الخميس، أغسطس 16، 2018

مذكرات الشيخ رفاعي طه (6) هتفت في ذكرى عبد الناصر: لقد مجدنا صنما!!


مذكرات الشيخ رفاعي طه (5)
هتفت في الذكرى الأولى لوفاة عبد الناصر: لقد مجدنا صنما!
لما أُعدِم سيد قطب أحرق أستاذي كتاب "معالم في الطريق" وهو في الصومال
كان عصر عبد الناصر بوليسيا تتجسس فيه الزوجة على زوجها والابن على أبيه  

سجلها عنه وحررها: محمد إلهامي



عند نهاية الصف الأول الثانوي كان مدرس اللغة العربية في مدرستنا، واسمه "جمعة"، قد كلفنا بكتابة موضوع تعبير عن "دولة العلم والإيمان"، لقد جاء السادات بهذا الشعار في أول عهده، وكتبتُ موضوعا أهاجم فيه السادات، قلت فيه: إن السادات ينافق الشعب، وشعار "دولة العلم والإيمان" مجرد كلام خال من المضمون، فليس في البلد لا علم ولا إيمان.

تفاجأ الأستاذ جمعة حين قرأ موضوع التعبير هذا حتى أنه قرأه على بقية الطلاب، ثم هرع إلى الأستاذ عيد الرافعي فعرض عليه ما كتبت، ونصحه أن يتكلم معي لينصحني ألا اتهور كي لا أتعرض للسجن أو شيء من هذا، وجاء إلي الأستاذ عيد فحمل لي مع نصيحته قصة أخرى كان يخفيها في طيات ذاكرته.

حدثني أنه حين أُعْدِم سيد قطب (1966م) كان هو في مقديشيو (عاصمة الصومال)، وما إن سمع في الإذاعة خبر إعدامه حتى هرع إلى النسخة التي كانت معه من كتاب "معالم في الطريق" فأحرقها فورا.. أحرقها في الصومال من شدة الخوف والبطش. وختم قصته بالنصيحة: "يا بني، الجدار له آذان! ولا يغرنك أن عبد الناصر مات فنحن لا نزال في دولة الخوف".

تداعى إلى ذهني كلام الأستاذ محمد الشاهد، ها هو نفس الكلام يتكرر، كأنما وجدتها فرصة لأستبين وأستوثق من الصدمة، سألته:
-      هل تعني أن عهد جمال عبد الناصر كان فيه بطش وظلم؟
-      بالطبع يا بني، لقد كنا نخشى الحديث حتى مع زوجاتنا في البيوت، كان الواحد يتجسس على أبيه وزوجته وأخيه وأخته.. كل الناس كانوا يتجسسون، أنا لم أكن أضمن ولا أجرؤ أن أقول شيئا في بيتنا!

وطفق يحدثني عن العهد البوليسي الذي لم يأمن فيه أحد على نفسه، وأن الله قد رفع عن الشعب عبئا ثقيلا بموت عبد الناصر، وأنه يمكن حقا أن يكون السادات صادقا في شعاره "دولة العلم والإيمان" فما يظهر منه يدل على هذا، على الأقل صار المرء يستطيع أن يتكلم ويتنفس، وأخبرني في لهجة المتأثر: لو كنتَ كتبتَ موضوع تعبيرك هذا في عهد عبد الناصر لما كان أحد ليراك ثانية.. وعند تلك العبارة أخذ في البكاء.

عند تلك اللحظة اجتمعت عندي الروايات، رواية الرجل البسيط: الشيخ محمود عسران، مع الأستاذ محمد الشاهد، مع الأستاذ عيد الرافعي.

نعم.. نسيت أن أحكي ما قاله لي قديما محمود عسران!

لقد حدثني الشيخ عسران مرة فقال: يا بني، لقد كان الملك فاروق رجلا صالحا حتى إن الناس لقبوه بـ "الملك الصالح"، وإنما العسكر شوهوا صورته حتى يُقال للناس كان فاسدا ونحن أفضل منه.

كان حديث الشيخ عسران حديث المتوجس الخائف، يحوم حول المعنى لا يريد أن يصرح به، لكن الصريح الواضح هي لهجته ومشاعره المُنْكِرة المستنكرة للعسكر وأفعالهم. أما أصرح الجميع فقد كان محمد الشاهد.

وليس من شك في أن حقبة عبد الناصر كانت سوداء قاتمة خصوصا على أهل العلم والفكر والمبدعين، إلا أن كثيرا من الشعب المصري لم يشعر بهذا لقوة الضغط الإعلامي وبريق الشعارات المرفوعة التي تعلن الانحياز للفقراء. ولقد استفاد كثير من الفلاحين والعمال في فترة جمال عبد الناصر، لا سيما من قانون الإصلاح الزراعي، فبعد أن كان هؤلاء من المعدمين أصبح لديهم فدادين من الأرض الزراعية فكانت نقلة لهم، صحيحٌ أنه لم ينقلهم إلى مرحلة الرفاهية كما حدث في عهد السادات لكنهم استفادوا على الأقل: صاروا ملاكا من بعد ما كانوا أُجَراء!

وهكذا.. بدأت الحكاية بموضوع تعبير وانتهت إلى رسوخ فكرة سطوة وبطش وظلم عبد الناصر في عقلي وقلبي.

