الأربعاء، يونيو 05، 2024

{فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم}

 

بينما نُعِدُّ لهذا العدد الجديد، أخبرت أستاذنا الفنان الكبير د. علاء اللقطة الذي يصمم لنا غلاف المجلة، بأن العدد سيحوم حول معانى الحج وغزة.. فما لبث أن جاءنا بهذا الغلاف البديع الذي حوَّل مسار مقالي هذا تماما.

كنت أخطط لأن أكتب حول هذه المعاني:

1. إن أولى ما ينبغي الكلام فيه الآن هو: كيف ينبغي أن تستثمر الأمة موسم الحج في نصرة غزة، بداية من الدعاء ومرورا بالمقاطعة والحث على النصرة وتحريض المؤمنين، وانتهاء بالمشاركة بالمال والسلاح في هذا الجهاد الشريف.

2. ما أقرب الحج من الجهاد، وما أقرب الجهاد من الحج، وقد جاء الاقتران بينهما في عدد من أحاديث النبي ﷺ، كقوله ﷺ حين سُئل عن أفضل الأعمال: "إيمان بالله ورسوله، ثم الجهاد في سبيل الله، ثم حج مبرور"[1]. وكقوله ﷺ جوابا لسؤال عائشة رضي الله عنها: نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ فقال ﷺ: "لكن أفضل الجهاد حج مبرور"[2]. ولهذا فقد أتبع بعض العلماء الحديث عن الحج بالحديث عن الجهاد، كما فعل الإمام النووي في أشهر كتبه: رياض الصالحين. ففي كلا الأمرين: الحج والجهاد، يخرج المسلم من حظ الدنيا ويترك الأهل والولد والديار، ويتعرض للصعاب والمشقات، وتفرض عليه العبادة الزهد في الدنيا من ملبس ومأكل ومشرب، ويقترب بنفسه وبقلبه من يوم القيامة والدار الآخرة. وفي كلا الأمرين: يرى المسلم نفسه متبعا لخطوات نبيه ﷺ وخطوات الصدر الأول: إما في المكان كما هو حال الحاج، أو في الهدي والطريقة والسبيل كما هو في الجهاد.

3. إن نصرة غزة الآن وبذل المال والجهد لها مُقدَّم على الحج، لا سيما إن كان حج النافلة، فإن الحج فريضة فردية لازمة ونصرة غزة فريضة يتعدى نفعها للأمة، وإن الحج فريضة على التراخي بينما النصرة الآن واجب الوقت الذي لا يحتمل التراخي. فمن كان يرجو ثواب الله حقا لا حظ نفسه، فإن رضا الله في نصرة عباده.

4. إن الأنظمة والحكومات التي تُصَعِّب طريق الحج وتقيم دونه الحواجز هي ذاتها التي تقطع الطريق على نصرة غزة وتقيم دون الجهاد فيها كل الموانع والحواجز. ومن الغريب المثير للتأمل والتفكر أنهم يفتحون البلاد للسياحة ويسهلون زيارتها بغرض الترفيه والرقص والطرب ومطالعة آثار الكافرين، ثم هم أنفسهم يعاقبون ويتشددون في تعقب من يزور بيت الله الحرام ومسجد نبيه ﷺ ويحيطون ذلك بجملة من التصريحات التي تصد عن سبيل الله وعن بيته! فكل نظام يحاول أن يستصفي من أموال الحجاج ما استطاع، وهم يعرفون أن في هذه الأمة من الفقراء والضعفاء من يقضي عمره كله يجمع الأموال ليحج إلى بيت الله الحرام.. إن هؤلاء الذين يصدون عن المسجدين هم أنفسهم الذين فرطوا وخانوا المسجد الثالث، ويقفون الآن يدا واحدة مع الصهاينة في تهديده وتهويده وقتل المجاهدين المدافعين عنه!

هذا ما كنت أنوي الكتابة فيه، حتى جاءني هذا الغلاف الذي ترونه لهذا العدد.. فدارت رأسي حقا، وأنا أتأمل وجها جديدا من الشبه والقرب لم أنتبه إليه:

1. هذه الخيام التي ينزلها الحجاج، ما أقرب مشهدها بالخيام التي يأوي إليها النازحون المشردون الذين أفلتوا من نيران العدو الصهيوني وجحيمه!

2. وهذا الاغتراب عن البيوت والديار، ما أقرب الشبه فيه بين حاجٍّ وبين لاجئ، كلاهما قد فارق أهله، واستبدل بهم أهلا وجيرانا آخرين!

3. وما أقرب القائمين في هذه الخيام ممن يعظون أهلها عن المناسك والعبادة بالذكر، بالقائمين في خيام النازحين يعظونهم في الصبر والثبات والاستبشار بنعيم الجنة وبالثواب العظيم الذي كتبه الله للمجاهدين وأهلهم الصابرين الثابتين.

هذه مشاهد القرب.. ولكن، كما قيل: ما أقرب ما بينهما وما أبعده!

فهذه الخيام ما أقربها في الشبه، ولكن ما أبعد ما بين الخيمتيْن من وسائل الراحة، وما أبعد ما يشعره النازلون فيها من الأمن ومن الخوف، وما أبعد الأمل الذي يرفرف على خيام الحجاج من الكرب الذي يخيم على خيام اللاجئين!

ما أبعد ما بين خيمة الحاج فيما مُهِّد لها من الطرق ومن الخدمة وما بين خيمة اللاجئ التي يعاني فيها من الحصول على الطعام القليل، والماء الشحيح، وضرورات الحياة البسيطة التي يحتاجها كل كائن حي!

ثم يأتي بعض أولئك فيفتخر بما يقدم للحجيج من وسائل الراحة من بعد ما استصفى أموالها من الحجيج ومن المتصدقين والمتطوعين لخدمة ضيوف الرحمن، وهو نفسه الذي يساهم بأموال المسلمين الذين غلب عليهم في ذبح المجاهدين هناك وفتح الطرق البرية والجوية والبحرية لدعم الصهاينة وإسنادهم! فكأنما فيهم نزل قول الله تعالى {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [التوبة: 19، 20].

وبين المشهدين المتشابهيْن والمتباعديْن، اختار صاحبنا الفنان أن يكتب قوله تعالى {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} [إبراهيم: 37]. فيا لحسن هذا الاختيار!!

كأنما استدار الزمان على هيئته مرة أخرى، وتقلبت صفحات اليوم ليشبه آخرها أولها:

ففي ذلك الزمن البعيد نادى بها إبراهيم يسأل الله أن ينقذ زوجه وابنه المحرومين المحتاجين في أرض الجدب والصحراء، فما أشبه ذلك بحرمان المحاصرين الذين أغلقت عليهم المنافذ والمعابر حتى صار الطعام والشراب أثمن ما يحتاجون إليه! ما أشبه الكرب الذي كانت فيه هاجر وابنها الرضيع إسماعيل بالكرب الذي فيه الآن أهل غزة، لا نصير ولا ظهير ولا أنيس ولا رفيق، كم في غزة الآن من امرأة تشبه أمنا هاجر، تضرب الأرض وتأكلها الحيرة بحثا عن شيء تطعمه ابنها الصغير الذي يوشك أن يموت من الجوع؟!

