الاثنين، أغسطس 08، 2022

ردٌّ على عتاب الإخوان، في غروب الإخوان!

تلقيتُ سيلا من العتاب الرقيق من بعض الأصدقاء والإخوان الفضلاء، مغمورا بسيل آخر من السباب والاتهامات ممن لا يعرفني أو يبغضني، عن التغريدة التي كتبتُها منذ أسبوع، والتي قلت فيها:

"محمود حسين وإبراهيم منير كانا يدًا واحدة في تدمير جماعة #الاخوان_المسلمين وإفسادها.. ثم وقع بينهم الخلاف فاتخذ كلٌّ منهما مذهبا منفردا في التدمير والتخريب!! أشفق حقا على بعض الأفاضل هربوا من مذهب حسين، فاضطروا للوقوع في فخ منير! اللهم أحسن دفن هذه الجماعة! وعوض الأمة خيرا منها!"

ومع تكرر العتاب، وجدتني مُلْزَمًا بكتابة توضيح لبعض الأمور، أكتبها لإخواني وأصدقائي الفضلاء وحدهم، وأما البقية فلا آبه لهم، ولعل الله أن يهديهم أو يكف شرهم، أو نلتقي يوم القيامة فيقضي بيننا بالحق وهو خير الفاصلين.

هذه التغريدة إنما كتبتها بعد تصريح إبراهيم منير، القائم بأعمال المرشد، حيث صرَّح الرجل الذي جاوز الثمانين من عمره، أن منهج الإخوان يرفض العنف رفضا تاما، بل يرفض أي صراع على السلطة حتى مع الأحزاب السياسية!

ولو أنني أقسم على الغيب، لأقسمت أن لو بُعث حسن البنا فسمع هذا التصريح، لما خطر بباله قط أن إبراهيم منير يتكلم عن جماعة هو مؤسسها، ومن نكد الأيام أن يحتكر الحديثَ عن منهج الإخوان أمثال محمود حسين وإبراهيم منير، فما هما بأهل فكر وتنظير وشرح وتفسير، فيؤهلهما هذا للحديث عن المنهج بله القضاء به والفصل فيه! ثم إن الأيام قد أشهدتنا على مؤهلاتهما العملية، فالأول قد دمّر التنظيم في مصر حتى انشق ثلاثا أو أربعا وغادرته أكثر القواعد، والثاني قد دمَّر التنظيم في العالم، فما ترى بلدا إلا وانشق الإخوان فيه، تحت قيادته "الحكيمة جدا" التي جاوزت أربعين سنة!

أكثر ما يستفزُ في تصريح إبراهيم منير أنه إعلان انسحاب بلا ثمن! وبدلا من أن يجعله إعلان انسحاب تقتضيه الظروف، إذ به يجعله من صميم المنهج، فإما أن الإخوان طوال عمرهم كانوا مخطئين وهم يخوضون في السياسة وينافسون عليها حتى بلغوا منصب الرئاسة، وإما أن الرجل الثمانيني يهرف أو يخرف! وما ذلك عليه ببعيد!

ومما يستفز في كلامه أيضا حديثه عن أن عدد المعتقلين من الإخوان حوالي خمسة أو ستة آلاف، فلو صدق قول المنافقين له من أنه إنما يصنع هذا لإخراج المعتقلين، فالمعنى هنا أنه ضحى بالشطر الأكبر من المعتقلين الذين يقاربون المائة ألف معتقل! من الإخوان ومن غير الإخوان! وكفى بهذا نذالة وغدرا!

فإذا وضعنا كل هذا الاستفزاز جانبا، فإن الأدهى من ذلك، وهو المُرَجَّح أيضا، أن إبراهيم منير يعيد تفعيل وثيقة كتبها أحد الباحثين الدولتيين (والدولتي في أصدق التعريفات: هو الذي يرى عبادة الدولة والخضوع لها وطنية، والوطنية عنده دين، بل هي فوق الدين)، تقول خلاصة هذه الوثيقة: على الإخوان العمل على دعم النظام، لا مجرد الاعتراف به، وإسناده ضد المتطرفين، مقابل تخفيف النظام لقبضته عنهم والقبول بعودتهم فرادى من جديد.

كنت أشرت إلى هذه الوثيقة في منشور قبل عامين (انظر هنا: ..... )، ولكن النظام أهملها كعادته في إهمال كل المبادرات، وهنا يظهر السؤال: فلماذا يعود الحديث عنها من جديد؟ الجواب والله أعلم أن هذا جزء من ترتيب المشهد الإقليمي الذي يبدو كأنه يتمهد لشن حرب على إيران، وفي هذا الإطار يجب تهدئة الأوضاع الداخلية. وهذا الجواب يدعمه ما يتسرب عن مجهودات سعودية وقطرية لوصل ما انقطع بين النظام والإخوان، وبين النظام المصري والتركي، واستثمار ما يملكه الإخوان من رصيد شعبي وطاقة في سبيل هذه الحرب، أو على الأقل أن يكون الإخوان بمثابة الإسفنجة التي تمتصُّ أي طاقة ثورية قد تفجرها ظروف الحرب والأزمة، فإما أن يكون الإخوان ضد أي حراك متوقع، أو على الأقل أن يمارسوا التخذيل والتثبيط له.

ومع هذا، سأعتبر أن كل كلامي هذا خطأ في خطأ، وأنه هواجس تدور برأسي، دعونا نقول: لا أعرف ما المناسبة ولا السبب التي جعلت بعض أطراف النظام أو الإقليم تسعى في استخلاص تنازل جديد من الإخوان.. سيبقى السؤال قائما إذن: ما الداعي لهذه التصريحات إذن إلا أن تكون تنازلا جديدا بغير ثمن؟!

يقول بعض منافقي إبراهيم منير: أنه أزال فزاعة عودة الإخوان التي يرفعها النظام في وجه المجتمع الدولي، وأنه بهذا ألقى الكرة في ملعب النظام وملعب المجتمع الدولي.. هذا الهراء أتعفف وأترفع من مناقشته! فلو كان لدى النظام أو المجتمع الدولي شبه نية أو تفكير في الأمر لكانوا قد تلقفوا عشرات العروض والمبادرات القديمة للبناء عليها!

إخواني الأفاضل الذين عاتبوني..

شعرتُ أحيانا أن تغريدتي هذه كأنها تملك القدرة على الدفن أو الإحياء، وليست مجرد وصف وتوصيف للحال البائس الذي انتهت إليه الجماعة، بل والله إنها لدعاء بحسن الخاتمة!

لا يملك أحدٌ يخلص النصيحة لأهله وقومه إلا أن يكفَّهم عن السير وراء هذه القيادات، إبراهيم منير ومحمود حسين سواء بسواء، فهذا ليس إلا إهلاكا للوقت والجهد والمال والموارد، إنه تضييع حقيقي للأعمار في طريق ليست فيه ثمرة ولا نتيجة! وهذا الكلام أقوله منذ قديم وليس جديدا علي.. ولقد توقفت عن الكلام في شأن الإخوان كله هذه السنين الماضية، لأنه بالفعل لا فائدة ترتجى منهم.. لكني أرى الآن محاولة لإعادة توظيف الجماعة في خدمة النظام وإسرائيل.

