الاثنين، يونيو 18، 2018

أوضاع مصر قبل وبعد الحداثة (2) رحلتان إلى مصر


ذكرنا في المقال السابق أن الحداثة برغم ما تلاقيه من نقد في الغرب إلا أنها تُقابَل بالتسليم في عالمنا العربي، ويسود الاعتقاد بأن عصور الحداثة هي بالضرورة أفضل من عصور ما قبلها، وأن الأوطان مع الحداثة تتقدم وتتطور وتزدهر. وفي إطار تفنيد هذه الصورة الخادعة نحاول في سلسلة المقالات هذه أن نرى أوضاع مصر قبل وبعد الحداثة من خلال مصادر تاريخية جديدة، تلك هي الرحلات التي سجلها غربيون تمكنوا من الوصول إلى الحج ومرُّوا في طريقهم بمصر فكتبوا عن أحوالها، واخترنا من بين تلك الرحلات رحلتي جوزيف بتس وريتشارد بيرتون، ويفصل بينهما قرنان من الزمان، وكانت الثانية منهما بعد عصر محمد علي مباشرة في زمن ابنه سعيد باشا.

في هذا المقال نلقي نظرة على الرحلتين والفوارق بينهما:

الموضوعية والذاتية

كانت رحلة بتس أكثر موضوعية بينما رحلة بيرتون أكثر ذاتية، فالأول يصف المدينة وآثارها والبحر والنهر والأهرام والأسماك والطيور والبط الذي يسبح في النيل وكيف يُصاد والخانات والأزياء والأسواق والبضائع والمباني وقطعان الماعز التي تدخل القاهرة وصاحبها الذي يحلبها مباشرة لمن يشتري منه اللبن كدليل على أنه لبن طازج وآبار المياه وكيف يُسحب منها الماء بالسواقي التي تجرها الثيران، يصف بتس كل هذا وَصْفَ المُشاهد المحايد الذي يرسم صورة موضوعية لما يراه[1].

بينما الثاني يصف مشاعره ووقع المشاهد على نفسه ويمزج الصورة الخارجية بانعكاسها في نفسه وما يؤلفه خياله منها، لذا تأتي عباراته في الوصف على هذا النحو: "لنستمتع بالمشهد"، "فيعطي سحرا وفتنة تعجز اللغة في التعبير عنهما"، "كأنما كنا نستقبل هذا القفر بودٍّ شديد"، "وكأنها أرواح سلاطين تحرس رعايا من الأشباح في سلطنة من ظلال"، "الحرارة المنعكسة تصفعنا بشكل محسوس والوهج المنبعث من حصباء الطريق يكيل لنا مزيدا من الحرارة"... وهكذا[2]. ولعل هذا يُعزى إلى تطور الأسلوب الأدبي في أوروبا، فبتس الذي خرج من أوروبا فتى صغيرا وصار جزءا من الشرق ليس كبيرتون الرحالة المثقف الموسوعي الذي قرأ أدب الرحلات قبله، لا سيما رحلات الشرق التي كان يتفنن الغربيون في إضفاء السحر والجمال على مشاهدها وحوادثها، وهو تقليد غربي مستقر منذ بدأ الاستشراق وإلى زمن قريب.

سائح ومستعمر

وفيما كانت رحلة بتس رحلة سائح يصف ناظرا ومشاهدا، كانت في رحلة بيرتون لهجة استعلاء على الشرقيين[3]، وفيها روحٌ استعمارية تند عنه كما في قوله "ليس من أحد أدرك أية فكرة عن الدور الذي كنت ألعبه خلا الذين كانوا مطلعين على السر من البداية"[4]، ثم ظهرت هذه الروح ناصعة واضحة في بعض مواضع كقوله: "أما الآن فإن السلطات الوطنية ليس لها سلطة قضائية على الغرباء، ولا تدخل الشرطة بيوتهم، وإذا أرادت دول الغرب أن تقوي من عزم المسيحيين الشرقيين المشاركين لها في العقيدة فيمكنها أن تفرض نظاما أشد مما هو عليه الآن بالسماح لكل الرعايا المسيحيين الشرقيين حَسَني الاعتقاد بأن يسجلوا أسماءهم في القنصليات المختلفة التي قد يفضلون الحصول على حمايتها"[5]، وكقوله: "أي دولة تضمن السيطرة على مصر تكون قد ربحت كنزا، فمصر تحيطها البحار من الشمال والجنوب، وتحيطها الصحراء التي لا يمكن اجتيازها من الشرق والغرب، ومصر قادرة على تجهيز 180 ألف مقاتل، وقادرة على دفع ضرائب ثقيلة، ويمكن أن تقدم فائضا كبيرا، فلو وقعت مصر في أيدي الغرب سهلت السيطرة على الهند، ومَكَّنت من فتح إفريقيا الشرقية كلها بشق قناة للسفن تصل البحر المتوسط بالبحر الأحمر عند السويس"[6]، وهو يرصد موقف الجهات التي يمكنها مقاومة الاحتلال وكيف ضعفت جهة العلماء التي هي الأشد في مجال المقاومة لحساب "رؤساء المؤسسات"، وسواء أكان يقصد رؤساء المؤسسات الإدارية بعد دخول الدولة في طور التحديث أو شيوخ الطرق الصوفية كما فهم المترجم، فالمهم أن هذه العقلية إنما هي عقلية محتل لا عقلية رحالة!

