الثلاثاء، فبراير 05، 2019

عن أوقاف السلاطين


يؤثر واقع الدولة الحديثة على فهم التاريخ فيما قبل الحداثة، ومن أهم تلك الفوارق التي تجب الإشارة إليها أن النشاط الاقتصادي والتعميري لم يكن موكولا إلى السلطة فيما قبل الحداثة، وكان تدخل السلطة فيه محدودا يقتصر على الحفاظ على الأمن اللازم لاستمرار النشاط الاقتصادي وتوفير القضاء الذي يتدخل لحل المنازعات، بينما يدير الناس هذا النشاط الاقتصادي دون توجيه ملزم أو تحكم وسيطرة من قبل السلطة. بينما في عصر ما بعد الدولة الحديثة تحول الموقف إلى النقيض، إذ تتولى السلطة إدارة النشاط الاقتصادي وتحديد نظامه وطبيعته وتتحكم في مراحله جميعا، والسلطة هي التي تسمح بحدود الحرية التي يمكن للناس أن يحظوا بها في إطار النظام الاقتصادي.

لذلك فيمكن أن نبصر الانهيار الاقتصادي في صفحات التاريخ مع ضعف نظام السلطة الذي يؤدي إلى انهيار الأمن أو ضعف القضاء أو زيادة الظلم والمصادرات، بينما في الواقع المعاصر يمكن أن يكون نظام السلطة قويا ومتحكما بكفاءة لكن الوضع الاقتصادي ضعيف أيضا بفعل الفساد داخل جهاز السلطة نفسه.

وما يهمنا في هذا السياق أن مسألة الأوقاف لم تكن بالأساس عملا سلطويا،  فالحديث عن "الأوقاف العثمانية" يشير أساسا إلى نشاط الأوقاف في العصر العثماني وليس إلى نشاط السلطة العثمانية في إنشاء الأوقاف، فلم يكن رصد الأوقاف ضمن مهمات السلطة في النموذج الإسلامي، وإنما هو يحدث من قبيل مشاركة السلطة في نشاط اجتماعي خيري وليس هو من مهماتها بالأصالة[1].

لكن حيث كانت ظاهرة الأوقاف ظاهرة كبيرة وشاملة وراسخة في المجتمعات الإسلامية فكان من النادر ألا توجد سلطة إلا وترصد أوقافا على جهة ما من وجوه الخير، وهو تخصيص موارد جزء من بيت المال كأوقاف، تلك الأوقاف هي التي يقع عبء إدارتها على عاتق السلطة، إضافة إلى الأوقاف التي صارت مجهولة الصاحب مع تقادم العهد أو لأسباب أخرى أو الأوقاف التي هجرت وخربت أو التي غاب عنها أصحابها غيابا متصلا أو التي كانت أهلية وانقرض المستفيدون منها ونحو ذلك.

لم يكن غريبا أن تكون الموارد الموقوفة هي معظم موارد البلاد، وقد أورد المؤرخ المصري الإسحاقي أن السلطان سليم الأول العثماني حين دخل مصر وأمر بمسح أراضيها وجد نحو 40% منها موقوفة[2]، بل وأوردت مصادر أخرى أن الموقوف كان ثلثي الأرض وأن بعض الوزراء استكثر هذا وحرَّض السلطان على ضمها للخزينة فرفض واحتد وقال: "خيرات فعلها من قَبْلَنا لا نحب أن يكون نَقْضُها من قِبَلِنا"، ووقع مثل هذا أيضا مع السلطان سليمان القانوني[3].
ولذا تعددت محاولات بعض الولاة والسلاطين للاستيلاء على الأوقاف أو تغيير شروط واقفيها إما بدافع الطمع أو بدافع تجهيز الجيوش أو غيره، وهو ما كان يجد معارضة قوية من العلماء، وظلت الأوقاف مُصانة في الجملة حتى جاء عصر الدولة الحديثة والأنظمة العلمانية فسيطرت عليها فكانت تلك من أقسى النكبات التي عانت منها الأمة[4].

لذلك فحين نتحدث عن وقف أنشأه سلطان أو والٍ في سلطنته الكبيرة أو في ولايته الصغيرة فإنما نتحدث عن نشاط سلطوي في إرصاد الأوقاف، ولا بد من فهم مسألة أن الوالي إذا لم يوقف وقفا فلا يُعَدُّ هذا تقصيرا منه طبقا للنموذج الإسلامي وطبقا لمفاهيم ذلك العصر، بخلاف عصر ما بعد الحداثة الذي تضخمت فيه مسؤوليات السلطة وشملت النشاط الاقتصادي. ومن هنا، فنحن حين نتحدث عن أوقاف ولاة أو سلاطين فإنما نتحدث عن جانب طوعي خيري يقوم به الوالي العثماني في مصر فوق مهماته الأساسية. ويجب أن يكون واضحا أن نشاط الوقف هو نشاط مجتمعي وليس نشاطا سلطويا.

لكن ها هنا يجب الانتباه أيضا إلى أن أوقاف الولاة والسلاطين ليست كلها فعل خير خالص، وإنما وفَّر نظام الوقف الإسلامي بابا كبيرا لأمور وَجَدَ فيها الولاة والسلاطين ما يحقق مصلحة لهم فاستثمروه. ذلك أن جوهر الوقف أن الإنسان يُخرج شيئا من ملكه ليصير ملكا لله تعالى، فبهذا يحرم التصرف فيه والاعتداء عليه، فمن أوقف ريع أرض على وجه من وجوه الخير الذي يحدده فقد حرم التصرف فيها على أي نحو آخر، ويمكن للواقف أن يوقف شيئا على أهله وأولاده فيمتنع عليهم التصرف فيه واقتسامه كالإرث، وإنما يستفيدون منه كما تركه، وهذا ما يسمى الوقف الأهلي أو الذري (من الذرية)، وهذا النوع الأخير من الوقف أدَّى إلى منع تقسم الملكيات الكبيرة كالبيوت والأراضي ونحوها كما يحدث مع الميراث.