نعم، ربما تضطر الحركات لبعض التنازلات، وربما تتساوق مع رغبة دولة إقليمية لأنها تأخذ في المقابل مصلحةً ما، نعم.. تضطر الحركات أحيانا لتكون جزءا من مشروع غيرها لأنها تكتسب بهذا مساحة في مشروعها هي. يحدث هذا في الحركات التي تمتلك قيادة ذكية وصلبة وصبورة ولها القدرة على المفاوضة والمناورة والاستفادة بالأحداث..

أما محمود حسين وإبراهيم منير، فكيف؟! كيف وقد أثبتت الحوادث الماضية –لا التحليل ولا الاستنتاج- أنهم قد دمّروا الجماعة ومزقوها بالفعل.. وهذا إبراهيم منير اعترف بلسانه أنه كان في الستينات يكتب التقارير لأمن الدولة في إخوانه، وهذا وقت أن كان في شرخ الشباب، في العشرينات من عمره، ثم اعترف بلسانه قبل ستة أعوام أمام مكتب شورى تركيا بأنه يقدم تقريرا عن الجماعة للمخابرات البريطانية، وقد نشر ثلاثة من أعضاء هذا الاجتماع كلامه هذا على العام، ولم يكذبه هو!

هل يحسب الإخوة الفضلاء الكرام أن إبراهيم منير أو محمود حسين لديهما من المؤهلات والكفاءة ما يُمَكِّنهما من إدارة تفاوض حقيقي مع أجهزة الإقليم للحصول على مكاسب حقيقية مقابل تنازلات جديدة؟!

في مذكرات جورج تينيت، مدير المخابرات المركزية الأمريكية الأسبق، تحدث عن أنهم كانوا يستشعرون بخطر ما قبيل أحداث سبتمبر، وذكر أنهم حركوا عددا من المصادر لتقصي الأمر. ما يلفت النظر هنا أنه ذكر أنهم بعثوا عشرين مصدرا كلهم لا يعرف أنه يعمل لحساب المخابرات الأمريكية لاستطلاع الأمر. عشرين مصدرا في أجهزة مخابرات وطنية، كل واحد فيهم يظن أنه وطني يعمل لحساب وطنه في مصر أو السعودية أو الأردن، بينما هو في الواقع يعمل لصالح المخابرات الأمريكية!!

كيف يمكن أن نتخيل الصورة حين نرى أسرابا من الشباب وأهل الفضل يبذلون جهدهم وطاقتهم وأموالهم، يظنون أنهم يعيدون إحياء الجماعة، بينما هم في واقع الأمر جنودٌ في خطة أجهزة المخابرات؟! أليس من الواجب حينئذ أن نحذر من هذا المصير؟!

نحن الآن لو سألنا الإخوان: أيهما كان أفضل للإسلام وللأمة وللمشروع الإسلامي، أن يوجد حزب النور والدعوة السلفية أم أن يزولا؟.. فلا شك أن الجواب: زوالهما أفضل، فقد كان وجودهما عبئا على الأمة والإسلام والتجربة الإسلامية، واستثمر النظام هذه اللحى وهؤلاء الأتباع في ترسيخ انقلابه.

فلو سألنا الإخوان أيضا: أيهما كان أفضل للإسلام وللأمة وللمشروع الإسلامي، أن توجد الجماعات القتالية أم أن تزول؟.. فلا شك أن الجواب: زوالهم أفضل، فقد شوهوا الإسلام وخربوا البلاد وقطعوا الطريق على الإسلام المعتدل وأعادونا عشرات السنين إلى الخلف.

وإذن، فهذه الإجابات تدلُّ على أن مجرد وجود جماعة ما ليس بالضرورة أن يكون في صالح الإسلام، بل إذا لم تكن تلك الحركة مفيدة ومُسْهِمةً في نهضة الأمة فزوالها أفضل!

فإذا وسَّعنا دائرة النظر قليلا، وسألنا إسلاميا ثوريا: أيهما كان أفضل للمغرب؟ أن يوجد حزب العدالة والتنمية في لحظة الربيع العربي هناك أم أن زواله كان أفضل؟.. لا شك في هذا الثوري الإسلامي سيجيب: كان زواله أفضل، لقد استعملهم الملك استعمالا ممتازا لصدّ الموجة الثورية، ثم ورطهم في فضائح خالدة كقوانين فرنسة التعليم والحشيش والتطبيع مع إسرائيل، ثم ألقاهم بعيدا.. كانوا مجرد مصدَّةٍ بينه وبين الشعب، ثم قفازا في القوانين السيئة، ثم تخلص منهم!

والآن، وبعد كل المصائب التي حصلت في مصر، هل بقي رصيد للثقة في هذه القيادات؟.. هذه القيادات التي كانت تملك ما لو امتلكه غيرها لما فكّر أحدٌ في منافستهم على السلطة في مصر، فضلا عن أن يفكر في الانقلاب عليهم!!

في كتابه "الوطنية الأليفة" يتحدث تميم البرغوثي عن النخبة "الوطنية" التي جاء بها الاستعمار لتكون قشرة وطنية للحكم الاستعماري، فكان على هذه النخبة "الوطنية" أن تقوم بدوريْن متناقضيْن في وقت واحد لتحافظ على مصالحها: كان يجب عليها أن تثبت للمحتل أنها الأقدر على تهدئة الوضع والسيطرة على الشعب، في الوقت الذي تثبت فيه للشعب أنها الأقدر على استخلاص حقوقه وتحريره بما لديها من المهارة والكفاءة والسياسة والكياسة!

طبعا، فشلت النخبة في مهمتها، وعادت فوائدها على الاحتلال وحده، وخسر الشعب الفرص الكثيرة جراء ثقته في هذه النخبة، واستطاعت النخبة أن تحافظ على مصالحها الضيقة: النفوذ والأموال والجاه والمركز الاجتماعي!

ومن قرأ روايات نجيب محفوظ عن مصر ما قبل يوليو 1952، فسيجد تكرارا لهذا المعنى: إن حزب الوفد لا هو يستطيع الحصول على الاستقلال، ولا هو يترك الطريق لغيره ليحاول. هذا المعنى كان يتردد دائما على ألسنة الوطنيين من حركات الإخوان ومصر الفتاة والشيوعيين.

وهذا نفسه نفسه، هو حال الإخوان اليوم، الجماعة التي تعجز عن فعل شيء، ولكن الأنظمة تبقيها حية لتستفيد بها، بل تأتي بها في لحظة الأزمة لتمارس الهدوء.. هل تصدق عزيزي القارئ أن الإنجليز فرضوا أن يتولى حزب الوفد الحكم سنة 1942م، وحاصروا قصر الملك بالدبابات ليخضع لهم.. لماذا وهم في الظاهر أعداء؟.. الجواب: لأن الإنجليز في خضم الحرب العالمية الثانية كانوا يريدون الهدوء في مصر!