انفرادات الرحلتين

وحيث كانت رحلة بيرتون أكثر توسعا وتفصيلا فقد انفرد فيها بأشياء كثيرة لم يأت بتس على ذكرها مطلقا، فمن ذلك حديثه عن البقشيش وتدخين الشيشة والقهوة، وعن الدراويش والسحرة، والمذاهب الفقهية، وشهر رمضان واحتفالات العيد، وعن كرم الضيافة، وأنواع الخدم وصفاتهم، وعن العطارين وطلب العلم، وعن الطب وممارسته والمرضى وأحوالهم وتعاملهم مع الطبيب ونظرة الناس إلى الطب الأوروبي وكيف يحتقرونه مقابل تقديرهم للطب الهندي والصيني، ونظرتهم وعلاقتهم مع العجم (الذين هم: الفرس الشيعة) وكيف تعودوا على التقية وإخفاء حقيقة آرائهم وكيف يفهم المصريون هذا عنهم، وشهد بيرتون تنادي الناس بالجهاد ضد الروس في حرب القرم وهو مشهد لم يرد مثله عند بتس[7].

ومع هذا فأن الاختصار الشديد في رحلة بتس والتوسع في رحلة بيرتون لم يمنع أن ينفرد بتس بذكر أمور لم يذكرها بيرتون كحديثه عن الخصيان وهطول الأمطار –مصححا بذلك خطأ شائعا في وقته عن قلة الأمطار في مصر- والفيضان السنوي للنيل وأثره في الزراعة، والوصف الجغرافي لمصب النيل ورسو السفن[8]، ولعل بيرتون لم يحفل بهذا لانتشار الخرائط في عصره وكون هذا الكلام مما صار معروفا أو مما تجاوزته تقنية السفن والمواني، إلا أن إمساك بيرتون عن وصف الفيضان غريب، خصوصا وقد كان في مصر قبيل وقت الفيضان وهو أمر يستعد له الناس!

لكن أهم ما يفرق بين الرحلتين هو آثار "التحديث" التي تبدو في رحلة بيرتون، فعلى غير ما يبدو للوهلة الأولى من أن التحديث عاد على البلاد بالقوة والرفاه والاستقلالية، نجد أن التحديث الذي أسس له محمد علي عاد بمزيد من الضعف السياسي والتبعية للغرب، ولم تكن القوانين في مصلحة الشعب بل في مصلحة تقوية السلطة ونفوذ الأجانب، فزاد بطش السلطة وتغولها، وتقوض الأمان الاجتماعي إذ صارت السلطة مصدر رعب بانتهاجها أسلوب خطف الشباب والرجال للتجنيد، وفرضها حظرا للتجوال ليلا لمحاصرة أي ردود فعل شعبية، ، كما لم توفر مؤسسة الشرطة الحديثة أمنا من اللصوص بل كان الخوف والتحرز منهم قائما، كذلك فقد أهملت أوضاع المساجد باستيلاء الدولة على أوقافها، وكُسِرت القبائل والزعامات الأهلية، ولم تتحقق العدالة بنظام التقاضي الجديد بل صار يعاني من البطء الشديد، ولم توفر الإدارة الحديثة تسهيلات في الخدمات العامة بل غلب الكسل على الموظفين وتلقي الرشا لضعف –أو انعدام- جهة الرقابة، وتعقدت أمور أخرى كإجراءات السفر والحصول على تذكرة.. إلى غير هذا من المظاهر السلبية التي ترصدها بوضوح رحلة بيرتون[9].

