الأربعاء، فبراير 21، 2018

أيهما أفضل.. دولة فاشلة أم دولة قوية؟


"المكان الوحيد الذي يلقى فيه الجنود (الأمريكيون) الترحيب بالورود والأزهار تُلقى عند أقدامهم هو الأفلام السينمائية"
مذكرات كونداليزا رايس، ص282.

"كانت (لحظة القبض على صدام حسين) لحظة فرح، لكنني أذكر الآن أننا قد ارتكبنا غلطة، إذ قلت في نفسي: كان يجب أن يذيع النبأ رجل عراقي. ولكن الأوان قد فات لجعل لحظة اعتقال صدام لحظة عراقية وليست أمريكية".
مذكرات كوندليزا رايس، ص295.

***

تكفي هاتان العبارتان لفهم السياسة الأمريكية في الواقع المعاصر، ولفهم دور النظم المحلية ومهمتها، المسألة ببساطة أن الاحتلال الصريح غير مرحب به ويستثير مقاومة الشعوب، بينما تغطية هذا الاحتلال بوجه "وطني" محلي يحقق نتائج الاحتلال بكفاءة أعلى وتكاليف أقل! وهذا هو دور الأنظمة المحلية "الوطنية" التي تدعمها الولايات المتحدة وتدرب لها جيوشها وأجهزة أمنها وتقدم لها الدعم الكافي لتحقيق السيطرة الكاملة على الشعوب. ولهذا ينبغي أن يبدو أي تغيير وكأنه مصلحة وطنية تنفذها يد وطنية وينطق عنه لسان وطني!

على غير ما يتوقع الكثيرون ممن يملأون فضاءنا المقروء والمسموع فإن السلطة "المحلية" القوية المتحكمة في الشعب هي مصلحة أمريكية، بينما السلطة الضعيفة التي لا تتاح لها السيطرة التامة على الشعب هي تهديد بالغ للهيمنة الأمريكية!.. نعم، كما قرأتَ بالضبط! ما يسمونه "الدولة الفاشلة" هو في الحقيقة تهديد للهيمنة الأمريكية!

هل تصدق مثلا أنه بعد أحداث 11 سبتمبر بيومين فحسب اقترح بول وولفوتيز ضرب العراق لا أفغانستان. لماذا؟ لأن العراق يملك جيشا نظاميا فيكون تحقيق النصر عليه أسهل وأسرع، ومن ثَمَّ يتحقق الانتصار المعنوي المطلوب للشعب الأمريكي، بينما الأفغان ليس لديهم جيش منظم وستكون المهمة عسيرة وقد تطول لأن المقاومة ستكون شعبية، وهذا درس الاتحاد السوفيتي لم يبرد بعد! إلا أن طلبه قوبل بالرفض لأن البدء بالعراق قد يسبب شرخا في التحالف الدولي ويمثل انحرافا عن معنى الردّ على الاعتداء الواقع في سبتمبر! لكن تلك المسألة التي طرحها وولفوتيز أُخِذت بالاعتبار، فكانت خطة الحرب تعتمد على وجود أمريكي خفيف، مع الاعتماد على المقاتلين الأفغان المعارضين لسلطة طالبان مع إمدادهم بكل ما في الوسع من معلومات استخبارية وغارات جوية وتفوق تكنولوجي. (مذكرات كونداليزا رايس ص114 وما بعدها).

وفي فقرة أكثر وضوحا وصراحة تقول كونداليزا رايس: "بعد 11/ 9 تبين لنا أن الدول الضعيفة والفاشلة تشكل تهديدا أمنيا خطيرا على الولايات المتحدة. فهي لا تستطيع السيطرة على حدودها، وقد تصبح الملاذ الآمن للإرهابيين. لذلك فإن إعادة بنائها يشكل مهمة ضخمة وهامة في آن"، ولا تلبث بعد قليل أن تكشف أن مهمة "إعادة البناء" تستلزم كثيرا من الفرق المتخصصة والمتنوعة لكن "لها جميعا هدفا واحدا، هو مد سلطة الحكومة الأفغانية المركزية ومساعدتها على توفير الأمن والتنمية للشعب الأفغاني". (مذكرات كونداليزا رايس ص139).

هذه هي بوضوح مهمة السلطة الوطنية، أن تمثل خط الدفاع المتقدم للحفاظ على أمن الأمريكان، ولتحقيق مصالحهم في البلاد وتمكينهم منها، ضمن معادلة بسيطة تكون التكلفة فيها على القوات المحلية والغنائم فيها للاحتلال الأمريكي، وقيمة السلطة في أنها أقدر على التعامل مع الشعب لمعرفتها بثقافته وتاريخه وخريطته الاجتماعية وقدرتها على تجنيد مزيد من العملاء تحت شعارات الوطن والوطنية.

تذكرت هذا كله حين عرض علي صديقي وأخي العزيز الباحث أحمد مولانا ترجمة لدليل مكافحة التمرد الأمريكي، ولعلها تنشر قريبا إن شاء الله، ذلك أن هذا الدليل صدر بتوقيع كونداليزا رايس وزيرة الخارجية في وقتها، وإلى جوارها روبرت جيتس وزير الدفاع.. وكانت الروح السائدة فيه هي ذاتها الروح السائدة في مذكرات كونداليزا رايس والتي دفعتني لإعادة التفتيش في ملاحظاتي التي سجلتها على هامشه.

ولا حاجة إلى القول بأن "التمرد" عند الأمريكان هو أي محاولة استقلالية تحررية تقاوم هيمنتهم والسلطات المحلية الموالية لهم، لكن المهم أننا سنظفر منه بكلام أكثر وضوحا وصراحة، من مثل هذا:

1. "خبرات مكافحة التمرد الأمريكية تستند على عدد من الافتراضات: منها أن الجهود الحاسمة لهزيمة التمرد نادرا ما تكون عسكرية  (على الرغم من أن الأمن هو الشرط الأساسي للنجاح). لذا فإن الجهود الأمريكية يجب أن توجه إلى إنشاء هياكل حكومية محلية ووطنية تخدم السكان، لتحل تلك الهياكل بمرور الوقت محل الجهود التي يبذلها الشركاء الأجانب".

2. "التمرد يمكن أن يزدهر في البيئة الحديثة، فالتوترات التي أوجدتها العولمة بانهيار هياكل الدول الضعيفة، والضغوط الديمغرافية والبيئية والاقتصادية، وسهولة التعاون بين الجماعات المتمردة والمجرمين، وظهور الأيديولوجيات الراديكالية المدمرة، تنبئ بفترة تكون خلالها الحكومات الحرة المعتدلة في خطر. وفي عالم اليوم، لا يمثل فشل الدولة مجرد مشكلة للمجتمعات المحلية، بل يمكن أن يتعدى ذلك سريعا ليشكل تهديدا للأمن العالمي".

