الأربعاء، يونيو 19، 2019

رحل مرسي وبقيت قصته مثلا وعبرة


عند لحظة الانقلاب على مرسي لم يكن أحد يعرف أنه قد بقي في عمره أقل من ست سنوات، أي أنه في كل الأحوال لم يكن ليُكمل فترتيْن في الرئاسة، حتى لو فاز بفترة ثانية! فإن أجل المرء لا يتقدم ساعة ولا يتأخر منذ أن قدَّره الله ومهما كانت الأسباب.

وهنا يأتي السؤال: ماذا كان سيكون مصير مصر والمنطقة لو أن مرسي توفي رئيسا بعد استقرار تجربة الديمقراطية والحكم المدني في مصر؟ هل كانت مصر والمنطقة ستكون أحسن حالا أم أسوأ حالا؟!

يجب أن يقف أمام هذا السؤال أولئك الذين فرغ صبرهم بعد عام واحد من حكم الرجل، وها هم يسيرون في العام الخامس تحت حكم السيسي، الذي مهَّد لنفسه بتعديل دستوري لا يزال ساخنا ليستكمل به للحكم مدى الحياة!

لكن يأتي قبل هذا سؤال آخر أهم منه: هل كان يستطيع مرسي أن يستمر في الحكم؟ أم أن انتخابه من قبل الجماهير على الطريقة الديمقراطية ليس شيئا كافيا لهذا؟

لا أظننا نحتاج جدالا كثيرا في الإجابة على هذا السؤال: ستة أعوام كافية لتقديم الإجابة الشافية الوافية الكافية على هذا السؤال.. باستطاعتنا أن نقول باطمئنان: إن فكرة الديمقراطية كحلّ قد وُضِعت في قبرها مع مرسي، ومثلما ستنفض الحالة السياسية يدها من عودة مرسي فينبغي على الحالة الفكرية أن تنفض يدها من الحل الديمقراطي كذلك! فإن الدبابة التي دهست مرسي حتى قتلته ثم شيعته في الظلام إلى قبره دهست معه فكرة الديمقراطية نفسها!

لقد تصرف مرسي كما ينبغي أن يتصرف حاكم ديمقراطي يقرأ من كتاب الليبرالية الغربية، بل بما هو فوق الموجود في الكتاب، فكتاب الليبرالية الغربية يعطي الحق للحزب الفائز أن ينفرد بتشكيل الحكومة والسيطرة على المؤسسات وتنفيذ برنامجه، لكن النخبة العلمانية العربية اخترعت كتابا جديدا اسمه "كتاب التوافق"، وهذا الكتاب الجديد يناقض كتاب الديمقراطية في أصل مبدئه الذي يقضي بانفراد الأغلبية بالحكم ويطرح أصلا جديدا يقول بتنازل الأغلبية عن حقوقها رعاية لرغبات الأقلية (التي لم ترضَ أبدا، ولن ترضى).

كانت أياما لا تتصورها الأحلام، حرية رأي لم تحصل عليها الدول التي ازدهرت فيها الديمقراطية نفسها، حرية رأي وصلت إلى أن يُكتَب السبُّ له على جدران قصر الرئاسة، وأن وُضِع أمام بيته البرسيم لأنه "خروف"، وكان الصحافي الذي لا يجد شيئا ليكتبه يُدبِّج المقالات في سب مرسي وجماعته، وأحد أولئك بعدما حُكِم عليه بالسجن  تدخل مرسي بنفسه ليعدِّل قانون الصحافة كي لا يبيت شاتمه في السجن، فخرج ليواصل مهمته في السب والتحريض!!

وتوافقٌ لم يشهد رئيسٌ منتخب مثله، تحولت به حكومته إلى شركاء متشاكسين، وزير من اليمن ووزير من اليسار، وزير محافظ ووزير ليبرالي، ورئيسٌ يعرض منصب رئيس الحكومة على خصومه السياسيين وهم يتمنعون، وعلى شباب يجاهر بمهاجمته وهم يرفضون، وفريق استشاري يتخلى أفراده عن رئيسهم في لحظة هو فيها مُهَدَّدٌ بالاغتيال!

لا أحسب أننا بحاجة إلى التذكير بأنه حينما جاء السيسي على دبابته، مزق كتب الديمقراطية والتوافق بلا تردد، فإذا بفلاسفة الديمقراطية والتوافق بين منافق وسجين وطريد وعائد إلى مزرعته السعيدة في بلاد الأجانب أو قواعده في تويتر أو مشروعاته العظيمة في الغذاء الصحي!!

القوة هي الحكم.. والسيف يهزم الدم.. والرصاص أقوى من السلمة.. والدبابة أعتى من الصندوق.. والقنابل تسحق الحشود.. والعسكري فوق الديمقراطية!