جاءت الذكرى الأولى لوفاة عبد الناصر (28 سبتمبر 1971م)، كنت في بداية الصف الثاني الثانوي، وكانت المدارس تبدأ في أول سبتمبر أو في منتصفه، وأقيم في المدرسة حفل تأبين لعبد الناصر استمرت لأسبوع! فظل الطلاب والأساتذة يتبارون في مديح عبد الناصر وتمجيده في كلماتهم وخطبهم. لم يكن السادات قد كشر عن أنيابه بعد لجمال عبد الناصر، كانت السياسة لا تزال تخطب وده وود إرثه.

أزعم أني من أوائل من هاجموا جمال عبد الناصر، لقد بدأ حفل التأبين والتمجيد يوم الاثنين فيما أذكر، وكان الترتيب يضع كلمتي يوم السبت، فجاءني الأستاذ عيد الرافعي وقال: اكتب الكلمة التي ستلقيها واعرضها علي أولا. قلت له: يا أستاذ عيد، إني سأرتجل الخطبة كعادتي، أشعر بالخجل إن قرأت كلمتي من ورقة، وأنت أستاذي وقد عودتني الثقة بالنفس، ولن تسمع مني إلا ما يسرك.

لم تطمئنه كلماتي تلك، فلما جاء يوم السبت، وقف –دون أن أدري- من خلفي، وكان -كما أخبرني فيما بعد زميلي سيد محمود عبد الرحمن- قلقا ومضطربا، يحرك رجلا ويضع أخرى.

تقدمت خطيبا فقلت:
"الحمد لله وكفى، وأصلي وأسلم على عباده الذين اصطفى، أما بعد: فقد تقدم كثيرون وامتدحوا جمال عبد الناصر، لكن لي رأي آخر. نحن كشباب وكأبناء هذه البلاد بل وكأبناء لهذه الثورة، فكلنا وُلِد بعد 1952، وأنا قد وُلِدت 1954 وترعرت في ظل حكم جمال عبد الناصر، وأنا مسؤول تثقيف وحدة بندر ادفو لمنظمة الاتحاد الاشتراكي العربي التابعة للاتحاد الاشتراكي، ومع ذلك يؤسفني أن أقول: كل هذا كذب.. كذب وافتراء! لقد مجَّدنا رجلا صنما..."

عندها انتفض الأستاذ عيد الرافعي واختطف مني الميكروفون، وصاح: "ابننا رفاعي لا يقصد هذا، لكن خانه التعبير.. هو قصد أن جمال عبد الناصر معبود الجماهير فكل الناس تحبه، ولا يعني أنه صنم بمعنى الصنم...".

انتهى الطابور، واستدعاني الناظر إلى مكتبه، "يا ابني انت مش عايز تجيبها البَرّ (لا تريد أن ينتهي الأمر على خير)، ويبدو أنك لن ترتاح إلا حين تُفصل من المدرسة.. لم تنتهِ كلمتك إلا واتصل بي جهاز الأمن يريدونك أن تذهب إليهم.. من أين تأتي بهذا الكلام؟.. نحن لا نقوله هنا.. وإذا سألوك فقل لهم إنك لم تسمعه من أحد هنا.. انت ولد طيب و"غلبان".. وأبوك رجل "غلبان".. انت كده بتودي نفسك في داهية (تلقي بنفسك إلى الداهية).. وهتودينا معاك كلنا في داهية.. والمفترض بي الآن أن أصدر قرار فصلك من المدرسة"!

ظل الأستاذ عيد الرافعي يترجاه ويتوسل إليه ألا يتخذ قرار الفصل من المدرسه، طفق يقول: اعذرة يا حضرة الناظر، إنه ابننا، مثل ابني علي، ومثل ابنك.. ورفاعي متفوق، ولا نريد أن يضيع مستقبله.. إلخ!. كان موقف الأستاذ رفاعي أبويا وصادقا، وكان من رجاءاته أن يؤجل أمر الفصل إلى حين نرى ما سيصنع في أمن الدولة، فلربما الأمر لن يستدعي.

ولم تنته الحصة الأولى حتى كان بالمدرسة اثنان من المخبرين قد حضروا ليأخذوني إلى أمن الدولة.

نشر في مجلة كلمة حق 

الثلاثاء، أغسطس 14، 2018

مصر قبل وبعد الحداثة (4) الأجانب والفنادق والشرطة


نختم في هذا المقال السلسلة التي افتتحناها عن أوضاع مصر قبل وبعد الحداثة (راجع: المقال الأول، الثاني، الثالث)، حيث رصدنا ذلك من خلال رحلتي حج قام بهما أجنبيان استطاعا الوصول إلى البيت الحرام وسجَّلا رحلتيهما، بين الرحلتين مائتي عام فارقة في تاريخ مصر، إذ كانت الثانية في منتصف القرن التاسع عشر بعد استقرار حكم أسرة محمد علي الذي أدخل الحداثة والعلمنة والتغريب، وعلى غير ما يتوقع الكثيرون فإن هذا لم يعد على مصر بالخير، بل إن حالها بعد الحداثة كان أسوأ وأردأ من حالها قبل الحداثة.

في هذه السطور القادمة نرى كيف تطورت أوضاع الأجانب، والوكالات والفنادق، وأحوال الشرطة.

أوضاع الأجانب

في كلا العهدين كانت مصر زاخرة بالأجانب، فقد كانت مركزا للتجارة بين الشرق والغرب في أيام المماليك، ثم كانت مركزا للنشاط الاقتصادي الأجنبي الذي وجد في مصر فرصة سانحة بعد اتفاقية لندن 1840م، لكن النفوذ الأجنبي في عهد بيرتون كان عظيما جدا، إذ كان الأجانب عمليا دولة داخل الدولة أو على الحقيقة فوق الدولة.
يذكر بتس أن اللغات المستخدمة في القاهرة لا تقل عن اثنين وسبعين لغة، ومما يلزم الأجانب –اليونانيون مثالا- ألا يرتدون شيئا من اللون الأخضر في ملابسهم، فإن فعلوا هاجمتهم العامة فمزقت ما كان لونه أخضر في ملابسهم، وذلك لخصوصية هذا اللون إذ يرتديه المسلمون وحدهم، ولا يرتدي العمامة الخضراء إلا من هم من سلالة النبي [1].

