الاثنين، فبراير 20، 2012

من مذكرات شاب مسلم في زمن شيوخ الغرائب!

الحمد لله أننا ندين بالإسلام، حيث لا كهنوت ولا وساطة بين العبد وربه، ولا يتسلط فيه عالم ولا شيخ على قلوب الناس فلا يملك أن يمنح الجنة أو يحرم من الصلاة أو يعطي صكوك الغفران.

ولقد جلسنا تحت أرجل العلماء وانتمينا لحركات إسلامية لنفهم الدين وننصره فنرضي الله، ثم أعرضنا عن بعضهم لذات الغرض، ولا نطعن في دينهم وتقواهم.

وحين جلسنا لطلب العلم كنا نذهب للشيخ فيما برع فيه، فذهبنا لفقيه إن أردنا الفقه وللمحدث إن أردنا الحديث وللمؤرخ إن أردنا التاريخ، فليسوا سواء! وقد تعلمنا على أيديهم أن من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب!

وهذا الشيخ الذي أخذنا منه الفقه ولم نأخذ الحديث هو أحرى ألا نأخذ منه في علوم الدنيا والسياسة التي لم يتلبس بها من قبل، ولم نعهده قرأ فيها كتابا أو أخذ فيها بحظ من العلم، بل سنأخذ ممن خبرها وبرع فيها.

ولست أثق في تقديرٍ سياسيٍ لشيخ لم أر منه ما يثبت فهمه لدهاليز السياسة وأروقتها، ولا لشيخ تَصُبُّ مواقفه في صالح الطغاة ولو كان حسن النية.. لا سيما وقد تعلمنا على أيديهم أنه لا ثقة عمياء في أحد، بل نحن الأمة التي قيل فيها "لا" لرسول الله في غير أمر الشريعة، قالتها جريرة حين حاول النبي أن يتشفع لمغيث الذي يحبها ولا تحبه، ثم قالها غيرها لغيره من الراشدين والصالحين.

فكيف بالشيخ ألا نقول له "لا" لا سيما إذا ثبت لدي بالدليل أن هذا الشيخ وإن برع في الفقه فإنه ينخدع لذئاب السياسة.. ولا سيما ونحن نعلم أن "الفتنة لا تؤمن على حي"؟!

فإن أرادنا من غَرَّه علمه في الفقه، أو تعصب له طلبته، على أن نأخذ منه في السياسة لمكانه في الفقه أعرضنا عنه حتما معتقدين أن هذا هو ما يرضي الله.

والحمد لله أن الإسلام الذي نعتنقه هو دين التوحيد، حيث لا سلطان فيه لأحد على أحد، ولا كهنوت.. وعلماؤنا فوق رؤوسنا في علمهم الذي يتقنونه!

أما كارثة الكوارث ومصيبة المصائب أن بطالبنا أحدهم بالسكوت لأن الشيخ يعلم ما لا نعلم من جلساته مع المخابرات والعسكر.. إن هذا مما يجعلنا نعرض أكثر وأكثر، ويثبت لنا أنهم مخدوعون مغرورون.

ونحن لن نبلغ مقام موسى عليه السلام الذي لم يستطع تحمل الأفعال الغريبة من الخضر رغم أنه مبعوث الله ليعلمه، ورغم أن موسى نبي.. فلن نتحمل الغرائب ولو من شيوخ نعرف أنهم يصيبون ويخطئون وأنه لا تؤمن عليهم الفتنة وأنهم ليسوا في مقام الخضر.. بل ولو علمنا لعجزنا، فلن نبلغ مقام موسى عليه السلام الذي لم يتحمل أكثر من ثلاث مواقف غريبة، فيما قد فاضت الغرائب من بعض الشيوخ في عصرنا الآن!

***

احذر أن يخدعك أحد بكلمة "إنهم يعرفون أكثر منك، فقرارهم صائب".. بهذا تم إسكات الشباب لصالح الكبار حتى أوردوهم المهالك، وأطعموهم الذل، ونَشَّأوهم على الخوف والحذر!