وقد استجاب الله دعوة إبراهيم، فهذه الخيام الكثيرة التي نراها في الحج هي دليل الإجابة لذلك النداء القديم البعيد، فلقد أقبلت الأفئدة تهوي إلى البيت العتيق، ومنها ستصدح الحناجر بالدعاء للمجاهدين والنازحين في غزة، وعسى الله أن يقر أعيننا فيستجيب! ونرى المواكب تسير إلى غزة ومنها إلى المسجد الأقصى، تلبي وتكبر وتتلو آيات الفتح المبين!

وتأمل –أخي القارئ- في أن إبراهيم عليه السلام حين دعا ربه لم يبدأ بطلب الطعام والشراب، بل بدأ بطلب الأنس والرفقة والصحبة، طلب أن تهوي إليهم الأفئدة.. أن تذهب إليهم القلوب، ثم أردف بطلب الرزق من الطعام والشراب، قال: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ} [إبراهيم: 37]. فلما أجابه الله تعالى أخرج لهم الرزق، ماء زمزم، ثم جاء لهم بالناس!

لكن الوقفة هنا هي في قول إبراهيم عليه السلام {أفئدة}..

وقد ذكر المفسرون أن "أفئدة" يمكن أن تكون جمعا لكلمة "وفود"، أو تكون جمعا لكلمة "فؤاد".. فالمعنى قد يكون: اجعل وفودا من الناس تحنّ إليهم، وقد يكون: اجعل قلوبا من الناس تحنّ إليهم.

ولا يتعارض المعنيان! فلربما حنَّت القلوب وعجزت الأجساد كما هو حال من لم يستطع أن يحج ومن لم يستطع أن يغيث غزة في كربها، فعجزت الوفود عن الوفود! ولربما قست القلوب فلم تحنّ ولم تهوي فذلك هو الكفر والجحود والإعراض عن أمر الله بالحج، وذلك هو الخيانة والخذلان والإعراض عن أمر الله بنصرة المسلمين المستضعفين المكروبين.

ولهذا استعاذ نبينا ﷺ، وعلَّمنا أن نستعيذ في كل صباح ومساء، من العجز والكسل.. فالعجز هو وجود الإراد وافتقاد القدرة، والكسل هو وجود القدرة وافتقاد الإرادة!

نعم، المعركة معركة قلوب في المقام الأول، ثم هي معركة قدرة في المقام الثاني.. وبهما يكون الظفر، وقد قال الشاعر الذي وجد القدرة ولم يجد العزيمة:

وما تنفع الخيل الكرام ولا القنا .. إذا لم يكن فوق الكرام كرام

وقال الآخر الذي وجد العزيمة وفاتته القدرة:

لا تلم كفِّي إذا السيف نبا .. صح مني العزم، والدهر أبى

ولئن كان حجاج بيت الله الحرام قد أكرمهم الله بالقدرة والهمة، فها هي الأمة كلها تقف عاجزة أمام إخوانهم في غزة، بل كثير من قلوب غير المسلمين تحركت لأجل غزة وما استطاعت أن تغيثها حتى الآن بما ينفع!

وهذا هو المشهد:

قومٌ يملكون أن يفعلوا ولكنهم قلوب قاسية لا تلين ولا تحن، هي قلوب الأعداء المجرمين من الصهاينة، وقلوب من يساندهم من الغربيين والأمريكان، ثم قلوب من يخدمهم من أنظمة الخيانة والعمالة.. قلوبٌ لا تؤثر فيها الدماء ولا الدموع ولا الأشلاء.. قلوب من الصفوان الصلد الصلب! قلوبٌ وصفها الله تعالى بقوله {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 74].

وقومٌ لا يملكون أن يفعلوا مهما تقطعت قلوبهم وتمزقت أحشاؤهم وضاقت عليهم نفوسهم وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، ومنهم من تعرض في سبيل نصرة غزة بالكلمة والتغريدة ورفع العلم والهتاف إلى السجن والتنكيل والحرمان من شهادته الجامعية ومن العمل... إلخ! بل منهم من قُتِل كما وقع قبل يومين من كتابة هذا المقال عن الجنود المصريين الذين أطلقوا النار على قوة إسرائيلية عند معبر رفح، فنشبت معركة استشهد فيها جنديان.

لقد شرع الله هذه العبادات الجامعة لمقصديْن كبيريْن: تطهير القلب والشعور بوحدة الأمة. فالمرء المسلم حين يصلي فيعرف أنه في نفس هذا الوقت يصلي المسلمون مثله حول العالم، وحين يصوم في رمضان فيعرف أنهم يصومون مثله في نفس هذا الشهر حول العالم، ثم هو حين يحج يرى إخوانه وقد جاؤوا إلى هذه البقعة ذاتها من كل فج عميق! في كل عبادة من هذه يتقارب المسلمون؛ بداية من أهل الحي الواحد الذين تجمعهم الصلوات الخمس، وحتى أهل المعمورة كلها حين يجمعهم البيت الحرام.

وليس يمكن أن يوجد مسلم يلتزم بدينه ثم هو لا يشعر بإخوانه المسلمين حول العالم، فكيف إذا كانت مآسي المسلمين قد أيقظت من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من فطرة ولو كان كافرا؟!!

إذا لم تهوي أفئدة المسلمين الآن إلى غزة وإلى السودان وإلى المسلمين في الهند وفي بورما وفي تركستان، فأين ستهوي وأين ستذهب؟!

وإذا هوت الأفئدة والتقت الوفود، فهل يعقل أو يقبل أن يمضي هذا الاجتماع وينفض كأن لم يكن؟!

ما كان هكذا حج المسلمين منذ زمان نبيهم ﷺ، بل كان الحج هو مؤتمر المسلمين الأكبر، وهو مشهدهم الأعظم، وهو ملتقاهم الأضخم، فمن أكرمه الله بالحج فلا يفوت هذه الفرصة في نصرة إخوانه المكروبين، ومن لم يكن من أهل الحج في هذا العالم فليعلم أن واجبا أعظم من الحج في انتظاره: وهو واجب نصرة المسلمين المستضعفين المظلومين! وكل امرئ أعلم بما يستطيع!

فإذا صدقت الأفئدة، التي هي القلوب، ظهر هذا في العمل، كما قيل: من صحّ منه العزم أُرْشِد للحيل، وهو مأخوذ من قوله تعالى {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]، ومن قول نبينا ﷺ: "ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب"[3]

كذلك إذا صدقت الأفئدة، التي هي الوفود، ظهر ذلك في الظفر، وقد قال تعالى {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7]، وقال تعالى {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [النساء: 174، 175].


نشر في مجلة "أنصار النبي ﷺ"، يونيو 2024


[1] البخاري ومسلم.

[2] البخاري.

[3] البخاري ومسلم.

