم لتتضخم بذلك عواصمهم في لندن وباريس وروما وواشنطن!

بل إن ثمة مفاجأة لا يعرفها الكثيرون، ففي دراسته "الإسلام الفاتح" يقول المؤرخ الكبير د. حسين مؤنس بأن البلاد التي صارت مسلمة دون أن تصل إليها جيوش الفتح إنما تمثل ثلثي مساحة البلاد، أي أن الجيوش لم تفتح إلا ثلث مساحة البلاد الإسلامية، وما كان بالإمكان أن يحدث هذا لولا تلك الجاذبية التي قدمها الإسلام لهذه الشعوب.

يقول المستشرق الفرنسي جوستاف لوبون:
"لقد انقضى ثلاثة عشر قرنًا منذ أعطى محمد دروس الأخلاق في المدينة، ولكن تلك الدروس لم تُنْسَ إلى الآن"


لقد كانت حياة الخلفاء الراشدين وسيرتهم النموذج المعبر عن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، والتي كان شعارها "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

الأحد، أكتوبر 15، 2017

الدستور الإسلامي: أزمة تصور لا أزمة تجربتنا الحضارية

قبل البدء في المقال لا بد من إعلان التضامن مع د. مختار الشنقيطي فيما يعانيه من الجنرال الانقلابي في موريتانيا، والذي يرفض تجديد جوازات السفر له ولأبنائه، مما يجعلهم في حرج بالغ، وهو من جراء النكد الحضاري في تلك الحضارة المعاصرة التي تجعل الإنسان أوراقا تملك السلطة إصدارها وتجديدها، فإن فقدها كان في حكم الميت حقيقة! فالحضارة المعاصرة هي على الحقيقة حضارة السلطان والطغيان لا حضارة الإنسان.

***
حضرت للصديق د. محمد المختار الشنقيطي محاضرته عن "الدستور الإسلامي في زمن الثورات"، فاستفدت منها جملة أشياء نافعة، وكانت لي عليها ملاحظات أساسية أحببت أن أسجلها كتابة بعدما ذكرتها مشافهة إذ لم يُتح لنا الوقت حوارا كافيا حول المسألة، كما كان ضيق الوقت وإرهاقي وقتها مانعا من حسن طرح التعقيب. ومن المهم هنا أن نذكر أن المحاضرة ألقيت في جمع من المفكرين والأكاديميين وكانت لديهم تعقيبات ثرية لكنها للأسف لم تُصَوَّر على شاشة القنوات، وربما أخرجت أكاديمية العلاقات الدولية التي نظمت المحاضرة نسختها التي احتوت تصويرا للتعقيبات والتعقيب النهائي للمحاضر. لكن أشير هنا إلى ثلاثة تعقيبات أساسية اتفقتُ معها في أغلبها، ومن الطريف أنها كانت من ثلاثة من الأكاديميين الإيرانيين، وهنا ينبغي أن نذكر أن التجربة السياسية الإيرانية التي بلغ عمرها الآن نحو الأربعين عاما قد أنضجت بيئة الفكر السياسي الإسلامي في إيران فخَرَّجَتْ عددا من المفكرين والأفكار في باب الفقه السياسي. 

يقر الشنقيطي أن حكمه على تاريخنا السياسي حكم سلبي، ويؤسفه أن تجربتنا الحضارية فقيرة في الإجراءات السياسية رغم ثرائها في باب القيم، ومن مظاهر فقرها أنه لم يكن لحضارتنا دستور طوال الفترة الممتدة من "وثيقة المدينة" وحتى صدور الوثيقة في تونس (1861)، وهكذا كانت فترة الظلام طويلة بين لحظتين مضيئتين شهدتا دسترة القيم السياسية في إجراءات.