حين تتعادل القوى يظهر القانون، وعلى نحو ما قال الفقيه القانوني المعروف عبد الرزاق السنهوري: القانون يحكم بين قويين أو ضعيفين، أما إذا اختلت موازين القوى فلا قانون، وحينئذ تصير القوة هي القانون.

نعم في بعض اللحظات تكتسب قوة الشعب وزنا استثنائيا في معادلة القوة، كما هو الحال في لحظة الثورة والاحتجاج، وعندئد يمكن للقيادة الحكيمة أن تُوَظِّف هذه القوة في تلك اللحظة لتحقيق مكسب سياسي لا يمكن أن يتحقق في وقت آخر، لكن هذا يحتاج من الذكاء والمبادرة والسرعة ما لا يتمتع به إلا الزعماء الأكفاء.

قال مرسي، وصدق، بأن ثورة يناير والشرعية ثمنها حياته.. وقد وفَّى بهذا رحمه الله، فمات في سجنه بعد عذاب السنوات الستة ميتة كان يمكنه أن يتجنبها ويعيش في شيء من اليسر، ماتَ وقد ترك المشهد المصري واضحا: حق وباطل، ثورة وانقلاب، اختيار الشعب وحكم السلاح.

لكن لماذا لا يكون الحفاظ على يناير والشرعية ثمنها حياة أعداء الشعب؟! هذا ما كان ينبغي أن يكون.. أن تبقى ثورة يناير وتبقى شرعية الشعب ويكون الثمن هو حياة أعداء الشعب والثورة والأمة والدين.. هكذا يجب أن تمضي الأمور، تماما مثلما مضت في كل الثورات الناجحة!

ولو أن ثمة من لا يفهم هذا فيرى في الإجراءات الثورية الرامية لحفظ الثورة وحمايتها اعتداء على الحريات فلا بأس ألا يفهم، لعله إن عاش يفهم من تلقاء نفسه أو حتى فليمت دون أن يفهم وتبقى شرعية الشعب وحقه في التحرر والاستقلال واختيار من يحكمه. وإلا كان البديل أن تضيع الثورة وحياة رموزها كما حدث مع مرسي وغيره، ثم يفهم صاحبنا المغفل هذا بعد أن تضيع الفرصة، ثم هو قد لا يفهم أيضا مثل الذين لا زالوا حتى الآن يُنَظِّرون لكون سهرة 30 يونيو ثورة شعبية.

إنها لمكانة عليا أن تجتمع على مرسي قلوب ملايين المسلمين ترثيه وتنعيه وتنشد له الأشعار وينتصب رمزا ويتحلى بلقب الشهادة، هي مكانة عليا حقا، ولكن الأعلى منها والأنفع للأمة أن يعيش منتصرا متمكنا قادرا على حماية شعبه وتحقيق أمانيهم قاهرا لأعدائهم وعملاء أعدائهم، ثم هو في كل ذلك متعرض للشهادة أيضا، شهادة الفاتحين في ساحات النصر والكفاح لا شهادة الأسير في ضيق الزنازين.

إن الواجب علينا أن نسعى في النصر المؤزر حتى ندركه أو ننال الشهادة دونه، ولئن كنا ظننا يوما أن الديمقراطية تأتي قبل التحرر، فإن الوفاء لدم مرسي ودماء الشهداء وعذابات الأسرى والمشردين أن نؤمن الآن أن التحرر يأتي قبل كل شيء، وأن مطلب التحرر يجب أن يكون أولا، أن نمتلك القدرة على الاختيار لا أن نختار حين يُسْمَح لنا ثم نذبح حين تتغير رغبة القوي المحتل!

الديمقراطية صنم مأكول (كما ذكرت ذلك في المقال الماضي، الذي كُتِب بتقدير الله قبل وفاة مرسي)، ولو كان لها معنى لظل النبي في مكة يستكثر من الأتباع ثم يطالب سادة قريش بانتخابات حرة نزيهة، لكن شيئا من هذا لم يخطر بباله ولا ببال أحد، إنما كان يستكثر من الأتباع المؤمنين ليخوض بهم معركة التحرر والاستقلال، فلم يضيع –صلى الله عليه وسلم- السنوات الطوال في الخضوع لنظام قريش ومحاولة إصلاحه ليسمح بانتخابات حرة، بل عرض نفسه على القبائل يطلب النصرة، يبحث عن الأرض التي يقيم عليها الدولة ويحميه أهلها، حتى فتح الله قلوب الأنصار فكانوا رجال دولة الإسلام.