في المقال القادم إن شاء الله ننظر ونقارن بين أوضاع مصر: أهلها ومساجدها والأجانب فيها وأسواقها وتعامل الشرطة مع الناس وغيرها.

نشر في مجلة المجتمع الكويتية - العدد 2120، رمضان 1439هـ = يونيو 2018



[1] جوزيف بتس (الحاج يوسف)، رحلة جوزيف بتس إلى مصر ومكة والمدينة المنورة، ترجمة ودراسة: د. عبد الرحمن عبد الله الشيخ، (القاهرة: الهيئة العامة المصرية للكتاب، 1995م)، ص29، وما بعدها، 40، 41.
[2] ريتشارد ف. بيرتون، رحلة بيرتون إلى مصر والحجاز، ترجمة وتعليق: د. عبد الرحمن عبد الله الشيخ، (القاهرة: الهيئة العامة المصرية للكتاب، 1994م)، ص79، 123، 127، 128، 132.
[3] رحلة بيرتون، ص46 وما بعدها، 92، 93.
[4] رحلة بيرتون، ص23.
[5] رحلة بيرتون، ص107.
[6] رحلة بيرتون، ص98، 99.
[7] رحلة بيرتون، ص21، 22، 25 وما بعدها، 46، 52، 57 وما بعدها، 61، 63 وما بعدها، 67 وما بعدها، 71، 97، 109.
[8] رحلة بتس، ص27 وما بعدها، 40.
[9] رحلة بيرتون، ص30، وما بعدها، 34 وما بعدها، 125.

الخميس، يونيو 14، 2018

ساعات الضعفاء في رمضان


هذه الساعات الأخيرة من رمضان.. ساعاتٌ وينفضُّ السوق.. سوق الرحمات الكبير..

وتلك هي ساعات أمثالنا ممن يرجو أن يلحق بركب المقبولين والعتقاء رغم ضعفه ووهنه وسوء بضاعته..

تلك هي ساعاتنا وفرصتنا، فإن أهل الهمة والسبق والنشاط قد حصلوا على العتق في الأيام الأولى، ومن كان أدنى منهم همة فقد أدركه فضل الله في الأيام الوسطى.. وأما أمثالنا ممن يأتي على عرج وعلى عوج وعلى مهل فإننا نطمع فيما بقي من الرحمة التي نهل منها السابقون..

قد جعل الله آخر رمضان أفضله لتشتد فيه الهمم، وما أحسبها إلا همم المتبطلين المقصرين.. أولئك الذين لم تنهض همتهم ولا أعمالهم لتقتنص الفضل الوافر من أيامه الأولى..

ثم من يدري..

من يدري، هل نستطيع أن نعبد الله في رمضان مرة أخرى أم لا..

فلعله الموت يأتينا فلا نرى شمس رمضان ولا غروبها أبدا.. وكم في القبور الآن من يتمنى لو أنه اغتنم ساعة أخيرة من رمضانه الأخير! إذن لتغير مصيره الأبدي كله..

ترى ما قدر حسرة امرئ في قبره يتذكر ساعة أخيرة من رمضانه الأخيرة فرَّط فيها واستعجل على نفسه لهو العيد وعبثه.. أكاد أراه يتقطع من الغيظ والغضب على نفسه وعلى ما فرطت..

فها نحن في تلك الفرصة.. فلنغتنم ما استطعنا!

ثم من يدري..

من يدري لعله يصيبنا مرض فيحرمنا من الصيام أو القيام أو لذة تلاوة القرآن.. وكم على سرير المرض الآن من يتمنى لحظة قيام أو ساعة صيام أو تلاوة صفحة من كتاب الله..

كم من مريض يمر عليه رمضان وهو في غيبوبة لا يشعر به، أو يشعر به ولا يستطيع أن يؤدي العبادة فيه، فيجول بخاطره رمضانه الأخير الذي كان فيه يصوم ويصلي ويتلو.. فكيف تكون أشواق هذا ليعود لما كان فيه؟ وكيف هي أحزانه أن عجز عن عادته في رمضان؟!

ثم من يدري..