لا يمكن إغفال العامل الديني الذي نزع بالولاة والسلاطين إلى إرصاد الأوقاف تدينا ورغبة في التوبة وخدمة الدين، ولكن نظام الوقف كان طريقهم لعدد من المصالح الأخرى منها: التقرب للرعية والعلماء بإرصاد الأوقاف على الفقراء والمساكين ومصالح الناس وعلى العلماء والمدارس والمساجد، ومنها: التنافس مع غيرهم من الولاة السابقين والمعاصرين رغبة في الشهرة والذكر الحسن بين الناس وعند الخليفة، ومنها: تجنب ما قد يمكن أن يقع على أملاك الوالي إذا تغير الحال وانقلب الوضع السياسي وصار هو قتيلا أو طريدا ففي هذه الحالة تبقى أملاكه موقوفة على ذريته لا يمكن مصادرتها ونزعها منهم[5].

وقد أفتى الفقهاء بأن أوقاف الملوك والسلاطين لا يُراعى شرطها ويجوز نقض ما لم يوقف منها على مصالح الأمة لأنها من بيت المال، وأول ما وقع هذا بحسب ما نعلم ما كان من العلماء حين واجهوا رغبة السلطان برقوق الذي احتاج لنقض الأوقاف لتمويل مواجهة المغول المهاجمين لديار الشام، فتصدى له العلماء وقال سراج الدين البلقيني وبرهان الدين ابن جماعة وأكمل الدين الحنفي، ولم يجيزوا له إلا نقض ما أوقفه السلاطين على الذراري فحسب، وعن أولئك نقله السيوطي، وعن السيوطي نقله ابن عابدين في الحاشية، وذكر ابن عابدين رأي شيخ الإسلام أبي السعود أفندي مفتي السلطنة العثمانية زمن السلطان سليمان القانوني، وخلاصة قول ابن عابدين أن أوقاف السلاطين إرصادات لا أوقاف حقيقية لذا لا يُراعى شرطها. وهذا التحقيق عن ابن عابدين سرى في كتب المتأخرين كما في حاشية المكي على الفروق للقرافي وكما في قواعد الأوقاف لمفتى الشام وناظر أوقاف دمشق محمود أفندي الحمزاوي وغيرهم[6].

والشاهد المقصود أن مثل هذه الأمور فارقة في تصورنا للتاريخ وفهمه حين نطالع كتبه، ولذا يجب علينا أن نفسهم الفوارق التي كانت بين مجتمعاتنا الإسلامية قبل دخول الدولة الحديثة والسلطة المركزية وبينها بعد هذا الزمان، وبدون التنبه لمثل هذا لا يمكننا فهم وتقييم الأوضاع التاريخية القديمة ومن ثَمَّ فلا يمكننا تطوير أوضاعنا المعاصرة نحو خير أمتنا وشعوبنا.



[1] للمزيد حول هذا الموضوع، انظر: محمد إلهامي، منهج الإسلام في بناء المجتمع، ط1 (القاهرة: دار التقوى، 2015م)، ص113 وما بعدها، 224 وما بعدها.
[2] الإسحاقي، أخبار الأُوَل فيمن تصرف في مصر من أرباب الدول، (طبعة مصر، 1310هـ)، ص143.
[3] عيسى السفتي، عطية الرحمن في صحة الأرصاد للجوامك والأطيان، مخطوطة بالمكتبة الأزهرية، خاص (372) عام (49572)، لوحة 20، ص38.
[4] محمد أبو زهرة، محاضرات في الوقف، ط1 (القاهرة: معهد الدراسات العربية العالية، 1959م)، ص20 وما بعدها؛ محمد عمارة، هل الإسلام هو الحل: لماذا وكيف؟، ط2 (القاهرة: دار الشروق، 1998م)، ص121، 122؛ وانظر: محمد إلهامي، جناية الأنظمة العلمانية على الأوقاف الإسلامية، مجلة البيان السعودية، عدد 312، شعبان 1434هـ = يوليو 2013م.
[5] ابن خلدون، ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، ط2 (بيروت: دار الفكر، 1988م)، ص549.
[6] انظر: ابن عابدين، حاشية ابن عابدين: رد المحتار على الدر المختار، ط2 (بيروت: دار الفكر، 1992م)، 4/184؛ محمد علي بن حسين المكي المالكي، تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية، ضبطه وصححه: خليل المنصور، مطبوع بحاشية الفروق للقرافي (بيروت: دار الكتب العلمية، 1998م)، 3/12 وما بعدها؛ محمود أفندي الحمزاوي، قواعد الأوقاف، اعتنى به: محمد وائل الحنبلي، ط1 (عمان: أروقة للدراسات والنشر، 2017م)، ص94.

السبت، فبراير 02، 2019

الإلحاد والجهاد.. هل يستويان، وهل يتقابلان؟


بثت قناة الجزيرة فيما وثائقيا بعنوان "في سبع سنين"، يروي الفيلم قصة تغير المسارات لدى الشباب واختار أن يتحدث عن تطرفين متقابلين، فكان نصف الفيلم حديثا عن شباب من الإسلاميين تحولوا إلى الإلحاد، ونصفه الآخر شباب لم يكن متدينا بالأصل وهو الآن يقاتل في سوريا.

ويمكن أن نعدّ هذا الفيلم مدخلا مناسبا للحديث عن بعض أمور:

1. تنطلق فكرة الفيلم من أن الذهاب إلى الإلحاد كالذهاب إلى الجهاد، كلاهما رد فعل متطرف على الأزمات التي عاشها الشباب، والواقع أن هذا التصور نفسه بحاجة إلى نقد ونقض أساسي، وهو تصور ينطلق أساسا من رؤية تعودت وتآلفت وتصالحت مع مشهد الدين المقهور تحت الدولة العلمانية، ومن ثَمَّ فهو يستنكر ويستبشع الخروج من الدين إلى الإلحاد بنفس القدر الذي يستنكر به ويستبشع الخروج عن الدولة إلى الجهاد. وإذا شئنا الحق فإن الخروج عن دين لا يجيب عن الأسئلة الجوهرية أو الخروج عن الدولة التي لا تقوم بوظائفها الأساسية هو رد الفعل الطبيعي الفطري التلقائي المتوقع، بينما المُستغرب حقا هو الولاء لدين مهما بدا أنه لا يحقق الاطمئنان الفكري والإيماني أو الولاء لدولة تعمل بنقيض وظائفها. إنما الذي ينبغي أن يُستغرب كيف يستطيع أحدٌ بعد هذه الزلازل أن يعتنق ذات الموقف الذي يجمع بين دين ودولة كلاهما فارغ من مضمونه!