هنا حصل التحرر، حصل الاستقلال، هنا تحولت الفكرة إلى كيان، وهنا بدأت مرحلة أخرى من الحرب الإقليمية والعالمية ضده لتدميره.. إلا أن الخلاصة المقصودة في سياقنا الآن: أن الاختيار ليس متاحا لمن لا يملك (القدرة) على الاختيار، الضعيف مفعول به مهضوم الحق مهيض الجناح مهدوم الركن! مهما كان صاحب حق ومهما كان فصيحا في بيانه والتدليل عليه.

سجل المتنبي وهو أشعر العرب تجربته بين الشعر والسيف فقال:
حتى رجعتُ وأقلامي قوائل لي .. المجد للسيف، ليس المجد للقلم
اكتب بنا أبدا بعد الكتاب به .. فإنما نحن للأسياف كالخدم
صدقتِني، ودوائي ما نطقتِ به .. فإن غفلت فدائي قلة الفهم
من اقتضى بسوى الهندي حاجته .. أجاب كل سؤال عن هلٍ بِلَمِ

وقبله مدح أبو تمام المعتصم بقصيدته الشهيرة التي مطلعها:
السيف أصدق إنباءا من الكتب .. في حده الحد بين الجد واللعب

وبعدهما ردد شوقي ذات المعنى وهو يمدح مصطفى كمال أتاتورك يوم كان مخدوعا:
فقل لبانٍ بقولٍ ركنَ مملكة .. على الكتائب يُبْنَى المُلْك لا الكُتُب

ومن قبل ذلك كله، ومن بعد ذلك كله قول ربنا (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم).

رحم الله الرئيس الشهيد محمد مرسي، وجعل قصته هدى وعبرة وعظة للمؤمنين.

الأربعاء، يونيو 12، 2019

تاريخ الأتراك العثمانيين



§        اسم الكتاب: تاريخ الأتراك العثمانيين
§        المؤلف: إدوارد شيفرد كريسي
§        المترجم: د. أحمد سالم سالم
§        الناشر: جامعة حمد بن خليفة
§        الطبعة: الأولى، 2019م
§        عدد الصفحات: 1219 صفحة

صدر قبل أيام قليلة عن جامعة حمد بن خليفة في الدوحة ترجمة جديدة لسفر من أهم الأسفار في التاريخ العثماني، وهو كتاب "تاريخ الأتراك العثمانيين" للمؤرخ والمستشرق الإنجليزي إدوارد شيفرد كريسي، ذلك السفر الذي تصدى لمهمة ترجمته الدكتور أحمد سالم سالم، الصديق والأخ العزيز، والاسم الصاعد في سماء ترجمة الأعمال الاستشراقية القيمة، وقد قضى في هذا العمل ثلاث سنوات حافلات بالعمل المضني، حتى خرجت هذه الثمرة إلى النور.

ولكي لا يتشعب الحديث فسنجمل الكلام عن كل عنصر من عناصر هذا الموضوع: الكتاب، والمؤلف، والمترجم، والترجمة.

[1] الكتاب

ونبدأ بالكتاب..

يعرف الباحثون في التاريخ العثماني أن المصدر الأوروبي الأهم في كتابة التاريخ العثماني هي موسوعة المؤرخ والدبلوماسي الألماني جوزيف فون هامر (1774 – 1856م)، الذي كان يتقن ثماني لغات من بينها اللغات الشرقية الثلاث الكبرى: العربية والفارسية والتركية، وكان عمله في وزارة الخارجية النمساوية وسفارتها في اسطنبول ثم في بلاط الإمبراطورية النمساوية قد وضع أمامه حشدا من المصادر والوثائق والمشاهدات والروايات التي جمعها في هذه الموسوعة التي حملت اسم "تاريخ الإمبراطورية العثمانية" التي بلغت عشر مجلدات. كان هذا الكتاب منعطفا في التاريخ الأوروبي للدولة العثمانية، وبه صار هامر رائد هذا الباب بين المستشرقين، لكن المشكلة التي تعنينا الآن أن هذه الموسوعة لم تترجم للعربية حتى لحظة كتابة هذه السطور فيما أعلم.

وقد اعتمد كتاب كريسي الذي بين أيدينا على موسوعة هامر، ويمكن اعتباره بكثير من التجوز اختصارا لما جاء فيه، مع إضافات وزيادات لاحقة، لكن مادة الكتاب الأساسية اعتمدت على موسوعة هامر، وهذه أول فائدة كبيرة ينتظرها الباحثون من هذه الترجمة الجديدة.