ولا تشير رحلة بتس إلى عداء أو تحفز تجاه الأجانب، على عكس الحال بعد قرنين، فقد كان المصريون يتوجسون من كل أوروبي ولا يثقون فيهم ويحتقرونهم، بل يعتبرون أن من يعلن إسلامه منهم إنما يفعل ذلك لؤما وحيلة ليتمكن من التجسس عليهم وجمع المعلومات والإحصاءات عن بلادهم، ولهذا فإن بيرتون نفسه اجتهد ألا يُكشف أصله الأوروبي، وادعى أصلا فارسيا وهنديا وأفغانيا لكي يُطْمَأَنَّ إليه. وفي زمن بيرتون كان قد غلب الأجانب على بعض الأحياء التي صارت أجنبية وصارت تغص بالسكارى، وكان الأجانب يتمتعون بالحماية القنصلية التي يُمكن الحصول عليها بالرشاوى وبعض التحايل ثم يُساء استخدامها فتغتصب بها الحقوق ولا يمكن للقضاء المصري أو لأي جهة استعادة الحق من متمتع بالحماية الأجنبية، ذلك أن "شعار الحماة الطبيعيين للحاصلين على الحماية هو انتهاك القانون لإرضاء غرور موظف إنجليزي تافه"، وكان الفرنسيون أقرب الأوروبيين إلى المصريين بينما الإنجليز واليونانيون والنمساويون والمالطيون هم أكثر الشعوب المكروهة والمحتقرة في مصر، وإن غُلِّف هذا كله بقشرة من المجاملات[2].

وبالرغم من الحظر الصارم للسلاح فقد كان بيرتون يحمل دائما سلاحه سواء أكان خنجرا أم مسدسا، وكان متمتعا بالحماية البريطانية، فمع أن الأجانب يتمتعون بامتيازات قانونية واسعة إلا أنه باستطاعتهم أيضا مخالفة القانون القائم، وقد ذكر أن الحكومة تحرم على الأجانب سب أهل البلاد ومع هذا قرر أنه يستطيع استعمال العنف، بل وذكر أنه كان يمكن لليوناني أن يسب بأشنع الألفاظ عجوزا مصريا إذا لمسه بعكازه لمسة غير مقصودة، وفسَّر هذا بأن "الخميرة القديمة" لا تزال كامنة في اللاشعور، إذ المصريون يعلمون نفوذ الأجانب والأجانب لا يقصرون في استعماله وإساءة استعماله[3].
سابعا: الخانات/ الوكالات/ الفنادق
وهي الأماكن المعدة لنزول المسافرين والتجار في القاهرة قبل أن يتحولوا عنها إلى غيرها في طريق سفرهم وتجارتهم، وفي كلا الرحلتيْن يبدو الإهمال واضحا في هذا المرفق، فيتحدث بيتس عن "غرف عارية ليس بها أقل أنواع الأثاث أو بها أدنى أنواعه"، وينبغي على المسافر أن يدفع خمسين بارا أول دخوله ثم بارا واحدة كل أسبوع فيقيم ما شاء أن يقيم[4].

ومثله يتحدث بيرتون عن مثل هذا من ضعف التأثيث أو انعدامه، وسوء نظافة الغرف، إلا أن الأسعار صارت مرتفعة للغاية، ودخلت فيها الأنواع المقنعة من الرشا، فقد كان مضطرا أن يدفع أجرة شهر "حلاوة المفتاح" وأجرة شهر آخر للإقامة ومبلغا ثالثا لمن يكنس المكان ويمسحه. لكن الخانات دائما تغص بالتجار والمسافرين، وفيها كل ما يحب أن يراه الرسامون من مشاهد تستثير عيونهم وريشتهم[5].

ومما يلفت النظر أن بتس يتحدث عن المساجد الداخلية في الخانات لأنها تُغلق بالليل لمن يصلي المغرب والعشاء[6]، بينما لا يأتي بيرتون على ذكر مسجد في الخان مع اهتمامه بالتفاصيل، ولا ندري هل هذا من جراء إهمال المساجد فلم تعد تُبنى في الخانات أم هو مما سها عنه بيرتون، لا سيما والخانات كانت تغلق ليلا في أيامه، فالداعي للمسجد الداخلي ما زال موجودا.
ثامنا: الشرطة
حضرت الشرطة حضورا خفيفا في رحلة بتس، في موطن رقابة قانونية عادلة على من يغشون السلع أو يبيعون خبزا ناقص الوزن، فهم يعاقبون صاحب الجريمة بالضرب بالفلقة ويصادرون خبزه، وتكون العقوبة من القسوة بحيث إذا لمحهم صاحب الجريمة ولي هاربا تاركا خبزه[7].