الخميس، فبراير 16، 2012

ثناء الشيخ صفوت بركات

وقد كتبه فضيلة الشيخ الكريم في 16/2/2012 تعليقا على مقالي الموضح بالصورة.. وهذا من حسن ظنه بي، جعلني الله دائما عند حسن ظن المؤمنين


ثم حين شكرته أردف بهذا الرد



الأربعاء، فبراير 15، 2012

الإسلاميون والرئاسة، قرار اللحظات الأخيرة

في مدونتي التي ضاعت -وفشلت حتى الآن محاولات استرجاعها- كتبت مقالا عن "الكتابة للحظة والكتابة للتاريخ"، خلاصته أن الكتابة للحظة تأتي هادئة وناصحة وتراعي الموقف وتختار أرق العبارات، ولكن صلاحيتها قصيرة، وفاشلة تماما في المستقبل إذا أريد التعرف على حقيقة الأمور، بينما الكتابة للتاريخ تضر بالمصالح الحالية للكاتب وتأتي زاعقة وصارخة ولا مبالية بالحسابات اللحظية، ولكنها تصف الواقع بصدق، وتظل صلاحيتها التاريخية طويلة ممدودة.

أقدم المقال بهذه العبارة لأصارح القارئ بأنه إذا كان غير مستعد ليسمع كلاما لا يريحه فعليه أن ينصرف عن المقال مأجورا ومشكورا..

***

الأفكار لا تموت، ولكن الكيانات كلها تموت، ولكل كيان عمر، وهو يمر بمراحل الولادة والفتوة والكهولة.. ثم الموت.

هكذا كانت الحضارات والامبراطوريات والدول والمؤسسات والهيئات والأفراد.. ومن ظن أنه فوق هذا القانون البشري التاريخي الكوني فهو يعيش في خيال ساذج!

بقيت الأديان والأفكار والمبادئ والفلسفات، ولكن الكيانات البشرية التي حملتها تعرضت بعد فترة دامت أو قصرت إلى الفناء.. ومن ظواهر التاريخ ما أسميه "سلسلة حياة الأفكار" (ربما ييسر الله أن أكتبها قريبا في دراسة) وهي كالآتي:

تموت الفكرة مع موت حاملها إذا لم تغادر شخصه.

فإن صنع له تلاميذ فهي تموت مع موت آخرهم، وبهذا يطول عمرها قليلا.

فإن صنع لها هيئة أو مؤسسة أو جماعة أو حركة فهي تعيش فيما بين الثلاثين والمائة عام تقريبا.

فإن استطاعت الهيئة أو المؤسسة أو الجماعة أو الحركة أن تصنع لها دولة فهي تستمر مئات الأعوام بحسب ظروف كثيرة تخضع لها وتتأثر بها.. وهذه الهيئة أو الجماعة أو الحركة إذا لم تستطع تكوين الدولة في خلال ثلاثين سنة من عمرها في المتوسط فهي لا تستطيع أن تفعل ذلك فيما بقي من أعمارها.

في كل هذه الحالات تكون البداية بمؤسس قوي وشخصية فذة، وتكون النهاية على يد شخصيات أضعف كثيرا.. وأهم ما في الأمر أن الحركات الجديدة يصنعها في العموم شباب صغير ويقاومها شيوخ كبار، وفي العموم ينتصر الشباب ولا يستطيع الكهول مواجهة تيار الزمن الذي يتجاوزهم.

ما أريد التركيز عليه في هذا المقال بكل الوضوح هو: قرارات اللحظة الأخيرة..

في نهاية أعمار الكيانات يتخذ أصحابها قرارات مؤثرة، قليلون هم من أدركوا لحظة الزمن فاتخذوا قرارات جعلت نهايتهم مشرفة ورائعة، وكثيرون اتخذوا القرارات التي ساهمت في انحدارهم أكثر وأكثر وتسريع النهاية.

***

في مصر الآن حركتان مهمتان وقضية مهمة، أما الحركتان: فالإخوان المسلمون، والسلفيون، والقضية المهمة هي انتخاب رئيس للجمهورية.

الإخوان المسلمون عمرها الآن ثلاثة وثمانون سنة، وعلى رغم ما يبدو ظاهريا من أنها توشك على التمكين إلا أن النظرة الفاحصة تقول أنها في آخر أيامها كحركة، وسيكتب التاريخ أنها أعطت كثيرا للعمل الإسلامي في فترات حرجة ولكنها فشلت في هدفها النهائي (تحرير البلاد الإسلامية وإقامة الخلافة وأستاذية العالم).. والفشل بحد ذاته أمر لم يدركه كثير من المصلحين الكبار الأفذاذ، ومنهم من يعذر ويقدر، وهو في كل وقت يُجلُّ ويُعظَّم.. والتاريخ مليء بالنماذج ولكن حسبنا أن نتذكر أمثال: جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، رشيد رضا، عز الدين القسام، عمر المختار.. وغيرهم!