إن الاختراق الأمني للحركات ظاهرة لا شك فيها، ولم تخلُ حركة من اختراق ما، دفعت به ثمنا عظيما وفادحا. ولن تجد حركة إلا وتتحدث عن الأخرى باعتبارها مخترقة أمنيا أو حتى باعتبارها صنيعة أمريكية، هكذا تقول كل جماعة عن الأخرى، دون أن يلتفت بعضهم لحركته وجماعته! لدى كل جماعة مجلد من أخبار الحكايات التي تدل على الاختراق الأمني للآخرين، ويتأول كل واحد منها لنفسه ما يتسرب عن التعاملات الأمنية لقيادته!

ولا يهمني الآن من يتأول لنفسه ولقيادته، فكلُّ واحدٍ سيقف أمام الله، لكن الذي يهمني الآن أنه من الواجب عليّ أن أحذر من اتباع هذه القيادات التي أقل أحوالها الغفلة، وهي ليست بريئة عن الخيانة، فإن لم يكونوا متواطئين عن قصد، فإنهم متورطين عن انخداع!

فكيف يرى المرء مثل هذا المشهد ثم يكون عليه أن يسكت لئلا ينزعج منه إخوانه؟!

لئن انزعجوا الآن ثم حمدوا هذا غدا، فهو خير من أن يحمدوا سكوتي الآن ثم يبغضوا ذلك غدا.. ولقد وجدت في هذه السنوات القليلة أن بعضهم كان يلوم ويعاتب بل يصرخ في وجهي أني لم أكن أبذل مزيدا من الجهد في التحذير من الانقلاب، هذا وقد بذلت آخر ما في طاقة كاتب لا يملك إلا قلمه ونصحه، وبعض هؤلاء الذين عاتبوني بعدها كانوا يشتمونني قبلها.. ولست الآن بغاضب.. ولكني أقول: إذا كان كلامي المزعج هذا لن يأتي بثمرته، بل سيأتيني بعداوة صديق، فعداوته اليوم ثم محبته غدا أحب إلي من محبته اليوم وعداوته غدا! وفي النهاية: فلو أنني أكتب لوجه أحد من الناس لكنت الآن في حال آخر! فأسأل الله أن يرزقنا العمل له والإخلاص له وحده وأن يميتنا على ذلك.

وليس شرطا أني أملك البديل، إن مجرد التحقق والتأكد من أن هذا الطريق لن يوصل إلى شيء يلزمني بنصيحة من أحب ألا يسيروا فيه، حتى لو كنت لا أملك البديل، أو لم يكن البديل قد ظهر بعد. وأنا حين أدعوا الله بإحسان دفن هذه الجماعة فهذا والله خير من أن تتورط الجماعة في العمل ضد الأمة وضد المسلمين وتختم مسيرتها بهذه الشنيعة الفاضحة!

لم يزل في الصدر كلام.. ولكن عسى ما مضى أن يكون كافيا!


الجمعة، أغسطس 05، 2022

ثلاث وقفات كبرى في ذكرى الهجرة

 

رغم شدة تعلق المسلمين بنبيهم ﷺ وحرصهم الشديد على تتبع سائر أموره، إلا أنهم حين اختاروا التأريخ لأنفسهم لم يختاروا تاريخ مولده ولا بعثته ولا وفاته، وإنما اختاروا تاريخ هجرته، ذلك أن الهجرة هي مولد الأمة، وهي انبعاث الأمة، وهذا هو التحقق العملي لرسالة نبينا ﷺ، فإنما وُلِد النبي وبُعث ليقيم الإسلام ويُخرج أمة ويؤسس دولة!

فالهجرة هي اللحظة العظمى في تاريخ الإسلام، فما قبلها هو خلاف ما بعدها، إنها لحظة الانتقال الكبير من الدعوة إلى الدولة، من الضعف إلى القوة، من الاضطهاد إلى التمكين.. ولولا الهجرة لما قامت دولة الإسلام ولا نهضت حضارته ولا أشرقت شمسه على العالمين!

الهجرة هي اللحظة التي تقف في حلوق العلمانيين لأنها تثبت أن الإسلام ليس مجرد دعوة وأن النبي ﷺ ليس مجرد داعية، بل الإسلام دولة والنبي زعيمها وقاضيها ومفتيها..

وبالهجرة يظهر أن النبي ﷺ ليس مجرد خطيب وإنما هو مقاتل ومُنَفِّذٌ للشريعة فهو يقيم الحدود ويطبق العقوبات ويفصل في المنازعات..

وبالهجرة يتجلى أن النبي ﷺ ليس مجرد صالح بل هو مصلح! وليس مجرد مصلح بالبيان والكتابة والفصاحة والنداء، بل هو مصلح بالعمل والتأسيس وإقامة السياسة والأمن والحرب والاقتصاد وسائر وجوه الحياة..

أليس مثيرا للتفكير وباعثا على التأمل أن أتباع النبي ﷺ انقسموا على ميزان الهجرة، فهؤلاء مهاجرون وهؤلاء أنصار! فالذين اتبعوه قبل الهجرة هم المهاجرون، والذين اتبعوه بعد الهجرة هم الأنصار! ولما تنافس الصحابة على سلمان الفارسي، وهو حالة ملتبسة من الهجرة والنصرة، قال المهاجرون: سلمان منا معشر المهاجرين، وقال الأنصار: سلمان منا معشر الأنصار. فإذا بالنبي يرفع سلمان فيقول: سلمان منا آل البيت!.. وتأمل في قوله ﷺ: "لولا الهجرة لكنتُ امرءا من الأنصار، ولو سلك الناس شِعْبًا وسلك الأنصار شِعْبا لسلكت شِعْبَ الأنصار"!

فتأمل كيف كانت الهجرة أمرا فاصلا تمايز به المسلمون في مقامات نصرة النبي ﷺ واتباعه!

الهجرة هي اللحظة التي إذا توقف أمامها المسلمون اليوم، وتأملوا في دروسها ومعانيها لظهر لهم أن كثيرا مما يفعلونه من سياساتهم في الدعوة والحركة إنما تحتاج إلى مراجعة!

وهذه ثلاثة حروف في دروس الهجرة، كلٌ منها يحتاج وقفة طويلة وتأملا كبيرا:

 

(1)

لا يقوم الإسلام بغير دولة وحُكْمٍ وسُلْطان، ولو كان الإسلام يقوم بغير هذا لما تكلف النبي أن يهاجر من بلده التي هي أحب بلاد الله إلى الله وإليه، ولا تكلف أن ينزع قوما من ديارهم وأهاليهم وعصبتهم، في ذلك الزمن الذي كانت عصبة المرء وقبيلته هي هويته وبلده وانتماؤه وحصنه ونصيره! فهجرة العربي في ذلك الزمن هي بمثابة تخلي المرء عن جنسيته وهويته وسائر ما يترتب على هذا التخلي، فيتحول إلى مطارَد منبوذ ومطلوب!