2. لم يكن الذين قدَّم الفيلم قصصهم على أنهم جهاديون متطرفون من "تنظيم الدولة" (داعش)، فغاية ما يمكن أن يكونوا هو أنهم من هيئة تحرير الشام التابعة للقاعدة والتي انفصلت عنها مؤخرا سعيا لبناء توافق داخلي فصائلي سوري، يدل على ذلك عدد من الشواهد ليس هذا محل التفصيل فيها. وإنما كانت هذه الإشارة مهمة لكي نقول بأن الذين ظهروا في هذا الفيلم لا يمثلون "داعش" التكفيرية، وإنما يمثلون الحالة الجهادية التي هي في سوريا حالة ثورية بالأساس آلت إلى حالة جهادية. وهذا أمر مهم في التأسيس للحوار حول "التطرف" الذي سوَّقه الفيلم.

والذهاب للجهاد في سوريا ضد نظام بشار الأسد هو في الأصل –ومهما خالطه من أخطاء عملية وتفصيلية- عملٌ ثوري نبيل في ميزان الشرائع الأرضية وتاريخ حركات المقاومة، والمناضلون اليسار –وأشهرهم: جيفارا- هم النموذج غير الإسلامي لما يسمى "الجهاد العالمي"، لكن الأدبيات اليسارية تسميه "الثورة العالمية"، فضلا عن كونه واجبا دينيا إسلاميا بفتوى كثير من العلماء المعاصرين يوم أن كانوا يملكون النطق والفتوى كما فعلوا في زمن مرسي فك الله أسره. فلو أن الفيلم كان صادقا في رصد حالة التطرف والتكفير لكان عليه أن يلتقي بداعشي ليتحدث عن تطور فكره إلى التكفير واستحلال الدماء.

3. كان متدينا ثم ألحد.. لم يكن متدينا ثم ذهب للجهاد

لو حاولنا تحليل هذه الثنائية التي يمكن أن تكون خلاصة الفيلم الوثائقي، فيجب أن يلفت انتباهنا أن الإلحاد هو موقف من الإله ومن الكون ومن الناس عموما.. بينما الجهاد موقف من الدولة ومن النظام! فالإلحاد هو خروج من المعركة بينما الجهاد هو دخول فيها. الإلحاد هو نفض اليد من كل التكاليف بينما الجهاد هو تحمل أشق وأشد أنواع التكاليف.. فمن منهما أصلب عودا وأقوى نفسا وأعظم هما وأعلى همة؟!

لا يستوي من استثقل تكاليف المعركة فنفض يده منها، ومن لم يكن يعلم بها فلما رآها عزم على خوضها مهما كانت التكاليف!

ولو تأملتَ لرأيت الذين ذهبوا للجهاد يُغَطّون وجوههم ويحرصون ألا يُعرفوا، بينما الذين ألحدوا يتحدثون ويعيشون مكشوفي الوجوه ببساطة، وما ذلك إلا لأن الأولين يخوضون المعركة ضد الواقع الظالم وأنظمته الجبارة، بينما الآخرون لا يمثلون خطرا على أنظمة الظلم والقهر.. هذا بنفسه دليل فارق في أنهما لا يستويان ولا يتقابلان، ويجب ألا يُقدَّما باعتبارهما وجهان للتطرف!

4. في ثنايا هذه الثنائية معنى مهم، وهو أن الدين المغشوش الذي تشربه بعض الناس أسوأ من بقائهم بغير تدين.. الجهل خير من الأفكار المسمومة كالجوع خير من الطعام المسموم، وفي حالتنا هذه فالمسألة ليست جهلا بقدر ما هي البقاء على الفطرة. إن تحرك الإنسان نحو الجهاد والمقاومة والثورة حين يرى المظالم والمذابح هو رد الفعل الإنساني الطبيعي، وأعرف بعض الأصدقاء ألحد أو كاد يلحد حتى سمع عما في الإسلام من مقاومة للظلم ورفض له وجهاد ضده فدُهِش لأن الإسلام فيه هذه الأمور، فوافق هذا فطرته فكان من بعد ذلك متدينا صبورا متحملا لتكاليف المقاومة ومضحيا في سبيل هذا الدين.

وقد عبَّر بعض الذين ظهروا في الفيلم عن هذا المعنى ببساطة: "لا يمكن أن يكون هذا الخنوع في الإسلام، ولو كان الإسلام فيه هذا الخنوع فصالحوا النظام واخضعوا له"، وهذه العبارة مع بساطتها ووضوحها تمثل ما يشبه المعضلة الفكرية العويصة التي يتجادل حولها وحول مقتضاها كثير من الموصوفين بأنهم نخبة ومفكرون، ويهيمون في أودية محاولات الجمع والتوفيق بين حقائق الدين وحقائق الواقع، ولأنهم أضعف وأعجز وأقل رغبة في تغيير الواقع فإنهم يمارسون مجهوداتهم في تأويل وتمييع وتفكيك حقائق الدين، حتى يريدون أن يجعلوا من الإسلام مسيحية تعطي الدنيا لقيصر وتستسلم للعلمانية وتنزوي في الشعائر والطقوس!