الإخوان منذ سنوات تلفظ خيرة أبنائها، وتقدم الثقة على حساب الكفاءة، وكثير من علامات نضج المؤسسات كالشفافية والمؤسسية والتواصل بين القيادة والقاعدة وصلت إلى حد سيء تماما، وأضف إلى ذلك تعصبا ظاهرا واستعلاء وإيمانا بالقيادة وقراراتها إلى حد التقديس.

لا يهمني الآن إلا القول بأن قرار الجماعة دعم مرشح غير إسلامي قد يكون أول قرارات اللحظة الأخيرة التي تسرع بنهاية الكيان وتساهم في انتثار آخر العناصر التي بقيت في الجماعة بغرض الإصلاح من الداخل والتي ما زال بها شيء من استقلالية الرؤية والفكر والقرار.. ذلك أن دعم مرشح غير إسلامي يضرب أساس الأفكار التي قامت عليها الجماعة، ولا يتفق مع أبسط أصولها في كلام البنا وعامة منظري الجماعة من لدن عبد القادر عودة وسيد قطب وصولا إلى القرضاوي الذي أعلن بوضوح أن عدم دعم المرشح الإسلامي "إثم"..

وكاتب هذه السطور يعلم أشخاصا بأعينهم، وليس عددهم بالقليل، ينتظرون قرار الجماعة هذا، فإن كان بدعم مرشح غير إسلامي فهم سيتركونها بلا تردد..

ينبغي على الجماعة أن تلتمس آراء صفها الداخلي، لا سيما ونحن نطالع منذ حوالي السنتين ظاهرة تنتشر وتكشفها مواقع الانترنت، مثل الشباب الإخواني الذين ينشئون الصفحات التي عنوانها "أنا إخوان وسأفعل كذا" وتكون "كذا" هذه هي عكس قرار الجماعة، لعل أشهرها صفحة "أنا إخوان ونازل يوم 25 يناير" والآن صفحة "أنا إخوان وسأنتخب مرشح إسلامي".

***

أما السلفيون ففرصتهم في اللحظة التاريخية أفضل بكثير من الإخوان، لا سيما وهم ليسوا بالتنظيم التقليدي الذي اتخذ أنماطا لا يستطيع تغييرها، بل هي مجموعات ملتفة حول الشيوخ، والشيوخ قد يجتمعون في هيئات ملزمة تنحو نحو التنظيم (كالدعوة السلفية) أو تحاول أن تصنع نواة لهيئات ملزمة (الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح) أو هيئات أخرى لمجرد التشاور والتنسيق بغير إلزام.

في قضية مرشح الرئاسة في الوضع الحالي، لا يبدو أحد مناسبا ومعبرا عن الأفكار الإسلامية التي يعتنقها الإسلاميون مثل الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل.. فالمرشحون غير الإسلاميين خارج دائرة تفكير الشباب السلفي، والمرشحون "الإسلاميون" كأبو الفتوح والعوا عليهم مآخذ غير هينة من وجهة نظرهم..

ولئن كانت الفرصة أمام الإخوان في دعم واحد من هؤلاء الثلاثة، فالفرصة أمام السلفيين أضيق كثيرا ولا تتسع إلا لحازم أبو إسماعيل..

ثمة تسريبات عن شخصيات أخرى يحاول البعض ممن لا يوافق على ترشيح حازم أبو إسماعيل طرحها للنقاش والترشح، في الحقيقة يبدو الوقت وكأنه قد مضى تماما، أو "فاتكم القطار" بتعبير علي عبد الله صالح الذي كان قد فاته القطار بالفعل!

لقد استطاع حازم أبو إسماعيل في الشهور الماضية أن يحقق معادلات صعبة بكفاءة عالية، ليس أولها ثباته وتمسكه بأفكاره مهما كانت صادمة للتيار العلماني الذي يسيطر على الإعلام، وليس آخرها كفاءته السياسية التي ظهرت في تحليل الواقع السياسي المصري!