ثمة ملاحظات جوهرية على هذا المنطلق الذي بُنِيَت عليه المحاضرة، والذي يمثل أساس فكرتها:

1. المشكلة الرئيسية هي اعتبار أن وجود نص مكتوب على صيغة مواد وبنود، وهو شكل الدساتير المعروف، يكون معيارا حاكما على التجربة الحضارية بالتقدم أو التخلف، فمجرد وجود أي نص على أي صيغة لا ينبغي أن يعبر عن شيء في نفسه، إلا لو أن معيارنا هو مجرد معيار شكلي ظاهري. فالمدن اليونانية والإمبراطورية الرومانية والدول المستبدة في عالمنا المعاصر تتخذ لنفسها دساتير مكتوبة على صيغة المواد والبنود، فلم يمنع هذا الوجود من دسترة الاستعباد والعنصرية في مدن اليونان ولا تسويغ الاستعمار للرومان، ولم تُغْنِ كثرة المواثيق التي يحفل بها عالمنا المعاصر من كثرة المذابح!

2. فإن قيل ليس المقصود مجرد وجود نص مكتوب على هيئة بنود، وإنما المقصود وجود نصٍّ حاكم يتمتع بالرسوخ والتقدير وله هيمنة على النظام، فهنا لن نجد نصا لا في القديم ولا الحديث أرسخ وجودا ولا ثبوتا ولا هيمنة على النظام من القرآن الكريم، وهو نصٌ كُتبت حوله آلاف الشروحات والتفاسير واستنبطت منه ما لا يحصى من المواد القانونية واشتغلت عليه ما لا يُحصى من العقول في استنباط الفتوى لظروفها الزمانية والمكانية.. فلو أن هذا كان مقصود الشنقيطي للفت نظره نص القرآن الكريم ونصوص السنة الصحيحة، إلا أن اختياره لحظة وثيقة المدينة ولحظة وثيقة تونس تدل على أن نموذجه المنشود هو الوثقية ذات النصوص المصاغة على هيئة بنود ومواد.

3. تعلمنا قديما أن الحديث إن كان عن الحلال والحرام فلا بد من الاستناد إلى النصوص الصحيحة، بل بعض العلماء لا يجيز رواية الضعيف ولا في فضائل الأعمال، فنحن حين نتكلم عن أصول حضارتنا الإسلامية ومنطلقاتها وما يُؤثر في صعودها وهبوطها سلبا وإيجابا نكون بحاجة أقوى إلى الاعتماد على الصحيح وحده، فالمسألة هنا ليست مسألة حكم فرعي في عبادة أو معاملة، وإنما هي حديث في أصول الدين ومنهجه ونظامه. وهو الأمر الذي يقره الشنقيطي وقد أكد في تعقيبه على ملاحظتي أنه لا يعتمد على سوى الصحيح. الغريب هنا أن وثيقة المدينة نفسها إنما صح بعض منها بمجموع الطرق، فهي ليست صحيحة على منهج المحدثين، ومن قالوا بصحتها فغاية ما قالوه أنه تصحيح بمجموع الطرق لبعض بنودها[1]، وعليه قالوا أن "الوثيقة بمجموعها لا تصلح للاحتجاج بها في الأحكام الشرعية" إلا ما صح من نصوصها المنفردة الواردة بالأسانيد الصحيحة في كتب الحديث. إنما أورد كتاب السيرة الوثيقة جريا على المعروف من أن التاريخ لا يُعامل بالصرامة التي يُعامل بها الحديث. وفي موضوعنا هذا حيث يُراد الاستدلال بوثيقة المدينة على أن الدستور من أصول وقواعد الإسلام وأن عدم وجود وثيقة على هيئته من علامات انتكاس الحضارة الإسلامية، فعندئذ يجب أن ننبه إلى أن الوثيقة لا تنهض للاستدلال بها.