3. "من الملح التنسيق بين الأنشطة السياسية والأمنية والاقتصادية والإعلامية، وهو ما يتطلب توحيد الجهود بين جميع الجهات المشاركة في مكافحة التمرد: الحكومة المتضررة، والوكالات الحكومية الأمريكية، وشركاء التحالف".

4. "إذا قررت حكومة الولايات المتحدة أن تشارك في مكافحة تمرد معين، فيجب على صانعي السياسات أن يسعوا إلى تحقيق توازن دقيق يستخدم أكثر أشكال التدخل ملاءمة بحيث يبدو أكثر هدوءا وأقل فجاجة وتطفلا، فضلا عن امتلاكه لاحتمالية كبيرة لتحقيق التأثير المطلوب. لابد من الحفاظ على سيادة الحكومة المتضررة، فزيادة التدخل إلى درجة عالية جدا قد تؤدي إلى نتائج عكسية (تاريخيا كانت بعض التدخلات الأمريكية الأكثر نجاحا هي التدخلات غير المباشرة والبسيطة). وبمجرد أن تلتزم الولايات المتحدة بالمساعدة، لابد من وضع استراتيجية لمكافحة التمرد من خلال أفضل أشكال التعاون مع الحكومة المتضررة وشركاء التحالف الآخرين، نظرا لأن إدماجهم المبكر يمكن أن يساعد في التخفيف من آثار الاختلافات على المستوى العملياتي في الأهداف والقدرات والثقافة".

5. "من ضمن المزايا الأخرى لمعرفة المتمردين بأرضهم: فهمهم التفصيلي للجغرافيا والثقافة والتاريخ وعلم الاجتماع والسياسات الخاصة بالبلد الذي يعملون به، وإن كانت الدولة الأجنبية المتدخلة غالبا ستتعلم ذلك. وبما أن الولايات المتحدة لا تواجه حاليا أي تمرد داخلي محتمل، فمن المرجح أن تكون جميع حملات مكافحة التمرد التي تقوم بها على شكل تدخلات خارجية دعما لحكومة أجنبية، أو تدخلات في البلدان الفاشلة/ المنهارة".

6. "كثيرا ما يُنظر إلى التحالفات  المشتركة لمكافحة التمرد باعتبارها تحظى بشرعية أكبر من التدخل أحادي الجانب من جهة الولايات المتحدة. لكنها تتطلب التعاون والتنسيق بشكل فاعل. فإلى حد ما يكون التدخل المشترك أقل كفاءة منه فيما لو تدخلت أميركا بشكل منفرد".

7. هذه الفقرة أنقلها باختصار، وهي تُوَصِّف دور "الفريق القومي الأمريكي" لمكافحة التمرد، وخلاصتها:

تنفذ جميع استراتيجيات مكافحة التمرد ودعم الحكومة المتضررة من خلال الفريق القومي الذي يرأسه أقدم دبلوماسي في البلد المتضرر باعتباره الأعرف بهذه البيئة، ويتمتع بسلطة استثنائية في اتخاذ القرار بوصفه مسئولا رفيع المستوى في وقت أزمة، ويكون الفريق القومي مسؤولا عن التنسيق وتنفيذ الأعمال بين مختلف المؤسسات في بلد الحكومة المتضررة. يبدأ تشخيص التمرد في مراحله المبكرة لتقديم الإجراءات الإعلامية والأمنية والسياسية والاقتصادية اللازمة، ويمكنه الاستعانة بفريق "الاستجابة المدنية" الذي يجري تطويره حاليا بوزارة الخارجية، ويهدف إلى توفير مجموعة خبراء مدنيين في مجال التعمير والاستقرار ممن لديهم القدرة  على الاستجابة السريعة للبلدان التي تمر بأزمات. فإذا قرر استخدام البدائل العسكرية تواصل رئيس الفريق مع القائد العسكري الأميركي الذي  تقع منطقة التوتر ضمن النطاق  الجغرافي لقيادته، ليساعد في استباق حالات التمرد بتقديم المشورة العسكرية ودعم برامج تعزيز الأمن. فإن تقرر نشر قوات قتالية أمريكية لمساعدة الحكومة المتضررة، فالمسؤولية تقع على عاتق هذا القائد. ويجب أن تصمم كل الجهود لزيادة شرعية وفاعلية الحكومة المهددة في نظر شعبها. وهو ما يعني مجهودا تكامليا من الإدارات الأمريكية المختلفة، بما في ذلك تقديم الدعم الميداني للقوات (الوطنية).

أحسب أن هذه الاقتباسات كافية في الدلالة على المقصود، ويمكن للقارئ مراجعة النسخة الكاملة إن أراد المزيد.

الواقع أن مجرد الكلام في هذا الموضوع هو نفسه دليل حالتنا المتأخرة، لا زلنا نحاول أن نثبت ما هو واضح كالنهار، ساطع كالشمس، ملتهب كالنار.. إن مجرد اختلافنا في توصيف الداء بعد قرنين من الاحتلال والهيمنة الأجنبية لهو نكبة، نكبة معرفية خطيرة خطورة الخيانة الثقافية التي يرتكبها محسوبون على النخبة السياسية، مجرد الكلام عن أن الدولة العربية الحالية هي دولة وطنية وهي صيغة صالحة للحكم في عالمنا العربي هو مؤشر على مدى تأخر التحرر. إذ لم يعد ثمة دليل يمكن أن يُساق لإثبات الواقع خيرا من الواقع نفسه، الواقع الذي تحولت فيه الدولة الحالية إلى غول ينهش الشعوب ويخضعها لمصلحة الاحتلال الأجنبي.. وهذا باعتراف الجميع: اعتراف المحتلين الأجانب واعتراف العملاء المحليين أيضا (هنا عشر اعترافات موثقة صوتا وصورة كمثال بسيط).

حتى مقولة "أحسن من سوريا والعراق" تثبت هذه الحقيقة، فالعراق لم تقم فيه ثورة وإنما أضعفها الاستبداد حتى أسلمها فريسة للاحتلال، بينما سوريا التي قامت فيها ثورة نزل الاحتلال إليها ليحفظ بقاء النظام الوكيل.. الاحتلال والاستبداد وجهان لعملة واحدة في عصرنا، كلاهما يدعم الآخر ويحفظ وجوده، ويجب أن نعلم أن علامة نجاح الثورة في مصر أن نرى الاحتلال الأمريكي في الشوارع! تلك هي علامة نجاح الثورة حقا!

