الأحد، يناير 22، 2023

ماذا نفعل ردًّا على حرق المصحف؟


نحن الآن في عالم احتكرت فيه الدولة عناصر القوة، وصارت الشعوب بمثابة الأسرى لدى السلطة، وهذا هو حال الناس في الشرق والغرب، والفارق بين حريات الناس في بلادهم هو كالفارق بين أنواع السجون ومدى حصول بعض المساجين على حقوق أحسن من بعض.

أبدأ بهذا التقرير لأني أحتاجه في موضوع حرق المصحف الذي جرى في السويد اليوم..

الشعوب في زماننا هذا لا تكاد تستطيع أن تفعل شيئا، وآخر ما تستطيعه الشعوب أن تتحدث على مواقع التواصل الاجتماعي، أو أن تنفذ حملات مقاطعة لمنتجات دولة ما، فأما ما فوق ذلك فلا بد فيه من استئذان السلطة والحصول على موافقتها.

بل حتى الحديث على مواقع التواصل الاجتماعي وتنفيذ حملات مقاطعة يكون محفوفا بالمخاطر إن كان ذلك على غير رغبة السلطة القائمة، وقد يودي بصاحبه إلى السجن أو الموت، بحسب شراسة هذه السلطة وطبيعة تعاملها مع شعبها.

حاول أن تتذكر، كم مرة (حتى في الغرب الذي تحسب أنه متمتع بالحريات) استطاعت المظاهرات مهما كانت مليونية وحاشدة أن تؤثر على قرار الدولة السياسي؟

من هو في مثل سني الآن يتذكر المظاهرات المليونية التي اندلعت في أوروبا اعتراضا على حرب العراق، فكان ماذا؟.. رجعت المظاهرات إلى البيوت، وذهبت الجيوش إلى العراق، وكانت أحسن نتيجة أن خرج رئيس الوزراء البريطاني توني بلير ليقول: آسف!!

هذه هي أحسن نتيجة.. هناك من المظاهرات ما لم يؤدِ إلى شيء على الإطلاق، ليس أولها "احتلوا وول سترتيب" ولا آخرها "السترات الصفراء"

لا أود أن أطيل في هذا الموضوع.. الخلاصة أن هذا العالم الذي نعيش فيه، وهذا النظام العالمي الذي وِحدة بنائه "الدولة الحديثة"، وطبيعة عملها "المراقبة والمعاقبة" (بتعبير فوكو) والسيطرة والهيمنة.. هذا النظام قد وظَّف كل التقنية بل وكل الأفكار لتكون القوة محتكرة في يد السلطة، وتكون الشعوب بمثابة المساجين والأسرى.

حتى هذا المتطرف السويدي، لما أراد أن يحرق القرآن ذهب فأخذ تصريحا بذلك من السلطة!

ثم وفرت له السلطة أدواتها في الحرق، وأهمها: قوة الحراسة! ليمارس "حريته" في حراسة الشرطة!!

وهذه السلطة لم تكن لتوافق على هذا العمل إلا وهي تستشعر عمليا أنه لا خطر أبدا من "أنظمة" العالم الإسلامي.. فآخر ما ستفعله الشعوب -كما قلنا- التنفيس عن غضبها بالحديث في مواقع التواصل أو تدشين حملة لمقاطعة منتجات السويد! لا أكثر من هذا!

وأقصى ما ستفعله الأنظمة أن تصدر بيان إدانة أو تسحب سفيرا.. وهذا كله ليس بالثمن المؤلم ولا بالعقوبة المخيفة التي تخشى حكومة السويد منها.

فإذا خرج "متطرف" مسلم، فاستطاع النيل من هذا الذي أحرق المصحف، أو خرجت مظاهرات من المسلمين لتخرب -مثلا- في السويد .. فحينئذ ستستعمل السويد قوتها في القبض على هؤلاء المسلمين داخلها (مما قد لا يعرفه الكثيرون أن كثيرين من المسلمين في السويد محبوسون الآن في تهم اعتراض على حرق مصحف، منذ العام الماضي على الأقل).

فإذا خرجت مظاهرات في الدول الإسلامية لتهاجم سفارة السويد أو مبعوثيها أو استثماراتها، فإن هذه الدول ذاتها ستتولى من خلال شرطتها وجيشها ونظامها القانوني تأديب هؤلاء المسلمين ووضعهم في السجون، أو ربما قتلتهم أيضا! وسيتفق الجميع ساعتها على وصفهم بالمتطرفين والإرهابيين... إلخ!

وهكذا فإن حرق المصحف هو في حقيقته عمل سياسي سلطوي قام به النظام في السويد، والمقصود به إذلال أنظمة "إسلامية" في المقام الأول.. فكلا من الفاعل والمفعول به نظام سياسي يحتكر التصرف.

وما دامت حركة الأنظمة لن تبلغ مرحلة إعلان الحرب أو قطع العلاقات أو تجميد الصفقات ومراجعة الاتفاقيات أو منع استيراد المنتجات أو طرد البعثات وتصفية الاستثمارات وحث الجاليات على العودة.. ما دامت حركة الأنظمة لن تبلغ شيئا من هذه التصرفات المؤثرة فلا إشكال.. لنحرق المصحف.

ولهذا.. يجب أن نفهم الآتي: إن المعركة الحقيقية التي تؤثر على مستقبلنا كأمة، هي معركة استرداد هذه الأنظمة، هي معركة قدرتنا على إنتاج أنظمة تعبر عنا، نحن الذين نختارها، أنظمة تفرزها الشعوب لا يصنعها الاحتلال.. هذا هو الحل الوحيد الذي سيجعل لنا قدرة على التأثير في مثل هذه المواقف في قابل الأيام.

ما لم نفهم هذا، وما لم نخض هذه المعركة، فكل ما نفعله في مواقف كهذه هو مجرد هوامش!

هل معنى هذا أن نتوقف عن الحديث على مواقع التواصل أو إصدار البيانات أو إقامة الفعاليات؟

الإجابة: لا.. بل نفعل كل ما هو ممكن، من أول الحديث على مواقع التواصل فما فوقه.. أنا هنا (بوضوح شديد) أقدم دعمي لكل فعالية مهما كانت في فضح وتقبيح وإدانة ما حصل..

ولكن، ولكن، ولكن.. يجب أن نفهم أن كل هذه الأمور هي بمثابة المسكنات والمخدرات والدهانات الوقتية التي لا تعالج شيئا ولا تغير شيئا.. وغاية ما فيها أنها تعطينا بعض الوقت والفرصة لنعرف بعضنا وننتقي العناصر الصالحة للعمل وتمكننا من جس نبض الأمة ومن إيقاظها.

يوم أن كنا دولة قوية كان الذين يرغبون في سب سيدنا محمد يتخوفون وهم في قلب عواصمهم الغربية، وكانت مجرد رسالة تهديد من أمير أو سلطان تكفي لوقف العمل القبيح وإخماده في مهده!!

معركتنا في بلادنا.. وكل الخيوط، كل الخيوط، تنتهي إلى هذه الأنظمة الحاكمة التي تسيطر علينا فتقيدنا وتكبلنا وتحدد لنا سقف حركتنا، وهي ذاتها التي تُمكّن لعدونا وتغريه بافتراسنا وتمزيقنا وإهانتنا!

الجمعة، يناير 13، 2023

رحلة الأسير المظلوم في ظلال السنة النبوية

 


 لكم وددت أن تكون كتابتي عن مذكرات الشيخ صالح الشامي في حالٍ أحسن من هذا!

إنني أكتب الآن في ظل خبر اعتقاله -المنشور بالأمس- على يد السلطات السعودية، مما يجعل الكلام مصبوغا بحالته، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

 ما أشد الشبه بين حياة الشيخ وبين هذا الكتاب!!

 تأمل هذا:

 جاءه سؤال من ابن أخيه يطلب منه كتابة عمله في مشروع "تقريب السنة النبوية".. فتدفق منه هذا الكتاب، الذي أجاب فيه على السؤال، ثم استطرد ليذكر بقية مؤلفاته خارج مشروع "تقريب السنة" وظروف كتابتها ونبذة عنها، ثم ختم الكتاب بموجز مختصر للغاية من سيرته الذاتية.

 يتشابه حاله في الكتاب إذن مع حاله في مشروع حياته، ذلك المشروع الذي انهمر وانبثق من سؤال طُرح عليه يوما عن حديثٍ ما، فقال: أظنه حديث ضعيف. ثم بحث عنه فتبين له أن الحديث في الصحيحيْن، فعزم أن يرفع عن نفسه هذه الجهالة، فأنجز هذا المشروع الهائل في تقريب السنة النبوية التي خدم فيها أربعة عشر كتابا عليها مدار السنة كلها.

 وانظر.. هذه مشابهة أخرى مثيرة للدهشة والأسى معا..