الجمعة، مايو 03، 2024

رحيل فارس من أنصار النبي ﷺ: عبد المجيد الزنداني

 

رحيل فارس من أنصار النبي ﷺ: عبد المجيد الزنداني

محمد إلهامي

بصدور هذا العدد، يتم لهذه المجلة عامان وتدخل إن شاء الله عامها الثالث، نافذة من نوافذ "الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ"، تلك الهيئة التي انبثقت من رحم الحملة الشعبية العفوية العالمية التي انطلقت لمقاطعة المنتجات الفرنسية اعتراضا على الإساءات التي تبنتها الحكومة الفرنسية لنبينا الأعظم ﷺ.

ومنذ ذلك الوقت وحتى لحظة كتابة هذه السطور تبدو مهمة نصرة النبي ﷺ عظيمة ومتضخمة وتحتاج إلى أضعاف أضعاف الجهود والطاقات المتاحة والممكنة، بل إننا مع مرور الأيام نرى أننا نفقد عددا من الأعمدة القوية التي تقوم بنصرة النبي ﷺ، وكان آخر من فقدناه من هؤلاء: شيخ اليمن وعلمها الكبير: عبد المجيد الزنداني!

ولقد قيل في الشيخ الزنداني الكثير والكثير، وفاضت بذكره ومدحه والثناء عليه الألسنة والأقلام. غير أني أحب أن أشير إلى جانب لم أر أنه قد ذُكِر على وجهه، وذلك من حقِّ واحدٍ من جنودِ –بل من قادةِ- كتيبةِ أنصار النبي ﷺ.

كان الشيخ الزنداني واحدا من رواد باب الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، وباب الإعجاز العلمي هذا لم يُفتح ويكثر الكلام فيه كجانب مستقل إلا في هذا القرن الماضي، والسبب وراء ذلك أن الهجمة الغربية الحضارية التي اجتاحت أمتنا واحتلت ديارنا وأوطاننا إنما جاءتنا مسربلة ومتوَّجَةً بثوب العلم وتاج العلم وشعار العلم.. فكلمة "العلم" في عموم القرن العشرين لم يكن وقعها في الأسماع والضمائر مثلما نستشعرها الآن، بل هي في ذلك الزمن كانت تعني: مواجهة الدين.. لقد كان لها في ذلك الوقت معنى ومفهوم يقترب من المعنى والمفهوم الذي تصنعه في أذهاننا الآن كلمة "الإلحاد".

كلمة "العلم" في ذلك الزمن كانت توضع في مواجهة الدين، فمن كان يقول: أنا أصدق العلم، أو: أنا أؤمن بالعلم. أو: أنا أتبع العلم.. إلخ! من كان يقول مثل هذا إنما كان يعني في ثنايا هذه العبارة أنه ينفر من الدين، ينفر من الخرافة، ينفر من الجهل، ينفر من الأساطير والترهات.. وكلمة "المنهج العلمي" في ذلك الوقت إنما كانت مضادة لكلمة: منهج الدين وأحكام الدين.

إنه أمر لا يتصوره أبناء هذا العصر، لأن أولئك قد نشؤوا بعد أن خاض آباؤهم وأجدادهم هذه المعركة الشرسة العنيفة العاتية، وانتصروا فيها، فكسروا وأزالوا الوهم القائل بأن العلم في مواجهة الدين، أو أن العلم فوق الدين وسابقٌ عليه.

ومن أراد أن يعيش أجواء هذه المعركة فليرجع إلى كتابات الرواد المسلمين منذ مطلع القرن العشرين وحتى مطلع الثمانينات والتسعينات منه.. ولعل بعض أبناء هذا الجيل يتذكرون كلمة وردت في فيلم "الإرهابي" حين قال الممثل إبراهيم يسري: "الناس طلعت القمر واحنا لسه بنفكر ندخل الحمام بالرجل اليمين ولا الشمال".. هذه العبارة هي من رواسب المعركة وبقاياها وفضلاتها الأخيرة، وإنما كتبها الكاتب الشيوعي لينين الرملي الذي كتب هذا الفيلم.

ومن قرأ مقدمة كتاب العقاد "عبقرية محمد" رأى العقاد يذكر الموقف الذي حرَّكه لكتابة هذا الكتاب، وذلك أن شابا كان يجالسهم في المقهى كان يرى نفسه مثقفا، أو بتعبير العقاد كان "متحذلقا يتظاهر بالمعرفة، ويحسب أن التطاول على الأنبياء من لوازم الاطلاع على الفلسفة والعلوم الحديثة".. وحيث كان الفتى كذلك فلقد تفوه بسبِّ النبي ﷺ، واستنكر الشاب أن يكون النبي ﷺ بطلا كما وصفه الكاتب الإنجليزي الكبير توماس كارلايل!!

والقصد: أن المسلمين عاشوا دهرا اجتاحتهم فيه الحضارة الغربية التي تغلف نفسها بغلاف العلم وشعاره ودثاره، حتى كان أكثر المفتونين بها يرون العلم كفرا، والكفر علما.. ويرون الدين جهلا وخرافة، ويرون أن الخرافة والجهل دينٌ، وعليه فلا بد من الانخلاع من هذا الدين ليتمّ لنا التقدم والتنور ودخول ركب الحضارة!!

وإذن، انتصر أسلافنا رحمهم الله على هذه الموجة العنيفة حتى كسروها، وخرج جيل لا يرى تضادا بين العلم والدين، ولا يرى نفسه مضطرا لأن يكفر ويلحد إذا أراد أن يتعلم أو أن يتقدم.

ما علاقة هذا كله بالشيخ عبد المجيد الزنداني؟!

الشيخ الزنداني كان واحدا من كتيبة المهمات الخاصة، من قوات النخبة، في هذه المعركة.. هذه القوات الخاصة حملت على عاتقها مهمة شديدة الخطورة والقوة في ذلك الوقت، وهي مهمة: إثبات أن الدين قد سبق العلم، وإثبات أن العلم جندي من جنود الدين، وإثبات أن ما يتباهى به الغربيون ويفتخرون به إنما قد جاء ديننا ببعضه قبل أن يخطر على بالهم اكتشافه أو اختراعه.. أولئك هم الذين فتحوا باب الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.

أعرف في حياتي القصيرة هذه من كان على وشك الكفر والإلحاد، ولم يُثَبِّته على الدين إلا ما قرأه وما سمعه في باب الإعجاز العلمي في القرآن والسنة! ولهذا فكم أنقذت هذه الكتيبة من نفوس وعقول ووضعتها على طريق الجنة بعد أن انتشلتها من السقوط في هاوية الجحيم.