هي معركة ضخمة بكل معنى الكلمة، فهي ليست ثورة ضد مستبد، بل هي بالإضافة إلى ذلك معركة تحرر ضد الاحتلال الأجنبي، وهذا هو قدر أمتنا في هذه اللحظات والأيام المقبلة.

الخلاصة: الدولة التي تسمى فاشلة لا تسمى كذلك لأنها فشلت في توفير حياة كريمة لشعبها، بل لأنها فشلت في مهمة التحكم بشعبها فصار هذا الشعب بيئة حاضنة لحركات الاستقلال والتحرر التي تريد التخلص من الاحتلال والأنظمة الوظيفية التابعة له. والدولة القوية لا تسمى كذلك إلا بمقدار تحكمها وسيطرتها على الناس. والمهمة الأمريكية أن تحول الدول من فاشلة إلى قوية لتؤدي هذا الدور.


الأربعاء، فبراير 14، 2018

لا تسمعوا لحمزة نمرة

لم أفكر في سماع أغنية حمزة نمرة إلا حينما رأيت صديقا أحسبه من الصادقين يقسم بالله أنه لم يستطع أن يكملها، من فرط ما فيها من طغيان الشعور.. لم يبعد الأمر كثيرا عما ظننت، لا حاجة إلى القول بأن الأغنية احترافية ومؤثرة ومعبرة عن شباب الربيع العربي المقهورين، نجاحها هو أبلغ ثناء وتعبير.

على أني أنتهز الفرصة هنا لأسجل بعض الخواطر التي أراها ضرورية لهذا الجيل، وهي خواطر حول الظاهرة والأزمة والأغنية، ولا تتعلق بحال بشخص حمزة نمرة، وإنما لهجة العنوان لغرض التشويق لا أكثر.

(1) أدركوا اللحظة الفارقة

اللهم فُكَّ أسر شيخنا الحبيب الكبير، الأسير البصير: حازم صلاح أبو إسماعيل! لم ير الناس في زمنه مثله، ولا رأى مثل نفسه.. ويعلم الله أني أكره المبالغة في الثناء والمدح.

لم يكن "أدركوا اللحظة الفارقة" مجرد شعار، كان خلاصة خبرة بالتاريخ والحياة، كان هذا الشعار نقيضا لخرافات وأوهام مثل "ميدان التحرير موجود"، "الشعب المصري بعد 25 يناير لن يعود أبدا كما كان قبل 25 يناير".. إلخ! وهي الشعارات التي صدمني أن سياسيين ومتخصصين في العلوم السياسية أطلقوها، وهو ما يفسر نكبة أمتنا حقا.

إن قوة اللحظة الثورية وعنفوانها لا تستمر إلى الأبد، هنا تظهر أعاجيب الشعوب، وهنا تتراجع سطوة السلطة، هنا يتحول المقهورون إلى جبابرة، ويتحول الجبابرة إلى حديث التهدئة والتفاهم والحوار.. هنا يرتجف السلاح بيد السلطة إذ تسقط هيبتها.. ويتفجر الأمل ويرتفع السقف لدى الذي عاش حياته كسيرا مقهورا.

§      في زمن الثورة وتباشيرها يكون الخطاب مفعما بالقوة والقدرة: احلم معايا ببكرة جاي، ولو مجاش احنا نجيبه بنفسنا.. إنسان جواك وجواي، إنسان له حلم له غاية
§      في زمن تباشير الهزيمة، يتحول الخطاب إلى مزيج من القلق والتردد والشكوى مع أمل يقاوم الخفوت: تذكرتي رايح جاي.. حياتي عمرها ما كانت باختياري.. يا مظلوم ارتاح، لك يا ظالم يوم
§      في زمن الهزيمة: بتودع حلم كل يوم، تستفرد بيك الهموم.

كان هذا المصير يراه الناصحون الصادقون، وكان حازم أبو إسماعيل إمامهم وأفصحهم فيه.. كل تطويل في المرحلة الانتقالية يعني هزيمة الثورة لأنه يعني خفوتها، وكل تأخر في الإجراءات الثورية يعني هزيمة الثورة لأنه يعني خفوتها لصالح استعادة النظام القديم لنفسه، وكل تأخر في مقاومة الانقلاب يساوي تمكنه.

لهذا بُحَّت الأصوات في التحذير من كل هذا، من تطويل الفترة الانتقالية، من برلمان غير ثوري، من رئيس غير ثوري، من أغبياء يتصورون أنهم أسقطوا الأنظمة بالهتاف في التحرير وحسابات تويتر! وأنهم قادرون على إعادة اللحظة كلما شاؤوا بغير أي تأمل في تبدل موازين القوى.. كما بُحَّت الأصوات ولا تزال في أن كل تأخر في مقاومة الانقلاب تساوي مضاعفة ثمن خلعه، والقاعدة مضطردة.

كشفت الأيام أن من صرخوا "يسقط حكم المرشد" و"النظام القديم لن يعود" و"ميدان التحرير موجود" و"العسكر في خدمتنا" منخدعين مغترين باللحظة الثورية غافلين عن قيمة الزمن.. كل أولئك إما صاروا في حضن النظام ومن منافقيه، أو من الساكتين الخانعين، أو من الضحايا في السجون والمنافي.

تماما مثلما كان يصدح حمزة نمرة يحرض على انتزاع الحلم إن لم يأتِ، ثم صار مستسلما للأحلام وهي تودعه كل يوم!
الثورة لحظة فارقة.. وأحسب أن الأمل لم ينته بعد، ولكن يجب ألا ننخدع بزخارف القول وهتافات الحالمين، فهاهو ميدان التحرير موجود، ولكن من يدفع كلفة الاقتراب منه الآن؟!.. ألا حفظ الله حازم صلاح أبو إسماعيل.

(2) الوقوف عند الحزن

صناع الحياة ومن يكتبون التاريخ لا يتوقفون عند لحظة الحزن.. بل يستنفرون عندها كل طاقتهم ليُفلتوا منها دون أن تأسرهم.. بل هم لا يسمحون بوجودها ويعملون على محاربة اليأس والإحباط ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. ولقد مدح عمرو بن العاص الروم لأنهم "أسرع الناس إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وأحلمهم عند فتنة".. سرعة الإفاقة، وسرعة العودة إلى المعركة، ولا تزلزلهم المحنة فتطير صوابهم.