أمثال هذه المحاولات التي تنتج خطابا دينيا مقهورا على مقاس السلطة الحاكمة من جهة بينما تعد أتباعها بالخلافة وأستاذية العالم من جهة أخرى، هي التي تنتج في النهاية هذه المحاولات الارتدادية عن الدين كله، إن آخر ما يحتاجه جندي في معركة أن يُشَنَّف سمعه بعبارات النصر والتمكين بينما لا يدري ماذا يفعل في ظل قرار حائر مضطرب مرتبك! ولقد قيل كثيرا على لسان الذين شاهدوا المذبحة "لم نكن نظن أن الله لن ينصرنا"، "ما معنى هذا؟ هل فعلا سنغادر رابعة قبل عودة الرئيس؟!"، "أين نصر الله؟!"، وكتب أحدهم مقالا عنوانه "الله الذي لا ينصرنا".. وبغض النظر الآن عن مآل كل واحد من هؤلاء (إذ ليس بالضرورة أن يصل المسار دائما إلى الإلحاد) فإن أصل هذه الحيرة هو ذلك الظن الكبير في أن النصر يتنزل بمجرد الدعاء والتضرع، أو لمجرد وجود الظلم، أو لمجرد وجود الحق.

من أين جاء هذا الظن؟!

من خطاب ديني مسموم مزيف، خطاب يريد تمكينا بلا تكاليف، نصرا بلا جهاد، عزة بغير تضحيات.. خطاب يتحدث عن الاعتصام باعتباره صمودا، وعن المسيرات باعتبارها جهادا، خطاب يسوق أن "سلميتنا أقوى من الرصاص"، فلما جاء الرصاص انقشع الوهم وظهر الزيف، وسالت الأفكار مع مسيل الدم!

وهنا يجب أن يستشعر العلماء والدعاة وقادة الحركات الإسلامية حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم، وحجم ما يمكن أن يسببوه من الخراب والضلال في نفوس الناس، وأن تزييف الدين أو إهمال فهم الواقع وحسن الإعداد له ينقلهم من كونهم أئمة هداية إلى كونهم أئمة ضلالة! وبئس الانتكاس!

5. ومع هذا فإن موقف الإلحاد هنا هو نتيجة صدمة نفسية وليست ناتجة عن فحص وقراءة ودراسة وتشبع بشبهات فكرية، وهو أهم ما ينبغي التأسيس عليه في تحليل ظاهرة الإلحاد في زمن ما بعد الانقلاب العسكري، وهذه ظاهرة لن يكون علاجها على يد المتميزين في المجادلة والحجاج والتمكن العلمي، بل يكون على يد أهل التربية والفراسة والذكاء، وإن كان يلزم في كل الأحوال حدا أدنى من العلم، إن الذين صدمتهم الحياة بعنفها وقسوتها ومضادتها لمسيرتهم الحالمة ورأوا سقوط أفكارهم وقناعاتهم تحت عجلاتها الجبارة لن يستمعوا ولا يحتاجون لحجاج منطقي متقن كحاجتهم إلى تفسير، وقد قال الشهيد سيد قطب "تظل الحجة تُفحم ولكن لا تُقنع. وتُسْكِت ولكن لا يستجيب لها القلب والعقل. ويظل الجدل عبثا والمناقشة جهدا ضائعا"، وإنها لمهمة ثقيلة وطويلة.

ولو فقه أهل العلم والدعوة شأن الواقع لعلموا أن مكافحة الظلم والطغيان والوقوف في اللحظات الفاصلة موقفا مشرفا خير من معالجة الآثار الوخيمة له، وأن ملاحقة الظالمين الفاجرين في لحظة ثورة وقوة خير من ملاحقة بقايا الدين في نفوس الضائعين والتائهين في زمن الذل والهزيمة، وأن كلمة حق في وجه الجائر تعصم من آلاف الحوارات التي تقنع الملحد، وأن معارك السياسة في بلادنا إنما هي معارك دين، لأن الصراع في بلادنا على أصل الهوية وأصل التوجه وأصل الشريعة وأصل الولاء والبراء.

6. بقيت ملاحظة أخيرة وضرورية، لئن كان مفهوما أن الفيلم الوثائقي ليس عملا بحثيا، ولا يتسع وقته لمناقشة ظاهرة معمقة، فعلى الأقل لا بد من الحد الأدنى من الاتساق والتفسير، وهذا ما لم يكن.. إن عددا من الشواهد التي روى بعض الشباب أنها كانت سببا في تحولاتهم غير صحيحة بيقين:

فالفتاة التي تحدثت عن أن مظاهرات محمد محمود لم يكن فيها إسلاميون، وأن هذا كان بداية شكها وتخليها، هذه الفتاة لا تخلو من أحد احتماليْن: إما أنها تكذب أو أنها كانت هناك ولم تنظر إلا في جزء صغير من الميدان ثم سَلَّمت عقلها للإعلام، ذلك أن مظاهرات محمد محمود كانت تزخر بالإسلاميين، حتى من الإخوان المسلمين رغم القرار الرسمي من الجماعة بعدم النزول (لتخوف الجماعة من أن تكون هذه فوضى تعطل مسيرة انتقال السلطة، حيث كانت انتخابات البرلمان مقررة بعد أيام)، وهذا فضلا عن الحضور المميز والواضح للشيخ حازم أبو إسماعيل وأنصاره، ولأطياف الشباب الإسلامي المتعددة، وقد سجلت بنفسي شهادتي على ما حدث في هذه الفترة في هذا المقال، وكنت الصف الأول للمعارك في شارع محمود محمود صبيحة يوم 20 فبراير فالتفتُّ ذات مشهد فرأيت الصف الأول جميعه من الشباب الملتحي (الإسلاميين) وخطر لي وقتها في هذه الأجواء أن هذا يحتاج تسجيلا للتاريخ، فانتحيت جانبا وكتبت هذه التغريدة من هاتفي
والفتاة التي تحدثت عن  أنها كانت سلفية وأنها لا تدرس سوى عن المسلمين غير المسلمين (الشيعة والصوفية والإخوان ونحوهما)، وذكرت أنها كانت تداوم سماع قناة الناس، وأنها تشبعت من ألفاظ: زنديق، خرج عن الملة، كفر، منافق.. إلخ!