وكأي ظاهرة ناجحة ومؤثرة وعجيبة، دخل عليها من أفسد فيها، وقد جاء هذا الفساد من قومٍ يسارعون إلى تلقف الخبر العلمي وإن لم يثبت ولم يصح، ثم يتكلفون له تأويلا وتفسيرا في القرآن والسنة، بعضهم يحسب أنه بذلك يخدم الدين، وبعضهم يفعل ذلك عمدا لتلويث هذا الباب العظيم: باب الإعجاز العلمي.. وقد رأيت بنفسي في منتديات الملحدين والمنصرين من يخترعون الحكايات في باب الإعجاز العلمي، ثم يتواصون بنشرها، ليتلقفها الساذجون والمغفلون، ثم يتضاحكون ويصيحون: هؤلاء هم من يتحدثون عن الإعجاز العلمي.. غرضهم من هذا كله أن يُلَوِّثوا هذا الباب العظيم وأن يصرفوا الناس عنه، فكم دخل في الإسلام من هذا الباب!

لكن الذي يعنينا الآن على وجه خاص هو: متى وكيف صارت ظاهرة الإعجاز العلمي ظاهرة ناجحة ومؤثرة وتجذب الناس إلى الدين؟.. الجواب: هذه هي الثمرة العظيمة، وهذه هي المهمة الخطيرة الجليلة، التي قامت بها هذه الكتيبة.. والتي كان الشيخ الزنداني واحدا من أفرادها.

ربما لا يعرف الكثيرون أن أصل دراسة الشيخ الزنداني هي: الصيدلة، ولقد التحق بكلية الصيدلة جامعة القاهرة في مطلع الستينات، لكن اشتعال الثورة في اليمن وانشغاله بها قطع عليه دراسته. لكن الشيخ لما اهتم بهذا الباب وصار يجمع له العلماء وينفق له المال ويؤسس له المؤسسات عاد إليه من جديد.

ويجب أن نقول وأن نفهم: إن أي حركة رائدة تفتح بابا جديدا، وترد طريقا مجهولة، وتمهد سبيلا صعبا فلا بد أن تعاني من بعض الأخطاء والعثرات.. ثم يأتي اللاحقون الذين ساروا على الطريق المعبدة والسبيل الممهدة فيستدركون ويصححون، ويظل للأوائل فضل السبق والريادة والكشف والتوجيه، لا يخدش بعض ما وقعوا فيه من فضلهم شيئا. ويبقى للأواخر فضل التحرير والتحقيق والتنقيح والتصنيف والتبويب والتنظيم، وفضل الزيادة على ما أشار إليه الأولون.

فلئن كانت الكتيبة الأولى قد افتتحت بابا عظيما كسرت به شوكة الملحدين المتزينين بثوب العلم، فهذا هو فضلها الكبير، وبذلك فقد أفسحت المجال لمن يجيئون بعدهم ليكملوا عملهم ويزيدوه دقة وضبطا وكمالا.. وهؤلاء الآخرون إنما هم في عملهم ثمرة لجهد الأولين وفرعا من دوحتهم.

على أن نصرة الشيخ الزنداني للنبي ﷺ لا تقف عند هذا الحد.. ولئن وقفت عنده لكان مشكورا مأجورا إن شاء الله..

وإنما انطلق الشيخ الزنداني بالهمة العالية التي عُرف بها ليكون مجاهدا بنفسه وماله وما يستطيع.. فما من قارئ في تاريخ المسلمين في هذا القرن العشرين إلا ورأى للزنداني أيادي بيضاء داخل اليمن وخارجها.

فأما داخل اليمن فإن أول ما يهجم على الخاطر هو هذا الصرح العلمي الدعوي الفاخر: جامعة الإيمان. تلك الجامعة التي بعثت ذِكْر كثير من العلماء المنسيين في الزوايا والحارات والقرى والبوادي المجهولة، فما إن كان الشيخ الزنداني يسمع بأحدهم حتى يجتذبه إلى جامعة الإيمان، فمنها ينتشر علمه في العالمين.

لقد كانت جامعة الإيمان اسما متألقا في أوساط طلاب العلم، حتى كان يظن من لا يعرف أن هذه الجامعة عريقة عتيقة قديمة، مثلها مثل: الأزهر في مصر والزيتونة في تونس والقرويين في المغرب ونحو ذلك.. فتأمل واعجب لرجل صنع معهدا في القرن العشرين يحسب الذين يرون ثمرته ويسمعون عنه أنه من عمل الأولين الأقدمين!!

وفي اليمن استقبل الشيخ الزنداني في رحابه بل في بيته أناسا كانوا قد فروا من الظالمين، وخرجوا من ديارهم هاربين بدينهم، فوجدوا في ظلال الشيخ أمنا وسعة من بعد العنت والضيق، وهذا أمرٌ لا يتسع له هذا المقام.

وفي اليمن جاهد الشيخ بنفسه، وكان من زعماء الجهاد الذي كسر الشيوعيين في اليمن وأخرجهم منها مدحورين، وكان من حراس الشريعة والدين.. أقول هذا، ومع يجب أن أقول أيضا: ولكن التجربة لم تكتمل، بل لم تثمر ثمرتها التي كانت قريبة ومرجوة، وأسأل الله تعالى أن يهيئ من أولاد الشيخ وتلاميذه من يكون أمينا دقيقا متقصيا متحريا فيكتب هذه التجربة ويؤرخ لها ليتعلم منها المسلمون.. وإلا فكيف للشيخ وهو علم كبير من أعلام اليمن أن يقضي آخر أيامه غريبا طريدا وقد كان ملء السمع والبصر، ولم يخرجه منها إلا من كان مغمورا مدحورا منبوذا لا يُعرف ولا يُرى ولا يُؤبه له!!

وأما خارج اليمن فقد كان الشيخ من النافرين بنفسه وماله لمواطن الجهاد، لا سيما أفغانستان حين كانت تقاتل الاتحاد السوفيتي –القوة العالمية الثانية في زمانها- وله هناك أيام مشهودة، وأمور يعرفها أهل ذلك البلد وأهل ذلك الوقت.. وكذا عمله في دعم جهاد فلسطين ومجاهديها، له في ذلك سهم كبير ونصيب جليل.

ولقد شهدتُ الشيخ في آخر حياته، حين جاء واستقر به المقام في اسطنبول، ورأيته وقد بلغ منه الكبر، فيصعب عليه المشي ويثقل عليه الكلام، وهو مع ذلك متماسكٌ متصلب مستجمع لقواه، حتى لقد وقف في مسيرة لنصرة النبي ﷺ، فكان إذا جيئ له بمقعد يقول: أستحيي أن أقعد في هذا الموطن! وقد ظل واقفا على ما هو فيه من التعب.. وذلك موقفٌ ينبئك عن همته الثائرة ونفسه الفائرة، وعن الشباب المديد الذي ذهب في سبيل الله!

ومثلما هي سنة الله التي لا تتخلف في عباده الصالحين، ما إن توفي الشيخ الزنداني حتى قامت أصوات أهل الفضل تنعيه وتمدحه وتدعو له وتترحم عليه وتتذكر مآثره، فكنت ترى في جنازته ومجلس عزائه وفي صفحات الانترنت: أهل العلم وحملته، وأهل الجهاد ورافعي رايته، والعاملون لدين الله في كل سبيل.