قبل نحو عام كتبت هذه الكلمات كمحاولة لفهم سيرة النبي وخلفائه في هذا الموضوع، أحسب أن إعادتها هنا مفيد:
"يوم اليرموك، نظر رجل من المسلمين فرأى حشود الروم الهائلة الممتدة فقال: ما أكثر الروم وما أقل المسلمين! فسمعه خالد بن الوليد فقال له: بل ما أقل الروم وما أكثر المسلمين.. إنما تكثر الجنود بالنصر، وتقل بالهزيمة.

كلمة ذهبية في أحوال النفس والجماعات.. ما تُغني الجموع الكثيرة إذا كانت تنهزم مرة تلو الأخرى (وهي حالة الروم يومئذ)، وكيف تقوى الجموع القليلة طالما تنتقل من نصر إلى نصر. كان بعض جنود الروم في اليرموك مربوطين إلى بعضهم بالسلاسل، فقد استشعرت القيادة أنهم قد لا يثبتون لهجوم المسلمين، فكان هذا مما ساهم في ارتباك انسحابهم ووقوع بعضهم فوق بعض!

لماذا أقول هذا الآن؟

أقوله لأن خبر براءة مبارك النهائي أضفى على الشباب مسحة يأس وحزن وأسف، وصار بعضهم يذكر بعضا بما قالوه من قبل: لو مبارك خد براءة هنزل التحرير ملط.. لو أمن الدولة رجع هفجر نفسي.. الموت أهون من أن يعود نظام مبارك.. إلخ

نعم، في كل اللحظات كان ميزان القوة المادية لصالح السلطة، لكن النظام وهو يعاني الارتباك والتردد والضعف كان ينهزم أمام الثوار الذين زادتهم انتصاراتهم قوة إلى قوتهم! أما بعد تلك الهزائم، فقد انقلب الحال.. وصار الضابط لا يتردد في أن يهاجم جمعا بمسدسه، بينما كان قبل ذلك يفر أمامهم برشاشه، وربما كان الجمع نفس الجمع والضابط نفس الضابط!

سُئل أبو مسلم الخراساني: من أقوى الناس؟ فقال: كل قوم في إقبال دولتهم.

كلمة ذهبية أخرى تفسر لك حركة الناس والتاريخ.. ولعله لهذا لم يسمح النبي أبدا أبدا أن تتكرر عليه هزيمة، ما إن وقعت في أحد حتى استعد لها في حمراء الأسد في اليوم التالي، بل وأمر ألا يخرج معهم إلا من كان معهم بالأمس! ثم هو لم يرض أن تبتلع نفوس المسلمين الهزيمة، فصار ينادي عليهم للرد على أبي سفيان: لا سواء.. قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار!

ولهذا لم يسمح أبدا أن يتغلغل اليأس إلى القلوب، ففي الخندق حيث الأيام الرهيبة التي وصفها القرآن بالزلزال الشديد بشرهم بفتح فارس والروم واليمن!

ولهذا حين تزلزل جيش المسلمين في حنين، سارع النبي إلى الوقوف بمكان ظاهر ينادي في الناس، ويأمر العباس -لجهورية صوته- أن ينادي، ويذكرهم بمواقف الانتصارات القديمة: يا أصحاب الشجرة (أي شجرة بيعة الرضوان، حين بايعوا على الموت)، يا أصحاب سورة البقرة.. هلموا هذا رسول الله.. ونادى النبي قائلا: أنا النبي لا كذب.. أنا ابن عبد المطلب، فصار المسلمون -كما يصفهم الرواة- يعودون إلى النبي كما تعود البقرة حنينا لأولادها، حتى أن الواحد منهم إذا لم يطاوعه فرسه على الرجوع ألقى بنفسه من عليه وتركه وعاد إلى النبي.

وهو فقه تَعَلَّمَه منه الصحابة فلم يكد يتكرر عليهم هزيمة إلا وكان النصر التالي في خلال أيام.. فقد هُزِمت جيوش لأبي بكر في الردة -كجيش شرحبيل وعكرمة في اليمامة- فأتبعها بخالد بن الوليد فانتصر عليهم وقضى على ردتهم.. وأخفق جيش خالد بن سعيد بن العاص مرتين أو ثلاثا في حرب الروم فأخرج له أربعة جيوش بقيادة أبي عبيدة وشرحبيل ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص.

وهُزِم المسلمون في معركة الجسر أمام الفرس بقيادة أبي عبيد بن مسعود الثقفي (15 شعبان 13 هـ) فلم تمض عشرون يوما إلا وانتصروا في البويب (13 رمضان 13 هـ). والأمر يطول استقصاؤه، ويقصر المجال عنه.. وانظر ماذا فعل النبي بمن غدروا بأصحابه فقتلوهم!

القصد هو القول بأن النبي، وخلفاؤه، بل وكل ناجح في التاريخ يعرف جيدا أثر الهزيمة على جيشه.. فيبذل كل شيء لئلا تقع، فإن وقعت بذل كل شيء ليمحو أثرها من النفوس! وقد وصف الله عباده المؤمنين بهذا الوصف العجيب الرهيب (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون)

نحن ابتعدنا عن هذا المثال كثيرا كثيرا.. نحن لدينا قادة يعشقون الحياة في ثوب المحنة، يستلذون العذاب والتضحية، لا يرون في الهزيمة وتكرار الهزيمة إلا ابتلاء وتكرار الابتلاء.. ثم إن لديهم يقينا عجيبا بأنه ابتلاء حب من الله لا عقوبة منه! لا تدري.. هل اطلعوا الغيب أم اتخذوا عند الرحمن عهدا؟! ثم إنهم، فوق كل هذا، لا يتحركون ولا يعملون عملا فعالا، بل إنهم يوقفون عمل العاملين، يخشون على أنفسهم منهم!! ولا حول ولا قوة إلا بالله!

لأجل هذا كله نقول: لا ينبغي أن تفلت منا لحظة الثورة، التي أراها لم تنته بعد.. فإن إفلاتها عظيم المأساة شديد التكلفة عميق الأثر! ولا ينبغي أن ننشر اليأس لأنفسنا بأنفسنا.. ولا يعني هذا توزيع المخدرات بطبيعة الحال، فالسماء لا تمطر نصرا بغير عمل.. ولكن رب كلمة يأس ثبطت عاملا، ورب كلمة عزم ثبتت عاملا وثبطت ظالما!
(إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله، فيقتلون ويُقتلون، وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به)". (انتهى النقل).

المشكلة الكبرى في أغنية حمزة نمرة هذه أنها تقف عند الأحزان، وتبكي على الأطلال.. وليس من الفائدة في شيء أن نفعل هذا بأنفسنا!