من يدري، ونحن أبناء الأمة المستضعفة المضطهدة التي تتقلب أحوالها وتضطرب أيامها، وتأتيها الكوارث على غير حساب.. من يدري كيف سيكون حالنا في رمضان القادم؟!

نسأل الله السلامة والعافية والعزة والنصر.. ولكن!

كم من مسلم كان سليما معافى في رمضان سابق جاء عليه هذا وهو قد فقد جارحة: عينا أو لسانا أو يدا أو رجلا..
كم من مسلم كان حرا طليقا فإذا به اليوم أسير، أسير لا يملك أن يعبد الله في رمضان، بل هو في حكم سجانه الطاغية الذي يتفنن في إيذائه..

كم من مسلم كان في بلده وأهله هو اليوم مغترب في بلاد كفر لا يسمع فيها الأذان ولا يجد حوله صلاة تراويح..
لا أتحدث هنا عن أجر هؤلاء، فإن الله يكتب لعباده أجر عمل اعتادوه وعجزوا عنه، إنما الحديث عن الفرصة المفقودة.. الفرصة التي يعجزون عن إدراكها بعد أن ذاقوا حلاوتها.

تلك الفرصة ما زلنا نحن فيها، ولا تزال أمامنا منها ساعات.. ساعات قد تكون الأخيرة!

أكثرنا اليوم يختم القرآن.. وفي أجزاء القرآن الأخيرة آيات ذات أثر عميق، كأنها آيات تنبه العبد إلى أحوال نهايته..
مثلا:

- في سورة الحديد تقرأ: (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق، ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون * اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها، قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون)

هذه الآية تقول ألم يحن الوقت بعد كل هذا القرآن الذي تلوته أن يخشع قلبك لذكر الله.. هل سيطول عليك أمد ترك كتاب الله فيقسو قلبك؟ هكذا فعل الذين أوتوا الكتاب قديما، لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم.. اعلموا أن الله يحيي القلوب بعد قسوتها كما يحيي الأرض بعد موتها!

- في سورة الحشر تقرأ (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله، وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون)

ربما تتلو القرآن وأنت غافل عن المعنى فتأتي هذه الآية لتكشف لك حجم الأزمة التي أنت فيها.. إن هذا القرآن الذي توشك على ختمه لو كان قد نزل على جبل لكان الآن قد خشع وتصدع من خشيته لله.. ألم يحدث هذا لقلبك بعد؟!

تحاول أن تستوعب المعنى من جديد، تقرأ الآية التي تسبقها لتفهم السياق، فإذا أنت أمام قوله تعالى (ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، أولئك هم الفاسقون)..

لا تترك كتاب الله، فتنسى الله، وحين تنسى الله فستذهب منك نفسك، تضيع وتتوه في أودية الدنيا، والدنيا كثيرة الأودية كثيفة المسالك والمهالك.. لا يمسك نفسه فيها إلا من تعلق بحبل الله وذكره.

- في سورة المنافقين والتغابن تقرأ نفس المعنى في آيات مختلفة:

(يا أيها الذين آمنوا لا تُلْهِكُم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله، ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون) [المنافقون]

(يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم، وإن تعفو وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم * إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم) [التغابن]

وقع في قلبي أنها تحذير من العودة بعد رمضان إلى مشاغل الأهل والولد حتى ليغفل المرء بها عن ذكر الله الذي كان يمارسه في رمضان..

والوصية التي تتلو كلا الآيتين، وصية إنفاق.. يبدو أن الإنفاق هو العمل الذي يحفظ النفس من هذا التيه والضياع، وهو العمل الذي يربطها بالله رباطا وثيقا.. اقرأ لكن بقلبك:

(وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصَّدَّق وأكن من الصالحين)

(فاتقوا الله ما استطعتم، واسمعوا وأطيعوا، وأنفقوا خيرا لأنفسكم. ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون * إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم، والله شكور حليم) [التغابن]

- في آخر سور القرآن تكثر وبشكل عجيب ومثير للدهشة كلمة "تذكرة".. فمن بين 7 مرات ذكرت فيها هذه اللفظة كانت 5 منها في السور الأخيرة، مع معاني لاذعة قوية كأنها تمسك بتلابيب الإنسان أن يتذكر ولا ينسى، وألا يعود بعد ختمه القرآن إلى ما كان فيه كأنه لم يقرأه ولم يمر به..