4. على أن الوثيقة نفسها إن صحت حديثيا وصارت نصا يصلح للاستدلال به فإن هذا أيضا لا يجعلها حجة على ما أراده لها الشنقيطي، فغاية ما يُقال أن الوثيقة كانت حاكمة على العلاقات داخل المدينة في السنوات الأولى لها، حتى نزلت آيات القرآن الكريم التي تحدد المعاملات وعلاقة الدولة الإسلامية بسائر الأطياف، وتستدرك على ما أقيم من العقود والمعاهدات.. أي أنها في أحسن أحوالها كانت وثيقة مرحلة انتقالية لا واجبا ثابتا يفرض كتابته في النظام السياسي للدولة الإسلامية. ولهذا لم يجد الفقهاء عبر ذلك التاريخ الطويل ما يدعوهم لأن يعتبروا عدم وجود وثيقة على هيئة بنود من جملة المعاصي والمخالفات، ولو أن الأمر كذلك لما تعذر على حاكم ظالم أو عادل وضع وثيقة يخرج بها من جملة المخالفة والمعصية ولو لم يكن لها أثر حقيقي كما تفعل البلاد المستبدة صاحبة الدساتير. ومنذ أبي بكر وعمر –وهما ذروة الخلافة الراشدة- لم يجد الخلفاء أنهم ملزمون بوضع دستور بتلك الصيغة. لهذا فغاية ما يكون أمر الدستور أن يكون من المباح لا من الواجبات ولا الضرورات.

فالحديث عن حضارتنا التي تعاني من "فقر الإجراءات" يمتد ليشمل بالتهمة عصر الخلافة الراشدة على الجملة، فكيف يجوز هذا والخلفاء الراشدون هم القدوة الذين نص النبي على الاقتداء بسنتهم؟!

5. تُساق مسألة كتابة الدستور على أنها مسألة توافقية، يجري فيها التنازلات والتفاهمات، وتصل إلى المشترك المتفق عليه بين الجميع. لم يكن هذا قائما في وثيقة المدينة، إنما كانت الوثيقة صريحة في جعل السلطة والحكم إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يسع النبي في هذا الأمر إلى توافق، إنما دخل المدينة وهي تكاد تجتمع على ملك هو عبد الله بن أبي بن سلول فأقام النبي نظاما سياسيا جديدا، فلم يفكر في إبقاء إجراءات تنصيب ابن سلول، ولا حتى فكر في مشاركته الحكم، وإنما جاء النظام السياسي النبوي الجديد لينهي كل ما فات، ونصت الوثيقة على هذا الأمر صراحة، فقد ورد فيها "وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم". والوثيقة من أولها لآخرها تجعل (المؤمنين) كتلة وغيرهم كتلة أخرى، وهو ما يناقض مفهوم المواطنة الحديث الذي بُنيت عليه الدساتير في الدولة القومية؟

6. مشكلة عصر الاستضعاف الكبرى أن البحث في حلها يتجه إلى اتجاهين كبيرين: إما أن نوفق الإسلام مع الواقع، أو أن نوفق الواقع مع الإسلام. حين ننطلق من تثبيت أهمية الدستور ولزوم وجوده فإننا على الحقيقة نحاول دسترة الإسلام لا أسلمة الدساتير، وهو نوع من حمل الإسلام على التوافق مع ما صار واقعا وتقليدا سياسيا معاصرا، هنا نجعل الواقع حاكما على الإسلام ونلتمس من الإسلام أن يستجيب لما يمليه الواقع من ضغوط! فإن كانت سيرة الدساتير في التاريخ السياسي إنما نشأت في أنظمة لا علاقة لها بالدين (بداية من الوثنيين اليونان، وحتى النظام العلماني المعاصر) فنحن نحاول استنبات زرع لم ينبت لا في تربتنا ولا في تربة شبيهة. إن الدستور هو محاولة وضع نص مقدس في بيئة لا ينطق فيها الإله بشيء، فالإله إما وثن في حضارة اليونان والرومان لا يسمع ولا يبصر ولا يغني شيئا، والإله محذوف تماما في الحضارة العلمانية ولا يُسمح بوجود مرجعية متجاوز للبشر أصلا.

وقد اصطبغت الدساتير بتجربتها بطبيعة الحال، فالدساتير الحالية هي نص مقدس وُضِع لصيغة الدولة القومية، وهو النموذج الذي انتهت إليه تجربة غربية مريرة ومختلفة في زمانها وطبيعتها، ولا يزال نموذج الدولة القومية في أحسن الأحوال يطرح تناقضات حقيقية مع النظام الإسلامي، بينما يرى آخرون –وهو ما أعتقده- أن النظامين متناقضين لدرجة يستحيل معها التقاؤهم، فإما أن يتنازل الإسلام عن جملة وجمهرة من أحكامه، وفيها المجمع عليه، وإما أن يتغير نظام الدولة القومية فيتخلى عن جملة من ثوابته. وحقيقة الصراع الحالي في العالم هو وجود التناقض الحضاري، فلا يزال الغرب يريد أن يحمانا ويضعنا في نظامه، ولا زالت الأمة تقاوم ولا تقبل به.