وفي ذات الوقت قامت أصوات أهل الرجس والزور تقدح وتشتم وتشمت، وقد اجتمع في ذلك عبيد الحكام المجرمين ممن كرهوا جهاده، وبقايا الشيوعيين ممن كُسر أسلافهم بجهاده، والعلمانيون الذين كرهوا ما أحدثه عمله من الإيمان وتجنيد العلم في سبيل الدين، والمبتدعون الذين كرهوا جامعة الإيمان وثمراتها.

وقد صدق القائل:

إذا رضيت عني كرام عشيرتي .. فلا زال غضبانا علي لئامها

نشر في مجلة "أنصار النبي ﷺ"، مايو 2024

الاثنين، أبريل 08، 2024

لماذا سميت سورة البقرة بهذا الاسم؟

 

من أعجب ما يأخذ النظر والفكر أن تُسَمَّى سورة البقرة بهذا الاسم!

ذلك أن هذه السورة هي أطول سور القرآن الكريم، تشغل ما يقرب الجزئين ونصف الجزء من الثلاثين جزءا التي هي كل القرآن الكريم، ثم هي حافلة بآيات القصص والأخبار، وحافلة بآيات الأحكام والشرائع، وحافلة بآيات الوعظ والترغيب والترهيب..

فلماذا من بين كل هذا المشهد الحافل، سُمِّيت باسم: البقرة؟

 

(1)

خلاصة قصة البقرة المذكورة في السورة الكريمة أن رجلا من بني إسرائيل قتل آخر، فأصبحوا وقد عرفوا القتيل وجهلوا قاتله، فذهبوا إلى نبيهم وزعيمهم موسى –عليه السلام- ليسأل الله أن يدلهم عليه، ثم عاد موسى يقول لهم: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة.

فاستغربوا الطلب وقالوا: أتتخذنا هزوا؟!

قال موسى: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين (أي: المستهزئين)، والمعنى: أن هذا أمرٌ من الله لهم، والله مطلع عليهم وعالِمٌ بأنهم الآن ينشغلون بأمر القاتل.

فلما ظهر لهم أن هذا أمرٌ من الله أبلغهم به رسوله، طفقوا يسألون عن البقرة!

قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي؟

فسأل موسى ربه ثم عاد إليهم يقول: إنه يقول إنها بقرة لا فارضٌ ولا بكر، أي: لا هي مُسِنَّة ولا هي صغيرة، وإنما وسط بين ذلك. فافعلوا ما تُؤْمَرون.

فعادوا يقولون ويسألون: ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها؟

فعاد إليهم موسى يخبرهم قول ربهم: إنها بقرة صفراء، بل شديدة الصفار (فاقعٌ لونها)، وفوق لونها الأصفر فهي حسنة الشكل (تسُرُّ الناظرين).

ومع هذا فقد عادوا يسألون مرة أخرى سؤال الذي يتحير لكثرة ما عنده من الاختيارات: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي، إن البقر تشابه علينا. فكانوا هذه المرة يسألون: هل هي سائمة أم عاملة؟

فجاءهم الجواب من ربهم على لسان موسى عليه السلام: إنها بقرة لا عاملة، فهي لا تثير الأرض، ولا تسقي الحرث، وهي خالية من العيوب، وخالية من أي لون غير الأصفر.

وقد وردت تفاصيل كثيرة في كتب التفسير تصف بحثهم عن هذه البقرة، نتجاوزها الآن اختصارا، إلا أنهم وجدوها في النهاية، وغالى صاحبها في ثمنها كثيرا، فاشتروها وذبحوها!

فأمرهم الله تعالى أن يضربوا هذا القتيل بجزء منها، قيل: بلسانها أو بذيلها، فلما ضربوه، قام من موته فقال: قتلني فلان وفلان.

فكان هذا درسا عمليا لبني إسرائيل على قدرة الله تعالى وإحيائه الموتى.

هذه خلاصة القصة، ولمن شاء التوسع، فعليه بكتب التفسير.. ولكن السؤال الذي يهمنا الآن: لماذا سُمِّيت هذه السورة الطويلة الحافلة باسم البقرة، البقرة التي هي بطل هذه القصة؟!

 

(2)

من قرأ سورة البقرة وأطال النظر فيها، وجد أنها رغم هذا الطول والتنوع والاحتشاد بالآيات تكاد تكون على قسميْن؛ القسم الأول: أخبار بني إسرائيل. والقسم الثاني: تشريعات إسلامية! وأما ما قبل هذين القسمين أو ما بعدها فآيات قليلة للغاية.

فأما القسم الأول، وهو أخبار بني إسرائيل، فهو يذكر إعراضهم عن رسالة نبينا محمد ﷺ، ويعيد تذكيرهم بما كان منهم في حق موسى عليه السلام من إتعابه وإرهاقه، ومن استعصائهم عليه، واتخاذهم العجل بعد أن نجاهم الله من فرعون، وقائمة طويلة طويلة من عصيانهم واتباعهم الباطل، وصلت إلى حد القول الصريح {سمعنا وعصينا}، وهو القسم الذي يستمر حتى مطلع الجزء الثاني.

وأما القسم الثاني، وهو التشريعات، فآيات كثيرة في تحويل القبلة والحج والمباح من الطعام والمعاملات وأحكام في الصيام والوصية والزواج والطلاق والخلع والخمر والجهاد والحج والنفقة والربا والدَّيْن والرهن، تستمر من مطلع الجزء الثاني حتى نهاية السورة.

ويتداخل القسمان بطريقة القرآن العجيبة التي لا تشعر معها بالانتقال من خلال قصة تحويل القبلة، فلقد كان هذا الحدث هو الباب الذي انتهت إليه وخُتِمت به أباطيل بني إسرائيل وأساليبهم في الصد عن دعوة الإسلام، وكان هو نفسه الباب الذي ابتدأ به الحديث عن الأحكام الخاصة بأمة المسلمين.

فإن القارئ يدخل إلى قصة تحويل القبلة وهو يظن نفسه ما يزال في أخبار بني إسرائيل وأساليبهم في التكذيب والنكران، فما يخرج منها إلا وقد ابتدأ في رحلة تلقي الأحكام.

ولقد بدا هذان القسمان واضحيْن لكثير من العلماء الذين تناولوا سورة البقرة، ودارت عبارتهم حول معنى الربط بين هذيْن القسميْن، وكيف أن هذه السورة:

1.    قد قُسِمَتْ بين أمة الدعوة (بني إسرائيل) وأمة الإجابة (أمة الإسلام).

2.    وأنها سورة نزع الخلافة من بني إسرائيل (وهذا قسمها الأول) وتكليف المسلمين بها (وهذا قسمها الثاني).

3.    وأنها سورة بناء المجتمع المسلم على نحو النهي والأمر: النهي عن أن يكونوا مثل بني إسرائيل، والأمر بإطاعة ما نزل إليهم من التشريعات[1].