وحيث أن الهيئات السلفية حتى الآن لم تتخذ قرارا ولم تخرج بمرشح يمكنه منافسة ما فعله أبو إسماعيل في اللحظة التاريخية الفارقة، فإن قرارا بدعم مرشح غيره سيكون من قرارات اللحظة الأخيرة التي تودي بهذه الهيئات التي كادت أن تستقر أو تكاد أن تلتئم وتتماسك!

السلفيون –من حيث التنظيم- كيان غير خاضع للتوجيه، وهو –لعوامل عديدة، ليس كلها جيدا- حاد في خلافاته ومواقفه، وما لم يُتخذ القرار الواضح الذي ينسجم مع أفكاره ومبادئه التي تجمعه على اختلاف مشايخه فسيكون رد الفعل هو سقوط الشيوخ، مع بلبلة واضطراب في الصفوف وإعادة تشكل لموازين الشيوخ.. ومن يطالع خريطة الشيوخ المؤثرين فيما قبل الثورة يعرف تماما أنها اختلفت بشكل كبير عن خريطة المؤثرين فيما بعد الثورة.

لعل الله يوفقهم في هذا القرار.. والتاريخ سيكتب عما قريب

***

في استطلاعات الرأي العامة انحصرت منافسة الرئاسة بين أبو الفتوح وأبو إسماعيل، كلاهما إسلامي، وكلاهما معروف بمواقفة المناهضة للمجلس العسكري.. ليس من الحكمة أبدا معاندة هذا التيار الشعبي.

الرئيس القادم ليس أي رئيس، ذلك أنه إما سيعمل على تحرر البلاد حقا أو سيعمل على إعادة تطويعها وإدخالها في المسار القديم مرة أخرى.. رئيس ما بعد الثورة هو الرئيس الذي يستطيع الاستناد إلى قوة شعبية ضد موازين قوى عالمية في غير صالحه، وهو نفسه إذا انتخب في لحظات عادية فلن يستطيع تحقيق ما يمكن تحقيقه في هذه الفترة.

التاريخ سيكتب قريبا، وسيحكم على الجميع.. ولا نحب لأحد أن يقول: ولات حين مندم!

***

القارئ الكريم.. إن وصلت إلى هذا السطر ورأيت المقال مفيدا فأرجو المساهمة في توصيله لمن تستطيع.. شكر الله لك وغفر لي ولك

نشر في: رابطة النهضة والإصلاح، وشبكة رصد الإخبارية

الأربعاء، فبراير 08، 2012

عصيان مدني.. لماذا؟

حسنا، كنت بانتظار رأي المعارضين لدعوة العصيان المدني حتى أتعرف إلى منطقهم وآرائهم فلعلي أرجع عن دعمي لفكرة العصيان المدني، وقد تمخض جبل المعارضين عن نوعين:

1. العسكر ومنافقوهم!

2. الإخوان المسلمون!

أما العسكر فهم خصوم، وشهادتهم باطلة، فلا يُلتفت إلى مواقفهم ولا آرائهم. وأما الإخوان فهم الفصيل الوطني الكبير الذي لا أشكك في نواياه وإن اختلف التقدير للمواقف، وهم قوم "إصلاحيون" لم تصل "الثورة" إلى منهجهم وتفكيرهم وخطواتهم، ولست أشك أبدا في أن الثورة المصرية لو طالت إلى شهور لكانوا قد تحولوا من خندق الثورة إلى خندق الوسطاء ومسوقي الحلول الوسط المطروحة كما حدث في اليمن على سبيل المثال، ولكن الله قدر الخير للبلاد، وكانت المعادلة الدولية متوافقة مع الرغبة الشعبية لإزاحة الطاغية العجوز، فانفض عنه رجاله بمن فيهم مجلسه العسكري.. فسقط!

نعتذر عن الاستطراد، ونعود إلى موضوع الحديث، فنذكر أن من المعارضين للإضراب أيضا ثوار مخلصون يتخوفون أن يكون الإضراب في صالح العسكر، وأن يكون مثل أخيه الذي رتبه عبد الناصر قبل نصف قرن لكي ينقلب على الديمقراطية.

وبتعبير الموظف البيروقراطي الظريف في "همسة عتاب" والذي كان يردد "بعض الفحص والمحص والتمحيص..." نقول:

1. الإضراب العام حق جماهيري، لمواجهة السلطة المستبدة الجائرة التي تحكمه، وهو ما صك له البعض مصطلح "التجويع السياسي" لتوصيل الرسالة التي تفيد بأن الجالس على كرسي الحكم لا يحكم إلا نفسه.