7. ثم ها هنا أمر آخر في غاية الأهمية، وقد جعلته في النهاية ليكون خاتمة الحديث كله، ألا وهو: كيف تستمر حضارة مع فقر الإجراءات في أهم أبوابها وهو باب النظام السياسي؟.. إن مجرد بقاء الحضارة الإسلامية ألف سنة وتحكم على الأقل ثلث العالم المعروف لهو دليل على قدرتها وتمكنها من إدارة شؤون الحياة وإمداد الإنسانية بقيم وإسهامات وافرة في سائر المجالات.. فأَنْ يُقال "حضارتنا الإسلامية عانت من وقت مبكر فقرا في الإجراءات" لهو دليل على أن مقياس الفقر والغنى في الإجراءات هو نفسه مقياس يحتاج إلى تعديل وتصحيح لاستيعاب حالة حضارة ظلت ألف سنة في الصدارة! إنها على الحقيقة أزمة تصور لا أزمة الحضارة الإسلامية.

هل معنى هذا أني ضد كتابة دستور على الجملة؟

بالطبع لا، ولكني لا أجعل وجود دستور من عدمه علامة على أي شيء ولا معيارا لأي شيء، ولا أرى وجوده ضرورة ملزمة لأي نظام سياسي.




[1] ينظر في تفصيل الأمر كتب السيرة الصحيحة مثل: السيرة النبوية الصحيحة لأكرم ضياء العمري، وصحيح السيرة النبوية لإبراهيم العلي.

الأربعاء، أكتوبر 11، 2017

عمَّمهم الله بالبلاء!

ما العلاقة بين السلطة وبين رعاية الأخلاق في المجتمع الإسلامي.. وكيف يمثل هذا افتراقا وتناقضا بين النظام الإسلامي والنظام العلماني.

 كيف تؤثر عقيدة النظام على الأخلاق؟

مهمة السلطة في أي نظام هي الحفاظ على القيم التي يمثلها هذا النظام ويقوم عليها، ففي النظام العلماني مثلا تكون مهمة السلطة هي الحفاظ على الدولة، الدولة تحافظ على نفسها، لأن الغاية النهائية هي الوصول إلى دولة قوية راسخة آمنة مرفهة... إلى آخره!

لهذا يُصمم القانون والتعليم والاقتصاد والثقافة وأجهزة الأمن والجيش بحيث تحافظ على الدولة، ولا تهتم بأي شيء لا يكون له تأثير على الدولة.. فمثلا: فلان يصلي أو لا يصلي، يصوم أو لا يصوم، يزني أو لا يزني، يشرب الخمر أو لا يشرب الخمر.. كل هذا لا يهم، طالما أنه لا يؤثر على النظام وعلى الدولة.

نعم، يمكن للقانون أن يمنع شرب الخمر للسائقين بهدف التقليل من حوادث السير، أما شرب الخمر نفسه فلا ضرر منه على الدولة فلا حاجة للسلطة أن تهتم بتأثير الخمر على صحة الإنسان أو عقله أو أخلاقه.. كذلك الزنا، يمكن للسلطة أن تهتم به من جهة كونه نشاطا اقتصاديا يُدخل أموالا إلى خزينة الدولة، ومن شاء أن يفتح بيتا لممارسة الزنا أن يفعل طالما أنه يلتزم بدفع الضرائب!

بنفس المنطق يسمح القانون للمواطن في النظام العلماني أن يكون مسلما اليوم ومسيحيا غدا وبلا دين بعد غد، وأن يعود متى شاء إلى الدين الذي يشاء لأن هذا لا يؤثر على الدولة نفعا أو ضرا.. بينما يعاقب القانون بشدة من يهين علم الدولة أو دستورها لأن هذه الإهانة تمس مكانة الدولة وهيبتها وقداستها، ويكون الاستهانة بها مؤشرا على التمرد أو الاستخفاف.