وبهذا التوضيح لموضوع سورة البقرة نكون قد اقتربنا خطوة مما نريد فهمه، وهو: لماذا من بين سائر هذه المواضيع سُمِّيت السورة على وجه التحديد باسم: البقرة؟

 

(3)

سورة البقرة هي أول سورة نزلت بالمدينة، واستمر نزولها طوال الفترة المدنية، فهي التي رافقت الجماعة المسلمة الأولى وهم يعايشون اليهود، وأخذت في تشييد بنائهم التشريعي حتى آخره، حيث نزل تحريم الربا في آخر الفترة المدنية، وفي نهاية الآيات التي نزلت تحرم الربا نزلت آخر آية من القرآن الكريم وهي قوله تعالى {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281].

وقد سمعت من بعض مشايخنا أن الجزء الأول من هذه السورة إنما هو بيان لأعداء الأمة الإسلامية، فهو التنبيه الرباني لعباده على الفئات التي ستنابذهم العداء وستقف في طريقهم.

ولهذا، فبعد مقدمة قصيرة للغاية عن صفات المؤمنين، تأخذ الآيات في وصف الأعداء الأربعة على هذا الترتيب: الكافرون، المنافقون، الشيطان، اليهود.

ومن العجيب المثير للتأمل أن يكون الوصف على هذا النحو:

1.    تكون البداية بالكافرين، وكان نصيبهم آيتيْن فحسب {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 6، 7].

2.    ثم يأتي الحديث عن المنافقين، فإذا به يستغرق اثني عشرة آية!

3.    ثم يأتي الحديث عن الشيطان الذي أغوى أبينا آدم وأزله عن الجنة فتستغرق القصة كلها تسع آيات!

4.    ثم يأتي الحديث عن اليهود فيستغرق أكثر من مائة آية!!

فكأن الخطر الذي يمثله اليهود على أمة الإسلام ودعوته أشد من خطر بقية الأعداء الثلاثة: الكفار والمنافقين والشيطان!

 

(4)

والآن، إذا حاولنا أن نربط كل هذا الكلام بعضه ببعض، لوجدنا أن قصة البقرة هي القصة الجامعة لكل موضوع سورة البقرة، فكأنها قلبُ السورة، إذ نرى أن المعاني الكامنة فيها هي المعاني التي تنتشر في بقية السورة، كأنما هي قلب تنبعث منه الشرايين والأوردة! فما من معنى في هذه السورة الطويلة الحاشدة إلا وهو كامن في قصة البقرة!

وتعال تأمل معي:

إن في قصة البقرة تحذير من الله ونهي لعباده المسلمين أن يجادلوا في الأحكام النازلة إليهم كما فعل بنو إسرائيل في الأمر الذي جاءهم مع أن فيه مصلحتهم وفيه كشف سر القاتل الذي يبحثون عنه.. فهذه القصة هي أنسب القصص التي يجب أن يفهمها قومٌ يُعدّهم الله تعالى للرسالة الخاتمة، ويتهيؤون لكثير من الأحكام التي ستنزل عليهم.

فهذه السورة الحافلة بالأحكام والتشريعات في قسمها الثاني تناسب قوما يقولون: سمعنا وأطعنا.. قوما يعرفون أنه لا ينبغي لهم أن يجادلوا في أحكام الله وأوامره ونواهيه كما فعل أصحاب البقرة.. قوما يعرفون أن جدالهم وكثرة سؤالهم يشدد الأمر عليهم ويزيده عسرا، وقد قال رسول الله ﷺ: "لو ذبحوا أي بقرة كانت لأجزأتهم ولكن شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم". فمن بعد ما كان المطلوب ذبح بقرة، أي بقرة، ظلوا يسألون ويتمحكون حتى صار المطلوب منهم ذبح بقرة لا مسنة ولا صغيرة، صفراء فاقعة اللون، حسنة المنظر، لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث، لا عيب فيها ولا يشوب لونها شائبة!!

وفي قصة البقرة تنبيه للمسلمين إلى هذه الطباع الخبيثة لبني إسرائيل، وما تنطوي عليه قلوبهم من عصيان الله وإرهاق نبيهم، ولقد سمعت بعض مشايخنا يقول: تأملوا، كيف يفاوض هؤلاء القوم؟!! إنهم يفاوضون في بقرة! ويفاوضون ربهم في علاه! ووسيط التفاوض نبيهم الذي خلصهم وأنقذهم من العذاب: موسى! ويفاوضون على أمر نزل إليهم فيه مصلحتهم!.. فتأمل كيف يمكن أن يفعلوا مع غيرهم من البشر، فيما هو أجل من البقرة، مع وسيط تفاوض لا يبلغ شسع نعل موسى عليه السلام؟!

وهذا الفهم لنفسية اليهود هو ضروري لقومٍ سيحملون الرسالة الخاتمة، ويتحملون عبء الدعوة.. ضروري من جهتيْن على الأقل:

1.    من جهة أن يتجنبوا هذه الطباع ويحاربونها في أنفسهم فيعظمون ربهم ولا يرهقون نبيهم ولا يتكلفون في الدين ولا يسألون عما لم يُبْد لهم، فبذلك يبقى فيهم شرف الرسالة فلا ينزع منهم كما نُزِع من بني إسرائيل.

2.    ومن جهة أن يعرفوا عدوهم وطباعه وطرائقه في التمحل والتكلف والمناورة، فيتأهبون لذلك.

وإن في قصة البقرة معجزةٌ تؤكد أصل الإيمان الكبير: وهو الإيمان بالبعث واليوم الآخر، وذلك حين أحيا الله القتيل أمام أعينهم، فنطق وتكلم بمن قتله، ثم عاد إلى موته. وقد أحياه الله لهذه الغاية، {كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 73].

والإيمان باليوم الآخر، والحياة بعد الموت، هو الأصل الذي فرَّق بين المؤمنين والكافرين، فإن كثيرا من الكافرين يؤمنون بوجود الله، ويؤمنون بأنه خلق السموات والأرض، بل وبأنه خلق الناس.. فما كان أهل قريش يكفرون بوجود الله، ولكنهم لا يريدون الإيمان باليوم الآخر.

والسر في أن الكفار ينكرون اليوم الآخر ويرفضونه، ليس أنه متعذر عقلا، فإن الخلق من العدم، والإنشاء من النطفة، أصعب بكثير من الإحياء بعد الموت.. ولكن سر إنكار اليوم الآخر في الحقيقة هو الرغبة في الحياة بلا تكاليف ولا تشريعات ولا مرجعية.. فاليوم الآخر هو يوم الحساب، وهو يوم الجزاء، وهو يوم الثواب والعقاب.. فمن آمن به، وجد نفسه مضطرا من فوره إلى معرفة ربه، ومعرفة ما يأمر به وما ينهى عنه، ووجد نفسه مضطرا إلى الطاعة والتسليم والاتباع!

فمن أراد الحياة وفق هواه وشهواته ومصالحه ومطامعه، كان أشد شيء يزعجه ويؤرقه وينغص عليه نفسه هو: الإيمان باليوم الآخر.