بينما كان للشرطة حضورها الطاغي الوافر في رحلة بيرتون، وهو أمر لا يُستغرب في مجتمع تحول إلى "الدولة الحديثة" وكُسِرت فيه الروابط القبلية والمجتمعات الوسيطة ومُنِع حمل السلاح على الناس؛ لقد كانت الشرطة –بتعبير بيرتون- تمثل عذابا في مصر لما تتسم به من التطفل، وتضاعفت عقوب الجرائم عما كانت عليه أيام المماليك خصوصا الاعتراضات السياسية ولو كانت بسيطة، ووصف بيرتون مشهدا لشرطي يسوق فلاحا لقسم الشرطة وهو يتوسل إليه ويترجاه، والنساء تهتف خلفه "يا خراشي، يا حسرتي، يا ندامتي"، وإذا أرادات السلطة جمع الناس للتجنيد فإن الشرطة تهاجم التجمعات في المساجد والأسواق فتغلق عليهم الأبواب ثم تسوقهم للتجنيد، ولذلك فإن أجواء الحرب كانت تثير الذعر في الناس وتجعلهم يخشون التجمع حتى من نوى منهم الحج لئلا يقعوا في "فخ" الشرطة، وتبلغ القسوة أن السلطة في عهد محمد علي كانت تمنع النساء من الولولة والندب خلف الرجال المختطفين للتجنيد. وروى بيرتون كيف يمكن للشرطة الليلية أن تعتقل بالشبهة والمزاج من يسير لا يحمل فانوسا مهما كانت معاذيره، وكان الضرب على القفا سلوك اعتيادي يتلقاه كل من دخل قسم الشرطة ولو كان بريئا، والناس لدى الشرطة درجات فمن كان أوروبيا لا يُحبس ومن كان أجنبيا –كالهندي أو الفارسي- متمتعا بحماية قنصلية أحسنت معاملته، بينما المصري هو المُهان المهضومة حقوقه. ومع هذه القسوة فإن تساهل الشرطة كان ممنوحا للعاهرات المتهتكات، اللواتي كن يدفعن للدولة ضرائب عالية إلى عهد قريب[8].
خاتمة

هكذا مثلت رحلات الحج سجلا تاريخيا للمجتمعات المسلمة، فلولا أن هؤلاء الرحالة قصدوا الحج ما كانت رحلاتهم قد حظيت بمثل ما حظيت به من الاهتمام، لقد نالوا قبسا من شرف المكان وشرف الشعيرة إذ توجهوا إليها، وإن اختلفت أغراضهم. وقد قال علماؤنا: اصحب أهل التقوى تنل من شرفهم فإن كلبا صحب أهل الكهف فذُكِر في كتاب الله معهم!

وعلى الجهة الأخرى فقد حظيت البلاد التي أسهمت في شرف رحلة الحج بمصادر عن تاريخها لم تحظ به تلك البلاد التي لم يسعفها حظها بهذا الشرف، وبهذا رفع الحج أقدار بلاد بقدر ما أسهمت في التوصيل إليه.

وتظل رحلة الحج تؤتي ثمارها في كل حين بإذن ربها، وتظل بابا مفتوحا للشرف ينهل منه من أراد نصيبا، فخلود الأثر والذكر بقدر الاقتراب من الشرف الخالد! وهكذا كتب الله لمكة والمدينة شرفا خالدا تمتازان به على سائر البلاد، حتى تقوم الساعة!



[1] جوزيف بتس، رحلة بتس، ص31، 34.
[2] ريتشارد بيرتون، رحلة بيرتون، ص24، 34، 50، 53 وما بعدها، 97، 98، 106، 107.
[3] ريتشارد بيرتون، رحلة بيرتون، ص30، 78.
[4] جوزيف بتس، رحلة بتس، ص33، 34.
[5] ريتشارد بيرتون، رحلة بيرتون، ص49 وما بعدها.
[6] جوزيف بتس، رحلة بتس، ص34.
[7] جوزيف بتس، رحلة بتس، ص39.
[8] ريتشارد بيرتون، رحلة بيرتون، ص16، 30، 76، 77، 82، 103 وما بعدها.

الأحد، أغسطس 12، 2018

في مسألة الليرة التركية: بعض أمور غائبة



1. بداية يجب علي أن أعترف بأن أمر الاقتصاد هذا مما أشعر أنه لم يُيَسَّر لي رغم بذلي المجهود في فهمه واستيعابه، وإني أقرأ فيه منذ أكثر من عشرين سنة، ودرست فيه دبلوما مهنيا مكثفا ومطولا وتخرجت فيه بامتياز، ثم إني أدرس ماجستير الاقتصاد الإسلامي وحصلت في فصله الدراسي على المركز الأول.. كان يجب علي قول هذا لكي يُعامل الكلام الآتي بعده في ضوء هذه المقدمة.

2. من نافلة القول أن الاقتصاد مرتبط بالسياسة، وأن الاقتصاد أداة من أدوات السياسة.. وعبر التاريخ كانت القوة السياسية تتحكم بالقوة الاقتصادية، وكانت القوة الاقتصادية تعرف أنها خادم للقوة السياسية.. حتى بدأ الحال يختلف مع عصر النهضة الأوروبية.

3. باختصار شديد جدا، كان نمو القوة الأوروبية مع ضعف الممالك الإسلامية مع تقدم علم صناعة السفن وتقدم علم الخرائط قد أنتج وضعا جديدا خلاصته: يمكن أن نرسل سفينة محملة بالبضائع ومعها جنود أيضا في رحلات بعيدة مع احتمال أن تعود سالمة ببضائع جديدة ومكاسب وفيرة.. هذه المكاسب الوفيرة مع قلة المخاطر بتقدم صناعة السفن وعلم الخرائط أغرت العقول التجارية والأموال.. فخاضوا المغامرة واستطاعوا تحقيق مكاسب هائلة.