تمثلت إضافات وزيادات كريسي في اعتماده على مصادر أخرى غير موسوعة هامر، وأهم هذه المصادر أنه كان شاهدا على فترة العشرين سنة التي فصلت بينه وبين هامر، وما وقع فيها من أحداث مؤثرة في التاريخ العثماني عند أواخر القرن التاسع عشر. مع ملاحظة أن تاريخ هامر توقف قبل قرنٍ من تاريخ كريسي.

الفائدة الثانية بالطبع هي هذا الاختصار، لمن لا يُفضِّل المُطَوَّلات. لقد كانت موسوعة هامر تعاني من أنها لم تترجم من الألمانية إلى الإنجليزية بسبب ضخامتها وتخوف الناشرين الإنجليز ألا تجد لها قارئين!

[2] المؤلف

وأما المؤلف فهو قانوني مؤرخ، عاش سحابة حياته في بريطانيا القرن التاسع عشر (1812 – 1878م)، أي في العصر الذهبي للإمبراطورية التي كانت لا تغيب عنها الشمس، وهو العصر الذهبي للاستشراق الإنجليزي الذي استطاع عبر جيوشه وأساطيله ولحاجة جيوشه وأساطيله أيضا أن يجعل حركة الاستشراق في أوج ازدهارها، درس القانون ثم التاريخ في جامعة كمبريدج ثم صار أستاذا له في جامعة لندن ثم قضى آخر خمسة عشر عاما من حياته تقريبا (1860 – 1875م) في سيلان، وأنتج في حياته الحافلة عددا من المؤلفات في التاريخ والقانون الإنجليزي.

وقد ألقى هذا العصر بظلاله على الكتاب الذي اجتمع فيه ما اجتمع في حركة الاستشراق الاستعمارية، حركة تقدس المجهود البحثي الدؤوب، وتلبس معه روح الحملات الصليبية مع تحسينات معاصرة حديثة أو بتعبير مكسيم رودنسون "زخرفات عصرية"!

ومن هنا جاء الكتاب عملا علميا قيِّمًا، مسكونا بروح صليبية تتفلت من بين العبارات فتطل برأسها أحيانا سافرة وفي أغلب الأحايين متقنعة.

[3] المترجم

وأما المترجم: د. أحمد سالم سالم فهو من الأسماء الصاعدة بقوة في التاريخ العثماني، وقد عرفته من ترجمتين سابقتيْن له، فقد ترجم كتاب المستشرق الإنجليزي الشهير ستانلي لين بول "تاريخ مصر في العصور الوسطى" (2014م)، كما ترجم كتاب المستشرق الإنجليزي الشهير أيضا إدوارد وليم لين "القاهرة في منتصف القرن التاسع عشر" (2017م)، وقد فازت ترجمته لكتاب ستانلي لين بول بجائزة الشيخ حمد للترجمة (2015م) وطبعت خمس طبعات حتى (2017م). ومن قبل هاتين الترجمتين كان قد أصدر كتابه "السيطرة العثمانية على الحوض الغربي للبحر المتوسط في القرن السادس عشر" (2011م) وكتابه "استراتيجية الفتح العثماني" (2012م).

وترجمة أعمال المستشرقين المتقدمين أمر يتهيبه المترجمون عادةً، ذلك أن اتساع قائمة مصادرهم يجعل المترجم الأمين أمام عبء البحث عن النصوص الأصلية في مظانها، وكثير من هؤلاء المستشرقين يستسهلون الإشارة إلى المصادر دون توثيق دقيق في ذلك الزمن. ثم تتمثل الصعوبة الثانية في تطور اللغة الإنجليزية المتسارع بحيث تعد لغة ما قبل مائة عام أو مائتين أشبه بلغة أخرى غير الإنجليزية المعاصرة، وهو عمل يستغرق جهدا مضاعفا في فهم التراكيب والتعبيرات التي صارت مهجورة. وإلى هنا يمكن للمترجم أن يعفي نفسه من أعباء جديدة لكن د. أحمد من مدرسة ترى أن عليها عبء تحقيق النص ومناقشته والتعليق عليه، وهذا يضيف عبئا جديدا على المترجم لكنه يجعل الثمرة النهائية وجبة شهية للقارئين!

لذلك حفلت ترجمات د. أحمد بالحواشي المعينة على فهم النص أو الاستدراك عليه، في غير تطويل وإملال واستكثار بلا معنى كما يفعله بعض من يحبون التباهي والتفاخر بما لا قيمة فيه ولا تعويل عليه.