2. الدعوة إلى الإضراب جاءت بعد وسائل كثيرة من الفعل الثوري ولم تكن الخيار الأول، ولم يقصر الثائرون في بذل الدماء في كل هذه الخيارات: مظاهرات، اعتصامات، مسيرات صامتة، وقفات صامتة، عروض مصورة، وسيل من الكتابة والصيحات على الصفحات والمدونات والفضائيات ومواقع التفاعل الاجتماعي.. فلا يتهمنا أحد بالنزق!

3. الثائرون يطالبون بحقوق مشروعة، تسليم السلطة للمدنيين، نحن الآن بعد عام من الثورة، وقد كان الوعد ستة أشهر فقط، وما رأيناه من المماطلات والتزوير الناعم في الإعلان الدستوري، وفي تصريحات العسكر لا تبشر بالخير، ليس هذا تحليل ولا استنتاج، بل هو حقائق واقعية: إن العسكر هم من أعلنوا عن نواياهم في وثيقة السلمي التي لم تسقط إلا بدماء شهداء وجرحى محمد محمود.. ومن كان ينسى فليقرأها مرة أخرى.

4. البرلمان حتى الآن ليس على مستوى تطلعات الشعب، قد يكون مكبلا بلوائح وقوانين، وقد يكون تعبيرا عن تفاهمات العسكر مع الأغلبية الشعبية (تفاهم الأغلبية الشعبية مع العسكر لا بأس به عندي مبدأيا، ويمكن تشبيهه لتقريب الصورة بتفاهمات حزب الوفد مع الإنجليز أو مع السرايا في الأربعينات، لكن المشكلة هو موضوع التفاهم وشروطهن فكل ما يؤدي إلى إسناد سلطة غير مستحقة لجهة غير منتخبة أو لإعادة إنتاج النظام القديم ولو محسنا أو إلى تضييع الثورة وسرقتها فهذا هو المرفوض).. والبرلمان في النهاية وكيل عن الشعب وليس سلطة عليه، وأعضاؤه نواب عن الشعب وليسوا حكاما عليه.. وحيث كان البرلمان ليس على مستوى التطلعات، فمن حق الذين يستطيعون الضغط أكثر أن يمارسوا حقهم المشروع. [انظر آخر فقرات المقال ففيه إضافة مهمة لهذه النقطة]

5. ما قاله الأمين العام للإخوان المسلمين من أن الإضراب يعني "إيقاف السكك الحديدية، والمواصلات، والنقل، وإيقاف العمل في المصانع والمؤسسات والجامعات والمدارس، والتوقف عن سداد الأموال المستحقة للحكومة" ليس إلا في خياله هو، أو خيال مجموعة قليلة جدا من النشطاء الداعين للإضراب، وإذا كان التوصيف خاطئا فتقديره لما يترتب عليه أشد خطأً، فالأمر بين النشطاء الداعين للإضراب ليس إلا التوقف عن العمل في هذا اليوم (فيما عدا الجهات الحيوية كالأطباء والنقل ونحو ذلك)، وبعضهم يدعو لاستمراره حتى تسليم السلطة وبعضهم يكتفي بجعله ورقة ضغط قابلة للاستدعاء، وهناك من يريده تصاعديا بحيث يكون الإضراب يوم 11 فبراير مقصورا على جهات بعينها كالجامعات ثم يتوسع بعدئذ.. كالعادة، مجموعات الثورة تتحرك بالتلقائية الطبيعية لحركة الشعوب، لا رأس لها، لا مجالس إدارة، لا تنظيم هيكلي.. ومن العجائب أن كل ما يحققه هؤلاء من مكاسب يصب في النهاية لصالح الحركات النظامية التي لو شاءت وأرادت لكانت الآن على رأس السلطة لا تنتظر جدولا موعودا ممن ثبت أنه لا يفي بالعهود.