4. أهم أسباب المكاسب الهائلة:

- أنهم استطاعوا الحصول على البضائع من بلادها الأصلية دون مرور بحركة التجارة الوسيطة

- أن السفن حين كانت تجد البلاد ضعيفة فإنها كانت تحتلها وتغتصب مواردها بلا مقابل، أو بتعبير كريس براون "كانت السفن تجوب البحار للتجارة إن وجدت قوة وللقرضنة إن وجدت ضعفا"

- أن كثيرا من البلاد لم تكن تعلم أن لديها موارد مهمة لآخرين أو أن مواردها مهمة، كما هو الحال في الأمريكتين.

5. أنتجت هذه المكاسب طبقة تجارية ذات رؤوس أموال، ومع النمو المستمر فيها، بدأت هذه الطبقة تسعى لموقع سياسي لها بين عناصر النظام القديم: الملكية والكنيسة والإقطاع.. ومن يعتنقون مدرسة التفسير المادي للتاريخ يرون كل التاريخ الأوروبي هو نتيجة صعود هذه الطبقة (البورجوازية) وصراعها مع النظام القديم (الثورات المتعددة).

6. لا يهمنا من هذا الكلام كله إلا ما حصل في بلادنا منذ مائتي سنة فقط.. وهو دخول بلادنا وأمتنا ضمن "الاقتصاد العالمي".. لقد تطور التاريخ الأوروبي بما أنتج إمبراطوريات استعمارية تستعمل قوتها الحربية في احتلال البلاد البعيدة من إندونيسيا شرقا وحتى القارتين الكبيرتين (الأمريكتين) غربا.. وتمتص كل هذه الموارد لتتضخم ويزيد تضخمها وتدخله في منظومة تجعلها أقوى وأقدر على احتلال وضم المزيد من البلاد.

ومن يعتنقون مدرسة التفسير القومي للتاريخ يرون كل تاريخ السلام الأوروبي لم يكن ليوجد بينهم لولا أن أوروبا اكتشفت "أقواما" آخرين وبلادا أخرى فقرروا نقل صراعهم من بلادهم إلى بلاد الأقوام الآخرين.. أولئك الأقوام الآخرين هم الذين لما اكتشفتهم أوروبا اكتشفت أنها يمكن أن تكون "قوما" ذات شخصية وهوية جديدة.

7. كانت هذه البلاد الأخرى هي بلادنا في أغلب الأحوال، لأن أمتنا تمددت من إندونيسيا حتى الأندلس مع أعمق آسيوية وإفريقية وأوروبية تجعل أية حركة في العالم.. وفي رأي كثيرين فإن تغير الاحتلال الأوروبي من احتلال إفناء وإبادة واستئصال (كما في الأندلس والأمريكتين وعصر استعباد الافارقة) إلى احتلال هيمنة وسيطرة وإقامة أنظمة تواليها في بلادنا، إنما يرجع هذا إلى هذه الضرورة الاقتصادية.

فالعداء الحضاري -في العقلية الأوروبية- يستلزم الإفناء والإبادة والإنهاء.. بينما لما دخل الدافع الاقتصادي على هذه العقلية جعلها تفكر في الشعوب الأخرى كعبيد وخدم وطبقة لا بد منها لتستمر النهضة الزراعية والصناعية.. فهنا كان الأمثل بالنسبة لهم أن يحتلوا بلادنا ويجعلوننا عبيدا وخدما نستخرج لهم الموارد ونبيعها لهم ونعمل في مصانعهم ومزارعهم..

ثم في النهاية نشتري منهم منتجاتهم لتستمر النهضة التجارية فنكون بالنسبة لهم كأسواق تحافظ على بقاء نظامهم في بلادهم.. فلو أنهم أبادونا وأفنونا (وهم بميزان القوى العسكرية قادرون) فلن يجدوا عبيدا، ولن يجدوا أسواقا، وبالتالي ستشتعل الحروب بينهم هم أنفسهم.. فمن الخير لهم أن نبقى، وتبقى الأمم الأخرى.. تبقى كعبيد وكخدم وكأسواق تحافظ على استمرار دورة نهوضهم.

8. هذه الحكومات التي أنشأها الاستعمار في بلادنا سواء بالاستعمار المباشر (كما فعل الفرنسيون والإنجليز وغيرهم) أو غير المباشر كما في تركيا والسعودية والأردن وحكومات ما بعد الاستعمار في بقية البلدان.. هذه الحكومات هي التي كسرت استقلال بلادنا الاقتصادي وأدخلتنا في منظومة "الاقتصاد العالمي".. فصارت بلادنا خدما لهذه المنظومة

9. سأضرب مثالا مختصرا للغاية بالحالة المصرية.. كان الفلاحون في مصر ينتجون ما يستطيعون بيعه في السوق المصرية، فيزرعون البقول والفاكهة والخضروات وغيرها.. وهناك من يزرعون المنتجات التي ستصدر للخارج بعد أن تكتفي منها السوق المصرية بطبيعة الحال!

لما جاء محمد علي باشا قرر أن يصنع "الدولة الحديثة" في مصر، أو بمعنى أوضح: أن يكون الزارع الوحيد والصانع الوحيد والتاجر الوحيد (وهو تعبير الشيخ محمد عبده الذي هو أوضح وأدق مليون مرة من تعبير الدولة الحديثة الغامض والمائع والموهم والمضلل).. فقرر أن تزرع البلاد القطن.. لماذا؟ لأن هذا سيحقق مكاسب وفيرة ببيعه للسوق العالمي..