وهذا الكلام غير صحيح، فهذه المدرسة السلفية لا تكاد تستعمل لفظ "كفر" و"زنديق" و"خرج من الملة"، كما لا يكثر في خطابها لفظ "منافق"، بينما الذي يكثر في خطابها لفظ "مبتدع، عاصي".. فلا أدري هل هذا مما اختلط عليها أو مما نسيته مع طول البعد والعهد.

ثم إنها ذكرت موقف التحرش بها باعتبارها من الإخوان وهو ما تسبب في خلعها النقاب، ثم لفتة سريعة حول زوج سيئ يعاملها معاملة قاسية تقوم على الخوف منه، وهي المعاملة التي شبهتها بالمعاملة مع الله: الخوف منه!

وهنا افتقدنا كمشاهدين فهم تفسير هذا التحول، فلو كان مفهوما ببعض الصعوبة خلع النقاب للنجاة من التحرش، فليس مفهوما موقف الإلحاد لوجود الزوج القاسي!! وهذا يعد عيبا كان على الفيلم أن يتلافاه لكي يقدم الحد الأدنى من صورة متماسكة مفهومة للحالة.

الجمعة، يناير 11، 2019

مذكرات الشيخ رفاعي طه (10) أخفقت خطة إقامة الدولة الإسلامية عند أول عقبة


مذكرات الشيخ رفاعي طه (10)
من مؤسسي الجماعة الإسلامية المصرية
أخفقت خطة إقامة الدولة الإسلامية عند أول عقبة

·      أول أيامي في الجامعة كان هو يوم 6 أكتوبر 1973م.
·      لم نصدق أننا عبرنا القناة إلا حين أذاعت الخبر الإذاعات الأجنبية
·      انتبه اليسار مبكرا إلى أن حرب أكتوبر كانت حرب تحريك لا تحرير

سجلها عنه وحررها: محمد إلهامي

لقراءة الحلقات السابقة:
الحلقة السادسة: قصتي مع التصوف
الحلقة السابعة: قصة ثورة في المدرسة

وقعت حرب أكتوبر في أول أيامي بالجامعة..

ولكن قبل أن أنتقل إلى هذا اليوم، ينبغي أن أذكر مصير المجموعة التي كوَّنْتُها في المدرسة والتي سمَّيْناها "جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، تلك المجموعة التي رويت سابقا كيف أننا بنيناها على حلم بسيط واضح: أن ندخل إلى الكلية الحربية، لننفذ فيما بعد انقلابا عسكريا ونقيم الدولة الإسلامية، مثلما فعل عبد الناصر لما أسس دولته بانقلاب على الملكية ولم يكن إلا مجرد ضابط!

بلغت هذه المجموعة خمسة عشر طالبا، وبمجرد ظهور نتيجة الثانوية العامة نفذنا جميعا بلا استثناء الخطوة الأولى: التقدم بطلبات الانتساب للكلية العسكرية: الكلية الحربية والكلية الفنية العسكرية وكلية الشرطة، كنتُ أنَسِّق وأتابع، لكن اختيار هذه الكليات كان متروكا لكل شخص بحسب ما يرى من مواهبه وميوله.

لكن لم يفلح إلا واحد فقط في الانتساب للكلية الحربية!! وتفرق البقية، اثنان دخلا كلية الطب، أحدهما هو د. منصور عبد الحميد الذي يشغل الآن رئيس جامعة أسوان، وقد استمر الرجل متدينا وإن لم يكن "إسلاميا" بالمعنى الحركي. والآخر هو عبد الحميد لا يحضرني اسمه كاملا وهو الآن عميد لكلية الطب جامعة أسيوط، والتحق أحمد سالم –رحمه الله- بكلية العلوم وصار فيما بعد رئيسا لقسم الجيولوجيا بالكلية، وكان قد أَمَّل أن يدخل قسم الرياضيات ولكن لما قضى الله بافتراقنا الدراسي دخل الجيولوجيا، وثمة أخ أيضا اسمه سمير التحق بكلية الهندسة وانقطعت عني أخباره، والبقية لا أذكرهم الآن.

كان خروج الجميع لاعتبارات تتعلق بالطول أو بقوة النظر أو باختبارات في كشف الهيئة، والأهم من ذلك أن دخول مثل هذه الكليات كان يتوقف على قوانين أخرى غير مكتوبة، وهي الأقوى والأولى: تلك هي قوانين الوساطة والمحسوبية، ولم يكن لنا من وسائط بطبيعة الحال.

وهكذا تعطلت خطتنا الطموحة في إقامة الدولة الإسلامية عند المطب الأول، ومن هنا تفرقت السبل بالمجموعة بين الكُلِّيَّات، ومرَّت السنة الأولى علينا وقد أخذتنا رهبة الكلية ودَوَّامتها، وكان أولئك الذين دخلوا إلى الطب والهندسة هم الأكثر انشغالا، وقد انشغلت أنا في مسألة إعادة الثانوية العامة بالإضافة لأمور الكلية التي التحقت بها. لقد كان أولئك الشباب متفوقين، والجامعة في سنواتها الأولى تطرح تحديا على المتفوق، الذي يختبر تفوقه حقا بين أقرانه ونظرائه المتفوقين الذين دخلوا معه إلى نفس الكلية، وعادة ما تكون الاستجابة لدى المتفوق أن ينغمر في هذا التحدي الجامعي!

لم يكن لأيٍّ منا في هذه السنة نشاط جامعي يُذكَر، ولا خطر ببالنا أن نكون عناصر قيادية، وإنما كنا نشارك فيما هو موجود، ولم يزل اليسار في تلك الفترة هو صاحب اليد العليا في الساحة الطلابية.  ظل التفكير في قلب نظام الحكم حاضرا في عقولنا وقلوبنا لكن السنة الأولى بأحداثها –التي سأذكرها لاحقا- شغلتنا.