(3) منهج الغذاء الصحي

قال شيخ الإسلام ابن تيمية فيما معناه: أن الجسم إذا أخذ حاجته من الغذاء ولو كان مؤذيا زهد في الغذاء الطيب لأنه اكتفى وشبع.. وهكذا النفس إن تعودت سماع الغناء لم يكن لها تأثر بالقرآن لأنها أخذت بنصيبها وشبعت من الغناء فزهدت في القرآن.

القرآن هو الذي بعث هذه الأمة من الرقود والسكون والظلمات، وهو الذي فجر طاقتها حتى كانت حدثا استثنائيا في تاريخ البشر، وحضور القرآن ضرورة لكل نفس وهو ضرورة عامة للأمة لا سيما في وقت ضعفها وفي محاولتها النهوض. يجب أن يحضر الخطاب القرآني على كل مائدة وفي كل جلسة نقاش وفي كل خطة عمل.

لن ينتفع بالقرآن من تشبع بالمصادر المعرفية الأخرى، وتلك على الحقيقة أهم نكباتنا المعاصرة، فالقرآن نور ولكن لا يهتدي به من لا يعرفه ولا يبصره ومن كان محجوبا عنه، (ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء إلى صراط مستقيم)، (قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء، والذين لا يؤمنون في آذانهم وقْرٌّ وهو عليهم عمى)، (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا)، (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين. يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه).

إن عدم الاهتداء بالقرآن مؤشر على الخلل فينا نحن، وهي علامة خطر شديد في الواقع، خطر على آخرتنا، وخطر على دنيانا.. والذي يهمنا في سياقنا الآن أن منهج البكاء على الأطلال والتحسر على ما فات والوقوف عند لحظة الحزن ليس مذكورا في القرآن.. بل القرآن دائم الحث على المراجعة والتصحيح والجهاد وبذل الوسع والأخذ بالأسباب.. مع الوعد بالنصر والتمكين والهداية لمن سعى وعمل (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم)، (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)، (إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون)، (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا)، (حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذِبوا جاءهم نصرنا).

فاللهم اجعلنا من أهل القرآن، فقِّهنا فيه، وعلِّمنا منه، واهدنا به..

السبت، فبراير 10، 2018

كيف عاش اليهود في الأندلس


ذلك هو المقال الرابع من سلسلة المقالات المستمرة التي تقارن بين أوضاع اليهود في ظلال الأمة الإسلامية، وبين أوضاعهم التي عاشوها في ظلال الأمم الأخرى، وآثرنا أن تكون مادة المقالات جميعها من مؤرخين غربيين ومستشرقين كي تكون الحجة أبلغ. استعرضنا في المقال الأول نظرة عامة، وفي المقال الثاني تناولنا أحوالهم في عصر النبوة والخلافة الراشدة، وفي المقال الثالث تناولنا أحوالهم في عصر الدولتين الأموية والعباسية، وفي هذه السطور نرى كيف عاشوا في ظل الأندلس. وبداية يجب العلم بأن فتح المسلمين للأندلس أنقذ اليهود فيها من الإبادة[1]، كما أن سقوط المسلمين من الأندلس كان افتتاحا لعصر الإبادة التي شملت المسلمين واليهود معا في محاكم التفتيش الرهيبة التي فرضت الكاثوليكية على سائر من في شبه الجزيرة.

يلخص اليهودي الصهيوني ليفي أبو عسل حياة اليهود في الأندلس بقوله:

"ولوا (اليهود) وجههم شطر الأندلس، ثم اقتفى أثرهم جماعات من يهود مصر، فنزلوا ضيوفا على أمراء العرب المسلمين، ولجأوا إلى سخائهم الفطري، وكرمهم الحاتمي، ولم يكن من هؤلاء الأجاويد إلا أن أحسنوا ضيافتهم، وأكرموا وفادتهم، وأنزلوهم بين ظهرانيهم، وأحاطوهم بشيء كثير من العطف والعناية، فرفلوا في مروط المرح، وطاب عيشهم نالك، واستمرأوا لذة الحياة وعذوبة المعيشة بعد طول الإحن التي ألمت بهم والكوارث التي ساورتهم، وهكذا سكن ثائر روعهم، وانقشعت غياهب بؤسهم، فأنشأوا معهدا علميا فخما. كان كعبة العلماء ومحط رحال الشعراء وقبلة الأدباء ونطس الأطباء، وأسفر ذلك التضافر العلمي والاجتماعي والتعاون العقلي والأدبي عن إبراز نفائس العلوم وكنوزها وتحف الفنون ورموزها، نفائس تسامى ذكرها، وتعالى قدرها، وطبق صيت مؤلفيها الآفاق، وشهرة واضعيها العالمين"[2].

ويضرب المستشرق الألماني كارل بروكلمان بعض الأمثلة على هذا، فيقول: "شارك اليهود في هذه الحياة الثقافية (في الأندلس) مشاركة فعالة، والواقع أنهم كانوا [قبل الفتح الإسلامي] منبثين في طول البلاد وعرضها بين القوط، وأنهم عملوا في خدمة أمراء النصارى كموظفين ماليين. فلما آلت مقاليد الدولة الأموية إلى عبد الرحمن الثالث (الناصر) عهد إلى طبيبه اليهودي حسداي بن شبروط بشؤون المال أيضا. ليس هذا فحسب، بل لقد استطاع أحد اليهود، إسماعيل بن نغرالة أن يبلغ منصب الوزارة في ظل الأمير البربري حبوس الذي استولى على الأمر في غرناطة حوالي سنة 1024- بعد أن اعتزل الحكم عمه زاوي بن زيري- والذي دام عهده حتى سنة 1038. وهكذا خلعت عليه الجالية اليهودية، وكانت كثيرة العدد هناك منذ العصور القديمة، لقب "ناجد" الخاص بالأمراء"[3].

وبالجملة، كما تقول الراهبة السابقة والباحثة في الأديان كارين أرمسترونج، فقد "كانت العلاقات طيبة في العادة بين المسلمين والمسيحيين، وكان المسلمون يسمحون للمسيحيين، مثلما يسمحون لليهود، بالحرية الدينية الكاملة في أرجاء الإمبراطورية الإسلامية، وكان معظم أهل إسبانيا يعتزُّون بانتمائهم إلى تلك الثقافة الرفيعة، فقد كانت تسبق سائر أوربا سبقًا يُقاس بالسنين الضوئية، وكان كثيرًا ما يُطْلَق عليهم المستعربون"[4]، فالثابت من التاريخ، كما يقول المستشرق البريطاني الخبير مونتجمري وات، "هو أن المسلمين والمسيحيين واليهود في الدولة العربية أثناء تلك الحقبة اختلطوا بعضهم ببعض في حُرِّيَّة تامَّة، وكان لكل فئة منهم نصيب كامل من الثقافة المشتركة"[5].