كان لا بد للإسلام من دولة يتحقق فيها واقعا على الأرض، ولولا هذه الدولة لكان الإسلام مجرد فلسفة ونظرية كالتي أخرجتها عقول الفلاسفة والمفكرين، ترقد على المكتبات ويلوكها الباحثون، ثم ينصرف كل واحدٍ منهم ليتعامل مع الواقع المفروض عليه.. ما كان الإسلام هكذا، بالهجرة قامت دولة الإسلام التي جعلته حقيقة في التاريخ، وقوة في الواقع، وصفحة لا يمكن إزالتها من سجلات البشرية!

وفي المدينة، أي في دولة الإسلام، نزلت التشريعات والأحكام ورأينا سيرة النبي ﷺ في السياسة والاجتماع والاقتصاد والعمران والأمن والحرب والتعامل مع الأقليات ومع مشكلات الفقر والجهل واللجوء والانقسامات الاجتماعية وقرب العهد بالجاهلية.. بغير الهجرة وإقامة الدولة ما كان كل هذا ليكون ولا ليُعرف، وإذا حذفنا هذا كله من الإسلام فلم يعد هو الإسلام الذي نزل من عند الله!

وأولى الناس بفهم ضرورة الدولة للدعوة هم المسلمون اليوم، أولئك الذين تحولوا بالفعل إلى أيتام على موائد الدول والقوى العظمى، منذ أن ضعفت خلافتهم ثم سقطت، فما من زمن هم أشد ضعفا وتفرقا فيه من هذا الزمن الذي هم فيه بلا دولة ولا خلافة.

إن الدولة هي أهم وسائل الإصلاح، وهي أيضا أهم وسائل الإفساد، وما من أصحاب دعوة ورسالة كانوا صادقين مع أنفسهم إلا وسعوا من فورهم إلى الحصول على الدولة والحكم والسلطان، فالناس على دين ملوكهم، وإذا فهم المسلمون هذا كانوا أشد بذلا واستعدادا وتضحية في سبيل استعادة الحكم والدولة والسلطان، فما من مفسدة في عالمنا اليوم إلا وللسلطة فيها النصيب الأكبر! ويكاد المسلمون إذا لم ينتبهوا لهذا أن يدخل عليهم الإلحاد والشذوذ في بيوتهم!

وأدلُّ دليلٍ على أهمية إقامة الدولة الإسلامية انتفاضةُ أعداء الإسلام ليحولوا دون قيامها، ومؤامرتهم المستمرة ألا يكون أبناء الإسلام في موقع الحكم والسلطة، إنها مسيرة ليس أولها مؤامرة القرشيين لقتل النبي ومطاردة المهاجرين ليحولوا دون هجرتهم، وليس آخرها صناعة المؤامرات وتدبير الانقلابات العسكرية ودعم المستبدين بل النزول بالجيوش –إن اقتضى الأمر- لمنع سقوط الأنظمة التي صنعوها على أعينهم!

 

(2)

هاجر المسلمون هجرتين: هجرة إلى الحبشة وهجرة إلى المدينة، فهجرة الحبشة هي فرارهم بالدين، وهجرة المدينة هي لإقامة الدين..

وهذا أعظم ما يشرح لنا معنى "الوطنية"، ومعنى الارتباط بالوطن، وهو يحدد لنا العلاقة بين الدين والوطن، وماذا لو تناقضا! ففي كلا الهجرتين كان الدين فوق الوطن!

في الهجرة إلى الحبشة كان المسلمون يفرُّون من وطنٍ لا يطيق دينهم، فيختارون أن يهجروا وطنهم وأهلهم إلى بلد غريب يستطيعون فيه أن يحافظوا على دينهم. وفي الهجرة إلى المدينة كان المسلمون يفرون من وطن لم يعد صالحا لأن يكون أرضا لدينهم فخرجوا إلى بلدٍ اختار أهله أن يكون عاصمة الإسلام.

وبعد استباب الأمور في المدينة قدم إليها المهاجرون إلى الحبشة، وقد قدموا إليها كأنهم يرجعون إلى بلدهم لا كأنهم يهاجرون مرتين!

وفي الحديث العظيم الذي يرويه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري عن عودة مهاجرة الحبشة إلى المدينة يظهر بقوة علوّ الدين وتفوقه على معنى الوطن! ففيه يقول عمر بن الخطاب لأسماء بنت عميس –وكانت من مهاجرة الحبشة- "سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم"، وتأمَّل هنا في استشعار عمر لشرف الهجرة، وشرف السبق إليها، فأجابته أسماء بنت عميس "كلا والله، كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم، وكنا في دار البُعداء البُغضاء بالحبشة، وذلك في الله وفي رسوله ﷺ.. ونحن كُنّا نُؤذَى ونُخاف"، فتأمل هنا في أنها وصفت أرض الحبشة بدار البعداء البغضاء مع أنها كانت آمنة فيها، وذلك أنهم كانوا يدينون بغير الإسلام، ومع أنهم كانوا في حماية ملكها إلا أن الأمر لا يخلو من بعض الأذى ومن الخوف والقلق أن يتغير عليهم الملك والناس! وهذا شعور يعرفه المهاجر جيدا في عصرنا هذا.

وحتى لما فُتِحت مكة ودخلها الإسلام، بقي النبي ﷺ وصحابته في المدينة، لقد صار وطن الإسلام هو وطنهم، وانبتّ ما كان بينهم وبين وطنهم الأول!

إدراك هذا الفارق بين الدين والوطن مهم غاية الأهمية، لأنه يرتب أولويات المسلم، وبه يفهم المسلم طبيعة انتمائه وولائه، وهو أشد أهمية في عصرنا هذا الذي يُراد فيه أن تكون "الوطنية" وثنا جديدا يُعبد من دون الله، ويعلو حتى على رابطة الدين. نحن الآن في عصر تُسبغ فيه معاني الفخامة والتقديس والتعظيم على الوطن والدستور والقانون والحدود والأمن القومي والمصلحة العليا للبلاد... إلى آخر هذه الطنطنات التي تحمل في طياتها أن الوطن أهم من الدين وفوق الدين! حتى إن البعض ليتخذ هذا الكلام مدخلا نحو التطبيع مع الصهاينة، وتبريرا لحصار وتجويع المسلمين، واعتذارا عن إهمال المسلمين وقضاياهم والوقوف إلى جانب أعدائهم وقاتليهم!

 

(3)

تثبت لنا الهجرة أيضا أن الإسلام دينٌ لا تطيق الجاهلية التعايش معه، مثلما لا يطيق هو التعايش مع الجاهلية أيضا؛ فأما أن الجاهلية لا تطيق التعايش مع الإسلام فهذا شأن المرحلة المكية كلها، وهو الذي انتهى إلى التدبير لقتل النبي ﷺ بعد سلسلة من محاولات التضييق والتعذيب والمساومات. وأما أن الإسلام لا يطيق التعايش مع الجاهلية فهذا شأن المرحلة المدينة، فمنذ اللحظة الأولى أسس النبي النظامَ الإسلامي في المدينة!

