الأربعاء، أبريل 17، 2019

من الذي يُمَثِّل ثوراتنا؟


سرعان ما أفرزت الآلة الإعلامية صورة الفتاة السودانية التي تقف في الجمع تغني للثورة لتفرضها كرمز للثورة السودانية، بالأمس قرأنا في الأخبار أنها تزوجت من ضابط بالجيش السوداني، وهو ما دعا بعض الظرفاء للقول: قد الجيش سرق الثورة!!

لماذا كانت صورة الفتاة التي تغني من بين سائر الصور، وسائر التضحيات والدماء، هي التي تختارها الآلة الإعلامية لتكون رمزا للثورة؟! لماذا تكون عهد التميمي من بين سائر الفتيات في فلسطين الرمز المعبر عن المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني؟! ولماذا تكون توكل كرمان من بين سائر النساء في اليمن هي الرمز الذي يُرَوَّج له للثورة اليمنية وتمنح جائزة نوبل في لحظة دقيقة تساوي فيها الجائزة دفعة ترميز هائلة؟!

المسألة قديمة.. فقبل مائة عام من هذه اللحظة جرى اختزال ثورة الشعب المصري 1919 في مظاهرات النساء، ثم اختزال مظاهرات النساء في هدى شعراوي، حتى إن المؤرخ البريطاني المعاصر يوجين روجان حين تحدث عن ثورة 1919 في كتابه "العرب من الفتوحات العثمانية إلى الحاضر" عبر على كل ثورة 1919 في سطور معدودة لا قيمة لها، وجعل التركيز كله على سيرة هدى شعراوي وقصة "تحرير المرأة"!

السبب قالته ببساطة وتلقائية والدة عهد التميمي نفسها في مقطع فيديو شهير: "كل أولاد النبي صالح هما موجودين وبيواجهوا الاحتلال، يمكن عهد حظيت بكاميرا في لحظات، وبصراحة بصراحة بصراحة: عهد يمكن شكلها شوي هو اللي خلى العالم تتضامن معها، وهذا على فكرة شيء عنصري، لإنه كذا طفل فلسطيني في نفس منظر عهد، لم يُتَعامل معه هكذا. حتى في صحفية في هاآرتس مرة كتبت: ليش احنا تضامنا مع عهد التميمي، لما مرة كان بدهم يعتقلوني، اعتقلوني كانت تبكي، ليش احنا تضامنا معها، لإنه حسينا إنه هي بتشبهنا، فيمكن تضامن العالم معها أكثر لأنه هي بتشبه شبه أولادهم، ولكن كل أطفال فلسطين هما عهد التميمي".

في لحظة خروج عهد التميمي من باب السجن، كانت تخرج معها أسيرة أخرى لم يسمع بها أحد، تلك هي ياسمين أبو سرور.. لم تكن تشبههم.

إن موازين القوى السائدة في بلادنا تفرض –من بين ما تفرض علينا- رموزا لتفسير وتوصيف وتوظيف حركة الشعوب، وقد رأيت بنفسي في الثورة المصرية كيف أن الذين يبذلون دماءهم في الشوارع لا يستطيعون التعبير عما في أنفسهم، إنما يحتكر التعبير عنهم من امتلك مقعدا في الفضائيات، أو فتحت له السفارات والمؤتمرات الدولية أبوابها واختارتهم من بين حشود الشباب في الشوارع، وبطبيعة الحال: قد اختاروا من كان يشبههم!

في دراسة جويل بينين وزخاري لوكمان عن الحراك العمالي في ثورة 1919، ضمن كتاب "الشرق الأوسط الحديث" بإشراف المؤرخ الشهير ألبرت حوراني، تصريح بأن عصب الثورة كان في الأزهر حيث الشعب، وفي المنازل الفخمة لأعضاء الوفد، الأولون يحركون الشارع والآخرون يحتكرون تمثيله، وبينما الأولون يمثلون الهوية الإسلامية كان الآخرون يُوَظِّفون ويُوَصِّفون ويُفَسِّرون حركتهم ضمن هوية أخرى وطنية ليبرالية تعبر عنهم، إذ هم "البورجوازيون والزعماء الوطنيون الذين يحتذون مثال الأوروبيين"!