 لما قدم الشيخ إلى السعودية، فارًّا بدينه من نظام البعث السوري، كان يعاني من نظرات الطلاب وبعض المشايخ له، يرونه مجرد مدرس متعاقد قادم ليتكسب، ثم هو قد جاء من الشام، فهو إن لم يكن علمانيا كان أشعريا، وإن لم يكن بعثيا لم يكن متدينا.. ومن ثَمَّ فهو مشكوك في عقيدته، وهو إنما يمارس التدين لأن الجو العام في السعودية جوٌّ متدين، فتظاهره بالتدين هو بعض وسيلته لكسب رزقه!

 هذه المرارة التي استشعرها الشيخ من طلابه وبعض رؤسائه أول قدومه إلى السعودية، ما كان له ولا لتلاميذه ولا لأحد في ذلك الزمن أن يتصور في أبعد آفاق خياله، أن الزمان سيدور ليُعتقل الشيخ في السعودية نفسها بعد أن تحولت من "شدة التمسك" بالسنة بل الغلو في تصنيف الناس على وفق فهمهم لها، إلى مطاردة الدين وأهله واستيراد أفسق الناس ليفسدوا فيها!

 إنك إن قرأتَ الكتاب وما فيه من عمل جليل في التأليف والتهذيب والترتيب، توقعت أن تكون نهايته بقائمة الجوائز والشهادات والتقديرات التي تُمْنَح لمثله، ما يكاد يخطر بالبال أن تكون الخاتمة هي الاعتقال!!

 الشيخ صالح الشامي خريج كلية الشريعة في سوريا، ولكن الظروف التي صنعها الاستعمار ووكلاؤه من بعده، دفعت كثيرين إلى التماس علم آخر يؤهلهم لحياة طبيعية، فكثيرا ما لجأ دارس الشريعة إلى دراسة أخرى ليحسن وضعه في الحياة.. كان الشيخ من هؤلاء!

 ثم إن للشيخ هواية في الهندسة، وعمل بها زمنا قبل أن يخرج من بلده إلى السعودية، وهذه الهواية في الهندسة كان لها تأثير عظيم على مشروع تقريب السنة! وما في ذلك من عجب، وقد قال شيخ المؤرخين وحكيم الطائفة ابن خلدون: إن الهندسة تورث استقامة في العقل!

 ستظهر استقامة العقل في مشروع تقريب السنة!

 إن الطريقة المنظمة التي سلكها الشيخ في الجمع بين الصحيحيْن، مثَّلت أساسا واضحا ومتينا يضاف عليه عمله في بقية الكتب الأربعة عشر!

 لم يكن المشروع في أوله مكتملا في ذهن الشيخ، ولكنه حين نَظَّم طريقة جمع الصحيحيْن، صار الأمر أسهل في جمعه لزوائد السنن الأربعة، ثم في إضافة زوائد الكتب الثلاثة: الموطأ والمسند والدارمي، ليتم له مشروع جمع الكتب التسعة.. ثم صار من السهل بعد ذلك إتمام الكتب الخمسة الأخرى: ابن خزيمة وابن حبان والمستدرك وسنن البيهقي وأحاديث الضياء.

 وكلمة "السهل" هنا لا تعني أن العمل كان سهلا في نفسه، بل العمل لا يخلو من الدقة والإرهاق والمتابعة المضنية، لكن السهولة المقصودة فيه هو في الطريقة التي يَسَّرت إنجاز العمل، لأن البناء الأول في طريقة الجمع بين الصحيحيْن كانت منظمة.

 ولذلك أمكنه دائما أن يخدم الكتاب تحقيقا وتهذيبا واختصارا وجمعا وانتقاءا وترتيبا دون أن يبذل المجهود من أوله.. ومن هنا كانت ثمرات مشروعه متنوعة تخدم المسلم البسيط وحتى المختص بعلم الحديث

 فالمسلم البسيط الذي يريد أن يكتفي بالحد الأدنى من معرفة السنة سيرى نفسه أمام كتابي "الوافي من الصحيحين" و"الوجيز".. فإذا أراد الارتقاء منزلة أخرى وجد نفسه محتاجا إلى "الجمع بين الصحيحين" ثم "معالم السنة النبوية".. وهكذا حتى يصل المتخصص إلى كتاب "أصول الكتب التسعة"!

 ولا ريب أن من عاش مع السنة دهرا كثيرا جنى من ثمراتها، فمن الثمرات التي وقعت للشيخ صالح الشامي مشاريعه الأخرى المتعلقة بالسيرة وكتبه فيها، وتحقيقاته لبعض الكتب كالجامع بين الصحيحين للإشبيلي وخدمته لكتاب مشارق الأنوار للقاضي عياض، وكتاب المواهب اللدنية للقسطلاني وشرحه للزرقاني.

 ومن عاش مع السنة عاش مع أهلها وخُدَّامها، وقد أمطرت هذه السحائب المباركة في سلسلة من تقريب تراث ابن القيم، ومن خدمة كتب أخرى كحلية الأولياء للأصفهاني وإحياء علوم الدين للغزالي، وسلسلة أخرى من مواعظ الصحابة والتابعين.

 نعم، إن بعض هذه المشاريع صدرت قبل بدء مشروع تقريب السنة، ولبعضها بواعث مختلفة، لكنها مشاريع تتصل دائما بالسنة وأهلها، فمن لم يكن من ثمرات مشروع السنة، كان من بذوره وجذوره وممهداته.

 والناظر في تراث الشيخ يرى رجلا متواضعا، عمليا، منبعثا إلى العمل، وإلى خدمة المعاني والمقاصد والغايات، فهو مهموم بتكوين صورة السنة ومعانيها في عقول الجمهور على اختلاف مراتبهم، وهكذا دأبه حتى في كتبه الأخرى، يؤلف الكتاب بقصد توضيح ملامح الموضوع، أو تقريب أصول الدين وتيسيرها.

 فك الله أسر الشيخ، وأنعم على المسلمين بأمر رشد يعز فيه أهل طاعته، ويؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وينزل الناس منازلهم.

الثلاثاء، يناير 10، 2023

رحلة في حديث: وجعل رزقي تحت ظل رمحي

 

دردشة ليلية..

 أتذكر ذلك اليوم الذي قرأت فيه لأول مرة حديث "وجُعِل رزقي تحت ظل رمحي"، وأتذكر أني لم أفهمه جيدا.. لكن أول مصدر قرأت فيه شرحا لهذا الحديث كان لأحد الفقهاء الفضلاء الذي استفرغ جهده في الإبانة عن أن هذا الحديث ضعيف، وأنه مخالف لروح الإسلام ومقاصده.

 لم تكن ثمة مشكلة في أن يكون الحديث في نفسه ضعيفا، فهذا بحث علمي، ولكن الذي وقر في نفسي ساعتها هو هذا الجهد الذي بذله الشيخ في إثبات ضعف الحديث، لقد كان جهده في ذلك أوسع من كونه تحرير مسألة علمية، بل كان أشبه بالفرار من معنى سيئ يُلصَق بالإسلام، ويريد الشيخ أن يدفعه عن الإسلام.. فالمسألة لم تكن علمية بحتة، بل كان لها آثارها الدعوية والفقهية والعملية!

 وأجدني أعذر الشيخ وأعذر كل الأفاضل من أمثاله، فإننا في عصر استضعاف، وإن كثيرا من الفقه الذي أنتجه فقهاء عصرنا فقه مهزوم، فقه مصبوغ بطعم الهزيمة ولونها، ومع أن العزيمة والفضل والسبق هو لمن صمد وصبر وثابر وتمسك بالحق مهما كان غير موافق للمزاج الضاغط والثقافة الغالبة، إلا أن المهزوم معذور، تماما مثلما لا يُلام البطل الشهم إذا اعترف بشيء تحت التعذيب في أقبية الأمن!

 ونعم، فإن ضغط الواقع المعاصر وشبكاته السياسية والإعلامية والثقافية لا تقل خطرا ولا ضررا ولا قوة عن التعذيب الجسدي الذي تتقنه أجهزة الأمن.

 المهم في قصتنا الآن أنه بدأت معي رحلة البحث عن الحديث ومعناه..

 ودون أن أدخل في تفاصيل حديثية تخص الرواة والطرق، فالخلاصة أني وجدت الحديث قد صححه أو حسنه من المتقدمين: ابن تيمية والعراقي والذهبي، ومن المعاصرين: أحمد شاكر والألباني وشعيب الأرناؤوط. وهذه أسماءٌ يصعب بعد تصحيحهم للحديث أن يكون ضعيفا!