[4] الترجمة

أضيف إلى صعوبات الترجمة لهذا الكتاب الذي بين أيدينا صعوبة جديدة، إذ أن مسرح الكتاب في أغلبه هو مناطق شرق أوروبا، فلم تعد الترجمة هنا ترجمة لتاريخ مصر أو لشوارع القاهرة وأحيائها، وهو الأمر الذي يسهل على المترجم المصري، لا.. لقد صار الأمر متعلقا بالجغرافيا المعقدة الثرية الحافلة التي شملتها الدولة العثمانية لا سيما مناطق أوروبا الشرقية، وذلك أن المدن في هذه الأنحاء تسمى بأسماء عديدة: عثمانية وبيزنطية ويونانية وأوروبية، بحسب تاريخ المدينة وتقلبات الذين هيمنوا عليها، وأحيانا ما كان المؤلف يمضي وراء هامر في استعماله تسميات وألفاظا دارجة في الألمانية. هنا تبدو عملية الترجمة الدقيقة كعملية فدائية لا يقدم عليها إلا مغامر!

لقد كثر في تعليقات الترجمة التعريف بالأعلام وتحديد مواقع المدن وأحيانا بيان معانيها والمقارنة بين لفظها بالعثمانية وباللغة الأوروبية التي وردت في المتن، وربما كان هذا أثمن وأنفس ما في الترجمة لأنها تضبط خيال القارئ وتمنع الخلط والتشتت أن يصيبه بين كومة الأسماء الكثيرة المنهمرة عليه!

ومن جهة أخرى فقد كان د. أحمد يشعر –كما توحي مقدمته للترجمة- أنه مسؤول عن تقييم تاريخ هامر ومعلوماته باعتباره المرجع الأساسي الذي نهل عنه المؤلف إدوارد شيفرد كريسي كما نقل عنه كثيرون من المؤرخين والباحثين العرب، ومن هاهنا كان يعمل عملا فوق الترجمة وهو اختبار صحة ودقة تاريخ هامر المتغلغل في كتاب كريسي والتعليق عليه. مؤملا أن يتوقف الاعتماد المستسلم على تاريخ هامر.

وثمة استطراد هنا جدير بالإشارة إليه، ففي حركة البحث التركية التاريخية الجديدة صدرت العديد من الدراسات وترجم بعضها إلى العربية، وفي كثير من هذه الدراسات إشارات متعددة لجناية هامر على التاريخ العثماني برغم أهمية كتابه وكونه عمدة في بابه، ولهذا فسيزال كتاب هامر يمثل تحديا للمؤرخين المسلمين حتى يغامر أحدهم بالتفرغ لفحصه والتعليق عليه تفصيلا. لكن الذي يهمنا الإشارة إليه هنا أن العديد من هذه الدعاوي الهامرية وجدت من يلتقطها ويرد عليها ردا سريعا ومختصرا في هذه الترجمة.

نسأل الله تعالى أن يكون هذا الكتاب من العلم النافع الخالص لوجهه الكريم.



الأحد، يونيو 09، 2019

كيف تأثرت القاهرة الأوقاف العثمانية


لا زلنا نحاول رفع التشويه والزيف والتزوير التاريخي الذي يردد أن الحقبة العثمانية كانت احتلالا أجنبيا للبلاد العربية، وقد ذكرنا في مجموعة المقالات الماضية أننا سندرس سلوك الحكم العثماني في القاهرة خلال نصف القرن الأول منه، حين كانت الدولة في أوج قوتها وتمكنها وتستطيع أن تنفذ سياستها قهرا، لنرى هل كان سلوكها حينئذ سلوك محتل أجنبي كما هو حال الاحتلالات الأجنبية فيما بعد، أم هو سلوك دولة إسلامية تحكم رعيتها الممتدة؟ وقد ركزنا الحديث عن الأوقاف التي أنشأها الولاة العثمانيون في القاهرة في تلك الفترة كنموذج لأوقافهم في عموم الديار المصرية، وبعد أن عدَّدْناها وذكرنا تاريخها، نبدأ في هذا المقال بيان آثارها على مجتمع القاهرة، وكيف اتسعت القاهرة عمرانيا وازدهرت اقتصاديا بأثر من نمو حركة الأوقاف العثمانية.

تتعدد أوجه الآثار التي يمكن أن نرصدها لأوقاف الولاة العثمانيين على مجتمع القاهرة في تلك الفترة، على أن أهم ما ينبغي التنبيه إليه أن حركة الولاة تجاه نشاط ما يثير بطبيعة الحال إقبالا عليها في سائر طبقات المجتمع، فالناس على دين ملوكهم، "وقد مضت سنة الاجتماع في تقليد الناس لأمرائهم وكبرائهم، فكل ما راج في سوقهم يروج في أسواق الأمة"[1]، ومن هنا نشطت حركة الأوقاف في طبقة الأمراء وطبقات الأغنياء والطبقات الوسطى، فكانت ظاهرة عامة لها آثارها العميقة في المجتمع المصري.