ها هنا وقفة مهمة، ومعنى من أخطر وأعظم المعاني التي يجب أن يستحضرها المسلم والعامل للإسلام..

لقد كان مجتمع المدينة ممزقا؛ فإن نظرت إليه من جانب الدين رأيت فيه مشركين ويهودا ومسلمين، وإن نظرت من جانب القبيلة رأيت فيه الأوس والخزرج وقبائل اليهود وأشتات جاءت مسلمة من سائر القبائل. وكان يعاني من مشكلات اقتصادية مزمنة فهو تحت السيطرة اليهودية الربوية وهم أهل السوق، وقد تدفقت عليه أعداد من المسلمين (اللاجئين) الذين يجب البحث لهم عن المأوى وسبل العيش. وكان يعاني من أزمة سياسية فأهل المدينة بعد حرب بعاث الكبيرة اصطلحوا على تولية عبد الله بن أبيّ بن سلول زعيما عليهم وكانوا يرتبون إجراءات التنصيب، ثم إن المدينة منذ الهجرة انفتحت عليها أزمة سياسية مع محيطها، بل مع عاصمة الجزيرة العربية وأهم مدنها: مكة والطائف!

بالرغم من كل هذه المشكلات الخطيرة والكبيرة إلا أن النبي لم يقبل أن ينزل المدينة داعية يطلب الحماية وحرية الدعوة، في ظل الرئيس التوافقي عبد الله بن أبي بن سلول، بل أسس النبي دولة الإسلام وكان هو رئيس الدولة وزعيمها ومرجعيتها التشريعية وسلطتها التنفيذية والقضائية كما قرّر ذلك في صحيفة المدينة. لم تحمله ﷺ هذه المشكلات على أن يفكر في تأجيل إقامة الدولة أو الاكتفاء بمجرد الدور الدعوي، فما لهذا كانت الهجرة إلى المدينة.. لقد كانت هجرة تأسيس الدولة ولم تكن هجرة فرار من الاضطهاد والأذى!

إن هذا المعنى إذا فقهه المسلمون اليوم عرفوا أنهم يخطئون خطأً فادحًا حين يزهدون في تأسيس الدولة، أو يبحثون عن رئيس توافقي، أو عن إجماع وطني، أو عن إرضاء لنفوذ إقليمي أو دولي. إن لحظة تأسيس الدولة هي لحظة يجب ألا تفلت أبدا، ومهما كان حجم التحديات والعوائق فيجب ألا يُنظر إليها باعتبارها معيقا عن اقتناص هذه اللحظة. ونحن في زماننا هذا وفي تجاربنا القريبة المعاصرة نرى إلى أين أوصلنا تقديم غير أبناء الإسلام بحثا عن توافق وطني أو إرضاء لرغبة أجنبية أو تجنبا لضرب التجربة! فما هي إلا أن ضُربت وعدنا كما بدأنا!

إن في الإسلام قوة عظيمة لحل المشكلات، ولا يزال المسلمون بحاجة إلى دراسة الإجراءات الأولى التي اتخذها النبي عقيب دخوله المدينة والتأمل فيها وكيف استطاعت حل هذه المشكلات، فالمسجد الذي يلتقي المسلمون فيه خمس مرات في اليوم الواحد هو أسرع السبل لتحقيق التماسك الاجتماعي بين أبناء القبائل المختلفة، والإخاء الذي ابتدعه النبي كان أفضل وسيلة عبر التاريخ لحل مشكلات اللاجئين، وهي المشكلات التي تعجز أمامها اليوم الدول الكبرى ذات الإمكانات الضخمة، وكتابة الصحيفة كانت خير طريقة لتحديد الحقوق والواجبات وتوزيع المهمات والمسؤوليات، وإنشاء السوق كان هو الإجراء الاقتصادي الذي حرر اقتصاد المدينة من سيطرة اليهود وأوجد فرص عمل للمهاجرين وخفف الضغط عن موارد الأنصار! والمقام لا يتسع للتفصيل، وفي هذا الشأن كلام طويل طويل.

والخلاصة أن لحظة الهجرة هي لحظة حافلة بالدروس والعبر التي نحتاجها في حياتنا المعاصرة، وقد اخترنا في هذا العدد أن نطوف حول الهجرة في ذكرى بداية العام الهجري الجديد، وسيرى القارئ كيف أن معايشة السيرة تنير أمام الأمة طريقها، بشرط أن تكون المعايشة حقيقية، وأن يكون التعامل مع السيرة تعامل التلاميذ مع أستاذهم، والأتباع مع قائدهم، لا أن تكون مجرد حكاية في مجلس يُتلى كأنما هو حديث الذكريات!

السيرة ليست مجرد ذكريات.. السيرة هنا، السيرة الآن!


نشر في مجلة أنصار النبي ﷺ - العدد 3

الثلاثاء، أغسطس 02، 2022

رشيد رضا: ملتقى الأبحر

 

لا عجب إن عُدَّت محاولة كتابة مقال عن رشيد رضا بمثابة انتحار؛ ذلك أن رشيد رضا إمام ضخم مجدد، وقد اقتطع لنفسه وبجهده مساحة إلى جوار الصحف والمؤسسات الثقافية التي ينهمر عليها الدعم الأجنبي[1]، وكاد لا يترك قضية تتعلق بحياة الأمة إلا تناولها[2]، ولا يُعرف في عصره أغزر منه إنتاجا[3]، ولا أوسع تنوعا؛ فلقد كتب في التفسير والحديث والتصوف والفقه والفكر والسياسة والتاريخ والتراجم والملل والأديان والسياسة الشرعية، وألَّف وحقَّق ونشر، وتعد مجلته المنار أوسع سجِلٍّ معروف لتاريخ عصرها! ولقد نظم الشعر ومدحه كبار الشعراء كالبارودي وحافظ[4]. وبهذه الغزارة والتنوع كان له فضلٌ على شيوخه في بيان كلامهم ودعمه بما لم يعرفوه من الأدلة[5]، وهذا فضلا عن كفاحه العملي، وبعضه كفاح سرِّيٌّ لا يُعرف حتى الآن[6]، فضلا عن العلني كعضويته في حزب اللامركزية (قبل 1914م)، ومشاركته في المفاوضات مع البريطانيين، ورئاسته المؤتمر السوري (1920م) ومشاركته في الوفد السوري الفلسطيني في جنيف (1921م)، وعضويته باللجنة السياسية في القاهرة إبان الثورة السورية (1925 و1926م) ومشاركته في مؤتمري مكة (1926م) والقدس (1931م)[7]، وهذا كله إضافة إلى أسفاره ومراسلاته للملوك ومواقفه معهم[8]، وإضافة إلى مساعيه الدعوية في تأسيس معهد الدعوة والإرشاد (1910م) لتخريج المتأهلين للدعوة إلى الإسلام وصدّ الشبهات عنه[9].