وأما الذي التحق بالكلية الحربية فقد انفصل عنا فيما بعد، وآخر اتصال بيني وبينه كان وهو في رتبة الملازم أول، وكنت متابعا لأخباره، وغالب ظني أنه لم يخرج إلى المعاش بعد، إلا أنه على أبواب الستين الآن[1] وليس ثمة داع لذكر اسمه، إلا أن انشغاله عنا كان مُضاعَفًا: غمرة الكلية وسطوة الاتجاه الجديد الذي تفرضه مناهج التربية والتأطير والتشكيل العسكرية السلطوية الدولتية، والتي لا يكاد ينجو أحد من تحولاتها الجذرية.

لم نستفق من غمرة السنة الأولى إلا في إجازة منتصف السنة، عقدنا أول اجتماع فيما بيننا، بمن فيها هذا العضو الوحيد الذي استطاع الالتحاق بالكلية الحربية، وشهد هذا الاجتماع تحولا في مسار الحلم الطموح، فقد طرح أحمد سالم فكرة تقول: لئن كنا أخفقنا في الدخول للكليات العسكرية فيجب أن تكون مهمتنا القادمة التفوق في الكلية حتى الوصول إلى رتبة الأستاذ الجامعي، فيجب علينا جميعا أن نكون أساتذة جامعيين، لكل منا دوره المؤثر في التغيير من خلال موقعه المرموق، ومهما يكن فإن الأستاذ الجامعي لا يقل أهمية عن ضابط الجيش أو ضابط الشرطة.

تداولنا النقاش حول هذه الفكرة، وكان ثمة ميل عام إليها، أو نستطيع أن نصوغ الأمر بعبارة أخرى: كان هذا الاجتماع هو الذي تحولنا به من المنهج الثوري التغييري إلى المنهج الإصلاحي المهادن، ثم سارت بنا أودية الزمان فانتهى معها المشروع الإصلاحي أيضا.

أستطيع القول الآن أن هذه كانت المحاولة الأولى غير الناجحة في تجربتي الحركية.

وأعود من ذلك الاجتماع في منتصف العام الدراسي الأول إلى بداية العام الدراسي، ومن المجال الخاص إلى المجال العام.. لقد كان أول أيامي الجامعية هو اليوم المشهود في التاريخ المعاصر: 6 أكتوبر 1973م.

ذهبت إلى الجامعة يوم 3 أكتوبر، حصلت على سكن خارج المدينة الجامعية، ضمن "رابطة أبناء قنا" في محافظة المنيا، وذلك لأن سني أكبر من من الصف الدراسي، وقد ذكرتُ سابقا أنني دخلت الصف الثاني الابتدائي وكان من المفترض أن أدخل إلى الصف الثالث الابتدائي، فبَقِيَتْ فترة الأشهر الستة الزائدة حتى منعتني من التسجيل في المدينة الجامعية كما كان النظام المتبع في ذلك الوقت.

أنهيت إجراءات الالتحاق بالجامعة، ثم حضرنا حفل الافتتاح في يوم السادس من أكتوبر 1973م، وكان هذا الحفل تقليدا تتبعه جامعة أسيوط، يتجمع الطلاب الجدد في صالة الألعاب الرياضية ويخطب فيهم رئيس الجامعة وبعض الأساتذة، وكان رئيس الجامعة في ذلك الوقت محمد حمدي النشار وكان خريج كلية التجارة، وانتهى الاحتفال، وأثناء رجوعنا إلى البيوت كنا نرى حالة غليان في الشارع عند الساعة الثانية وعشر دقائق، يصيح بعض الناس: قامت الحرب! ونسأل: أي حرب قامت؟! وكنت حينها في أتوبيس خاص بالجامعة ينقل الطلبة بين مباني الجامعة القديمة ومبانيها الجديدة، حتى إذا مررنا على كُشْكٍ صغير كنا نشتري منه الجرائد والمشروبات الغازية نزلتُ من الأوتوبيس وتوجهت إليه حيث اجتمع الناس عنده، وكان صوت المذياع بدأ يصدح بالبيان الأول بعد حرب أكتوبر.

كبَّر الناس جميعا، وكبَّرْنا، وكان أغلب هذا الجمع من الطلاب، وفورا وبتلقائية كنا نقول: يجب ألا تنتهي هذه الحرب إلا بتحرير فلسطين،  وسرعان ما تطور هتافنا وهتاف الناس معنا: إلى فلسطين إلى فلسطين. وفي اليوم التالي كانت الخطابات الإعلامية الرسمية تتجاوب مع هذه المشاعر وتتحدث عن فلسطين وتحريرها، وكانت من أروع لحظات ارتفاع الروح المعنوية لدى الشعب المصري، بل ربما لا تشبهها لحظة أخرى، وبلغت الثقة بالجميع أن هذه المعركة هي معركة تحرير فلسطين.

كان كبار السنّ أكثر ترددا وإحجاما عن مشاركتنا هذه الفرحة، لم تزل ذكرى نكبة يونيو 1967 راسية في صدورهم، يتذكرون حين سمعوا أنباء إسقاط الطائرات المتكررة ثم استيقظوا من الوهم اللذيذ على الواقع المر، كان لسان حالهم ومقالهم: وما يدريكم لعل إسرائيل هي التي هاجمت ونحن الذين نندحر. لكن هؤلاء انضموا إلينا حين بدأت الإذاعات العالمية –مثل: بي بي سي ومونت كارلو وصوت أمريكا، وهي الإذاعات الثلاث التي كانت مشهورة في ذلك الوقت- تنقل خبر المعركة وتؤكد أن القوات المصرية ضارت في الضفة الشرقية من قناة السويس، وهكذا كان اليوم التالي يوما اجتمعت فيه مشاعر الناس صغيرهم وكبيرهم على الفرحة العارمة والأمل الكبير.

ما لبثت أن جاءت الأخبار بما لا تشتهي السفن، ليست إلا أياما حتى صدر قرار وقف إطلاق النار واستجابت له الحكومة المصرية، كان وقف إطلاق النار طامّة نزلت على الناس في مصر، لم يكن منهم من يؤيده، ولم يكن منهم من يتوقعه.