اسمع:

في سورة الحاقة بعد ذكر إغراق قوم نوح (لنجعلها لكم تذكرة وتَعِيَها أذنٌ واعية)

في سورة المزمل بعد ذكر فرعون ومشهد القيامة (إن هذه تذكرة، فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا)

في سورة المدثر يوصف القرآن بأنه تذكرة بعد ذكر النافرين منه الهاربين من معانيه (كلا إنه تذكرة، فمن شاء ذكره)

في سورة الإنسان (إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا)

وفي سورة عبس (كلا إنها تذكرة * فمن شاء ذكره)

وهكذا خمس وصايا تتركز في نهاية القرآن تقول للمرء: تذكر ولا تنسى..

كأن القرآن يعرف أن كثيرا من قارئيه سيودعه بعد رمضان.. فهو يذكرهم وينبههم، تنبيه الحريص الشفوق..

ومن ذا يدري.. لعله الوداع النهائي.. فترى كم واحد منا ستكون تلك آخر ختماته في حياته!

اللهم، يا ذا الفضل الواسع، يا من كتبت على نفسك الرحمة.. اشمل عبادك الضعفاء برحمتك وإن لم يكونوا أهلا لها.. ولئن كان عبادك كثير، فلا رب لنا سواك.. أنت الغني عنا ونحن الفقراء إليك.. خذ بأيدينا ونواصينا إليك، أخذ الكرام عليك.. واجعلنا من المقبولين..

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

الأربعاء، يونيو 06، 2018

حازم أبو إسماعيل


افتتاحية العدد 11 من مجلة كلمة حق

في لحظة كتابة هذه السطور تأكد عندي خبر إضراب الشيخ حازم أبو إسماعيل عن الطعام في سجنه، اعتراضا منه على سوء المعاملة وانتهاك الحقوق للسجناء، وهذا بالإضافة إلى أنه لم يَرَ أهله منذ نحو العامين لا في زيارات السجن كما أنهم يُمنعون من حضور المحاكمة.. والشيخ منذ سُجِنَ في يوليو 2013 وحتى اللحظة وهو في زنزانة انفرادية ويُقصد ألا يكون له اختلاط ببقية الأسرى.

الكلام عن الشيخ حازم يطول ويطول، والذكريات والتأملات في مواقفه لا تنتهي، فلقد كان بغير منافس أقوى شخصية سياسية وإسلامية في مصر كلها ولا أعرف له شبيها في العالم العربي والإسلامي أيضا، والذي ما كان ليقف أمامه أحد ولا لينافسه أحد إن وصل إلى الانتخابات، فلم يكن في مصر استطلاع رأي شبه نزيه إلا ويكشف عن الاكتساح الكامل للشيخ حازم وبفارق واسع عن أقرب منافس.

حازم أبو إسماعيل كان حجة الله على الإسلاميين جميعا، فيه التزام وانضباط وهدي ظاهر هو حجة على السلفيين، وفيه هدوء وعقل وسياسة وإقناع وأسلوب دعوي هو حجة على الإخوان، وفيه ثورية ومفاصلة وجرأة هي حجة على الجهاديين، وفيه أخلاق ورحمة وخفض جناح ولين هو حجة على المتصوفة والتبليغيين.. لم ير الناس مثله، ولم ير هو مثل نفسه.

وكنت قبل خمس سنوات (بالتحديد: 17 مايو 2013م) وقبل وقوع الانقلاب العسكري قد كتبت فيه مقالا، رأيت الآن أنه من المفيد إعادة نشره تذكيرا بملخص سيرة الرجل:

حازم أبو إسماعيل.. فَصْلٌ في التجرد

ليشهد الناس أن الشيخ حازم أبو إسماعيل كان أبعد الناس -في كل الفترة الماضية- عن محاولة صناعة مجد شخصي له، وأنه كان الحاضر في المغرم والمتعفف المبتعد عند المغنم، وأن السهام التي أصابته قد أصابته من الجميع حتى من يُتَّهَم بأنه منهم ويعمل لمصلحتهم، وأن بعض ما نزل به جاءه من مأمنه.. وهذه بعض مشاهد مما يعرفها الجميع، ثم تبقى المشاهد الكبرى إلى حين يأتي وقتها لتكتب في صفحة التاريخ.