كذلك فإن تقييم الأعلام في عصر رشيد رضا –الذي سمَّاه العقاد بعصر بابل لكثرة ما انفجرت فيه الأفكار والاتجاهات، واضطربت فيه العقول والأحلام- أمرٌ جديرٌ بالمؤرخ المنصف أن يتورع فيه، فلقد كان ذلك العصر هو ذرورة التفوق الغربي وقلب المحنة الإسلامية، وقد سقط كثيرون في فخ الغالب وتبعوه منبهرين منسحقين أمام تفوقه، ولم يَخْلُ الذين ثبتوا وصمدوا معتزين بدينهم من تأثر بالغالب، وما عليهم في ذلك من لوم فإن المحنة شديدة، وكم صار الحليم فيها حيرانا!

فمن كان هكذا في جهده وفي عصره، فكيف يمكن اختزال شأنه في مقال؟!

لم يكن رشيد رضا أول من قدَّم الإجابة الإسلامية على سؤال النهضة، ساهم فيها من قبله الطهطاوي والتونسي والأفغاني وعبده، ولكنه فاق أولئك جميعا في غزارة إنتاجه وتوغله في التفاصيل واشتباكه مع الأحداث، أعانه على ذلك علمه الواسع بالشرع وبالواقع، ولم يكن لهم مثل علمه، ومَنْ كان كذلك كثر خصومه وكثرت المآخذ عليه!

لكن رشيدًا قام في تاريخ الفكر الإسلامي مقامًا عاليا، حتى ليجوز أن نسميه "ملتقى الأبحر"، فلقد اتفق على إمامته المدارس الإسلامية الثلاثة الكبرى التي تمايزت بعده: السلفية والإخوانية وما يسمى "مدرسة الإسلام الحضاري"، فرشيد رضا رائد نشر تراث الحنابلة لا سيما ابن تيمية وابن القيم والإشادة بهما[10]، وهو المناصر للحركة الوهابية وصاحب العلاقة الطيبة بالملك عبد العزيز آل سعود[11]، ومن مجلة المنار ومقالات رشيد رضا عرف الألباني علم الحديث[12] وهو الذي صار بعدئذ أشهر محدِّث في عصره وأوسعهم إنتاجا. وفي ذات الوقت فرشيد رضا أستاذ حسن البنا زعيم الإخوان المسلمين، وللبنا فيه ثناء كثير وتقدير جمّ[13]، بل حاول البنا إتمام إصدار المنار بعد وفاة رشيد رضا[14]، وحاول إتمام تفسير المنار من حيث توقف رشيد رضا[15]، فضلا عن ثناء طويل مستمر كثير على رشيد رضا من رموز الإخوان كالغزالي[16] والقرضاوي الذي ندر أن يذكره بغير لقب العلامة أو المجدد ونحوها، بل أفرد بعضهم عنه مؤلفاتٍ مثل محمد عمارة.

ومثلما التقى هؤلاء على تقديره وتوقيره، فقد التقى على بغضه والنفور منه: المحتلون والمتغربون والجامدون[17]، على تفاوتٍ بين الجميع في الباعث والغرض والدرجة. فقد كتب عنه مارك سايكس أنه "مسلم صعب، متعصب، لا يتساهل، يتوق لتحويل الإسلام إلى قوة سياسية في أوسع مجال ممكن. تعزى غطرسته الفكرية إلى الاعتقاد بأن بريطانيا العظمى تخشى الإسلام، وأن المسلمين يستطيعون أن يملوا على بريطانيا سياستها بلهجة تكاد تشبه لهجة الفاتحين"[18].

وقد التقى في رشيد رضا وفكره: العقلانية والسلفية والتصوف، والتقى فيه العلم والدعوة والعمل، والتقى فيه الزمن أيضا، فهو آخر المصلحين الكبار في زمن الخلافة، وأولهم في زمن سقوطها، ومهما أطلنا في شأن رسوخ قدمه وعبقريته، فإن "كل تفكير تاريخي هو حتما نسبي تابع لظروف زمان المفكر ومكانه، ذلك قانون الطبيعة البشرية الذي لا يفلت منه عبقري"[19]، فلا يمكن فهم أحد خارجَ زمنه، وزمان رشيد رضا كان يطرح السؤال الحارق العنيف المحمَّل بسطوة الغالب ومرارة المغلوب: ما سر قوتهم؟ وما سر ضعفنا؟

يمكن اختصار الإجابة التي قدمها الرواد الإسلاميون كالآتي: تقدم الغربيون لأنهم أخذوا بزمام العلم والنشاط وبما شاع في بلادهم من العدل ومحاسبة والملوك. وضعفنا بما شاع عندنا من الجهل والكسل والتفرق والظلم واستبداد الملوك. وهذه الأمراض هي نتيجة ابتعادنا عن الدين، فإن في الأخذ به نشر العدل ومحاسبة الملوك وبث النشاط وتحصيل العلوم. وأولئك الغربيون وإن كانوا متفوقين فإن تفوقهم ليس طبعا فيهم ولا هو مُحَرَّمٌ علينا، فقد كُنَّا أرفع منهم علما وقوة، ولئن كنا مضطرين الآن أن نتعلم منهم، فإنهم ما بلغوا هذا الذي بلغوا إلا بما تعلموه منا في زمن قريب، وإصلاح أحوالنا ليس عسيرا، وتحررنا ومقاومة استعمارهم ليس مستحيلا! ولكن دون ذلك عمل ضخم من التربية والتعليم ومكافحة الخرافة والتخلف والظلم والاستبداد، وذلك كله على قاعدة من الدين القويم، وأساس من الجامعة الإسلامية التي تنتظم فيها الأمة كلها.

وإذا كان رشيد رضا هو أوسع شارح لهذه الإجابة، لغزارة إنتاجه وتنوع مجالاته، فقد كان عليه أن يحدد: ما الذي يجب أن نحاربه في واقعنا؟ وما بذور الفساد التي أثمرت هذا الضعف في تاريخنا؟ وما الذي نستبقيه ونتمسك به من تراثنا؟ وما الذي ننفيه ونهجره منه؟ ثم ما الذي يجب أن نقتبسه من الغرب دون حرج؟ وما الذي يجب أن نحذر أن يتسرب إلينا منهم؟ وإذا عرفنا ذلك كله فكيف نحوِّل الفكرة إلى رجالٍ عاملين؟!