عند هذه اللحظة ارتبط الاقتصاد المصري بالسوق العالمي، صارت البلد تزرع القطن لا لأن مصر تحتاجه بل لأن هذه هي رغبة وحاجة السوق العالمي، وقد أتى هذا بالسلب على مساحات المزروعات الأخرى الأساسية كالبقول والخضروات والزيت ونحوه.. لكن السوق العالمي يرد على مثل هذه الحالة بأنه يمكنك استيرادها من دولة أخرى تنتج البقول والخضروات والزيت.

هنا حصل التحول، من أمة تكفي نفسها ثم تصدر الفائض عنها لغيرها، إلى دولة عضو في تجارة عالمية.. فأي أزمة تقع في مكان ما خلف البحار يمكن أن تؤثر فيها وتسبب لها أزمة عنيفة..

إذا أضفت إلى هذا الوضع الاستبداد والتغول الأوروبي فالوضع ينتج أن مزارعي مصر هم على الحقيقة عبيد وخدم للقوى العالمية.. أي أنه لم يعد عليهم أن يشبعوا طمع وجشع المستبدين المحليين (المماليك مثلا) بل والمستبدين العالميين (أباطرة المال والأعمال في المنظومة العالمية).

10. هنا لم يعد الاقتصاد المحلي خادما للحاكم المحلي.. لقد صار الحاكم المحلي والاقتصاد المحلي جزءا من صورة أكبر ومنظومة أكبر، هي المنظومة العالمية.. لذلك كان طبيعيا للغاية أن ترى تجارا أجانب لهم امتيازات هائلة في بلاد المسلمين، ولديهم القدرة على مضادة ومقاومة الحاكم المحلي حتى لو كان الخليفة العثماني نفسه.. لقد صار للاقتصاد العالمي ممثلون ومندوبون في البلاد التي لا تقع بالضرورة تحت حكمه العسكري.. ولهذا تكرر في تاريخنا الحديث ظاهرة وجود مستعمرة ولو لم يوجد الاستعمار (والتعبير للمؤرخ جوان كول)

11. النظام العالمي ربوي.. ويقوم في أساسه على الربا، والربا ببساطة شديدة هو أن المال ينمو ويتكاثر بنفسه.. وهذا ضد النظام الإسلامي الذي يجعل الربا من أكبر الكبائر فالمال في النظام الإسلامي مجرد تعبير وتمثيل وصورة عن الإنتاج لأنه مجرد وسيط للتبادل.. فعلى قدر ما في البلد من إنتاج على قدر ما سيكون فيها من المال..

بينما النظام الاقتصادي الربوي يجعل المال نفسه بضاعة، أي أنه ينمو بنفسه، يمكن المتاجرة فيه.. فالذي يُقرض عشرة دراهم ليأخذها فيما بعد خمسة عشر فهو هنا قد تاجر في المال نفسه كأنه بضاعة نَمَتْ وتكاثرت.. في حين أن الإنتاج لم يزدد في هذا البلد.

هذا النظام ينتج بطبيعته التضخم وارتفاع الأسعار المستمر، لأن نمو الأرقام مستمر بينما ليس بالضرورة أن ينمو معه الإنتاج.. وهذا النظام هو بطبيعته يؤول في النهاية لمصلحة أصحاب الأموال ضد الفقراء، ولمصلحة المغامرين والأذكياء ضد من لا يتمتعون بمواهب المغامرة والذكاء..

ولو أتيح لي تلخيص الاقتصاد الإسلامي فهو أنه ضد أي معاملة ليس فيها نفس القدر من المخاطرة بين الطرفين، بمعنى أنه لا يكاد يجوز في فقه المعاملات معاملة تضمن الربح لطرف على حساب طرف.. بينما هذا الوضع هو أساس النظام الاقتصادي الربوي المعاصر.

12. حيث أن المال نفسه منفصل عن الإنتاج وعن الثروة، ويمكن المتاجرة فيه.. وحيث أن الوضع السياسي والعسكري آل في النهاية إلى الرأسمالية التي تقودها أمريكا، فمن هاهنا كانت أمريكا هي راعية النظام الاقتصادي العالمي.. فهي تحكم به كما تحكم بالسلاح، وتستخدمه لتنمية مواردها لتزيد به أسلحتها لتستخدمها في جلب موارد جديدة.. دائرة كلما تضخمت في أمريكا كلما دهست مسحوقين في البلاد الأخرى.

ما قد يتفاجأ له كثيرون أن لهذا النظام العالمي مندوب في كل دولة، اسمه "رئيس البنك المركزي".. البنك المركزي الذي هو بنك البنوك في كل دولة.. رئيس البنك المركزي هذا شخصية مستقلة لا يمكن لرئيس الجمهورية أن يعزله.. بل ويستطيع رئيس البنك المركزي أن يعمل ضد سياسة الرئيس والحكومة الاقتصادية..

لا يظهر هذا كثيرا في العالم لظروف الانسجام بين السياسة والاقتصاد في الدول عادة.. لكنه يظهر في الدول التي تريد الخروج من الهيمنة.. ومن كان متابعا للوضع في تركيا فهو لا شك يتسرب له منذ أعوام أنباء الخلاف العلني بين أردوغان ورئيس البنك المركزي.

13. ما تراه في عالم السياسة من حروب دموية تترك القتلى والجرحى والمشوهين والمُقَطَّعين هو نفسه يجري في عالم الاقتصاد.. لكن الفضائيات لا تلتقطه ولا تتابعه، من أهم أسباب هذا أن النظام العالمي (الحضارة الغربية) استطاعت أن تجعل المنظومة الاقتصادية كأنها حقيقة كونية.. كأنها من طبائع الأشياء.. شيء مثل شروق الشمس وغروبها، أمر لا يُدان ولا تجدي مصادمته والتمرد عليه..