وكثيرا ما يصعب فصل الآثار المترتبة على وقف ما تحت تصنيف بعينه، فقد يكون للوقف نفسه أثر عمراني واقتصادي وديني واجتماعي، ولهذا فقد سرنا هنا في رصد الآثار بحسب ما يغلب على الوقف من الأثر دون نفي الآثار الأخرى المتعلقة به بطبيعة الحال. وقسمناها هنا إلى آثار: عمرانية واقتصادية واجتماعية. ونورد تحت كل منها شذرات سريعة بحسب ما يحتمله المقام.

آثار عمرانية

لقد "كان لاتجاه الولاة العثمانيين إلى تشييد العمائر التابعة لأوقافهم خارج القاهرة الفاطمية أثره في التوسع العمراني خارجها، فمن بين 9 ولاة أقاموا منشآت لهم وجدنا واحدا بالقاهرة (11.5%)، وثلاثة بالمنطقة الجنوبية (تقريبا 33.5%)، واثنين ببولاق (نحو 22.5%) وواحد بمصر القديمة (تقريبا 11.5%)، واثنين أقاموا منشآت في أكثر من مكان (22.5%) حيث أقاموها بالقاهرة الفاطمية والضاحية الجنوبية وبولاق، وتنوعت هذه المنشآت بين خدمية (كالمدارس والكتاتيب والأسبلة والصهاريج والتكايا والجوامع) وسكنية (كالرباع) وتجارية (كالوكالات والقيساريات والحوانيت)"[2].

وتبدأ هذه العملية بأن يشتري الواقف أو يشيد "مباني اقتصادية تدر ريعا مثل المنازل والحوانيت والرباع والحمامات العامة. وكان من مصلحة نظار هذه الأوقاف أن تكون مواضع الممتلكات متقاربة حتى يسهل عليهم إدارتها وجباية دخولها والسهر على سلامتها. وعلى هذا كانت العقارات تتجمع في غالبية الأحوال على مقربة من الصرح الذي أنشئ الوقف لصالحه. وكان من الممكن أيضا أن يتحول وقف حضري كبير إلى عملية تعميرية حقيقية يتم في ظلها إعادة تشكيل أو تنظيم حي بأكمله. وفي الأغلب تجري مثل هذه العمليات في مناطق المدينة القابلة للتوسع، حيث توجد مساحات متاحة، وتقل كثافة الإنشاءات. وهذا يفسر لنا لماذا أقيم عدد من الأوقاف في مواقع رائدة، وحيث ساهمت في توجيه نمو المدينة أو على الأقل في مصاحبته"[3]، وبهذه الطريقة أسفرت منشآت وقف إسكندر باشا عن إعادة تشكيل المنطقة الواقعة بين باب زويلة وباب الخلق إلى مسافة 500 متر من باب زويلة[4].

وهكذا توسعت القاهرة في مطلع العصر العثماني عمرانيا إلى الجهة الشمالية بأثر من النمو التجاري، الذي استثمرته ودعمته منشآت الولاة العثمانيين، كمعاصر السكر ووكالات تجارة الكتان التي أنشأها سليمان باشا، ووكالات الحبوب التي أنشأها داود باشا، فتوسعت بولاق تجاه الشمال والغرب ونما شارع كبير موازٍ لنهر النيل على أراضي طرحها النهر أثناء انحساره تجاه الغرب، وقد وجد بها عدة منشآت تابعة لأوقاف بعض الولاة كمسجد سليمان باشا وسنان باشا، وأخذ الزحف العمراني يمتد إلى أرض وقف سليمان باشا بشاطئ النيل وتحولت بعض الحدائق المرصدة إلى مقاهي ووكائل[5].

وإذا "كان الناس على دين ملوكهم فنجد أن القاهريين باختلاف فئاتهم يسهمون بدور في تفعيل الحركة العمرانية، كأن هناك تكاتف بين هؤلاء والدولة على أهمية التعمير، فاتجهوا أيضا إلى تشييد المنشآت التجارية والخدمية ولا سيما الأسبلة والآبار ثم قاموا بوقفها، وقد راع هؤلاء أن يختاروا لمنشآتهم تلك المناطق التي تتسم بخلخلة عمرانية والتي تسمح بالتوسع فيما بعد، فنجد مثلا الجمالي يوسف بن يونس الزركاشي يوقف عدة منشآت تشتمل على معمل نشادر ووكالتين مستجدتي الإنشاء بخط باب اللوق والجامع الطولوني بالإضافة إلى عدد من الحوانيت ومدبغة ونصف طاحون وغير ذلك من المنشآت التي أحدثها الواقف، ووقفها على نفسه ثم من بعده يخصص جزء من ريعه لحمل المياه إلى عدد من الزوايا"[6].