ولم يكن هذا ليحدث لولا تفوق الإسلام على المسيحية، كما يقول الباحث والناقد الأديب الإسباني أميركو كاسترو: "يمكن أن نفهم تاريخ باقي دول أوروبا دون الحاجة لوضع اليهود في المقام الأول، أما في الحالة الإسبانية فالوضع مختلف،  فالوظيفة الرئيسية للإسبان العبريين لا تنفصل عن ظروف التعايش والتلاحق مع التاريخ الإسباني الإسلامي، وكانت العربية العربية هي اللغة المستخدمة بين عمالقتهم (نذكر هنا ابن ميمون) ورغم ذلك كانوا يكتبونها بالحروف العبرية، ومن الواضح أن تفوقهم على أقرانهم في أوروبا يرتبط بتفوق الإسلام على المسيحية خلال الفترة من القرن العاشر وحتى الثاني عشر، ولولا احتكاكهم بالإسلام لما عنوا بالفلسفة الدينية"[6].

وإن أي مقارنة بين العهد الإسلامي وبين ما سبقه وما تلاه ستكون كاشفة، أو كما تقول زيجريد هونكه: "بينما عاشت النصرانية في ظلِّ الحكم الإسلامي قرونًا طوالاً -في الأندلس، وفي صقلية، والبلقان- فإن انتصار النصرانية على الإسلام -في الأندلس سنة (1492م) - لم يَعْنِ سوى طرد المسلمين واليهود، واضطهادهم وإكراههم على التنصُّر، واستئناف نشاط محاكم التفتيش، التي قامت بتعقُّبِ كلَّ مَنْ يَتَّخِذَ سوى الكاثوليكية دينًا، والحرقِ العلني -في احتفالات رسمية تحفُّها الطقوس والشعائر الكنسية- لكل من اعتنق الإسلام أو اليهودية"[7].

وإن من أبلغ الأدلة على ما لقي اليهود من المعاملة الحسنة أنهم هرعوا إلى تعمير مدينة فاس حين إنشائها، حتى لقد بلغت الجزية التي يدفعها اليهود –ومن معهم- ثلاثين ألف دينار في السنة، وهو دليل على كثر عدد اليهود، أو على غناهم لو قُلْنا بقلة عددهم، وكلا الاحتمالين ينفيان احتمال اضطهاد اليهود[8].

في المقال القادم إن شاء الله تعالى ننظر في أحوال اليهود في ظل الدولة العثمانية، فالله المستعان.





[1] ج. ه. جانسن، الصهونية وإسرائيل وآسيا، ترجمة: راشد حميد، سلسلة كتب فلسطينية 39 (بيروت: مركز الأبحاث – منظمة التحرير الفلسطينية، سبتمبر 1972م)، ص16.
[2] إبلي ليفي أبو عسل، يقظة العالم اليهودي، مرجع سابق، ص44.
[3] كارل بروكلمان، تاريخ الشعوب الإسلامية، ترجمة: نبيه أمين فارس ومنير البعلبكي، ط5 (بيروت: دار العلم للملايين، 1968)، ص315.
[4] كارين أرمسترونج، سيرة النبي محمد، ترجمة: د. فاطمة نصر ود. محمد عناني، ط2 (القاهرة: سطور، 1997)، ص32.
[5] مونتجمري وات، فضل الإسلام على الحضارة الغربية، ترجمة: حسين أحمد أمين، ط1 (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1983)، ص67.
[6] أميركو كاسترو، إسبانيا في تاريخها: المسيحيون والمسلمون واليهود، ترجمة: علي إبراهيم منوفي، ط1 (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2003)، ص537.
[7] زيجريد هونكه، الله ليس كذلك، مرجع سابق، ص45.
[8] ابن أبي زرع، الأنيس المطرب وروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، (الرباط: دار المنصور، 1972م)، ص36.

الخميس، فبراير 08، 2018

الشريعة للمقاومة.. عاطفة ووضوح



تفضل فريق المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية فأعاد نشر مقالي "مسألة الشرعية لدى حركة المقاومة" المنشور بالعدد السادس من مجلة كلمة حق، وقد أكرمني أخي الكريم الأستاذ الباحث ياسر فتحي فنشر ردا كريما عليه، مما أحوجني إلى كتابة هذا التعقيب.

مختصر فكرة المقال أن حركة المقاومة لا بد لها من شرعية، فمعنى "الشرعية" هو ما يجعلها حركة مقاومة لا حركة خروج على النظام والقانون، ولذلك سعى كل نظام لبناء شرعيته التي تجعل مقاوميه خارجين عليها ومنحرفين ومنبوذين، كما سعت كل حركة مقاومة لبناء شرعيتها التي تجعلها حركة نضال وكفاح ضد نظام يفتقد إلى الشرعية ولا يتمتع بها. فإذا أنزلنا هذا الحال على أمتنا الإسلامية فسنرى بوضوح أن الإسلام، الذي هو روح الأمة وهويتها وانتماؤها، يجعل مسألة شرعية النظام متوقفة على إقامته للدين وإنفاذه للشريعة. وهو الأمر الذي سار في التاريخ الإسلامي وفي تراث الفقه كله، فالشرعية الوحيدة للحاكم المتغلب الذي قبلت به الأمة اضطرارا هو أنه يقيم الدين والشريعة ويحفظ بيضة الأمة. وبناء على هذا كله فإن كل نظام لا يأخذ شرعيته من الدين ولا يسعى لإقامة الشريعة فهو نظام فاقد للشرعية. وهذه الفكرة هي أهم ما ينبغي على أي ثورة وأي حركة مقاومة في بلادنا أن تغرسه وتنشره في الناس، فتلك هي أقوى ضربة تسدد لشرعية النظم القائمة وهي أقوى معين يأتي للثورة وحركة المقاومة بالأمداد والأفواج لأنه يخاطب الناس بلسان الدين الذي هو المؤثر فيهم والملهب لشعورهم والمفجر لطاقاتهم.

وافقني أخي ياسر على ضرورة الشرعية لحركة المقاومة، لكنه توقف ليقول: إن التغيرات الهائلة التي حدثت بين عصرنا وعصور تطبيق الشريعة تمنع الآن من وجود تصور واضح للشريعة، حيث لا يوجد الآن "بشكل واضح ومحدد نظام معاصر للشريعة"، وتختلف الاجتهادات والرؤى المعاصرة اختلافا واسعا في محاولاتها استنباط الاجتهاد الأمثل لزماننا وأوضاعنا. وحيث كان الحال هكذا فإن رفع شعار الشريعة لن نجني منه سوى العاطفة، وهي العاطفة التي ستأتينا معها بالصراعات والسجالات التي ستندلع حول تفسيره والتي قد تؤدي إلى اقتتال الصف الواحد. ولتجنب هذا علينا أن نضع شعار الشريعة جانبا ريثما يتوصل المجتهدون إلى صياغة عليها اتفاق، وهذا لن يعطل حركتنا الثورية فإن كل نظام مستبد هو فاقد للشرعية، وكل اغتصاب لإرادة الأمة هو مبرر كاف للثورة على النظام وخلعه.