 ثم دخلنا في رحلة فهم معنى الحديث من خلال شُرَّاح الحديث، وأيضا: بدون تطويل في سرد أقوالهم، فقد وجدت أن اتجاهات الشُرَّاح -فيما وقفت عليه- تكاد تذهب في ثلاثة معان تتكامل معا

 1. فبعضهم ذكر أن هذا من خصائص النبي ﷺ وأمته، فأمتنا المسلمة قد أحلّت لها الغنائم، ولم تكن حلالا للأمم السابقة، وأن الله قد جعل للنبي خُمس الغنائم ينفقها في مصالح المسلمين.. وهذا المعنى هو من جملة الخصائص التي تثبت أن الإسلام دين ودولة، وأنه مصحف وسيف، وأنه نظام سياسي واقتصادي وعسكري، ففيه إقامة الشرائع وقتال الأعداء!

 2. وذهب بعضهم إلى أن الغنائم هي أشرف الأرزاق وأطيبها، ولهذا جُعِل منها رزق رسول الله ﷺ إذ هو خير الأنبياء، وذلك أن الغنائم هي ثمرة أفضل الأعمال، وهو الجهاد في سبيل الله الذي هو ذروة سنام الإسلام.. فالغنائم إذن هي المال المكتسب من عملية إنقاذ البشر وتحرير الشعوب وكسر الطغاة والظالمين والجبابرة!

 ألم تمجِّد سائر الأمم ذلك البطل الذي يأخذ من أموال الطغاة المتجبرين لينفق منها على الضعفاء والمعوزين.. يكاد يكون في أدب كل أمة من الأمم، قصة عن اللص الشهم أو الصعلوك النبيل أو اليساري المناضل الذي يأخذ من الظالمين فيعطيها للمظلومين.

 3. وذهب بعض العلماء إلى أن المعنى هو تحقيق الأمن، فظل الرمح في الحديث معناه استباب السلام، إذ لا رزق ولا اقتصاد ولا جريان للمال في ظل الخوف والفزع، وممن قال بذلك السرخسي في شرح السير.

 وقريبٌ من هذا المعنى ما ذهب إليه عدد من المعاصرين من أن المقصود بذلك أن الحق لا بد له من قوة، فظل الرمح هنا بمعنى القوة الحارسة للمال، وإلا فالضعف يغري بالتعدي، وكما يقال في المثل "المال السايب يعلم السرقة"

 ولكني خرجت من هذه الرحلة في أقوال العلماء بما هو أهم من المعلومة نفسها، خرجت منها بهذه البساطة التي تعامل بها العلماء مع الحديث، وأنهم حاولوا فهمه بغير استحضار الضغط والهجوم الذي تفرضه علينا الثقافة الغالبة وحركات تشويه الإسلام. فلم يشعروا أن في الحديث شيئا ينبغي الفرار منه!!

 ثم انفتحت عليّ -بعد زمن آخر، وعن غير قصدٍ مني- رحلة ثالثة، كانت أطرف من الرحلتين السابقتين..

 ففي ذات ضحوة كنت أقرأ كتاب ألسكندر دوغين، ذلك المفكر الروسي الذي اشتهر وانتشر، وإذ بي أمرُّ فيه على فقرة فيه، فكأنها شرحٌ ممتاز لحديث "وجُعِل رزقي تحت ظل رمحي"!

 كان دوغين، وهو المهموم بمستقبل روسيا وصراعها الإمبراطوري، يرسم مسارًا لتطوير القوات الروسية ومستقبلها، فأخذ يؤكد ويكرر على أن الاتجاه الضروري للجيش الروسي هو أن يأخذ في التسلح الذي يؤهله لمستوى الحروب العالمية، فعليه أن يهتم بالصواريخ العابرة للقارات، والرؤوس النووية، وحاملات الطائرات، والغواصات الذرية..

 وهذا التسلح هو الذي سيحل مشكلات روسيا، بما في ذلك المشكلات الاقتصادية نفسها، وذلك أن روسيا حين تبلغ مستوى القوة فوق العظمى، فسيجعل هذا مسألة التحالف مع روسيا بالنسبة إلى جيرانها مسألة حتمية لا فرار منها (بمن فيهم أولئك الخاضعون لأمريكا مثل اليابان وأوروبا الوسطى).

 ويؤكد على كلامه هذا بأن الأمريكان قد استخدموا هذه الطريقة بعد الحرب العالمية الثانية، فتسلحهم الضخم هو الذي مَكَّنهم من إغراء الدول التي دخلت تحت مظلتهم، بحثا عن الأمان من الاتحاد السوفيتي، وبالتالي فقد دعمت هذه الدول وموَّلت عمليا آلة الاقتصاد الأمريكي الجبارة التي صارت بدورها تضخ مزيدا من قوة التسلح الأمريكي.

 وهكذا، يجب على روسيا أن تفعل نفس الشيء، قوتها وتسلحها الكبير سيجعلها قادرة على إنشاء تحالفات مع اقتصاديات ناهضة، وهذا نفسه سيحل المشكلة الاقتصادية الروسية -فضلا عن المشكلة السياسية والعسكرية- لأن "السبيل الأسهل للحصور على كميات أوفر من السلع الجيدة" ليس هو تحويل الصناعات الحربية إلى صناعات مدنية، بل على العكس: إن بضع غواصات نووية يمكن أن تحمل إلى روسيا بلدانا بكاملها ذات اقتصاديات متطورة.

 عزيزي القارئ المصري الذي يعيش في عصر السيسي: أعرف ما يدور في ذهنك، خط الجمبري والصوبات الزراعية وقاعات الأفراح ومصانع المكرونة :) .. حاول الآن أن تنسى هذه الحسرة، وتابع معي.

 يقول دوغين بأنه حتى لو لم يكن أمام الجيش إلا أن يسلك طريقا من اثنين: التسلح على هذا المستوى العالمي، أو التسلح على المستوى التقليدي الذي يتمكن معه من حسم المعارك الأقل عالمية، فيجب عليه أن يبني نفسه وفق منهج التسلح العالمي، حتى لو أدى هذا إلى خسارة معارك مع دول أصغر مثل أوكرانيا أو أفغانستان.. بل حتى لو اضطرت روسيا للتنازل عن بعض المدن والمناطق والوصول إلى تسويات مهينة.. لماذا؟

 لأن أي خسارة صغيرة تحدث الآن ستستطيع روسيا أن تستردها فيما بعد حين يكون تسليحها على مستوى القوة العالمية.. والدليل على ذلك أن أمريكا خسرت معارك صغيرة في فيتنام والصومال وأفغانستان، ومع ذلك لم يهتز عرش تفوقها العالمي، وبقيت سيدة النظام العالمي.

 أليس هذا شرحا ممتازا يا جماعة الخير لحديث النبي ﷺ "وجعل رزقي تحت ظل رمحي"؟.. أليس هذا وصفا صريحا ومباشرا لأهمية القوة العسكرية في حل المشكلات الاقتصادية بتأمين الموارد الذاتية أولا، وجذب التحالفات ثانيا، وردع الأعداء ثالثا؟!

 ساعتها، تداعت إلى ذهني فقرات من هنا وهناك، حتى خرجت من هذه القراءة وقد استقر عزمي على كتابة بحث، تصوَّرت أن يكون عنوانه "شرح الكُفّار لحديث النبي المختار" :)

 كانت نيتي أن أقول: إن المعنى السليم والواضح والطبيعي لهذا الحديث أمرٌ لا يتحرج الناس من التصريح به، وحده المسلم المهزوم هو من يشعر في المعنى الصحيح بالعبء والأزمة..

 ومن ساعتها، كنتُ إذا وقعتُ على فقرة في كتاب أو في تقرير، أخذتها جانبا، لتكوين هذا البحث المنشود!

 ولما طال بي الزمن، وتراكمت علي الشواغل، وتراجعت الهمة، قررتُ هذه الليلة أن أضع هنا بعض ما توصلتُ إليه.. تاركا الباب مفتوحا لباحث آخر أن يأخذ هذه الفكرة فيبني عليها ويتوسع فيها بما فتح الله عليه.. فلا أكون حبست علما عندي، ولا حرمت نفسي من نفعٍ قد يعود علي بنشره، وعلى غيري إن توسع فيه.

 من أبلغ ما في هذا المعنى، ما ذكره روبرت جيتس -وزير الدفاع الأمريكي الأسبق في مذكراته- من أن وزارة الدفاع الأمريكية هي المؤسسة الأضخم والأكثر تعقيدا على كوكب الأرض، وهي كذلك المؤسسة الأكثر إنفاقا والأعلى ميزانية!!

 وكانت كونداليزا رايس -وزيرة الخارجية ومستشارة الأمن القومي الأمريكي، في مذكراتها- قد ذكرت أن ميزانية وزارة الدفاع تبلغ أربعين ضعفا ميزانية وزارة الخارجية!!