فمن الطبيعي أن تنشأ الشركات، وتنمو، وتتضخم، وتعمل وفق السوق، تسعى لتضخيم المكاسب، لإنقاص الخسائر، تستغل ثغرات القوانين، تخفض العمال، تزيد الآلات.. منطق الربح والخسارة نفسه هو منطق يبدو طبيعيا مهما تخلى عن الإنسانية والرحمة ومصلحة الناس.. لا بأس إطلاقا أن يكون بين الناس من ثروته ملايين أضعاف آخرين.. أن يكون في العالم 10% يمتلكون 90% من ثروته..

تبدو هذه الأمور طبيعية ومفروغ منها.. لهذا لا تلتقط الفضائيات ملايين المسحوقين المدهوسين تحت عجلة المكسب والخسارة.. فلو أنهم أذكياء لصعدوا في سلم المكسب والخسارة.. وقانون العالم لا يرحم المغفلين والبلهاء والكسالى والخاملين.. بل تلك عقوبة خمولهم وكسلهم (هكذا يقولون.. لتبدو الأمور من طبائع الأشياء وحقائق الكون).

14. أحد الآثار المترتبة على ما سبق أن يخرج رئيس أمريكا يوما ليقول: نحن سنطبع الدولار بلا غطاء، ولكن قيمته ستظل كما هي لأن أمريكا دولة قوية.. هذا ما يُعرف بـ "صدمة نيكسون".. والعالم كله يخضع لهذه الصدمة التي سرقت منهم ثرواتهم وستسرق منهم ثرواتهم ومواردهم ومجهوداتهم مقابل أوراق خضراء مطبوعة.

وهكذا يصير الدولار مطلوبا مرغوبا مسنودا بقوة السياسة والسلاح والصناعة ولو كان مجرد ورقة خضراء.. بينما يمكن ببساطة أن تنهار عملة أخرى فجأة رغم أن الإنتاج لا ينهار ولا يتراجع لأن المنظومة الاقتصادية العالمية تتعامل مع هذه "الأوراق المالية" في سوق ضخم يجعل لها قيمة في نفسها، وليست مجرد تعبير عن الإنتاج.

15. أمريكا تفرض النظام الرأسمالي على الجميع، وذلك لأنها تتحكم فيه، ولأنه يؤول إليها ويقويها.. وصنعت لأجل هذا منظمات عالمية تتحكم في رسم السياسات الاقتصادية للدول الأخرى، لكي تبقيها دائما ضمن سجن التحكم الكامل والامتصاص الكامل.. (ولا بأس أن نحيل هنا لكتاب: الاغتيال الاقتصادي للأمم للخبير الاقتصادي جون بركينز.. فهو يشرح طرفا من هذا عن تجربته الشخصية).. وهذا فضلا عن عدد من الاتفاقيات الدولية التي تجعل الدولة التي لا توقع عليها في حال عزلة اقتصادية على الحقيقة.

ومن هاهنا فإن كل سعي لتولي الحكم في دولة نامية يجب أن يقدم أهله للأمريكان ضمانات قاطعة بأنهم يعتنقون الرأسمالية الأمريكية وسيطبقونها.. هكذا فعل الجميع، بمن فيهم الإسلاميون.. وبمن فيهم أردوغان طبعا.

16. أردوغان اتخذ طريق المناورة في ظرف عالمي يسمح بمثل هذا (وقد فصَّلت الكتابة فيه سابقا) ولم يزل منذ 16 عاما في صراع مع أهم مراكز النفوذ: العسكرية والأمنية.. إلى هذه اللحظة يبدو ناجحا، فيما تُوِّج بفشل الانقلاب الماضي في يوليو 2016..

وهذه النجاحات التي حققها في الاقتصاد هي نجاحات ضمن منظومة الاقتصاد العالمي نفسه.. وسيظل اقتصادا ناجحا بالأرقام ما دامت المنظومة نفسها مستمرة، والتي من أهم ملامحها: توفير بيئة استثمارية قوية تجذب الأموال وتقيم الصناعات وتزيد التجارة الخارجية (وطبعا فرص العمل الداخلية) وترفع الدخل وتستثمر الموارد الذاتية وتبحث عن الفرص ... إلخ!

لكن الزعيم الوطني ذي الهوى الإسلامي (والذي هو أصلا اقتصادي، وخريج كلية الاقتصاد) يعرف في النهاية أن المستفيد الأكبر من هذا النجاح هو المنظومة العالمية وحيتانها الكبار.. وأن مضادة هذا النظام لا بد أن يبدأ من تخفيض الفائدة الربوية حتى إنهائها ليعتدل توزيع المال والثروة.

هذه هي النقطة الحساسة التي أثارت الحيتان الكبار من الطبقة الاقتصادية التركية المتغربة، ومن الطبقة الاقتصادية المرتبطة بالغرب.. وعندها لا بد أن تبدأ الحرب ولو تعرضوا هم أنفسهم للخسائر تماما كما كان رجال الأعمال في مصر على استعداد للخسارة الكبرى الاقتصادية مقابل إسقاط مرسي.. لأن مرسي -ولو كان نظيفا وفي منظومة اقتصادية رأسمالية لا يفكر في تهديدها، فإنه بمجرد غلق منافذ فساد فإنه يضربهم في مقتل- يهدد المنظومة نفسها.. وهكذا، لا بأس عند كثيرين من رجال الأعمال أن يخسروا كثيرا مقابل بقاء المنظومة التي لو استمرت فستعيد لهم أموالهم أضعافا مضاعفة.. ولو من دماء المسحوقين.. فأكل أموال الناس أهون عندهم من إنشاء منظومة عادلة بطبيعة الحال.