ومما يُحسَب لليسار هنا، والذي كان غالبا على الساحة الطلابية وعلى مجمل الحالة الثقافية والإعلامية في مصر، أنه أعلن أن حرب أكتوبر بهذا الشكل إنما هي حرب تحريك لا تحرير، وقد كان السادات بعد عشرة أيام من بداية الحرب قد أعلن في خطابه الشهير (16 أكتوبر 1973م) عن استعداده للسلام ولحضور مؤتمر دولي للسلام سيُقنع القادة العرب والفلسطينيين بحضوره، وقد حاول السادات أن يبدو في هذا الخطاب كالمتحدث من موقع القوة وبدا أنه مصدوم من الموقف الأمريكي وألمح إلى خطورة الوضع بعد الجسر الجوي والبحري الأمريكي المتدفق لدعم إسرائيل. وقد شكَّل هذا الخطاب صدمة للجماهير في مصر التي لم يكن منها أحد مستعدا لسماع قبول وقف إطلاق النار فضلا عن الحديث عن سلام بين العرب وإسرائيل. لكن أحلام الشعوب كانت في واد وحركة السياسة كانت في واد آخر، فقد عملت سائر القوى الدولية بما فيها الاتحاد السوفيتي على وقف إطلاق النار، وفيما بعد حدثت الثغرة وبدأ انقلاب الموقف العسكري لصالح إسرائيل التي بدا أنها قد استوعبت المفاجأة وامتصت الصدمة وبدأت في التقدم من جديد.

نشر في مجلة كلمة حق 


[1] سجلت هذه المذكرات في صيف 2015م.

الاثنين، يناير 07، 2019

هل انهار الوضع المالي لمصر في العهد العثماني؟


يجب التنبيه بداية إلى أمرٍ لا يُذكر عادة في السجال العربي الدائر حول العهد العثماني، وهو أن العثمانين لم تحركهم أطماع اقتصادية لاحتلال الولايات العربية التي كانت خاضعة في ذلك الوقت للدولة المملوكية، بل إن العثمانيين منذ نشأتهم لم يتحركوا في توسعهم إلى الشرق وإنما إلى الغرب حيث فتحوا البلاد البيزنطية فيما ظلت ولايات الأناضول المسلمة منقسمة بين عدة إمارات شبيهة بعصر ملوك الطوائف، وهو العصر الذي بدأ مع ضعف ثم انهيار دولة سلاجقة الروم.

إلا أن أخطر ما تعرض لهم العثمانيون إنما جاء من الشرق، وابتدأ ذلك منذ العاصفة المغولية التي قادها تيمور لنك وتسببت في انتكاسة كبرى للدولة العثمانية التي كادت وقتها تفتح القسطنطينية فإذا بتيمور لنك يهزم بايزيد الأول سلطان العثمانيين بل يأسره مما عطل فتح القسطنطينة نصف قرن بل وشتَّت الدولة لأكثر من عقد حتى تمكن ابنه محمد الأول من إعادة توحيدها، ثم جاء الخطر الكبير الثاني المتمثل بالصفويين وأولئك الذين اضطر سليم الأول إلى التوسع شرقا لمحاربتهم، وهي الحرب التي تحالف فيها المماليك مع الصفويين فما إن انتصر سليم الأول على الصفويين حتى استدار ليحارب المماليك. وفي أثناء استدارته تلك وجد رسائل من أهل حلب تدعوه فيها لتخليصهم من المماليك، وهي الرسالة المشهورة المحفوظة في الوثائق العثمانية، ومن هنا ابتدأت الحرب التي أسفرت عن التوسع العثماني الكبير وعن نهاية دولة المماليك في مصر والشام والحجاز.

كانت علاقة المماليك مع العثمانيين علاقة صداقة وتحالف أول الأمر، ثم توترت مع دخول دولة المماليك على خط النزاعات في البيت العثماني ثم التحالف مع الصفويين، ومع ذلك شهدت العلاقات تحالفات ضد البرتغاليين الذين كانوا يهددون سواحل البحر الأحمر وخليج عدن، حتى انتهت إلى هذا العداء المستحكم الذي جاء بالعثمانيين إلى الشام ومصر.

والشاهد المقصود أن توسع العثمانيين في الولايات العربية لم تحركه الدوافع الاقتصادية وإنما الدوافع السياسية، وهذا تاريخ ينبغي ذكره أمام حملة الكتابات العربية التي تحاول سحل التاريخ لحساب الصراعات السياسية المعاصرة حتى تصور العثمانيين على أنهم كالجراد المنتشر الذي جاء على الواحات الخضراء المزهرة في الدول العربية فسكنها حتى غادرها يبابا!!

لنأخذ مصر على سبيل المثال..

منذ الفتح الإسلامي عبَّر عمرو بن العاص عن مصر بقوله: "ولاية جامعة تعدل الخلافة"[1]، وكانت مصر قادرة على تمويل حركة الجهاد مع الروم وقت ضعف الخلافة العباسية نفسها كما جرى في الدولة الطولونية والإخشيدية، وكان انضمامها إلى الشام هو ما جعل زوال الحملات الصليبية مسألة وقت في عهد صلاح الدين، وعليها دارت الحملات الصليبية من الخامسة حتى السابعة. وقد كانت القاهرة عاصمة الخلافة الإسلامية فيما قبل العثمانيين، وذلك لمدة ثلاثة قرون منذ اجتياح المغول بغداد وإنهاء الخلافة العباسية في العراق، وبهذا أضيفت إلى مصر المكانة السياسية العظمى فوق ما تتمتع به من موقع جغرافي يجعلها قلب العالم التجاري وما لديها من موارد طبيعية وبشرية غنية، "فعَظُم أمرها، وكثرت شعائر الإسلام فيها، وعَلَتْ السنة، فصارت محل سكن العلماء ومحط الرجال الفضلاء"[2]، فكانت في عصر المماليك "عمود الإسلام وفسطاط الدين"[3].