 وسيبدو لك كلام رايس واضحا أكثر، إذا علمت أن آن باترسون -السفيرة الأمريكية السابقة في باكستان ثم في مصر إبان انقلاب السيسي- قالت في مقال نشرته (فورين سيرفيس جورنال، سبتمبر 2019) بأن الخارجية الأمريكية هي الأضخم من بين وزارات الخارجية عبر العالم، وأن البعثة الدبلوماسية الأمريكية في أي بلد هي الأكثر عددا والأفضل تمويلا، وأنه ما من دولة بمقدورها أن ترسل إلى دولة أخرى عددا ولا خبراء ولا مختصين كالذي تستطيع أمريكا إرساله!

 إن هذا يشير بوضوح إلى أن المجال الأهم لضمان التفوق الأمريكي ذهب إلى التفوق العسكري والجيوش والأسلحة والمقاتلين، ولم يذهب إلى الصناعة ولا البحث العلمي ولا التطوير التقني ولا حتى إلى الدبلوماسية الذكية والسياسيين البارعيين!

 إن كنت متعجبا، فلا تتعجب، سنترك التحليل والاستنتاج ونذهب إلى الأقوال الصريحة المباشرة:

 فقبل أربعة وأربعين سنة أصدر هنري كيسنجر مذكراته الحافلة "سنوات البيت الأبيض"، ومن بين صفحات كثيرة تستحق أن تنقل هنا، خذ هذه الفقرة:

 "على مدى التاريخ، يمكن القول أن النفوذ السياسي لدى الشعوب كان مرادفا لقوتها العسكرية... المهارة الدبلوماسية لا تستطيع سوى تنمية القدرة العسكرية لا أن تحل محلها. وفي آخر المطاف فإن الضعف يدعو دوما إلى التعدي، والنقص في القوة يؤدي دوما إلى التنازل عن القدرة السياسية".

 وبعده بعام (1980م)، كان جيمي كارتر يقف أمام الكونغرس ليلقي خطاب حالة الاتحاد، (ونصه منشور على موقع كارتر)، ويقول: "ليكن موقفنا واضحًا تمامًا: أي محاولة من قبل أي قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج الفارسي ستُعتبر اعتداءً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية، وسيتم صد مثل هذا الهجوم بأي وسيلة ضرورية، بما في ذلك القوة العسكرية. خلال السنوات الثلاث الماضية، انضممت إلي لتحسين أمننا وآفاق السلام، ليس فقط في منطقة إنتاج النفط الحيوية في منطقة الخليج الفارسي ولكن في جميع أنحاء العالم. لقد عززنا سنويًا التزامنا الحقيقي بالدفاع، وسنواصل هذه الزيادة في الجهود طوال برنامج الدفاع الخمسي. من الضروري أن يوافق الكونجرس على ميزانية الدفاع القوية هذه لعام 1981، والتي تشمل نموًا حقيقيًا بنسبة 5 في المائة في التراخيص، دون أي تخفيض".

 وقبل ثلاثة أعوام، نشرت كاثلين هيكس، وهي نائبة وزير الدفاع الأمريكي، وكانت نائبة لوكيل وزراة الدفاع في عهد أوباما، ورئيسة لمركز هنري كيسنجر للشؤون العالمية، والحاصلة على الدكتوراه في العلوم السياسية، والماجستير في إدارة الأعمال.. نشرت مقالا (فورين أفيرز، مارس إبريل 2020م)، تناقش فيه القائلين بضرورة خفض الإنفاق على الجيش الأمريكي، وتتناول المقترحات التي تشير إلى جوانب معينة ينبغي خفض الإنفاق عليها، ومن بين كلام كثير يستحق أن ينقل هنا بحروفه، قالت بوضوح: "القوات المسلحة تضمن للولايات المتحدة ازدهارها الاقتصادي وتقوّي تحالفاتها".

 وذهبت تشرح بأن من مهمات الجيش الأمريكي "ضمان التدفق الحر للتجارة في المحيط الهادي"، (وكلمة التدفق الحر هذه هي الاسم الحركي اللطيف والمهذب لمعنى السيطرة والتحكم.. وسآتيك بعد قليل بكلام صريح غير دبلوماسي لمفكر استراتيجي أمريكي آخر)، وأن بقاء القوة الأمريكية متفوقة هو ما يضمن بقاء التحالفات والشركاء، ويعصمهم من الخطأ بالتفكير في إنشاء تحالفات أخرى، كما أنه يردع الخصوم من التمدد في مساحات اقتصادية أخرى، إضافة إلى ذلك فإن الشركات الأمريكية المنتشرة عبر العالم ستنكمش تلقائيا لأنها ستفقد مظلة الحماية التي كان يوفرها الجيش الأمريكي، ولن تكون مطمئنة حين تعتمد على المظلة الدبلوماسية والسياسية وحدها!

 تضيف كاثلين هيكس، بأن الأمر ليس لعبة سهلة، فلو أننا سحبنا قواتنا من الخارج، ثم وجدنا أنه كان قرارا خاطئا فلن يكون سهلا أن نعود مرة أخرى بعد أن تكون خرائط التحالفات وأوضاع الخصوم قد تغيرت!

 ثم تلفت نظر القائلين إلى حقيقة خطيرة، تقول: ولا تقلقوا، فإن القوات الأمريكية المنتشرة في البلدان الأخرى إنما يجرى الإنفاق عليها من هذه البلدان، وإذا جئنا بهذه القواعد الأمريكية إلى أرضنا فسنتحمل نحن عبء الإنفاق عليها! فبقاؤهم في الخارج هو الأرخص والأقل كلفة!

 حديث الشركاء والتحالفات هذا أشار إليه بوضوح، ملخص استراتيجية الدفاع الأمريكي (لعام 2018)، والذي نشرته وزارة الدفاع الأمريكية على موقعها، فقد جاء فيه أن حلفاء الولايات المتحدة وشركاءها، يوفرون لها مزايا استراتيجية في زمن السلم والحرب، لا يمكن مقارنتها بأي منافس آخر، فهم يزدادون يوميا، ويشتركون معها في الحروب، ويحملون معها عبء تحقيق الأمن، والوصول إلى مناطق حرجة، والحصول على معلومات حساسة، وهذا كله يؤدي إلى استقرار طويل وإلى ازدهار اقتصادي، ومن هنا فإن الوزراة تعمل على ثلاثة محاور لتمتين هذه التحالفات وزيادة هؤلاء الشركاء.

 ونختم مع جورج فريدمان، المفكر الاستراتيجي المعروف، مؤسس ومدير ستراتفور، والرجل الذي يمكن القول بأنه الأكثر صراحة من بين هؤلاء الأمريكان، ولذلك فإن الكلام الذي يجتهد غيره لصياغته بأسلوب لطيف، يكون عنده هو في غاية الوضوح والصراحة..

 صاحبنا هذا أصدر كتابه "المائة عام القادمة" عام 2009م، والكتاب صار مترجما ومتاحا على الانترنت، وهو من أهم الكتب التي يجب أن يقرأها المهتمون بمصير هذا العالم.. ولأن الرجل صريح للغاية، فسأتركك عزيزي القارئ مع عبارات قصيرة تخيرتها لك، أرجو أن تنجح في تحفيزك على قراءة الكتاب نفسه:

 §      "هناك العديد من الأجوبة على السؤال المطروح حول السبب الذي يجعل الاقتصاد الأمريكي على هذه الدرجة من القوة؛ لكن أكثر الأجوبة بساطة على هذا السؤال يكمن في القوة العسكرية التي تتمتع بها الولايات المتحدة"

§      "يسيطر الأسطول البحري الأمريكي على كافة محيطات العالم. كل ما يطفو على الماء هو تحت بصر الأقمار الصناعية الأمريكية في الفضاء، كما أن حرية حركتها أو منعها عن الحركة تخضع لإرادة البحرية الأمريكية. إن جميع قوى البحرية في العالم مجتمعة، لا تعادل أو حتى تقترب من قوة البحرية الأمريكية... وهذا يعني في نهاية المطاف أن الولايات المتحدة تسيطر على التجارة العالمية، وأن قوتها البحرية هي الأساس المُكوِّن لأمن الولايات المتحدة وثروتها... وتُشَكِّل الآن الوجه الآخر للقوة الاقتصادية الأمريكية التي تعتبر أساس ومنطلق قوتها العسكرية"

§      "إذا أوقفت الولايات المتحدة الصادرات الصينية إليها أو فرضت عليها تعريفات جمركية... فإن الصين سوف تواجه عند ذاك أزمة اقتصادية خانقة... من الصعب التنبؤ بما قد تقوم به الدول عندما تواجه كوارث أو صعوبات اقتصادية. يمكن في مثل هذه الحال أن تصبح عدائية... ولكن من الناحية العسكرية تستطيع الولايات المتحدة إغلاق كافة الممرات البحرية إلى المحيط الهادي متى شاءت... لن يكون بإمكان دول شرق آسيا أن تواجه بشكل مؤثر التحرك العسكري أو الاقتصادي الأمريكي"