إن أكثر الكفار مستعدين للإيمان بإله لا أثر له في الحياة، لا أوامر له، لا نواهي له، لن يثيب ولن يعاقب ولن يجازي، ولن يبحث عن أحد أطاعه أو عن أحد عصاه، والموت نهاية كل حي.. إن مجرد الإيمان بوجود الإله أمر يتقبله الكفار ويتعايشون معه بلا مشكلات!

لكن الصراع الضخم الكبير الذي يملأ هذه الحياة هو الصراع حول الإله الذي له تعاليم وتكاليف، الصراع حول الإله الذي سيبعث الناس بعد الموت فيجازيهم؛ فيثيب الطائع ويعاقب العاصي.. هنا يصطدم الحق بالباطل في هذه الحياة وعلى هذه الأرض، وهنا تكون المعركة العظمى: لمن السيادة والمرجعية؟ من الذي يملك أن يقول: هذا حق وهذا باطل؟ من الذي له حق السمع والطاعة؟ ما الذي نفعله وما الذي نتجنبه؟

كل هذه المعركة خلاصتها تكمن في هذه الجملة الواحدة: الإيمان باليوم الآخر.. وأكثر الذين لا يؤمنون بالله، إنما هم في حقيقتهم وأعماق فكرهم لا يؤمنون به فرارا من الإيمان باليوم الآخر.

لقد افترق المؤمنون والكفار حول الإيمان باليوم الآخر مطلقا.. آمن به المؤمنون، وكفر به الكافرون.

وافترق المؤمنون وأهل الكتاب حول الإيمان باليوم الآخر أيضا، ولكن على جهة التفصيل، فقد زعم اليهود أنهم إن عوقبوا فلن يعاقبوا بالنار إلا أياما معدودة {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} [البقرة: 80]، فلهذا استخفوا بالدين وبالتعاليم وبالشرائع، وكتبوا الكتاب بأيديهم وقالوا: هذا من عند الله، وارتكبوا قائمة طويلة من الجرائم.

ولهذا كان على المؤمنين أن يؤمنوا باليوم الآخر على هذا النحو: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81، 82]، وذلك أنهم يتهيؤون لتلقي التعاليم والتشريعات الكثيرة التي لا بد لهم من تنفيذها كما أنزلها الله إليهم، فليس بين الله وبين أحد نسب ولا صلة ولا قربى ولا محاباة!

 

(5)

من أجل هذا، كان لا بد للمؤمنين حملة الرسالة الخاتمة من الانتباه الدائم إلى هذه القصة، قصة البقرة، القصة التي جمعت سائر أقطار هذه السورة الطويلة الحافلة، القصة التي نبهتهم إلى عدوهم الخطير، وأخبرتهم بتاريخ الأمة التي نُزِع منها شرف الرسالة، وأعدتهم لطريقة التعامل مع التشريعات النازلة إليهم.

نسأل الله تعالى أن يفقهنا وإياكم في كتابه وسننه.

نشر في مجلة "أنصار النبي"، إبريل 2024



[1] للتوسع في بيان سورة البقرة وموضوعها واجتهاد العلماء والمفسرين فيه، ينظر: تفسير المنار لرشيد رضا، وفي ظلال القرآن لسيد قطب، وتفسير القرآن الكريم لمحمود شلتوت، والنبأ العظيم لمحمد عبد الله دراز، ودراسات قرآنية لمحمد قطب.

الأحد، مارس 03، 2024

في ذكرى تغيير القبلة، أو تغيير النظام العالمي

 

ما من لحظة يظهر فيها فساد النظام العالمي وزيف مؤسساته وشعاراته كهذه اللحظة، إن حرب غزة من اللحظات الفاصلة التي نرى فيها حقيقة هذه الخرافات الدولية!

هل لم يكن هذا واضحا قبل ذلك؟ نعم، قد كان واضحا للقلة، أما الآن فهو واضح للكثرة، إن ارتباط القضية بالمقدسات الدينية، وتاريخها الحي الذي عجزوا عن إخماده وكتمه، وكون إسرائيل الطفل المدلل للسياسة الغربية، وحجم الإجرام المكثف، وأمور أخرى.. سائر هذا جعل الأمر أكثر انكشافا، وأخزى مشهدا، وأكثر نكيرا.

نعم، ذلك النظام العالمي الذي كان يتزين ويتجمل بمؤسساته الضخمة وبزعمه المبادئ والحريات والدفاع عن الشعوب، يتساقط كلما رفع واحدٌ من الخمسة يده بحق الفيتو. مهما قيل من الكلام، فإن هذه اللحظة تكون لحظة التعري والفضيحة التي تثبت أن هذا النظام العالمي إنما وُجِد لخدمة هؤلاء الخمسة.. أو بمعنى أصح وأدق: وُجِد لتعبيد الناس لهذه القوى الخمسة!

***

نكتب هذا الكلام في لحظة ذكرى تحويل الكعبة من بيت المقدس إلى مكة المكرمة.. مما لا ينتبه له كثيرون أنها كانت لحظة تحول في النظام العالمي أيضا.

ولقد جاءت هذه البشرى بتحول النظام العالمي في كتب أهل الكتاب، قبل أن ترد في القرآن الكريم، وقبل أن تكون واقعا في حياة نبينا الكريم ﷺ، فقد ورد في سفر حجي 2/ 7 – 10: "وأزلزل كل الأمم ويأتي (مشتهى) كل الأمم فأملأ هذا البيت مجدا، قال رب الجنود. 8 لي الفضة ولي الذهب يقول رب الجنود. 9 مجد هذا البيت الأخير يكون أعظم من مجد الأول قال رب الجنود وفي هذا المكان أعطي (السلام) يقول رب الجنود".

وقد ذكر البروفيسور عبد الأحد داود، أستاذ اللاهوت والخبير في الكتاب المقدس، وهو ممن أسلم بعد طول تفكير ودراسة وحوار، أن هذه الترجمة غير دقيقة، وأن الأصحّ من لفظِ (مشتهى) لفظُ (محمد). وأن الأصحّ من لفظ (السلام) لفظُ (الإسلام).. ويمكن لمن شاء الرجوع إلى كتابه: محمد كما ورد في الكتاب المقدس.

لكن المقصود هنا، وهو الذي يعنينا في هذا المقال، هو النص الوارد في العبارة التاسعة، وهي "مجدُ هذا البيت الأخير يكون أعظم من مجد الأول"، ففي هذا النص بشارة صريحة بأن الله سيسبغ المجد على البيت الحرام حتى يكون أعظم من بيت المقدس. فمن بعد ما كانت أنبياء الله ورسالاته في بيت المقدس، وهناك أمة عباده، سيذهب هذا كله إلى البيت الحرام، البيت الأخير، ليكون فيه رسوله الخاتم، والأمة الشاهدة، والمجد العظيم.

ولذلك ذكر الله تعالى أن أهل الكتاب يعرفون هذا الانتقال، فقد قال تعالى في سياق الحديث عن تحويل القبلة: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} [البقرة: 144].

وذكر تعالى أنه سيعظم عليهم اتباع الحق مهما كانت الأدلة والبينات والحجج والبراهين، فقال تعالى {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 145].