وقد حظي أمر توفير المياه للناس والحيوانات "باهتمام أغلب الواقفين، فحرصوا على إنشاء الأسبلة والآبار في مختلف أحياء القاهرة، ولوحظ أن منشئيها قد حرصوا على تشييدها بالمناطق الخربة والأرض الموات. وبعيدا عن العوامل العقدية والدنيوية لإقامة مثل تلك المنشآت فإن اختيار أماكنها... أسهم بدور ولو بسيط في تشجيع التوسع وجذب الناس إلى الأماكن التي تتسم بضعف النمو"[7].

وحيث كان جزء كبير من ريع الأعيان الموقوفة ينفق في صيانة الوقف وترميمه، فقد سهل هذا من عملية الصيانة، التي كانت خاضعة لإشراف القضاء، ولم يكن ذلك ليتم لولا اهتمام الدولة العثمانية بالأوقاف[8]، مما أبقى الأثر العمراني للوقف أطول مدة ممكنة بمحافظته على عين الوقف وأنشطته وما حوله من أوضاع. وقد كان من ضمن ما يخصص من وظائف الوقف: وظيفة الكنس والرش ولم القمامات، وهو ما "يعكس حقيقة ذلك الاتجاه للاهتمام بنظافة المدينة؛ لأن نظافة الوقف لم تكن منحصرة على ما بداخله، بل كان يتعدى إلى النطاق الجغرافي المحيط به"[9].

آثار اقتصادية

كان دخول مصر تحت حكم الدولة العثمانية قد فتح العلاقات التجارية بين القاهرة وبين مركز الإمبراطورية (اسطنبول والأناضول)، وهو ما "زاد من أهمية بولاق التي كانت باب القاهرة على البحر المتوسط. وكان لنمو العلاقات مع الدول الأوروبية نفس الأثر"[10].

ومن هنا عَمِلَتْ منشآتُ الولاة الصناعية والتجارية على أن تَرِدَ إلى القاهرة العديد من البضائع التي لاقت رواجا اقتصاديا كالكتان والأرز والحبوب والجلود والسكر بدلا من البضائع الكمالية التي كانت تفد إلى مصر القديمة[11]، فلذلك "كان القرن السادس عشر هو فترة نمو نشيطة بالنسبة لبولاق حيث قام باشوات القاهرة بتشييد سلسلة من الوكائل، وبطبيعة الحال أنهم كانوا يفكرون في الأرباح التي يمكنهم الحصول عليها من وقف هذه الممتلكات: فقد شيد سليمان باشا (1525 – 1538) وكالة للكتان؛ وداوود باشا (نحو 1564) ... وتتفق هذه الضخامة مع أنشطة بولاق التجارية خلال القرن العثماني الأول، بل وتتناظر أيضا مع القوة المالية للحكام الذين قاموا بتمويلها"[12].

وبقدر ما أسهمت الأوقاف في تنشيط الحركة التجارية في بولاق وإتاحة الفرصة لها لتكون مركزا تجاريا، بقدر ما عاد هذا على الأوقاف نفسها بالتوسع، فلقد صار وقف سليمان باشا من الأوقاف الكبرى التي تزيد مواردها عن تغطية نفقات المصارف المقررة لها، ولهذا سمح الواقف لإدارة الوقف أن تستثمر الفائض في توسيع الوقف بشراء المزيد وضمه إليها، ويصبح حكم الجديد كحكم الوقف الأصلي، وقد ضم الوقف عقارا بقيمة 26 ألف نصف فضة، وأنشأ وكالة تجارية لبيع الكتان تكلفت أكثر من 160 ألف نصف فضة[13].

وقد شجَّع وقف سليمان باشا بطريق غير مباشر على رواج الحركة التجارية، ذلك أن أحواض وأسبلة المياه من وسائل رواج حركة التجارة الداخلية، إذ أن وجودها في مكان ما كخدمة مجانية كان يزيد من نشاطه التجاري، ولقد كان في وقف سليمان باشا في بولاق حوضان معدان لشرب الدواب، كذلك أسهم وقف سليمان باشا في رواج هذه الحركة التجارية بطريق أخرى، حيث كان يصرف في كل سنة ثمن ستة قناطير زيت، يضاء به كل ليلة الفنار الموجود في أبي قير لينير الطريق للمسافرين الواردين عليها. وهذا أمر متعدد الفائدة إذ لها فائدة اقتصادية في تشجيع التجارة بإنارة الطريق للتجار، وفائدة اجتماعية بتأمين الناس وحركة السير ليلا، وفائدة عمرانية بتعمير المكان[14].