ومن هذا المنطلق، طفق رشيد رضا يكافح الاستعمار، فوقف مجاهدا بقلمه ولسانه ضد كل احتلال لبلاد المسلمين من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، لم يفرق بين استعمار إنجليزي أو فرنسي أو غيره[20]، واندفع بأقصى ما سمحت له الظروف في فضحه والتحريض عليه، وفي الهجوم على عملائه ووكلائه مثل الشريف حسين[21]، وفي نصرة كل حركة تحرر تكافح المحتل، ودافع عن الدولة العثمانية دفاعا عظيما[22]، وكتب في سبُل توطيد علاقتها مع الشعوب الإسلامية، فدعا إلى تعريب الدولة العثمانية ليحول دون تفككها عن طريق النعرات القومية[23]، ووقف مناصرا لها في كل حرب خاضتها داخلية أو خارجية.

وكذلك شنَّ رشيد رضا حملته المتواصلة على الظلم والاستبداد، وعلى الحكام والملوك الذين يضيعون الأمة، وأطال في التنظير والتوكيد على فداحة ما خسرته الأمة، حين لم تعد تملك محاسبة ملوكها وإصلاحهم وحتى عزلهم[24]. وتلك كانت إحدى المداخل التي أفضت به إلى إصلاح شأن العلم والعلماء، إذ يجب أن يكونوا قوّالين بالحق لا يخشون في الله لومة لائم، وشنَّ حملته على أولئك الملتصقين بالحُكَّام يبررون لهم ويزينون لهم أعمالهم[25]، وهاجم النظام الذي يجعل رواتب العلماء بأيدي السلطة والحكام[26]، وكم أشاد بأولئك العلماء الذين بذلوا في مكافحة الاستعمار والاستبداد وإن خالفوه في أمور كثيرة.

وأما شأن العلماء في أنفسهم، فقد احتفى رشيد رضا بكل من حرص منهم على الإصلاح ومحاربة الجهل والخرافة[27]، ومحاربة الجمود على التقليد الذي يعيق إنتاج الحلول الشرعية لنوازل العصر ومستجداته[28]، وهو ما يجعل الإسلام معطلًّا، ويجعل الأمة محتاجةً إلى الحلول الأجنبية التي تفرض نفسها بسطوة الاحتلال وعملائه المتغربين[29]. لذلك دعا رشيد رضا إلى تأليف كتاب فقهي شامل يجعل أدلة الكتاب والسنة نصب عينيه متحررا من قيد المذاهب ليكون أيسر في بيان محاسن الإسلام لغير المسلم، وأيسر في استخلاص أصول الشريعة من إضافات المذاهب ليتمّ للمجتهد في النوازل البناء عليها[30].

وأفضل مدخلٍ لفهم تأييد رشيد رضا للحركة الوهابية وأميرها عبد العزيز، هو أنها كانت تبدو كحركةِ تحررٍ ومواجهةٍ للجهلِ والخرافة، فهي تحارب الشريف حسين عميل الإنجليز وصنيعتهم، وتحارب ما يشيع من زيارة القبور والأضرحة والتماس النفع والضرّ من الموتى، وترجع إلى الإسلام الأصيل الذي لم تكدره فلسفات المتكلمين، ولا قيود المتأخرين[31].

وكذلك دعا رشيد رضا إلى الاستفادة مما لدى الغرب من محاسبة الملوك وتقييد سلطانهم[32]، ومن العلوم ونظم الإدارة والتزام النظام[33]، وإلى اجتذاب رؤوس أموالهم في الديار التي تعاني من التخلف، مشترطًا ألا يكون ذلك من وسائل تمكينهم ولا من مقدّمات احتلالهم، فثمة خيط دقيق وفارق يجب التمسك به، بين الحاجة إلى النهوض واستثمار ما لدى القوم من العلوم والأموال التي لا توجد عند غيرهم، وبين أن يكون ذلك مدخلا إلى السيطرة على البلاد، لا سيما الأرض المقدسة[34].

وأما كيف يتحول هذا كله إلى عمل، فإن هذا يستلزم تكوين عدد من الرجال على قاعدة روحية صوفية متينة[35] تكسبهم صلابة الأخلاق وتعصمهم من فتنة الدنيا والمناصب، وعلى قاعدة من العلم الشرعي الأصيل تمنحهم قوة النظر والاجتهاد وتعصمهم من الجمود والتقليد، فبهؤلاء يتمّ للأمم تحررها ثم نهضتها.

ولا تخلو الحركة الفوَّارة والإنتاج الغزير من أخطاء وهفوات، فمع كل ما بذله رشيد رضا من مجهود عظيم محمود، ومقاومة باسلة عزيزة، فلكل حكيم هفوة ولكل جواد كبوة، ولو أمعنا النظر في إخفاقاته الفكرية العلمية لوجدنا فيها أثر الثقافة الغالبة، ولو أمعنا النظر في إخفاقاته العملية السياسية لوجدنا فيها أثر اندفاعته وثورته الحركية.

فأما إخفاقاته الفكرية، فمنها أنه في خضم اندفاعته لمحاربة الخرافة والتكثر من المعجزات والكرامات، ومحاربته لإثبات أن الإسلام لا ينافي العلم ولا يواجهه، مال إلى تفسير المعجزات بما يُخضعها للتفسير العلمي، وردّ أحاديث صحيحة يخالف ظاهرها ما أثبته العلم حتى جرح في رواتها من الصحابة والتابعين بغير دليل[36]، وهو في خضم اندفاعته لمحاربته للاستبداد، وتحت ضغط العصر الديمقراطي المتألق، وصل إلى إدانة معاوية وكان له فيه كلام سيئ نسأل الله أن يغفره له، وغلبته العاطفة حتى أفقدته توازنه ورصانته العلمية المعهودة[37]. وهو في خضم محاولته الإصلاح وتثويره للفقه وتحت ضغط ثقافة المؤسسات والنظم مال إلى تقنين الشريعة وأبدى انزعاجه مما في كتب الفقه من مشكلات، وما هي بذلك إلا في عين المُحْرَج المنضغط المتحرق للإصلاح[38]. وهو في خضم محاربته للاستعمار وتأثره بالهوية الوطنية السائدة في عصره دعا أن لا يُطلق لفظ الكافر إلا على الملحد منكر الأديان لأن أهل الكتاب من شركاء الوطن يستاءون منه[39]! وآراء أخرى لا نطيل بذكرها، نرى عند التأمل أنها كانت نتيجة تفكيره تحت ضغط الواقع أكثر من كونها نتيجة بحث علمي محرر.

وأما إخفاقاته العملية الحركية، فمنها أنه في خضم اندفاعته لمحاربة الاستبداد عمل على إسقاط السلطان عبد الحميد[40] –الذي كان بالفعل مترددا وجامدا ومتميزا في إفلات الفرص، فبدا كأنما هو عقبة تعرقل إصلاح الدولة العثمانية- وأيد خلعه[41]، لكنه سرعان ما عاد ورفض وأدان الاتحاديين وسياستهم[42]، وكان موقفه طيبا مع الشريف حسين وحكومته ضد الاتحاديين حتى تحالفوا مع الإنجليز واستخدمهم الإنجليز كبديل مرشح لنقل الخلافة من العثمانيين إلى العرب فشدَّ النكير عليهم، وكذا كان يعلق آمالا على أتاتورك قبل أن يسقط الخلافة[43]، وانخدع زمنا بسعد زغلول فلما تبين له انحرافه وسوء طريقته أدانه وهاجمه[44]. ولا يمكن تحميل المسؤولية لرشيد رضا وحده، فإن انقلابات الأحداث والتحالفات والشخصيات ومواقفها مسؤولة عن هذا، ولا يمكن فهم موقف رشيد رضا وتحولاته إلا بفهم تفاصيل هذه التحولات.