§      "هناك اختلال هائل في موازين القوى ... فالتهديد في فرص عقوبات من قبل الولايات المتحدة على الصين مثلا، تسعى من خلاله الولايات المتحدة إلى تقليص حجم الواردات الصينية من البترول، يصيب المصالح الوطنية الصينية في الصميم. وبالتالي، يتوجب على الصينيين استخدام قوتهم الاقتصادية المتصاعدة لتطوير خياراتهم العسكرية ضد الولايات المتحدة... قامت دول منطقة غرب المحيط الهادي طوال الأعوام الخمسين الماضية بزيادة قوتها الاقتصادية بصورة دراماتيكية، لكنها لم تفعل الشيء ذاته فيما يتعلق بقدراتها العسكرية؛ وهذا الخلل في التوازن أدى إلى جعل شرق آسيا منطقة غير محصنة. ولذا، فلن يكون أمام كل من الصين واليابان سوى محاولة زيادة قدراتهما العسكرية في القرن القادم، وهو ما سترى فيه الولايات المتحدة تهديدا محتملا لسيطرتها على غرب المحيط الهادي. سوف تفسر أي تحرك دفاعي على أنه خطوة عدائية"

 وبعد هذه الوجبة الصريحة للغاية، هل ما زال ثمة شك في أن ظل الرمح هو الذي يستظل به الرزق؟! وأن ظل الرمح هذا يأتي بالرزق ولو لم يتحرك أو يُستعمل؟! إن مجرد الظل الذي ينشره الرمح يأتي بالتحالفات والشركاء، ويردع الخصوم والأعداء، ويحمي الموارد والإمكانيات!

ومهما بذل المرء جهده في تكوين الرزق، ومهما بذلت الأمة جهدها في تنمية الاقتصاد، فإن هذا كله يتحول إلى هباء منثور إذا خلا من قوة قادرة!

الأربعاء، يناير 04، 2023

النبي المنقذ ﷺ ومشكلة الفقر

مشكلة الفقر هي إحدى المشكلات العويصة التي تشهد أن نبينا ﷺ قد جاء رحمة للعالمين، وأنه مبعوث من عند الله بالدين الحق، وأزعم أن هذا الموضوع على وجه الخصوص لو استوعبه الداعية الموفق المخلص، فإنه يستطيع به أن يفتح قلوبا مغلقة، وأن ينير عقولا مظلمة، فاستيعاب هذا الموضوع يزيد الذين آمنوا إيمانا، ويهدي إلى الإيمان من لم يكن مؤمنا!

سيرى القارئ الكريم على صفحات هذا العدد من المجلة تفاصيل كثيرة في شرح هذا الموضوع، وستهديه هذه المقالات إلى غيرها من الكتب الأوسع تناولا، ولست أشكّ أن عموم القراء سيتفاجؤون خلال قراءتهم بهذه الوسائل الكثيرة، وذلك النظام البديع الذي جاء به النبي ﷺ من عند ربه، للقضاء على هذه المشكلة التي كم أرَّقت البشرية وكم حيَّرت فلاسفتها.

غير أني في هذه السطور سأشير إلى بعض الأمور التي تؤثر في حل مشكلة الفقر بطريق غير مباشر، أريد بذلك أن ألفت النظر إلى أن النظام الإسلامي يجب أن يُطبَّق كله، وأنه نظامٌ يدعم بعضه بعضا، وتشتد أركانه بعضها ببعض! وأن اقتطاع وسائل الإسلام الجزئية لمعالجة مشكلة الفقر لن ينتج عنه إلا ترقيع جزئي وحلولٍ أشبه بالمُسَكِّنات، فإن الإسلام نظام واحد كامل! فعلاج المشكلات الاقتصادية مرتبط بتطبيق الإسلام في السياسة والاجتماع والفكر والشعائر معًا. فمشكلة الفقر ليست مجرد مشكلة اقتصادية، ليكون علاجها اقتصاديا، بل هي مشكلة إنسانية تتضافر في صناعتها كما تتضافر في علاجها سائر غرائز الإنسان وسائر جوانب الحياة الإنسانية!

وهذه السطور شذرات سريعة خاطفة:

 

أولا: بناء الفكر والتصور

يبدأ إيمان المسلم بالإيمان بالله، فالله غني واسع حميد {سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [يونس: 68]، وهو أيضا عليم حكيم سميع بصير لطيف خبير، ولهذا فإن الكون المخلوق بحكمة الله وعلمه ولطفه، يتسع لسائر خلقه، فلا تضيق بهم موارده، وما من مخلوق في هذا الكون إلا ورزقه الذي يلزمه متوفر على هذه الأرض، {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6]، وهو سبحانه وتعالى كريمٌ لا تنفد خزائنه، وهو حكيم في إنزال النعم والخيرات {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} [الحجر: 21].

ومن هنا، فإن ظهور الفقر في الناس هو نتيجة من نتائج الفساد والانحراف عن نظام الله وشريعته، وهو جزء من عقوبات الله للعبيد الذين أهملوا طاعة الله، يعاقبهم الله بها لعلهم ينتبهون ويعودون {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41].

فهذا التصور يُوَجِّه المسلم نحو البحث عن علاج مشكلة الفقر في مقاومة الظلم والفساد والانحراف، ومعرفة نظام الله وشريعته التي يجب اتباعها، ولن يحدث أن يظن المسلم أن المشكلة هي مشكلة ندرة في الكون أو هي مشكلة كثافة سكانية أو مشكلة سوء توزيع للموارد في الطبيعة... إلى آخر هذه القناعات التي بُنِي عليها النظام الاقتصادي العالمي، وخرجت على أساسها فلسفاتٌ دعت إلى تقليل النسل وتصحيح أخطاء الكون واستحلال نهب موارد الشعوب.

ومن هذا الانحراف والفساد ما يكون في نفس المرء –لا سيما الفقير- من الكسل والاتكال وسقوط الهمة ونحو ذلك، فمن هنا حذّر النبي من الفقر، وجعله شرا يستعيذ بالله منه، بل جعله قرين الكُفر، فكان يدعو قائلا "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر"، وحثَّ على العمل ونهى عن تسول الناس، وقال "اليد العليا خير من اليد السفلى"، وأخبر أن الساعي على نفسه ووالديه وأهله وولده كالمجاهد في سبيل الله، بل لقد صوَّر النبي صورةً بديعة، إذ أحسن الأعمال لمن كان يغرس الفسيلة لحظة قيام الساعة أن يستكمل غرسها!! ولا يمكن أن توجد صورةٌ أخرى أبلغ من هذه في الدلالة على أن العمل في الدنيا في تنمية الموارد وإعمار الأرض هو طريقٌ للثواب في الآخرة!

ومن الانحراف والفساد ما يكون في نفس المرء –لا سيما الغني- من الاعتقاد بأنه صنع هذا بموهبته وذكائه وعلمه، ولهذا جاء النبي بالتحذير من هذا التصور، وقررت آيات القرآن وأحاديث النبي أن الرزق من عند الله، وأن المال مال الله، وأنه يهبه لمن يشاء، {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ} [النحل: 71]، {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ} [العنكبوت: 62]، ويعرف التجار رجال الأعمال من واقع حياتهم أن الأسباب لا تبلغ بهم الغنى ولا تفسر لهم الفقر، {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [يونس: 107]، وقد قال الشافعي:

ومن الدليل على القضاء وكونه .. بؤس الذكي وطيب عيش الأحمق

ولهذا فإن حق الفقير والمحتاج في هذا المال هو حقٌّ لله، فرضه الله على الغني، وهذا المال هو موضع اختبار من الله وفتنة لعبده الذي تمتع بهذه النعمة {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} [الأنفال: 28]، فلا هو حق الدولة ولا حق المجتمع ولا حق الفقير.

 

ثانيا: بناء الإيمان والشعور

لأن الناس ليس عقلا، وليس مجرد آلة مبرمجة، فإن القناعة العقلية وحدها لا تهيمن على تصرفاته، بل ثمة نفس وشهوة وغرائز وأهواء وميول تجنح به، وليس من العجيب أن يرتكب المرء ما يعرف أنه يضره، وأنه ينصرف عما ينفعه، ومن هنا فإن الإسلام ليس مجرد تعاليم باردة، بل هي تمتزج بالإيمان القلبي والشعور الروحي، فتلك هي المحركات الحقيقية لحركة الناس. وخلال السنوات الماضية تعددت المؤلفات الاقتصادية الغربية التي تشير إلى هذا الأمر، وتقرر أن تصرف الإنسان في المال ليس محض حساب عقلي بل هو حصيلة تأثيرات نفسية كذلك، حتى لقد صدر اكثر من كتاب بنفس العنوان مثل "سيكولوجية المال".