وأي دليل وأي برهان أعظم من رسول يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وحقٍّ لم يجدوا وسيلة لدفعه إلا كتمه {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 146].

***

إن قراءة الآيات التي نزلت في شأن تحويل القبلة ضمن هذا المعنى، معنى تغيير النظام العالمي، وانتقاله من الأمة الفاسدة التي تاجرت بالدين وبالمبادئ وقتلت الرسل والمصلحين، إلى الأمة الجديدة التي تقيم الحق ولو على أبنائها، وتشهد به ولو على نفسها.. إن قراءة الآيات في ضوء هذا المعنى يمنح المسلم شعورا جارفا وأصيلا وغالبا بمهمته في هذه الحياة.

لقد بدأت الآيات ببيان الفساد الذي عمَّ أمة بني إسرائيل وتجذر فيها. لقد اتبعوا أهواءهم مهما علموا أنها باطل! ومع أن في أهل الأهواء من يوقرون أهل الحق ويحترمونهم، إلا أن هؤلاء بلغ من سطوة الهوى عليهم أنهم لا يرضون ولا يعترفون إلا         لو اتبع الناس أهواءهم {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [البقرة: 120].

لقد نسوا نعم الله عليهم وما فضَّلهم به على العالمين {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 122].

ولهذا شرعوا في تحريف الدين وتزوير التاريخ وإنكار الحقائق وكتم الشهادة، ومن ها هنا فقد مَهَّد الله لتكليف تحويل القبلة بذكر قصة إبراهيم وإسماعيل، وبنائهما البيت الحرام، وبذكر وصية يعقوب لأبنائه، وعهدهم له بعبادة الله الواحد، كما تقرؤه في الربع الأخير من الجزء الأول في القرآن الكريم.

وقبلها مضت الآيات في رُبْعَيْن تذكر ما صنعه هؤلاء من التحريف في دين الله الذي اؤتمنوا عليه، لقد كان دينهم الذي يبثونه بين الناس على هذا النحو:

{وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة: 111]

{وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} [البقرة: 116]

{وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [البقرة: 135].

ومن ها هنا نفهم كيف امتلؤوا غيظا وحقدا على قوم يناهضون هذه الأفكار، ويهددون هذا النظام، وكيف سلَّطوا عليهم كافة ما بأيديهم ليفتنوهم:

{وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة: 109]

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} [البقرة: 114]

***

وها هنا تأتي مهمة المسلمين في إظهار الدين، وإحقاق الحق، ونشر الحقائق، وإقامة الشهادة {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143].

وهذه المهمة لا بد لها من أمور:

1. لا بد لها من قوة إيمانية تحمل صاحبها على اتباع النبي اتباعا لا يعرف التردد ولا التلعثم {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} [البقرة: 143]

2. ولا بد لها من ثقة وقوة تحمل صاحبها على أن يخشى الله وحده، لا يخشى أحدًا غيره {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [البقرة: 150].

3. ولا بد لها من صلابة نفسية وإرادة فولاذية وبناء روحي متين {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153].

4. ولا بد بعد هذا كله من جهاد مرير، ومحن وفتن، وخوف وجوع، وآلام وأشواك.. فما من نظام صالح يقوم بلا جهاد، وما من باطل يسقط من عليائه بسهولة، بل إن الحق الصاعد ينحت في صخر العنت ويأكل من جمر الرهق، وكذلك الباطل العالي يلقي بحممه وبراكينه، وأدرانه وأوساخه، وأقذاره وأوضاره، وهكذا يمهد عباد الله طريق الحق بدمائهم وأوراحهم، ويهلكون في ذات الله وفي سبيل الحق قبل أن يبلغوا الغاية {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 154 - 157].

***

ما أقرب الشبه بين أهل الباطل..

هل يا ترى نحتاج أدلة على إنكار الحق وإنكار الحقائق وكتم الشهادة وتزوير التاريخ وغض الطرف عن الجرائم أكثر مما نراه اليوم؟!

مؤسسات ضخمة للدفاع عن الحقوق والحريات، مؤسسات متخصصة في حقوق المرأة وحقوق الطفل وحقوق الأقليات وحقوق الحيوان وحقوق البيئة وحتى حقوق الحجارة القديمة: التراث والآثار.. ومؤسسات للصحة، ومؤسسات للعدل، وقوانين دولية، ومجلس للأمن... إلخ! ووراء الجميع صحافة وإعلام يزهو بما هو فيه من: الحرية والموضوعية والنزاهة والأمانة!!

فإذا أردنا أن نختصر مهمة الجميع فلن نجد خيرا من قوله تعالى {حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120]، فإذا اتبعت ملَّتَهم وكنت أوكرانيًّا –مثلا- فقد انهالت على من يقصدك: العقوبات والتضييقات، وانهمرت عليه التقارير والإدانات والأحكام السريعة من محكمة العدل ومن مجلس الأمن ومن الشركات الكبرى.. فإن لم تكن من ملتهم، فتأمل في حال أهل غزة تعرف الجواب!

إن آخر ما قد تعطيك إياه هذه المؤسسات أن تعدّ أرقام القتلى والجرحى، وربما بعد انتهاء المذبحة تقيم عليك سرادق العزاء، على نحو ما قال علي عزت بيجوفيتش في كلمته العبقرية: "كانت أوروبا على أتم استعداد لأن تقيم مأتما لإحياء ذكرى البوسنيين بعد إبادتهم".

وهذا السرادق نفسه لا يُقام لإحقاق الحق ولا للاستفادة من التاريخ كي لا تتكرر الإبادة، بل يُقام ليكون زينة وزخرفا يتجمل به القاتل السفاح، ليواصل جولته القادمة من جديد، بعد أن يكون قد غرر ببعض المغفلين والبلهاء!

***

وما أقرب الشبه بين أهل الحق..

لا بد لهم من جهاد عظيم، جهاد حافل بالصبر، جهاد لا يقوم به ولا يصبر عليه إلا من آمن حقا بالله، وآمن بمحمد رسول الله..

جهاد لشبهات الذين كفروا، ولتشكيكهم، ولتشغيبهم.. جهادٌ لا بد فيه من علم وتقوى وحكمة، {أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 151].

جهاد ينبعث من نفس موصولة بالله {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152].

جهاد يستعين على مشقات الطريق بالتصبر والعبادة {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153].

جهاد يهلك فيه الرواد حتى يقال: مات! فلا يصبر عليه إلا من آمن بأنهم: {بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} [البقرة: 154].

جهاد فيه أنواع المشقات من الخوف والجوع والفقر والقتل!!

فهؤلاء هم الذين يغيرون العالم، يقيمون الحق ويُسقطون الباطل، أناس ليسوا من هذه الدنيا، شعارهم قول جدهم القديم: "الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام".

على هؤلاء يُبنى المجد، أو قل: على يد هؤلاء يعود المجد، مجد البيت الأخير..

{كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [المجادلة: 21]

 نشر في مجلة "أنصار النبي"، مارس 2024