ومن يعرفون تاريخ القانون في أوروبا يعرفون أن غرض تطبيق القانون بعدالة إنما كان بغرض جذب الأموال والتجارة والحفاظ على استمرار النشاط الاقتصادي، ولذلك كانت المدن التجارية كجنوة والبندقية وفلورنسا هي أوائل المدن التي طبقت فيها القوانين بنزاهة.. فيما لم تحاول تلك البلاد تطبيق أي قانون عادل في مستعمراتها، بل سمحت لنفسها بنهب الدول المستعمرة وبقتل الناس واستعبادهم، دون أن تشعر بتأنيب ضمير أو تناقض.

النظام الأخلاقي الإسلامي

يصف ابن خلدون السياسة –غير الإسلامية- بأنها على نوعين؛ الأول: نظام مستبد يخدم الطبقة الحاكمة، ويسميه الملك الطبيعي، ويعرفه بأنه "حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة". والثاني: نظام يتمتع بنوع عدالة ورشد وهو "حمل الكافة علي مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار". وأما النظام الإسلامي الذي هو الخلافة فهو:

"حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الاخروية والدنيوية الراجعة إليها إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به"

وهكذا يهتم النظام الإسلامي برعاية الأخلاق بين الناس، بما فيها تلك الأخلاق التي لا تؤثر على نظام الدولة، فالسلطة الإسلامية تعمل على حراسة المجتمع نظيفا من الفساد والانحلال الأخلاقي. ليس لكون هذا يؤثر على نظام السلطة بل لكونه يفسد المجتمع، وهو مستجلب لغضب الله وبلائه.

في خطبته الأولى قال أبو بكر: ولم تظهر الفاحشة في قوم إلا عمَّهم الله بالبلاء.

فكان هذا منه تحديدا لواجبات الإمام في محاربة الفاحشة، حفاظا على المجتمع من الفساد الذي يأتي بالبلاء.. وكان نهج الراشدين أنه طالما كانت الذنوب مستترة لا تصل إلى السلطة ولا تظهر في المجتمع فليس من صلاحيات السلطة التجسس على الناس ولا هتك سترهم، ولكن المحظور المحرم أن يكون للفاحشة ظهور بين الناس.

وحرص الخلفاء الراشدون على أخلاق المجتمع، فمن ذلك أن عليا أنكر على من لا يتحرزون أن تخرج نساؤهم إلى الأسواق فيزاحمن الكفار الذين لا يرعين أخلاق التعامل مع النساء، قال: ألا تستحيون أو تغارون؟ فإنه بلغني أن نساءكم يخرجن في الأسواق يزاحمن العلوج.

ونادى علىّ ذات يوم على المنبر فقال: سلوني، فقال رجل: أتؤتى النساء في أدبارهن؟ فقال: سفلت سفل الله بك، ألم تر أن الله تعالى يقول: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ}.

إقامة الحدود

وقد أقام الخلفاء الراشدون العقوبة على من زنا أو شرب الخمر أو تهتك وتخنث..

1. فقد سجن عمر من يقعون في أعراض الناس ويهجونهم كما فعل مع الحطيئة الشاعر الهجَّاء، ولم يطلقه من سجنه إلا لما اشترط عليه ألا يهجو مسلما وأعطاه مالا كي لا يُضطَّر أن يهجو أحدا ابتغاء المال، فاشترى منه بهذا المال أعراض المسلمين.

2. وأمر عمر بحلق شعر نصر بن الحجاج ونفيه من المدينة لتخنثه وغزله بالنساء، وقُضِي على رجل اتخذ حانوتا لبيع الخمر بإغراق الحانوت.

3. ولما أتي علي بالشاعر الحارثي النجاشي وقد شرب الخمر في رمضان، ضربه ثمانين جلدة ثم حبسه، فأخرجه الغد فضربه عشرين جلدة ثم قال له: إنما جلدتك هذه العشرين بجرأتك على الله تعالى، وإفطارك في رمضان.

4. وأُتِيَ أبو بكر بمن زنا واعترف على نفسه ولم يكن متزوجا فجُلِد ونفي، ولم يجلد الجارية لأنها كانت مُستكرهة.