ويبدأ بناء الإيمان والشعور لدى المسلم من إيمانه بالله واليوم الآخر، إذ يرى المسلم نفسه تحت انهمار الآيات والأحاديث التي تقلل من شأن الدنيا وتزهد فيها، وتعظم شأن الآخرة وتحرص عليها، وقد قال النبي إن أكثر الناس ذكاء وفطنة هم أكثرهم تذكرا للموت واستعدادًا له. وهذا الشعور إذا تمكن من قلب المسلم غيَّر له خريطة حياته واهتماماته، بل يقلبها رأسا على عقب. وما أوسع الفارق بين رجليْن: أحدهما يحرص على الدنيا والآخر يحرص على الآخرة!

إن إنفاق المال جهاد في سبيل الله، وهو ذروة سنام الإسلام، وقد قدَّم الله الجهاد بالمال في كتابه على الجهاد بالنفس، وقررت آيات القرآن وأحاديث النبي ﷺ أن الإنفاق لا ينقص من المال بل يزيده بالنماء والبركة والمثوبة من الله {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 261]، بل خاطب القرآن شعور المؤمن بالمعنى العظيم الهائل وهو أن الإنفاق إقراضٌ لله!! {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [البقرة: 245]، وأن الزكاة تطهير للمؤمن وتزكية لنفسه، وأن الامتناع عنها وكنز المال موجبٌ لعذاب الله في الآخرة {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 34، 35].

فما من مسلم يتعرض لآيات الله وأحاديث النبي ﷺ إلا وتسخو نفسه، ويصيبه طبع الكرم. ثم ما من مسلم يتعرض لآيات الله وأحاديث النبي ﷺ إلا ويمتنع عن سائر المظالم من الغش والربا والمقامرة والاحتكار والغرر والمخادعة، يمتنع عن ذلك مهما كان ممكنا وسهلا وميسورا، ومهما دعمته في هذا القوانين الوضعية أو البيئة الفاسدة. فإن زاد إيمانه وتمكن فإنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويمنع أن يحصل هذا كله بقدر ما يستطيع! وهذه أمورٌ لا تنجح في تحقيقها القوانين مهما اشتدت، ولا الرقابة مهما تغولت، بل يفعلها الإيمان بالله والخوف من عقابه ورجاء ثوابه.

 

ثالثا: بناء النظام السياسي

أهم أركان النظام السياسي في الإسلام، وهو مقتضى شهادة أن "لا إله إلا الله"، أن المرجعية العليا في حياة المسلمين هي لله، وأن الله وحده هو صاحب الحق في السيادة، وهو المُشَرِّع، والسلطة في الإسلام تستمد شرعيتها من التزامها بهذا الدين، فإن خرجت عنه جاز الخروج عليها، ووجب الامتناع عن الخضوع لها بحسب الوسع والاستطاعة.

ومما يترتب عليه هذا في شأن المال، أن الله هو الذي حدَّد القدر المفروض الذي يؤخذ من مال المسلم، وبذلك غلَّ يد السلطة أن تأخذ من الناس ما فوق الزكاة المفروضة شرعا، فلا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس. وقد جعل الإسلامُ فرض الضرائب من أكبر الكبائر التي تفوق في إثمها الزنا والربا، فإذا وقع استثناء أو ظرف طارئ فإن فرضها يكون على الأغنياء دون الفقراء ويكون مؤقتا ومقدورا بحسب الضرورة الطارئة. فإن انحرفت السلطة وطغت وفرضت على الناس الضرائب جاز للمسلم أن يقاومها، فإن لم يستطع جاز له أن يمتنع عنها ويتهرب منها. فهذا منكرٌ من أكبر المنكرات التي يجب تغييرها على قدر الوسع والطاقة.

وكذلك فإن من واجب المسلم أن يطلب بحقه في بيت مال المسلمين، وقد أجازت المذاهب الأربعة الظفر بالحق من بيت المال، أي أن المحتاج إذا لم يُعطَ حقه من المال –ظلما من السلطان أو غفلةً منه- جاز له أن يأخذه بغير إذن السلطان، ولا عقوبة في ذلك.

وهذه التشريعات العظيمة –التي لا يتسع المقام لعرضها- لا يكاد يلتفت إليها أحدٌ في زماننا المعاصر لقلة من يتكلمون فيها، وذلك لشدة خطورتها على الأنظمة المعاصرة، مع أنها لو عُرِفت وبُثَّت ونُشِرت لتغيرت كثير من أحوال الناس وتصوراتهم، بل ولدخل كثير من الناس في الإسلام لما فيه من عظمة التشريعات.

وفي الإسلام لا تقف السلطة مانعا من تنمية الموارد، بل لقد أطلق الإسلام يد الناس في النشاط الاقتصادي كإحياء الأرض البور، وقال النبي ﷺ "من أحيا أرضا ميتة فهي له"، فمن استصلح أرضا ملكها، ومثل ذلك حفر الآبار والأنهار، وقصارى ما يجوز للسلطة أن تنظم هذا الأمر إذا كان ثمة تداخل بين مصلحة عامة ومصلحة خاصة، ورقابتها في هذا على الأغلب رقابة بعدية لا قبلية.

والسلطة في الإسلام لا تحتكر الأموال، بل هي ملزمة برعاية الأوقاف، والأوقاف هي أموالٌ يُخرجها المسلم من مِلْكِه فيجعلها مِلْكًا لله، وقد ظلت الأوقاف تتمتع بما يشبه القداسة طوال عصور التاريخ الإسلامي، حتى جاء العصر العلماني الغربي فأخذت الدولة تستولي على هذه الأوقاف وأموالها، في واحدة من أقسى وأخطر النكبات التي تعرضت لها الأمة في كل تاريخها.

 

رابعا: بناء النظام الاجتماعي

يحرص الإسلام على بناء مجتمع قوي متين متماسك، والمدينة الإسلامية منذ العصر النبوي وعبر التاريخ الإسلامي هي أشبه بالأحياء التي تسكنها عائلات وعشائر وأرحام، فالحي الواحد في العادة هو عائلة واحدة وعشيرة واحدة، فيجتمع في المكان الواحد صلة الرحم وصلة الجوار.

ثم قرر الإسلام حقوقا عظيمة للجار، فجعل من نواقص الإيمان أن يبيت الرجل شبعانا وجاره إلى جواره جائع، وأوصى النبي ﷺ إذا طبخ المسلم طعاما أن يُكثر مرقه ليوزّعه على الجار، وظنَّ النبي ﷺ من كثرة التوصية بالجار أن سيكون له نصيب في الميراث مثل ما للأرحام!

والمسجد في الإسلام هو مركز المدينة، وهو الذي يجمع الناس فيها خمس مرات في اليوم والليلة، فهو أقوى وسيلة تعارف واستطلاع الناس لأحوالهم، ومعرفة من حضر ومن غاب، وماذا نزل بفلان وماذا جرى لعلان، وقد اعتاد المسلمون منذ كانوا أن من كان معه مال حضر به إلى المسجد، ومن نزلت به فاقة حضر أيضا إلى المسجد!!

وقرر الإسلام أن تنفق الزكاة في الأقربين، ثم في المدينة نفسها، فإن اكتفى أهلها حُمِل ما فاض منها إلى غيرها من المناطق، وأخبر النبي ﷺ أن خير الصدقة صدقةٌ ينفقها الرجل في أهله وأرحامه.

ومن بدائع العظمة في التشريع الإسلامي ما يعرف بحق الشفة، وهو أن المسلم لا يجوز له منع المحتاج المضطر من المأكل والمشرب، فإذا امتنع هذا جاز للمحتاج المضطر أن يقاتله انتزاعا لهذا الحق منه!! وهذا أمر خطير فاصلٌ في التصور الإسلامي للحقوق والواجبات، وفي طبيعة الاجتماع الإسلامي للعلاقات بين الناس. ولك أن تتصور غنيا امتنع عن إعطاء المحتاج المضطر شيئا يقيم به صلبه أو يبلغه مأمنه، فقام هذا الأخير فقاتله وقتله.. إن سائر القوانين الوضعية تدين هذا المحتاج المضطر، وسائر المجتمعات تنظر إلى الغني المقتول بعطف وشفقة وتراه لم يفعل إلا أن تصرف تصرفا طبيعيا في أملاكه. بينما شريعة الإسلام والمجتمع الإسلامي ينظر للقاتل على أنه بطل، وللمقتول على أنه مدان مستحق للقتل!!