1.    كان الشيخ حازم من الوجوه الرئيسية في ميدان التحرير ومنذ اليوم الأول، لكنه عزف عن الظهور الإعلامي قبل وبعد تنحي المخلوع حتى أن أغلب أنصاره وتابعيه الذين تعرفوا عليه فيما بعد اكتشفوا أنه ذلك الذي كان يخطب على منصة التحرير ولم يكونوا يعرفون اسمه.

2.    ولم يظهر الشيخ حازم إعلاميا ولم يخرج على الساحة إلا حين فشلت كل مساعيه في إقناع الكيانات الإسلامية بالترشح للرئاسة التي أصرت في ذلك الوقت على أن الإسلاميين لا يصلحون لهذه المرحلة، وكانوا يبحثون عن "الرئيس التوافقي"!

3.    وحين كانت كل الكيانات (إسلامية وغير إسلامية) تلين مع المجلس العسكري كان الشيخ حازم هو الوحيد الذي كشف تلاعبهم بالثورة ومحاولات ترويضهم للشعب وقال كلمته المشهورة التي ارتاع لها الجميع "هؤلاء ذئاب وثعالب"، ورغم علمه أن أحدا لن يدعمه في موقف كهذا إلا أنه نطق به، وأثبتت الأيام صحة رؤيته.

4.    وحين خفت صوت الثورة، وظهر التراخي في تسليم السلطة، خرج الشيخ حازم وحيدا في جمعة 28 أكتوبر ثم في 18 نوفمبر لتكون جمعة "المطلب الوحيد.. تسليم السلطة"، وهي الجمعة التي تلتها أحداث محمد محمود والتي لم ينزل فيها من الإسلاميين إلا الشيخ حازم وأنصاره، وبه وبأنصاره فشلت فكرة المجلس الرئاسي المدني وأُجْبِر المجلس العسكري على تحديد موعد الانتخابات الرئاسية (بعد أن توافقت كل الأحزاب -إسلامية وغير إسلامية- على تأجيلها إلى منتصف 2013 بحد أدنى وكتابة الدستور تحت حكم العسكر).. وبهاتين الجمعتين وأحداث محمد محمود عاد صوت الثورة عاليا بعدما ظن الجميع أنه إلى زوال.

5.    هذا الرجل الذي وضع جهوده لاستكمال مسار الثورة والحفاظ على المسار السياسي الذي اختاره الشعب لم يحاول أن يصنع لنفسه حزبا أو أن يدخل في تحالف في الانتخابات البرلمانية، وفضَّل أن يقف وراء الكيانات الإسلامية القائمة وأن يدعمها بكل قوته، وقد كان، ثم تعهدها بالنصيحة التي كان أهمها وأشهرها: سرعة إصدار قانون السلطة القضائية، لكن الجميع كان يراه مندفعا وكان يحسب أن الأمر ليس بهذه الخطورة حتى أثبتت الأيام من الذي كان على بصيرة.

6.    لقد كان وجود الشيخ حازم وأنصاره في المواطن الثورية مما رفع عن الإسلاميين أخطاء الكيانات الإسلامية التي شملها الخوف والحذر والحرص حتى ابتعدت بنفسها عن كل موطن شرف خشية أن يكون فخا منصوبا، لقد كان وجوده مما عصم شباب الإسلاميين من فتنة هائلة في مشايخهم ورموزهم، وهي فتنة الله أعلم كيف كان سيكون اتساعها إذا خلت الصورة من إسلامي ثائر في لحظة ثورية!!

7.    ونجحت تجربة الشيخ حازم في الرئاسة كما لم يتوقع أحد، لا الكيانات الإسلامية ولا غيرها، وكانت حملته هي الأضخم على الإطلاق، وحقق الشيخ في كل استطلاعات الرأي المركز الأول وبفارق كبير عمن بعده.. وهي التجربة التي لم يدعمه فيها أحد من الكيانات الإسلامية بل إنهم حاربوها لكثرة ما اجتذبت من شبابهم.

8.    بل لقد تحرك كيان إسلامي ليضغط على آخر ليرشح مرشحا للرئاسة (من بعد ما رضي الجميع بعدم صلاحية الإسلامي للرئاسة، ومن بعد ما فشلوا في إيجاد الرئيس التوافقي) واستجاب الآخرون (رغم إصرارهم السابق على عدم الترشح للرئاسة)، ولم يتكلم الشيخ حازم في حق أحدهم بسوء رغم أن هذا مما يضر به على مستوى الحملة الانتخابية بشدة.