5. وأما من كان متزوجا أو كانت متزوجة ووقع في الزنا فإنه يُرجم، وقد وضح علي رضي الله عنه كيف يكون الرجم، وهو أن يُصَّف الناس كوقوفهم في الصلاة، فإن كان الزاني قد اعترف بدأ الإمام برجمه ثم يمضي فيأتي الصف الأول فيرجم ثم يمضي ثم الصف الثاني.. وهكذا، وأما إن كان الزنا قد ثبت بشهادة أربعة فإنهم يكونون أول من يرجم ثم الإمام ثم باقي الناس.

6. ولا يوقع الحد على المرأة إن كانت مستكرهة أو كانت مضطرة كأن ألجأها الجوع والعطش إلى الزنا، وقد حدث مثل هذا في عهد عمر حين نفد الماء من امرأة وهي ترعي في الصحراء فلجأت إلى من يعطيها شربة ماء فمنعها حتى تمكنه من نفسها، فأبت، فلما شعرت بالهلاك مكنته من نفسها، فكان هذا عذرها الذي رفع عنها إيقاع الحد.

7. وكان يؤجل الحد على المرأة الزانية حتى تضع حملها، وأحيانا حتى يشب ولدها ويستغني عن الرضاعة منها.

8. وفي عهد علي وقع أن زنى مسلم بنصرانية، فأقام على المسلم الحد، وسلَّم النصرانية لأهلها يحاكمونها على مقتضى شريعتهم.

9. ولا يوقع الحد إلا بعد التأكد من وقوع الزنا بمعناه الكامل، فيُسأل الرجل وتُسأل المرأة بدقة عما وقعا فيه، ثم يجري التأكد من أنه كان فعلا اختياريا بغير اضطرار ولا إكراه.

10. ومن العجائب المثيرة للإعجاب في شخصية الفاروق هو توقعه ما قد حصل بالفعل في زماننا هذا، أن قوما يستشنعون عقوبة الرجم، فقام يوما خطيبا فقال:

"إن الله قد بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل عليه آية الرجم قرأناها ووعيناها وعقلناها فرجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف"

حفظ أعراض من أخطأوا

لم تكن الدولة الإسلامية تقيم الحدود بغرض العقوبة والانتقام، بل بغرض التطهير والتكفير، وأصل هذا ما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حين أقام الحد على ماعز والغامدية، فمنع أن يسبهما أحد، وقال عن الغامدية "لقد تابت توبة لو تابها أهل المدينة لوسعتهم".

وتكرر الموقف في عهد الراشدين، ويروي شاهد عيان في عهد علي فيقول: "كنت مع علىّ حين رجم شراحة فقلت: لقد ماتت هذه على شر حالها، فضربني بقضيب، أو بسوط كان في يده حتى أوجعني فقلت: لقد أوجعتني، قال: وإن أوجعتك، قال: فقال: إنها لن تسأل عن ذنبها هذا أبدًا كالدَيْن".

ومع أنه لا تهاون في إقامة حد من حدود الله، إلا أن الدولة الإسلامية لا تشتهي فضح الناس أو هتك سترهم، بل لا تُنزل العقوبة إلا بمن ظهرت منه الفاحشة.

1. وفي عهد عمر خطب أمير اسمه شرحبيل بن السمط الكندي، وكان يتولى مسلحة (أي: منطقة حراسة حدودية عند الثغور مع فارس) في جنوده فقال: "أيها الناس، إنكم في أرضٍ الشرابُ فيها فاشٍ (يعني الخمر فيها منتشر)، والنساء فيها كثير، فمن أصاب منكم حداً فليأتنا فلنُقم عليه الحد، فإنه طهوره". فبلغ ذلك عمر فكتب إليه: "لا أحل لك أن تأمر الناس أن يهتكوا ستر الذي سترهم".

2. وجاء رجل من اليمن إلى عمر فأَسَرَّ إليه أن ابنة أخيه قد وقعت في الفاحشة، فقال له عمر: "لو أفشيت عليها لعاقبتك، إذا أتاك رجل صالح ترضاه فزوجها إياه"، وقال عمر لرجل آخر في حالة مماثلة: "أنكحها نكاح العفيفة المسلمة".