17. أردوغان يدرك هذا كما يدركه أصغر طالب اقتصاد.. والصراع صراع عقول وخطوات ومحاولة تغيير هذه المنظومة بأقل قدر من الخسائر.. تركيا قوية اقتصاديا  لكن هذه القوة مرهونة في جانب منها للأجانب، خصوصا في أمرين:

الأول: العملة النقدية التي تخضع لسوق الأوراق المالية في العرض والطلب
الثاني: المستثمرون ذي الهوى الغربي من الأتراك، أو الغربيون أنفسهم

في الأمر الأول تجري المضاربة على العملة في هذه الأسواق لتفقد قيمتها.. أرجوك لا تنسى أن العملة في نفسها في ظل المنظومة الاقتصادية هي بذاتها بضاعة يُتاجر فيها.. فحين يركد سوقها ويقل عليها الطلب فإنها تنخفض قيمتها.. هذه العملية لا تمس الإنتاج لا بالزيادة ولا بالسلب ولكنها تضعف قيمة العملة. (في بعض الأحيان يمكن للدولة نفسها الاستفادة من نقصان قيمة عملتها لترويج بضائعها التي ستكون أرخص أو سياحتها التي ستكون أرخص... إلخ)

وفي الأمر الثاني تهرب رؤوس الأموال وتحول ثرواتها إلى العملة الأجنبية فيزداد الطلب على العملة الأجنبية كما يقل الطلب على العملة المحلية.

وأرجوك تذكر أن هذه العملة الأجنبية التي يزداد الطلب عليها هي الدولار الذي هو بلا قيمة، مجرد ورقة مطبوعة كما يعرف العالم كله.. إلا أن قوته مستمدة من قوة السلاح والسياسة التي تجعله مخزنا للقيمة والثروة وبه تشتري الموارد والمجهود.

أي أن انهيار الليرة لا يساوي بحال ضعف الإنتاج التركي .. كما أن صعود الدولار لا يعني بحال زيادة الإنتاج الأمريكي.. إنما هي معركة قوة والاقتصاد جزء منها.

18. الحلول التي يطرحها الاقتصاديون المعاصرون هي في عمومها حلول من نفس بيئة المنظومة الاقتصادية الربوية.. فهي في أحسن أحوالها حلول تسكينية وهي في أغلب أحوالها حلول لإعادة البلاد إلى المنظومة الاقتصادية نفسها.. التي هي احتلال حقيقي.

وكنت ذكرت في منشور منذ فترة أن هناك ما أسميه "المثلث الحضاري" وهو: المال، العلم، السلاح.. وأن الأمم تبقى قوية ما كان كل ضلع منها يخدم الآخريْن، فإن اختل واحد منها بدأت الأمة في الانحلال والوقوع تحت الاحتلال.

والمقصود هنا أن الحلول الاقتصادية للأزمة التركية الحالية لا تكون بحال اقتصادية.. بل الواقع أنه بقدر ما يستطيع السلاح التركي الحفاظ على استقلال البلد بقدر ما تستطيع أن تنجو من هذه الأزمة ومما وراءها.. وبقدر ما سيستطيع العِلْم التركي اختراع أسلحة دفاعية وهجومية وإحسان استثمار الموارد وتنميتها بقدر ما تستطيع تركيا أن تنجو من هذه الأزمة.

محاولة المساس بالنظام الاقتصادي العالمي لا بد أن يسبب حربا في نهاية المطاف.. لكن الطرف الأضعف سيحاول تأجيلها (تركيا) كما سيحاول الطرف الأقوى الاستباق بها (أمريكا) لإخماد هذه المحاولة.

19. وفي الحروب لا بد من استثارة الهوية والروح الدينية والقومية، وهو ما يفعله أردوغان الآن.. لأن الحقيقة أن نقطة ضعف هذا النظام الاقتصادي العالمي هو أنه في حاجة دائمة لأسواق ومستهلكين.. والاستقلال يبدأ من أمور بسيطة كالمقاطعة والزهد والاكتفاء بالضروري دون الكمالي والترفيهي والإقبال على المنتج المحلي.

وفي هذا الوضع لابد من أن يتأثر كثيرون سلبا، أولئك الكثيرون هم الذين ارتبطوا بشكل ما بالمنتجات الغربية، وهؤلاء لا يمكن أن يكونوا جزءا من معركة الاستقلال لو لم يضحوا بمصالحهم الآنية لصالح استقلالهم وروحهم الدينية والقومية والحضارية..

بقدر ما سيُجَيَّش الناس للحرب، وبقدر ما سيستعدون للتضحية، وبقدر ما سيبذلون من المجهود العلمي والنفسي للصمود في الحرب الحقيقة القادمة بقدر ما ينتصرون..

والأهم، بقدر ما ستحقق دولة ما اكتفاءها الذاتي بقدر ما تنخلع من منظومة الاقتصاد العالمية.. وهذا أمر لا يتحقق بغير مجهود هائل من الدعاية والإقناع واستثارة هذه المشاعر الحضارية ومعاني العزة والكرامة.

20. ومن نافلة القول أيضا أن هذه ليست معركة تركيا، بل هي معركة الأمة الإسلامية كلها.. وأنها أيضا من المعارك التي تقسم الناس إلى فسطاطين: مع الأمة أو ضدها.. والمشهد واضح منذ ثورات الربيع العربي، الطرف الذي مع الأمة واضح، والطرف الذي ضدها واضح.