ومن هنا استفادت الدولة العثمانية بضم مصر ثروات اقتصادية هائلة بما احتوت عليه مصر من موارد طبيعية وكثافة بشرية وموقع جغرافي تتحكم به في طرق التجارة العالمية بين الشرق والغرب، وانفتحت الدولة العثمانية على سواحل البحر الأحمر ومن ورائه خليج عدن والخليج العربي والمحيط الفارسي، وصار شرق المتوسط بحيرة عثمانية خالصة. وكان خراج مصر الذي يُحمل إلى الخزينة العثمانية ثمانية أحمال في كل سنة، واستطاع الوالي خسرو باشا أن يجعله اثنا عشر حملا في إحدى السنوات إلا أن السلطان سليمان القانوني عزله معتقدا أنه لا بد من أن تكون تلك الزيادة ناتجة عن قهر وظلم للرعية[4].

كذلك استفادت الحركة التجارية في مصر من انضوائها تحت السلطنة العثمانية مما "وفر لها وشجعها على إقامة علاقات تجارية قوية مع المراكز التجارية في حوض البحر المتوسط، وبخاصة مع اسطنبول. وتزايد نشاط مصر التجاري في تلك الفترة"[5]، فقد احتلت القاهرة "مركزا محوريا في التجارة العثمانية الداخلية التي ساعد على رواجها حرية تنقل الممتلكات والأشخاص وعدم وجود حدود. وأخيرا ساهم توسع الإمبراطورية إلى أقصى حدود العالم العربي –باستثناء المغرب- وجهود الأسرة الحاكمة وممثليها المحليين، في تنمية الحج للأماكن المقدسة، الأمر الذي استفادت منه القاهرة ودمشق كثيرا؛ إذ كانتا موقعين لتجمع قوافل الحج، ويمكن الاستدلال على نهضة القاهرة الهائلة من نمو المناطق التجارية الرئيسية"[6].

من الطريف الذي ينبغي إثباته أيضا أن الدفاع عن سمعة العثمانيين في حكمهم على البلاد العربية إنما سبق إليه المستشرقون، الذين بدؤوا التنقيب في التاريخ العثماني وقت أن كانت الحالة العربية والتركية تعيشان عصر القومية الطاغية التي لا تسمح ولا تغفر لمن يفكر في الحديث بموضوعية عن العرب أو الأتراك، ولا يمكن اتهام أولئك المستشرقين بطبيعة الحال بالتعصب للعثمانيين، ويمكن أن نضرب مثلا على هذه الدراسات بمؤلفات المستشرق الفرنسي أندريه ريمون ومن أهم أعماله: "المدن العربية الكبرى في العصر العثماني" و"القاهرة: تاريخ حاضرة" و"فصول من التاريخ الاجتماعي للقاهرة العثمانية"، ونيللي حنا التي كتبت عن "تجار القاهرة في العصر العثماني" وعن "مصر العثمانية والتحولات العالمية" وعن "بيوت القاهرة في القرنين السابع عشر والثامن عشر" وعن "ثقافة الطبقة الوسطى في مصر العثمانية" وعن "قصة القاهرة في 1300 سنة"، وغيرهم مثل مايكل ونتر في كتابه "المجتمع المصري تحت الحكم العثماني" وبيتر جران في كتابه "الجذور الإسلامية للرأسمالية"، ثم تكاثرت الأبحاث فيما بعد في السنوات الأربعين الأخيرة وساهم فيها العديد من المؤرخين العرب، ومن أبرزهم: سيد محمد السيد وعبد الجليل التميمي وعبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم ورؤوف عباس ومحمد عفيفي وهدى جابر وغيرهم.

يفسر المؤرخ المتخصص بالدولة العثمانية محمد شعبان صوان هذا النشاط الاستشراقي في الكشف عن حقيقة التاريخ العثماني بأن ذلك إنما يعود لكون الدولة العثمانية قد انتهت وصارت من صفحات التاريخ، فلقد كان الاستشراق هو المسؤول الأول عن رسم هذه الصورة البشعة الشائهة للدولة العثمانية كجزء من توظيف طاقته العلمية البحثية في خدمة المشروع الاستعماري ضد الدولة العثمانية، ولكن بعد أن قُضِي على الدولة العثمانية وصارت تحفة تاريخية أمكن أن تعمل تلك الطاقة البحثية على دراسة هذه التحفة التاريخية لتقديم صورة أقرب إلى صورتها الحقيقية بعد التحرر من الوظيفة السياسية[7].

ولكن يبدو أن الحالة العربية الآن تُقْدِم على مرحلة قومية جديدة تحاول إدخالنا من جديد في عصر الظلام المعرفي والغيبوبة التاريخية!

نشر في مجلة المجتمع الكويتية، يناير 2019



[1] ابن عبد الحكم، فتوح مصر والمغرب، تحقيق: د. علي عمر محمد، (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 2004م)، ص220.
[2] السيوطي، حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط1 (القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، 1967م)، 2/94.
[3] ابن فضل الله العمري، مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، ط1 (أبو ظبي: المجمع الثقافي، 1423هـ)، 3/28.
[4] فريدون أمجان، سليمان القانوني سلطان البرين والبحرين: حقائق في ضوء المصادر، ترجمة: د. جمال فاروق وأحمد كمال، ط1 (القاهرة: دار النيل، 2014م)، ص79.
[5] نيللي حنا، مصر العثمانية والتحولات العالمية: 1500 - 1800، ترجمة: ، مجدي جرجس، ط1 (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2016م)، ص27، 28.
[6] أندريه ريمون، القاهرة: تاريخ حاضرة، ترجمة: لطيف فرج، ط1 (القاهرة: دار الفكر، 1994)، ص195.
[7] انظر مقدمته لترجمة كتاب: جين هاثاواي وكارل بربير، البلاد العربية في ظل الحكم العثماني: 1516 – 1800م، ترجمة: محمد شعبان صوان، ط1 (الجزائر – بيروت: ابن النديم للنشر – دار الروافد، 2018م)، ص9، 10.