3. وقد قيل لابن مسعود وكان يتولى القضاء على الكوفة في عهد عمر، "هذا فلان تقطر لحيته خمرا". فقال: إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به".

وأما في حالات الاغتصاب فقد كان القضاء في عهد الراشدين يبرئ المرأة التي قتلت من اغتصبها أو حاول اغتصابها، فقد تنكر شاب يوما في ثياب فتاة واستطاع التسلل إلى امرأة فاغتصبها وهي نائمة، فقتلته، فبرأها القضاء، وبرأ أخرى قتلت رجلا دفاعا عن عرضها.

أثر الاحتلال في نشر الفاحشة

المجتمع العفيف مجتمع سوي متماسك، الفاحشة فيه نادرة ومنبوذة، وكان هذا مما انتبه له المحتلون حين نزلوا بلادنا، لذلك كان من خططهم الأساسية نشر الفاحشة في بلادنا، وهذا مصداق قول الله تعالى:

(والله يريد أن يتوب عليكم، ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما * يريد الله أن يخفف عنكم، وخُلِق الإنسان ضعيفا)

وحصل تركيز كبير على موضوع المرأة في بلادنا المحتلة، لأن إفسادها يُسهِّل إفساد المجتمع وإنشاء جيل مرتبط بشهواته، والإنسان الذي هو أسير شهوته يكون على الحقيقة أسيرا لمن يملك تحقيقها له حتى لو كان المحتل الذي هو عدوه وعدو دينه وأمته.

أول احتلال حصل في قلب العالم الإسلامي كان الحملة الفرنسية على مصر، وأخرج الفرنسيون نسائهم متكشفات متهاونات يداعبن الرجال ويضاحكنهن، ثم كانوا إذا أسروا المصريات بعد معارك المقاومة يأخذونهن، وبالذات الصغيرات، فيجعلونهن كالفرنسيات.. وسهَّلوا سبل الاختلاط والاحتفالات،  وعملوا على التزوج من بنات الإعيان بعد إشهار إسلامهم صوريا، ووجدوا من مرضى القلوب والنفوس من اعتقد أن الأمر استتب للفرنسيين فأراد بتزويجهم أن يحظى ببعض السلطان والجاه.

وأما الاحتلال الإنجليزي فقد كانت له آثار عميقة في تدمير الحياة الاجتماعية، حتى إن المؤرخ الإنجليزي تيموثي ميتشل وهو يتحدث عن استعمار مصر يرصد أنه خلال عشر سنوات تضاعف عدد المقاهي والبارات وصالات القمار أكثر من ثلاثة أضعاف، وانتشرت في مصر ظواهر اجتماعية جديدة مثل "إدمان الكحول، وإدمان المخدرات، والزنا والمرض، والجنون"، وحتى الكتب المنتشرة أخذت تغزوها القصص البذيئة التي حرصوا على طباعتها ونشرها، وتأثرت الحياة العائلية حيث شرع الرجال في قضاء نهارهم أو كل أمسياتهم في أكثر المقاهي سيئة السمعة، حيث تسليهم النساء ويحكي الرجال حكايات عن "دون جوان"!

وظلت هذه عادة الاحتلال في بلادنا حتى آخر فصوله، كما في أفغانستان والعراق حيث تنطلق حملات تحرير المرأة وتوفير الفعاليات والمؤسسات المهتمة بصناعات الترفيه والفنون والإباحيات.

ولذلك لا تزال القرى والبوادي، وهي المناطق التي كانت أضعف في تأثرها بالاحتلال، أفضل من المدن في الأمن وفي الأخلاق عموما، وفي تقرير اليونسيف الصادر عام 2012 تتحدث الإحصائيات عن أن انتشار مرض الإيدز في المناطق الحضرية أعلى منه في المناطق الريفية، وكان السبب الرئيسي هو ارتكاب الفاحشة، حتى بلغ عدد المصابين به أكثر من مليونين من الشباب بين العاشرة والتاسعة عشر عاما.