9.    ثم أخرج الفاسدون تمثيلية "جنسية والدة الشيخ حازم"، وهي المؤامرة التي ما كان لها أن تنجح لولا سكوت -بل ومشاركة- بعض الكيانات الإسلامية في بعض فصولها -وهذه أمور قد نكشفها فيما بعد- لم يجد الشيخ دعما منهم، رغم أنه الذي مهد الطريق لفكرة المرشح الإسلامي. وظهرت أول مفسدة لعدم صدور قانون السلطة القضائية، فبذلك استبعد أقوى المرشحين الإسلاميين وبقي في المنافسة رجال النظام القديم، في إعلان صريح بأن ما فشل فيه مبارك والعسكر نجح فيه القضاة الفاسدون.

10.          وحين حصل الشيخ حازم على حكم قضائي بأحقيته في خوض انتخابات الرئاسة ولم ينفذ، أوشك حكم آخر أن يصدر بوقف انتخابات الرئاسة (وهو الشق المستعجل من الدعوى) لكن الشيخ سارع بالتنازل عن الشق المستعجل لكي لا تقف انتخابات الرئاسة ولكي ينتقل الحكم إلى السلطة المنتخبة بأسرع وقت.. وهذا وحده موقف عظيم في التجرد وتقديم المصلحة العامة.

11.          ودعم الشيخ حازم من تبقى من المرشحين الإسلاميين بكل ما يملك، وكان أنصاره من أقوى الفاعلين ضد مرشح النظام السابق ودعما وتأييدا للمرشح الإسلامي الباقي الذي صار بعدئذ رئيسا للجمهورية!

12.          واعتصم الشيخ حازم في الميدان اعتراضا على الإعلان الدستوري الذي أصدره العسكر قبيل أيام من تسليم السلطة، وظل معتصما هو وأنصاره أكثر من شهر، حتى صاروا وحدهم بل لقد انصرف مؤيدوا الرئيس أنفسهم، فلا استأذنه أحدهم ولا شاوره أحدهم، رغم أنه لا يدافع عن مصلحته الشخصية.

13.          ورغم أن الشيخ حازم لم يحصل على منصب بل ولا على شكر إلا أنه كان حاضرا في كل موطن دعما للسلطة المدنية المنتخبة ضد النظام القديم، فكان من أوائل الواقفين على باب دار القضاء العالي مؤيدا للإعلان الدستوري الذي يعزل النائب العام ويحصن مجلس الشورى والجمعية التأسيسية.. ثم كانت وقفته الكبرى أمام مدينة الإنتاج الإعلامي والتي غيرت ميزان القوى في تلك اللحظة الحرجة بما أفشل مخطط الفاسدين وأنقذ سلطة رئيس الجمهورية!

14.          ورغم التجارب المتعددة والمواقف المتكررة إلا أن الكيانات الإسلامية لم تغير منهجها الذي ينقل الإسلاميين من هوان إلى هوان ومن نزول إلى نزول، فساعتها ومع فشل كل النصائح والرسائل فكر الشيخ حازم في تكوين حزب ليؤسس للكيان الإسلامي الثوري البصير بالواقع ليترجم فكرته ومنهجه إلى عمل منظم واسع.

15.          أيا كان موقفك أيها القارئ، إسلامي أو غير إسلامي، وأيا كان اتفاقك أو اختلافك مع كل ما سبق، فأحسب أنك لن تجادل في أن كل ما فعله حازم أبو إسماعيل لم يعد عليه بفائدة شخصية، بل كان خدمة لمبادئه ومنهجه ومواقفه حتى لو اختلفت معها.

في النهاية، فإن هذه مجرد فصول، وهي معروفة للجميع، ولم نكشف عن بعض ما في الكواليس من أحداث.. وهي فصول في التجرد للمبدأ وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.

ولهذا يظل الشيخ حازم نموذجا فريدا في مصر، بل نحن نسأل: دلونا على رجل كانت له مثل هذه المواقف التي إن نجحت عاد النفع على غيره وإن فشلت فإن بعضها كان سيدفع الثمن فيها وحده.
...
اللهم نسألك فرجا قريبا للشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل وسائر الأسرى في مصر وفي كل مكان.