ختاما:

هذه شذرات سريعة خاطفة من أمور مؤثرة في علاج مشكلة الفقر، يجب أن توضع جنبا إلى جنب مع النظام الاقتصادي الإسلامي العظيم والحافل بالوسائل، وكثيرٌ من هذه الأمور لا تأخذ حقها من العناية والشرح والنشر، إذ إن بعضها يمثل مقاومة جذرية للنظام الاقتصادي القائم، وهنا تجدر الإشارة إلى التراث العظيم الذي تركه علماؤنا السابقون، الذين كتبوا عن الإسلام ونظامه في ظل الصعود الشيوعي، إذ قاموا لدفع هذا الخطر فكتبوا كثيرا عن نظام الإسلام الاقتصادي، وكثيرٌ مما كتبوه لا يكاد يُعرف الآن لأن غلبة النظام الرأسمالي علينا تجعل كثيرين لا يلتفتون إليه، أو يخشون من الاقتراب منه.

سيرى القارئ في هذا العدد كثيرا من المعاني التي ينبغي ألا تقف عنده، بل عليه أن يسعى في نشرها لغيره وتعريف الناس بها وخدمتها بما استطاع من وسائل أخرى كالترجمة إلى لغات أخرى، وتحويلها إلى مقاطع مرئية ومسموعة، وغير ذلك مما يفتح الله به عليه.

نشر في مجلة "أنصار النبي ﷺ"، يناير 2023


الاثنين، ديسمبر 05، 2022

خير أصحاب لخير نبي

 

قال الفرزدق يوما: "إنّا لنعرف سجدة الشعر كما تعرفون السجدة من القرآن"، يريد بذلك أن يقول إن الشعر يبلغ أحيانا في قوة المعنى وجودة التعبير ما يخضع له الشعراء لسطوته وإطرابه، وأكاد أقول: لكل قومٍ في فنِّهم شيءٌ مثل هذا، العبارة يطلقها الخبير في بابه فتسري مسرى النار في الهشيم والنور في الليل البهيم! فتشهد لصاحبها بالقوة والعبقرية، وتنحل بها إشكالات وتنفتح بها آفاق وتأملات!

شعرتُ بقول الفرزدق هذا حين قرأت كلمة الإمام القرافي التي يقول فيها: "لو لم يكن لرسول الله ﷺ معجزة إلا أصحابه لكفوه في إثبات نبوته"[1].

فتلك كلمةٌ تشهد لصاحبها بالقوة والعمق في قراءة التاريخ وفهمه، وفي معرفة أحوال الرجال وتقدير أثرهم، فإن أحوال الصحابة هي من معجزات النبي ﷺ، فما من شخص عظيم من صاحب دعوة أو مؤسس حضارة قد خلَّف بعده من أصحابه مثلما كان صحابة محمد ﷺ.

فإنه لم يقم أحد ببلاغ دين الأنبياء مثلما قام أصحاب النبي ﷺ بإبلاغ دينه لمن بعدهم، فقد حفظوا صفته وكلامه وإشاراته وسيرته، وكانوا يعلمونها أبناءهم كما يعلمونهم السورة من القرآن الكريم، ولم ير النبي منهم ما رآه موسى من أصحابه، ومات بينهم عزيزًا مُمَكَّنًا لا كما وُصِل إلى عيسى وأريد صلبُه من بين حوارييه! فهم خير أصحاب لنبي في الدين وفي الدنيا!

كذلك لم يقم أحدٌ بالحفاظ على إرث زعيم وقائد كما قام بذلك أصحاب محمد مع إرثه، فما من مؤسس مملكة وحضارة ودولة كان له من طول الأثر وخلود الذكر وقوة المملكة واتساعها وطول بقائها بعد موته كما كان للنبي محمد ﷺ، فقد رحل النبي ﷺ وقد خضعت له الجزيرة، وبعد مائة عام من رحيله كانت دولة الإسلام قد بلغت من الصين إلى فرنسا! بينما ما مرَّ القرنُ على رحيل جنكيز خان إلا وكانت مملكته قد انقسمت إلى أربعة! وما إن مات الإسكندر الأكبر حتى انقسمت مملكته من بعده.

إن صحابة النبي ﷺ ينافسون عظماء الدنيا في كل باب، بل المنافسة محسومة لهم في كل باب، فما في الدنيا خلفاء سادوا الناس وساسوهم بالعدل والرحمة والفضل كما فعل خلفاء النبي ﷺ، وليس في الدنيا زعيم سياسيٌّ كأبي بكر استلم الحكم والعاصمة مهددة بالاجتياح ثم مات عنها وهي قوة عظمى تقاتل القوتيْن العظميين في وقت واحد، وذلك كله في عامين. وليس في الدنيا حاكم مثل عمر تضاعفت مساحة البلاد في عهده أربع مرات ودخلت في ظله خمسة أعراق على الأقل دون أن تشهد توسعاته مذابح ومظالم بل كان عهده مثالا للعدل.

والعسكريون في كل زمن وأرض يعرفون ويخضعون لخالد بن الوليد، بطل الفتوح في فارس والروم، وصاحب أسرع الفتوحات ضد أقوى الإمبراطوريات في زمنه، ومثله نجوم الفتح معه كالمثنى بن حارثة الشيباني، وسعد بن أبي وقاص وأبي عبيدة بن الجراح.. ثم يزيدُ هؤلاء الصحابة عن سائر العسكريين أنهم لم يدرسوا الحرب في كليات ولا أكاديميات ولا خاضوا مناورات تدريبية! ومع ذلك فههم أصحاب "أعظم الأعمال إثارة للدهشة في التاريخ الحربي كله"[2]. ثم يزيدون على سائر العسكريين كذلك بما كان فيهم من الزهد والورع، والنزول السهل السلس عن الإمارة والمنصب[3]!

بل حتى العِلْمُ والذكاء والعبقرية، فإن قومًا ربما ظنُّوا أن هؤلاء الصحابة كانوا من بساطة الحياة في حال من السذاجة والبداوة والجهالة، وأحتاج أن أتوقف هنا لحظة لأحكي حكاية مهمة: هذا القرافي، الفقيه الأصولي المحقق المدقق، صاحب الدرة البديعة في علم الأصول، أي: كتابه "الفروق، لا يعرف كثير من الناس أنه كان مهندسا مخترعا، وأنه قبل أكثر من ثمانية قرون اخترع ما نسميه الآن إنسانا آليا يقوم بخدمة صاحبه، يقول في وصفه: "بلغني أن الملك الكامل (الأيوبي) وُضِعَ له شمعدان، كلما مضى من الليل ساعة انفتح بابٌ منه، وخرج منه شخص يقف في خدمة السلطان، فإذا انقضت عشر ساعات طلع شخص على أعلى الشمعدان وقال: صبَّح الله السلطان بالسعادة، فيعلم أن الفجر قد طلع". ثم يضيف القرافي بأنه لما سمع بنبأ هذا الاختراع صنع مثله، يقول:

"وعَملتُ أنا هذا الشمعدان وزِدْتُ فيه أن الشمعة يتغير لونها في كل ساعة، وفيه أسد تتغير عيناه من السواد الشديد إلى البياض الشديد، ثم إلى الحُمرة الشديدة في كل ساعة لهما لون، فيعرف التنبيه في كل ساعة، وتسقط حصاتان من طائرين، ويدخل شخص، ويخرج شخص غيره، ويغلق باب ويفتح باب، وإذا طلع الفجر طلع شخص على أعلى الشمعدان وإصبعه في أذنه يشير إلى الأذان، غير أني عجزت عن صنعة الكلام، وصنعت أيضا صورة حيوان يمشي ويلتفت يمينا وشمالا ويصفر ولا يتكلم"[4].

أحكي هذه القصة لأنبه إلى أن هذا الرجل البارع في علوم الدين والدنيا، هو الذي يقول: "أصحاب رسول الله ﷺ كانوا بحارًا في العلوم على اختلاف أنواعها من الشرعيات والعقليات والحسابيات والسياسات والعلوم الباطنة والظاهرة"[5].

وهذا ابن تيمية، شيخ الإسلام الذي لا يختلف أحد على قوة عقله وعبقريته، يذكر أن أذكياء الأمة كلها عبر التاريخ كانوا يتوقفون عند قول الصحابي، فيستدل على ذكاء الصحابة بذكاء أتباعهم، يقول: " كل أحد يعلم أن عقول الصحابة والتابعين وتابعيهم أكمل عقول الناس. واعتَبْر ذلك بأتباعهم، فإن كنت تشك في ذكاء مثلِ مالكٍ والأوزاعي والليث بن سعد وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وزُفَر بن الهذيل والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم وأبي عبيد وإبراهيم الحربي وعبد الملك بن حبيب الأندلسي والبخاري ومسلم وأبي داود وعثمان بن سعد الدارمي، بل ومثل أبي العباس بن سريج وأبي جعفر الطحاوي وأبي القاسم الخرقي وإسماعيل بن إسحاق القاضي وغيرهم من أمثالهم، فإن شككت في ذلك فأنت مُفْرِطٌ في الجهل أو مكابر، فانظر خضوع هؤلاء للصحابة وتعظيمهم لعقلهم وعملهم، حتى انه لا يجترئ الواحد منهم أن يخالف لواحد من الصحابة إلا أن يكون قد خالفه صاحب آخر. وقد قال الشافعي رحمة الله عليه في الرسالة: أنهم فوقنا في كل عقل وعلم، وفضل وسبب يُنال به علم، أو يُدرك به صواب، ورأيهم لنا خيرٌ من رأينا لأنفسنا"[6].