تلك خلاصة فكرته كما فهمتها، وأحسب أني نقلتها بأمانة، ورابط المقال موجود لمن أراد الاطلاع عليه كاملا.

سأجمل تعقيبي على أخي ياسر في نقاط هي:

1. إن انتظار وصول المفكرين والمجتهدين إلى اتفاق حول النظام المعاصر للشريعة هو انتظار ما لا يأتي أبدا. ذلك أن عالَم التفكير والتنظير لم ينته في أي يوم لرأي حاسم واضح متفق عليه في أي قضية. المفكرون يقضون الوقت في التحليل والتفسير والاقتراحات والسجالات، ثم يأتي الحركيون العمليون فيغيرون الواقع طبقا لما حملوه هم من أفكار واضحة آمنوا بها واعتنقوها بحماسة، فينتقل عالم التنظير والتفكير إلى تحليل وتفسير الواقع الجديد وتقديم الاقتراحات حوله.

إنه بقدر ما نشأت كل حركة مقاومة وتغيير عن فكرة، بقدر ما ابتعدتت نفس هذه الحركة عن السجال المكثف حول الفكرة وتفاصيلها وآفاقها وأعماقها وآثارها.. العمليون يتحركون بناء على فكرة واضحة وبسيطة دون أن ينتظروا من تيار الفلاسفة والعلماء حسم تفاصيلها، أولئك هم من يغيرون الواقع على الأرض، وبقدر ما ينجحون في تغييره وتأسيس دولتهم بقدر ما تكتسب فكرتهم مزيدا من القوة والعمق بما ينشأ حولها من تراث فكري تخدمه جيوش من المفكرين والفلاسفة، أولئك المفكرون والفلاسفة هم أصلا نتيجة انتصار هذه الفكرة على أرض الواقع.

نعم، إن خالد بن الوليد نفسه لا يستطيع التعبير عن الإسلام بتقعيد وتنظير وتقسيم الشافعي أو الغزالي أو الشاطبي.. لكن وضوح الفكرة البسيطة في نفسه وإيمانه بها أشد وأعمق وأقوى من كل هؤلاء، ولولا هو لما وصل الإسلام إلى هؤلاء، وأغلب الظن أن عقولهم الذكية هذه كانت ستنتج فلسفات ميتة إن لم تنتج فلسفات تؤصل لكسرى وقيصر ضمن الحضارات التي ستكون سائدة عليهم! ففضل خالد بن الوليد علينا وعليهم هو الفضل الأعظم.

المقصود ببساطة: أن حركة المقاومة بما تغيره على الأرض هي من تنشيء الأوضاع التي تقدح أذهان المفكرين في تأصيلها وإنضاجها لا العكس.. والعمليون لا يحتاجون إلا إيمانا عميقا قويا بفكرة بسيطة واضحة طالما هم في سياق المقاومة وفي لحظة التأسيس. وهكذا فإن رفع الشريعة يؤدي المطلوب في لحظة المقاومة والتأسيس.

2. إن الذي يصنع الخلاف والتنازع والاقتتال هو محاولات التفصيل والتفسير للشعار، محاولة الوصول إلى الفصل فيما لم يأت زمنه ولا وقته بعد.. الذي يصنع الخلاف هو محاولات المفكرين والفلاسفة والباحثين ترك واجب اللحظة الذي يخدمه الشعار والإصرار على استطلاع ما بعد المرحلة وما وراء الكلام.

إن الاتفاق يعم الإسلاميين ما داموا يجيبون على سؤال: كيف نسقط الطاغية، ثم يأتي الاختلاف كله حين يُطرح سؤال: ماذا سنفعل في الخمور والسياحة العارية وحجاب النساء ونحوه، ثم يقع التنازع حين تطرح هذه الأسئلة والطاغية لم يسقط بعد.

وبتوسيع الصورة: يعم الاتفاق سائر أطياف الشعب ما داموا يفكرون في نجاح الثورة، ثم يزرع المتنفذون الكراهية والبغضاء بينهم حين يطرحون عليهم وبإلحاح: ماذا يكون الوضع حين ينجح الإسلاميون فيفعلون كذا وكذا، أو: ماذا يكون الوضع أيها الإسلامي إذا لم يختر الناس الشريعة أو إذا تظاهر ضدك العلمانيون؟.. طرح هذه الأسئلة في وقت الثورة والنظام لا يزال قائما هو ما يفجرها ويزرع بينها بذور الاقتتال.

فالواقع –أخي ياسر- هو عكس ما تتصور، إن دخول الفلاسفة والمفكرين على خط أسئلة ما بعد المرحلة هو ما يشتت حركة المقاومة ويفجر الثورة، لأنه يضرب فكرتها البسيطة الواضحة المستقرة في الأذهان والتي تتحمس لها المشاعر وتبذل في سبيلها التضحيات ويحولها إلى مجموعة من الأسئلة المعقدة.. وهكذا كانت تجربة ثورتنا في 25 يناير.

الخلاصة: أنه بقدر ما ترك المفكرون والكُتَّاب والباحثون إزعاج حركة المقاومة بأسئلة لم تطرح بعد ولم يأت وقتها، بقدر ما استطاعت حركة المقاومة والثورة أن تحتفظ بتماسكها وتتجنب تمزقها وتشتتها.

3. نعم، لا يوجد نظام معاصر للشريعة.. والاجتهاد في سبيله هو واجب المسلمين كما ذكرت، لكن الاجتهاد لا يكون أبدا عملا فكريا فحسب يتخصص له المفكرون والمجتهدون، بل هو عمل واقعي، وإجابات على أسئلة ينتجها الواقع والتحديات العملية. الواقع أنه لا قيمة للمفكرين بل ولا ضرورة لهم ما داموا لا يستطيعون تقديم إجابات عملية يسكبون فيها رحيق وخلاصة علومهم النظرية.

وبالتالي فعدم وجود نظام معاصر للشريعة هو تحدٍّ يستدعي العمل على إيجاده، العمل الواقعي الحركي، ولا يكون عدم وجوده مبررا لترك البحث عنه بحثا عمليا واقعيا. وأول واجب واقعي في هذا هو مقاومة هذه النظم القائمة التي تعمل على حرب الشريعة نفسها وقتل وطرد كوادرها.