ومن أهم الآثار الاقتصادية للأوقاف ما توفره من الوظائف المتعددة لكثير من الطاقة العاملة، وهو ما يُدخل إلى سوق النشاط الاقتصادي موارد بشرية تزيد من حركة دوران رأس المال في المجتمع، فقد كانت أوقاف المساجد والمدارس والتكايا والزوايا تحتاج إلى العديد من الوظائف الدينية والفقهية، سواء من جهة الإشراف على هؤلاء الموظفين وحساب الراتب وغيره، وكثيرا ما يكون لناظر الوقف نائب أو أكثر كما يكون لديه وكيل يتولى عنه الحضور أمام القضاء وغيره، وربما كان للوقف الواحد أكثر من ناظر، وربما كان للوقف ناظرٌ ومتولٍّ مع تشابه وتداخل في المهام، وأحيانا يكون أكثر من واحد في مهمة المتولي، هذا فضلا عن وظائف أخرى توجد أو لا توجد بحسب الوقف كالمُباشر والكاتب والشاهد، كذلك فقد استلزم وجود الوقف وظائف أخرى كالجابي الذي يجمع أموال الوقف والشاد (ويُسَمَّى أيضا: القاصد) الذي يساعده، وفي بعض أنواع الأوقاف لزم وجود الصراف لاكتشاف الأموال المزيفة، وأمين الكلار الذي يوجد في الأوقاف التي تخزن الغلال أو الأمتعة والأدوات، ومتعاهد كتاب الوقف (وهو أقرب إلى وظيفة الشؤون القانونية للوقف) وعمَّال الصيانة، والحارس (الخفير)، فضلا عما يقتضيه كل وقف من وظائف مخصوصة تبعا لطبيعته وغايته[15].

وتؤكد الشواهد أن رواتب وظائف الأوقاف لم تكن سيئة، بل كان يقع على الحصول عليها تكالب ولجوء إلى الوسطاء، كما وُجِد ما يدل على أن بعض الأسر كانت تتعيش من رواتب الأوقاف، وأن الحصول على وظيفة وراتب ثابت من الأوقاف كان مدعاة للاستقرار والاطمئنان، وقد زاد خاير بك في رواتب موظفي وقفه، وشرط سليمان باشا الخادم في وقفيته أن تزيد رواتب موظفيه بمرور الزمن[16].

وقد منحت بعض الأوقاف لبعض موظفيها –فضلا عن الراتب- سكنا ملحقا بها، حرصا على حسن القيام بالعمل، ومن ذلك أن وقف خاير بك قد منح سكنا "للمزملاتي"[17]، وقد مرَّ سابقا أن جانم الحمزاوي أوقف على التربة التي عمَّرها وقفا ينفق على سكن المقيمن فيها، ومنح وقف إسكندر باشا سكنا لإمام الجامع، وشرط سليمان باشا الخادم في وقفه 18 مسكنا لسكنى موظفي الوقف[18]، وهذا السكن فوق ما له من الآثار الاقتصادية التي ترفع الكلفة عن كثير من المحتاجين فإنه له آثارا اجتماعية عميقة.

نشر في مجلة المجتمع الكويتية، يونيو 2019



[1] محمد رشيد رضا، الخمر أم الخبائث، مجلة المنار، 4/896.
[2] هدى جابر، البشر والحجر، ص64.
[3] أندريه ريمون، القاهرة، ص210.
[4] أندريه ريمون، القاهرة، ص197، 210.
[5] هدى جابر، البشر والحجر، ص76.
[6] هدى جابر، البشر والحجر، ص64.
[7] هدى جابر، البشر والحجر، ص65.
[8] هدى جابر، البشر والحجر، ص80.
[9] هدى جابر، البشر والحجر، ص101.
[10] أندريه ريمون، القاهرة، ص244.
[11] د. هدى جابر، البشر والحجر، ص76.
[12] أندريه ريمون، القاهرة، ص244.
[13] محمد عفيفي، الأوقاف والحياة الاقتصادية، ص139، 140.
[14] محمد عفيفي، الأوقاف والحياة الاقتصادية، ص210، 211.
[15] محمد عفيفي، الأوقاف والحياة الاقتصادية، ص86 وما بعدها.
[16] محمد عفيفي، الأوقاف والحياة الاقتصادية، ص118، 119.
[17] المزملاتي: هو المسؤول عن تسبيل الماء في السبيل، وهو أهم موظف في الوقف إن كان سبيلا، انظر مهماته التفصيلية في: محمود حامد الحسيني، الأسبلة العثمانية بمدينة القاهرة، ص303 وما بعدها.
[18] محمد عفيفي، الأوقاف والحياة الاقتصادية، ص113، 114، وراجع: محمد راغب الطباخ، إعلام النبلاء، 5/474.