فهذا شأنهم في العلم والذكاء، وقوة العقل والفهم والعبقرية..

وأي شيء أدلُّ على قوة الشخصية وشدة العزم وصلابة النفس من قومٍ انخلعوا من أفكارهم وعاداتهم وتقاليدهم وولائهم لأقوامهم، ليتبعوا رجلا مضطهدا جاء بدعوة جديدة متعرضين بهذا للعذاب والنبذ في بيئة لا انتماء فيها ولا رابطة أقوى من رابطة الدم؟! بل إن بعضهم -كمصعب بن عمير- انخلع مما هو فيه من طيب العيش ورغد الحياة ليعيش حياته بعدها فقيرا معدما حتى يموت. وبعضهم ينزل عن زعامة الناس ليُسَلِّمها طائعا مختارا لرجل غريب طارئ في بيئة أشدُّ ما عليها أن يحكمها من ليس منها كما فعل سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وزعماء الأنصار؟! هذا فضلا عن الذين خرجوا من أموالهم كلها أو شطرها أو قسمٍ عظيم منها لينفقوها في سبيل الله، حتى كان بعضهم يتصدق بالقبضة من التمر لا يجد غيرها!! وبعضهم كانت عينه تفيض من الدمع لأنه لم يجد سبيلا ليجاهد بنفسه في سبيل الله!!

إن الذي تميَّز به الصحابة عن سائر الناس هو ما انطوت عليه نفوسهم من الدين والإيمان والتقوى، والزهد في الدنيا وطلب الآخرة، وبهذا كان عمل الواحد منهم لا يُلحق، كما وصف ذلك النبي ﷺ بقوله: "لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا، ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه"[7]، وكما فسره ابن مسعود رضي الله عنه حين قال للتابعين: "أنتم أكثر صلاة وأكثر صياما وأكثر جهادا من أصحاب محمد ﷺ، وهم كانوا خيرا منكم. قالوا: وبم ذاك؟ قال: كانوا أزهد منكم في الدنيا، وأرغب منكم في الآخرة".

إن فضل الصحابة ومكانتهم يجتمع عليه العقل والنقل، فلو كان الإنسان كافرا لا يؤمن بالله ولا بالرسول لرأى في تاريخ هؤلاء من وجوه العظمة ما يخضع له، سواءٌ في ذلك تغيرهم هم في أنفسهم وانتقالهم الكبير بل انسلاخهم التام من الجاهلية إلى الإسلام، أو تغييرهم للعالم من حولهم، إذ العالم بعدهم غير ما كان قبلهم تماما، فكأنهم قلبوا الدنيا وأعادوا نظامها من جديد!

فأما المسلم، فيكفيه ما جاء في فضل هؤلاء في كتاب الله وسنة رسوله، بل يكفيه نصٌّ واحدٌ فحسب من ذلك كله، فكيف بالمسلم يمرُّ على قول الله تعالى {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين} ولا تأخذه رعدة؟! إن الله تعالى ذكَّر نبيَّه بأن هؤلاء الصحابة هم من نِعَم الله عليه، وهم من تأييد الله له، وأن الله تعالى غرس في قلوبهم الحب والألفة التي لا يُستطاع بلوغها {وألَّف بين قلوبهم، لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألّفت بين قلوبهم، ولكن ألّف بينهم}.

وما من مسلم يُعَظِّم رسول الله، ثم يرى منه هذا الحب لصحابته، إلا وهو مدفوعٌ لمحبتهم، محبة تغلب عليه وتأخذ منه بأقطار نفسه! إذ كيف يجتمع في قلبٍ واحدٍ حب النبي وبغض أصحابه! وذلك كان جواب ابن عمر لرجل من الخوارج جاء يسأله عن عثمان، فمدحه ابن عمر، ثم رأى الكراهة في وجه الخارجي فقال له: لعل هذا يسوؤك؟ قال الخارجي: نعم. قال ابن عمر: فأرغم الله بأنفك! ثم سأله الرجل عن عليّ، فمدحه ابن عمر وأشار إلى بيت علي يقول: هو ذاك بيتُه أوسط بيوت النبي ﷺ، ثم رأى الكراهة أيضا، فقال له: لعل هذا يسوؤك؟ قال الخارجي: نعم. قال ابن عمر: فأرغم الله بأنفك!

وهذه الإشارة الذكية من ابن عمر من أن عليًّا كان بيته أوسط بيوت النبي، أي ذلك دليل محبة النبي له، هي مدخلٌ يختبر المرء به إيمانه، فإن النبي ﷺ صاهر أبا بكر وعمر، وزوّج ابنتيه من عثمان وزوّج أحب بناته إليه من علي! ولا يكاد يُرى سائرا إلا وفي رفقته أبو بكر وعمر، وشهد لعثمان بالجنة والشهادة، وشهد لعلي بأنه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله.

ومن هنا فإن الذي يبغض الصحابة، لا سيما أبا بكر وعمر وعثمان وعليا، إنما يشير إلى نفسه بفراغه من الإيمان والدين، فإن كان صاحب الرسالة يحبهم، وإن كان هؤلاء هم أنصار الدين منذ بزغ وإلى أن صار قوة عظمى عالمية، فمن الذين تُصرف لهم المحبة في الدين إن لم يكن هؤلاء؟!

وأشدُّ من ذلك أن طعنه في هؤلاء لا بد سيصل إلى الطعن في النبي ﷺ نفسه صاحب الرسالة، فإن كان هذا النبي قد صرف محبته لغير مستحق، فأي رجل هو؟ هل خان الرسالة -حاشاه-؟ أم هو غير بصير بالرجال –حاشاه-؟!

وإذا كان ألصق الناس بالنبي ﷺ قد خانوا وبدّلوا كما يزعم أولئك الذين يبغضونهم، فمن هم أهل الصلاح إذن؟ فإن كان صاحب الرسالة قد أخفق في تربية أقرب أصحابه وتعليمهم وتزكية نفوسهم، فكيف يمكن أن يكون هذا الرجل عظيما ومعلما ومربيا؟!

هذه البدهيات العقلية هي التي جعلت علماءنا حساسين للغاية لمن يبغضون الصحابة أو يسبونهم، وجعلت كثيرين منهم ينظرون إلى هذه الظاهرة بأنها كفرٌ مستتر، فهذا المبغض عجز عن أن يطعن في صاحب الرسالة نفسه فالتمس صحابته ليتوصل من خلالهم إلى الطعن فيه، كما قال الإمام مالك رحمه الله. ومثله مقالة الشعبي: ائتني برافضي صغير أُخرج لك منه زنديقا كبيرا.. فإن الطعن في الصحابة لا يلبث بالمجهود القليل أن يتحول إلى الطعن في النبي ﷺ نفسه.

وللشيخ العلامة الهندي أبي الحسن الندوي كتاب عنوانه "صورتان متضادتان"، يُركّز فيه على هذا المعنى، فصورة الصحابة عند أهل السنة تشير إلى نبي عظيم ومصلح كبير ومربٍّ قدير، بينما صورتهم عند الشيعة تشير إلى نبي لا يستحق وصف العظمة بحال لأن أصحابه قد ارتدوا من بعده وخانوا رسالته!!

إن موقف المرء من الصحابة هو من علامات دينه ومن علامات عقله كذلك! فالذي يقع في الصحابة يشهد على نفسه بخلّوه من الدين ومن العقل معا!

نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن قال فيهم {والذين جاءوا من بعدهم يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم}

نشر في مجلة "أنصار النبي"، ديسمبر 2022م



[1] القرافي، الفروق: أنوار البروق في أنواء الفروق، (بيروت: عالم الكتب، د. ت)، 4/170. ونسبها لبعض الأصوليين.

[2] ول ديورانت، قصة الحضارة، ترجمة مجموعة، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2001م). 13/ 73.

[3] أحسن ما اطلعت عليه في التأريخ الحربي للفتوحات الإسلامية كتب الأستاذ أحمد عادل كمال، وهي سلسلة "استراتيجية الفتوح الإسلامية".

[4] القرافي، نفائس الأصول شرح المحصول، (القاهرة: مكتبة نزار مصطفى الباز، 1995م)، 1/441، 442.

[5] القرافي، الفروق، 4/170.

[6] ابن تيمية، درء التعارض بين العقل والنقل، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، ط2 (الرياض: جامعة الإمام، 1991م)، 5/71، 72.

[7] البخاري (3470).