4. الشريعة كشعار يوفر لحركة المقاومة العديد من المزايا، إن قدرتها العاطفية التعبوية الهائلة التي لا يستطيع شعار آخر أن يكافئها فيه ليست الميزة الوحيدة. بل الشريعة نظام يجعل التصور البديل في مرحلة ما بعد انتصار الثورة يتمتع بالحد الأدنى من الوضوح.

صحيحٌ قد وقعت متغيرات هائلة بين أزمنة تطبيق الشريعة وزماننا لكن كثيرا من الثوابت باقية كما هي في عالم النفس والاجتماع والعلاقات الدولية.. وبالتالي فأكثر ما بني من فقه وتراث وأفكار في هذه المجالات سيظل قائما وفاعلا ومفيدا ومطلوبا! كما أننا نستطيع أن نجد ثوابت في الفكر الغربي ومسيرته الحضارية تمتد إلى سقراط وأفلاطون وأرسطو، وهذا في كل حضارة.. فالإنسان لم ينفصل عن ماضيه انفصالا تاما، وتجربتنا الحضارية امتدت إلى ما قبل مائة سنة، ولديها تراث ضخم ضخم من الاجتهادات القريبة فضلا عن اجتهادات عصر ما بعد سقوط الخلافة حتى الآن. المهم أن أمورا كثيرة تظل واضحة في تصورنا لما نريد أن يكون عليه المستقبل. ولو افتقدنا مرجعية الشريعة لكان الخلاف بين الثائرين أوسع بكثير وأضخم بكثير وأعقد بكثير، تماما كما هو الفارق بين اختلاف مذاهب الفلسفة وبين اختلاف مذاهب الفقه الإسلامي، الفارق بين اختلاف في الأصول والمنطلقات والاختلاف داخل الأصول والمنطلقات المتفق عليها.

يكفي لحركة المقاومة أن تعمل تحت ظل المتفق عليه، الأصول والثوابت، وعلى جمهرة المفكرين والمثقفين أن يعملوا على ترسيخ تلك الثوابت والأصول دائما، ثم عليهم أن يحتفظوا بالخلافات الفروعية والاجتهادية لتظل في إطار بيئتهم العلمية وفي ظل العمل المشترك المستند إلى الثوابت.

5. توفر مرجعية الشريعة كذلك وضوحا قويا لمعنى الشرعية نفسه.. فبغير مرجعية الشريعة سنختلف اختلافا واسعا حول شرعية النظام نفسه وشرعية حركة المقاومة، مرجعية الشريعة تحدد لنا معنى الشرعية، واستبعادها يدخلنا في متاهات فكرية وفلسفية حول معنى الشرعية وتفسيرها وشروط من يحوزها. إن استبعاد الشريعة كمرجعية وشعار يجعلنا ندخل مباشرة تحت مرجعية ينتجها الواقع (فالسلطة تنتج المعرفة) أو ينتجها مذهب فكري وضعي آخر وهو في حالتنا: المرجعية الغربية باعتبارها الثقافة الغالبة.

إن استبعاد مرجعية الشريعة سيدخلنا في خلاف واسع حول المرجعية البديلة، فلا شيء في الحياة بلا مرجعية، ولا يكفي في هذه الحال أن يقال طالما وجد ظلم فشرعية الثورة قائمة، لأن الظلم نفسه معنى يختلف فيه الناس، ويختلفون فيما يُتحمَّل منه أو لا يُتَحمَّل، وفي القدر الذي تكون الثورة معه مبررة أو لا تكون.. كل المعاني التي تبدو متفقا عليها كالعدل والمساواة والأخلاق ونحوه هي ليست كذلك عند النزول إلى التجربة العملية، لأن المرجعية التي تفسرها تعمل على بيان حدودها وضوابطها ومراتبها.

(وهنا أرجو بشدة قراءة هذا المقال لنكتشف أن الفكر الغربي الذي يعرف بأنه ليبرالي حرياتي ديمقراطي حقوقي، هو أشد في مذهبه العملي من مقولة "تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك"، فهذه المقولة التي هي موضع خلاف ضخم في الفكر الإسلامي هي في حكم الثابت في الفكر الغربي الحديث.. ذلك لنعلم أن الشعارات المرفوعة حين تنزل على أرض الواقع تفقد سموها المفارق للمرجعية وتكتسب من المرجعية خصائصها الواقعية).

كذلك فإن استبعاد مرجعية الشريعة سيدخلنا في اشتباك فكري وقيمي وأخلاقي مع أمتنا المسلمة وشبابنا المسلم. تلك الأمة وهؤلاء الشباب الذين هم مدد حركة المقامة ومادتها وعدتها، والواقع يثبت يوميا أن رفع شعار الشريعة هو ما يجذبهم ويلهبهم حتى لو أن الذين رفعوها كانوا عبثيين وعدميين وبلا عقل (كما هي حالة داعش).

ثم إن الذين نحاول إرضاءهم –أو جذبهم- باستبعاد مرجعية الشريعة هم القلة في بلادنا، حتى لو تضخموا بالحضور التليفزيوني والإعلامي، لكنهم على أرض الواقع بلا تأثير حقيقي. والواقع أيضا أن هؤلاء عند اللحظات الفاصلة ينحازون إلى عداء الأمة وثورتها ويفضلون جحيم العسكر والاستبداد على جنة الإسلاميين.. والأمثلة طويلة ومتعددة بحجم قرنين من الحقبة العلمانية في بلادنا.

خلاصة ما أود قوله في كلمات معدودة:

الشريعة هي الشعار المنسجم مع أمتنا، الملهب لطاقات شبابنا، الذي يوفر لنا مرجعية فكرية متينة ذات ثوابت وأصول متفق عليها تعصمنا من التيه بين الأفكار والمذاهب، وتعصمنا من سطوة الثقافة الغالبة والسلطة القاهرة التي تنتج الأفكار لتصنع شرعيتها، ولا داعي للخوف من أن بعض الأمور تحتاج اجتهادا معاصرا ما دامت هذه الأمور تناقش في بيئتها العلمية، تلك البيئة التي عليها واجب الاجتهاد المعاصر بإجابة الأسئلة التي تتطلبها المرحلة أولا قبل الجدال حول إجابات الأسئلة المستقبلية، وعليها واجب هداية وإنضاج الثورة وحركات المقاومة بالمتفق عليه والثوابت لا تفتيتها وتمزيقها بطرح الخلافات والسجالات حول المختلف فيه.