ومما يدل على سموّ نفسه أن يوجد في كلامه ما يعترف به على نفسه بأثر الثقافة السائدة عليه، وأنه لا يمكن بيان الإسلام للخاضعين لها إلا بنوع من التقريب والتنزل[45].

وفي نهاية هذا المقال الذي طال رغم كل محاولات الاختصار، واكتفى بالإشارة عن ضرب المثال، لا يبقى إلا أن أقول: رحم الله الإمام المجدد الضخم الكبير محمد رشيد رضا، وعوضنا خيرا منه.


نشر في مجلة سبل، أغسطس 2022



[1] رشيد رضا، المنار والأزهر، ط1 (القاهرة: مطبعة المنار، 1352ه)، ص130؛ طه حسين، الأيام، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1994م)، 2/ 175، 176

[2] ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، ترجمة: كريم عزقول، (بيروت: دار النهار، 1962م)، ص284.

[3] رشيد رضا، المنار والأزهر، ص130؛ شكيب أرسلان، السيد رشيد رضا أو إخاء أربعين سنة، ط1 (دمشق: مطبعة ابن زيدون، 1937م)، ص162؛ أنور الجندي، أعلام وأصحاب أقلام، (القاهرة: نهضة مصر، د. ت) ص155، 156.

[4] رشيد رضا، المنار والأزهر، ص184.

[5] تفسير المنار، 8/196؛ الغزالي، الغزو الثقافي يمتد في فراغنا، (القاهرة: دار الشروق، 1997م)، ص 37.

[6] مجلة المنار، 14/43.

[7] ألبرت حوراني، الفكر العربي، ص 273، 274؛ وانظر: المنار والأزهر، ص194.

[8] مجلة المنار، 35/480 وما بعدها.

[9] رشيد رضا، المنار والأزهر، ص253، 163؛ توماس أرنولد، الدعوة إلى الإسلام، ترجمة: حسن إبراهيم حسن وآخران، (القاهرة: مكتبة النهضة الوطنية، 1980م)، ص479؛ ألبرت حوراني، الفكري العربي، ص273.

[10] تفسير المنار، 1/211؛ مجلة المنار، 33/670؛ المنار والأزهر، ص178، 179؛ وانظر: الغزالي، مستقبل الإسلام خارج أرضه، (القاهرة: دار الشروق، 1997م)، ص59.

[11] سجل رشيد رضا رأيه المفصل في الحركة الوهابية وفي ابن سعود في المنار، ثم أفردها في كتابه "الوهابيون والحجاز".

[12] محمد المجذوب، علماء ومفكرون عرفتهم، ط4 (الرياض: دار الشواف، 1992م)، 1/291.

[13] حسن البنا، مذكرات الدعوة والداعية، ط1 (الجيزة: مركز الإعلام العربي، 2011م)، ص70.

[14] أصدر البنا من المنار ستة أعداد في أربعة عشر شهرا ثم لم يستطع المواصلة لتشعب مسؤولياته. البنا، مذكرات الدعوة، ص317.

[15] الغزالي، علل وأدوية، ط3 (القاهرة: دار الشروق، 1997م)، ص91.

[16] محمد الغزالي، الحق المر: الجزء الخامس، ط5 (القاهرة: دار نهضة مصر، أغسطس 2005م)، ص4.

[17] رشيد رضا، المنار والأزهر، ص130.

[18] نجدة فتحي صفوت، الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية: نجد والحجاز، ط1 (بيروت: دار الساقي، 1996م)، 1/500، 501. باختصار.

[19] Arnold J. Toynbee, A Study of History, (London: Oxford University press, 1948), Vol. III, p. 476.

[20] شكيب أرسلان، السيد رشيد رضا، ص315.

[21] مجلة المنار، 24/441 وما بعدها، 25/257 وما بعدها.

[22] مجلة المنار، 1/441 وما بعدها، 22/522 وما بعدها، 24/257 وما بعدها.

[23] مجلة المنار، 6/433 وما بعدها؛ 12/501 وما بعدها.

[24] مجلة المنار، 2/515، 4/896، 5/157 وما بعدها؛ رشيد رضا، الخلافة، (القاهرة: الزهراء للإعلام العربي، 1994م)، ص77.

[25] مجلة المنار، 1/462 وما بعدها، 2/515، 22/522.

[26] تفسير المنار، 4/232؛ المنار والأزهر، ص س، 11.

[27] تاريخ الأستاذ الإمام، 1/129.

[28] مجلة المنار، 2/161 وما بعدها، 269؛ المنار والأزهر، ص176.

[29] مجلة المنار، 2/515.

[30] مجلة المنار، 10/233، 234؛ المنار والأزهر، ص177.

[31] مجلة المنار، 25/761 وما بعدها؛ 28/293 وما بعدها.

[32] رشيد رضا، الخلافة، ص147.

[33] مجلة المنار، 17/10.

[34] مجلة المنار، 14/715، 716.

[35] لرشيد رضا نشأة روحية متميزة، انظر: المنار والأزهر، ص133 وما بعدها؛ تاريخ الأستاذ الإمام، 1/126.

[36] وهذان أمران مشهوران كم أطنب الباحثون فيهما، وانتقده عليهما من بجَّلوه وعظّموه فضلا عمن أبغضوه، فلا نطيل بالإشارة إلى الأمثلة.

[37] رشيد رضا، الخلافة، ص145؛ وقارن به: ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، د. ت) 1/ 210 وما بعدها؛ جلال كشك، جهالات عصر التنوير، ط1 (القاهرة: مكتبة التراث الإسلامي، 1990 م)، ص103 وما بعدها.

[38] مجلة المنار، 7/212 وما بعدها، 10/233، 234. ورشيد رضا هو المصدر الوحيد لقصة الطهطاوي الذي خشي تكفير مشايخ الأزهر إذا قنن الشريعة، فكان هذا –بحسبه- سبب شيوع القانون الفرنسي. وعلى القصة ملاحظات ليس هنا موضع بيانها.

[39] مجلة المنار، 1/14.

[40] مجلة المنار، 14/43.

[41] مجلة المنار، 12/276 وما بعدها، 460 وما بعدها.

[42] مجلة المنار، 12/819 وما بعدها، 913 وما بعدها، 19/144 وما بعدها.

[43] شكيب أرسلان، السيد رشيد رضا، ص316 وما بعدها.

[44] قارن: مجلة المنار، 1/403؛ مجلة المنار، 22/525.

[45] تفسير المنار، 1/211؛ مجلة المنار، 33/670.