لا يزال الاحتلال يسير على الوصايا القديمة لكبار المنصرين، ومنذ 85 عاما قال صموئيل زويمر رئيس جمعيات التبشير في مؤتمر القدس للمبشرين المنعقد عام 1935م:

"إن مهمة التبشير التي ندبتكم دول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمدية ليست في إدخال المسلمين في المسيحية، فإن في هذا هداية لهم وتكريماً ، إن مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقاً لا صلة له بالله ، وبالتالي لا صلة تربطه بالأخلاق... مطابقاً لما أراده له الاستعمار، لا يهتم بعظائم الأمور، ويحب الراحة، والكسل، ويسعى للحصول على الشهوات بأي أسلوب، حتى أصبحت الشهوات هدفه في الحياة، فهو إن تعلم فللحصول على الشهوات، وإذا جمع المال فللشهوات، وإذا تبوأ أسمى المراكز ففي سبيل الشهوات .. إنه يجود بكل شيء للوصول إلى الشهوات".

خلاصة

أليس من العجيب أن 90 بالمائة من الإنتاج الإعلامي في بلادنا يناقش مسائل الحب والعشق؟

أليس من الملفت للنظر أن 99% من الأغاني في بلادنا تتحدث عن نفس هذا الموضوع؟

أول ما يُطرح من أسئلة أمام الإسلاميين في الانتخابات: ماذا ستفعلون في الخمر والسياحة العارية والحجاب والملابس القصيرة رغم أن بلادنا مثقلة بالمشكلات الكبرى العميقة، كأن بلادنا ستنهار إن توقف فيها بيع الخمر أو فقدت السائحات العاريات؟

الواقع أن الحضارة الغربية خربت الأخلاق، حتى إن موضوع الأخلاق نفسه صار أمرا مشكوكا فيه، حتى القرن التاسع عشر الميلادي كان علم الأخلاق يبحث في المبادئ وترتيبها واستنباطها وأهميتها للحياة بما يعني التطلع إلى مثل أعلى ومثل عليا للسلوك تعين على فعل الخير والابتعاد عن الشر، وبهذا كان علم الأخلاق من العلوم المعيارية؛ بمعنى أنه لا يدرس ما هو كائن، بل ما ينبغي أن يكون، ثم ظهرت في فرنسا مدرسة من علماء الاجتماع نظرت إلى علم الأخلاق باعتباره تفسير ما هو كائن، لا معيارا لما ينبغي أن يكون، وبهذا تحولت الأخلاق لديهم إلى "القواعد السلوكية التي تسلم بها جماعة من الناس في حقبة من حقب التاريخ"، فنزعوا عن القيم الأخلاقية فكرة الثبات والدوام أي نزعوا عنها القداسة والاحترام.. تحول الأمر كما يقول شوبنهاور إلى أن يكون علم الأخلاق هو مجرد وصف: "علم الأخلاق يصف أخلاق الناس مثلما يصف التاريخ الطبيعي خصائص الحيوانات"

وظهر في الفلسفات الغربية من يحتقر الأخلاق ويقدس القوة، ويرى أن أعظم عيوب الإنسان هي الرحمة، وأنه يجب إفناء الضعفاء والمرضى والمشوهين لأنهم لن يفيدوا المجتمع، وأن هؤلاء ينبغي عليهم أن يساعدوا المجتمع على إبادتهم وإفنائهم.. ومن الطبيعي أن تصل أي فلسفة مادية علمانية لا تؤمن بالله إلى هذه النتيجة التي قالها فيلسوف العدمية ألبير كامي: "كل شيء جائز طالما أن الله غير موجود وأن الإنسان يموت".

ونختم بقول الباحث والروائي الإنجليزي المتخصص في الإسلام، والذي ترجم القرآن الكريم إلى الإنجليزية، مرماديوك باكتول:

"إن المسلمين يمكنهم أن ينشروا حضارتهم في العالم الآن بنفس السرعة التي نشروها بها سابقاً بشرط أن يرجعوا إلى الأخلاق التي كانوا عليها حين قاموا بدورهم الأول، لأن هذا العالم الخاوي لا يستطيع الصمود أمام روح حضارتهم"