6. لا أتوقع أن يكون هذا الإضراب شبيها بالذي رتبه عبد الناصر في 54، فالاختلافات المؤثرة كثيرة منها: أن عبد الناصر ظهر كزعيم شعبي وله بالفعل جماهيرية كبيرة وهذا لا يتوفر للمجلس العسكري على الإطلاق.. ربما لو كان تصرف المجلس العسكري مع مبارك ونظامه قاسيا كما فعل عبد الناصر لحقق هذه الجماهيرية، ومنها أن عبد الناصر كان مخترقا فعليا للتنظيمات القائمة في وقته كالإخوان والشيوعيين وغيرهم مما كان يجعل أي تصرف منه مسببا لارتباك حقيقي داخل هذه الحركات بينما كل أفعال المجلس العسكري الآن يُنظر إليها بعين الريبة والتوجس، ومنها أن عبد الناصر كان جزءا من معادلة دولية تصب في صالحه (كان الأمريكان يرثون الأسد الإنجليزي العجوز) بينما تبدو المعادلة الدولية الآن (لا سيما بعد خطاب أوباما الاستراتيجي) لا تصب في صالح العسكر، ويدل على هذا مناوشات المنظمات الحقوقية التي داهمها العسكر ولوحت أمريكا غاضبة بورقة المعونة في الكونجرس، تبدو المعادلة الآن سائرة نحو تفاهم أمريكي مع الإسلاميين "المعتدلين"، لضمان استقرار الأحوال في الشرق الأوسط بينما تتجه هي نحو التنين الأصفر!

7. هدوء الأحوال لا يستفيد منه –في لحظات الثورة- إلا أعداؤها، ويمكن مراجعة العام الماضي ليتبين أن لحظات الهدوء لم يتخذ العسكر فيها قرارا واحدا لصالح الثورة، فيم كانت لحظات الاحتجاج المتصاعدة هي لحظات القرارات التي تصب في صالح الثورة ولو جزئيا.. فالإضراب –وكل فعل ثوري احتجاجي- هو استكمال للثورة التي حققت بعض أهدافها وما زالت تسعى لتحقيق أهم الأهداف.

8. قصة العمل والإنتاج والبناء هي قصة ساذجة واسطوانة مشروخة لا تستحق الرد عليها، لقد كان المصريون يعملون طول حياتهم كالعبيد والحمير في عهود الاستبداد فما جنوا شيئا، لا تقدما ولا رخاء، بل ولا حصلوا على حقوقهم الأساسية في الصحة والسكن والتعليم ولا حتى الطعام والشراب.. ومن كان يظن أن العمل والإنتاج في هذه اللحظات يعود على الشعب بالخير فهو يخادع نفسه ويخادع الناس..

9. كما أن قصة الفوضى والهدم والتخريب كأختها قصة العمل والإنتاج والبناء، لا يرددها إلا من يريد استقرار الأحوال لصالحه ومصالحه، أو قد يكون مخدوعا لا يرى الصورة من كل جوانبها.

10. وأخيرا: انظر إلى صفحات العسكر ومنافقيهم، تعرف أن الإضراب في صالح الشعب والثورة!

***

قال شيخ مواجهة الاستبداد عبد الرحمن الكواكبي في خالدته "طبائع الاستبداد":

"أشكال الحكومة المستبدّة كثيرة (فصفة الاستبداد) كما تشمل حكومة الحاكم الفرد المطلق الذي تولّى الحكم بالغلبة أو الوراثة، تشمل أيضاً الحاكم الفرد المقيَّد المنتخب متى كان غير مسؤول، وتشمل حكومة الجمع ولو منتخباً؛ لأنَّ الاشتراك في الرّأي لا يدفع الاستبداد، وإنَّما قد يعدّله الاختلاف نوعاً، وقد يكون عند الاتّفاق أضرّ من استبداد الفرد. ويشمل أيضاً الحكومة الدّستورية المُفرَّقة فيها بالكُلِّيَّة قوَّة التشريع عن قوَّة التَّنفيذ وعن قوَّة المراقِبة؛ لأنَّ الاستبداد لا يرتفع ما لم يكن هناك ارتباط في المسؤولية، فيكون المُنَفِّذُون مسؤولين لدى المُشَرِّعين، وهؤلاء مسؤولين لدى الأمَّة، تلك الأمَّة التي تعرف أنَّها صاحبة الشّأن كلّه، وتعرف أنْ تراقب وأنْ تتقاضى الحساب".

كأن هذا الكتاب مقتبس من نور الوحي الخالد! فهو دائما غض طري كأنما كتب بالأمس!!

نشر في رابطة النهضة والإصلاح، وشبكة رصد الإخبارية