ولا تزال النخبة التي تحكم بلادنا حتى هذه اللحظة أقرب في أفكارها وقناعاتها ودراستها وتعليمها وملابسها وعاداتها إلى الأوروبيين منها إلى عموم الشعب، ولا تزال تمسك بمفاصل الإعلام والأموال، وتحتكر توصيف وتفسير حراك الشارع. بل إنه يقع منهم نفس الاشمئزاز والرفض والتأفف من حركة الجماهير العفوية التلقائية الثورية، يريدون ثورة نظيفة راقية أنيقة ملساء ناعمة –وهذه كبيضة الديك أو كالزئبق الأحمر، لم توجد من قبل- ويحسبون أن الخروج عن هذه الحدود إنما هو تعطيل لمسار الثورة وتشويه لها وإحراج لهم أمام الرأي العام العالمي.

ومن اللافت للنظر أن أكثر من ناقش مسألة ثورة 1919 من الباحثين الغربيين المهتمين بالتاريخ المصري أو بمعضلة الحداثة كان تفسيرهم لحراك الشعب أقوى وأنصف من توصيف النخبة المصرية في ذلك الوقت، يتحدث أولئك عن عنفوان الثورة وعبقريتها في قطع الطرق وأسلاك البرق والهاتف والسكة الحديد لتعطيل وصول الجنود الإنجليز إليهم أو استنزافا لممتلكات الإنجليز التي يمتصون بها أموال الناس، بينما يتحدث هؤلاء عن أن القائمين بهذا هم الزعانف والرعاع "والغوغاء وأبناء الدروب وأحلاس الأزقة وحثالة الناس". لم يكن عند الأولين العقدة النفسية والانهزام الحضاري الذي كان يسكن أبناء النخبة.

كان الاحتلال الإنجليزي منذ البداية قد قرر من أين تؤكل الكتف، أو بالأحرى: من أين تُحْكَم البلد، فمن قبل نزول الاحتلال الإنجليزي قرر أوكلاند كلفن أن يتصدى للثورة المصرية التي مثلها عرابي بهذه الطريقة: "لا أعتقد مطلقا أن مهمتي تتمثل في معارضة الحركة الشعبية وإنما تتمثل في توجيه هذه الحركة وإعطائها شكلا محددا"، ولما لم ينجح في هذا المسعى وكانت نخبة ثورة عرابي أصيلة نابعة من الشعب لا من طبقة الحكم الملتصقة بالنفوذ الأجنبي جاء الاحتلال بنفسه، لكن أول تقرير للحالة في القاهرة بعد الاحتلال حمل هذه العبارة للورد دوفرين: "لا يمكن المحافظة على النظام في القطر المصري إلا بتأديب أهله بواسطة أستاذ من الأجانب وبالسوط الوطني"، وبعد أكثر من ربع قرن كان اللورد كرومر –الذي تولى تنفيذ المهمة- يخرج من مصر تحت ضغط ثوري نفذه الحزب الوطني، لكنه قبل أن يخرج أقام له ستة من هذه "النخبة الجديدة" حفل توديع، فكان مما قال فيه: "إن المصريين عموما ناكرو جميل ما عدا البعض مثل مصطفى فهمي، بطرس غالي، سعد زغلول"!! والأخير صِهْر الأول، والأول من أعمدة الحكم "الوطني" التابع للإنجليز، والأخير هو الذي تصدر قيادة ثورة 1919 بعد تصفية قيادة الحزب الوطني بالنفي والاعتقال.

ومن يطالع مذكرات كرومر سيجد كلاما كثيرا مفيدا في مسألة النخبة التي تكونت في ظل الاحتلال ومَثَّلَت الأقلية التي تحكمت في البلاد والعباد، وجوهها محلية وقلوبها ومصالحها أجنبية، أو بعبارة كرومر نفسه: "النتيجة الطبيعية تمثلت في إنتاج طبقة من الأفراد، الكثيرون منهم عبارة عن مسلمين بعيدين عن الإسلام، وإن شئت فقل: أوروبيون تعوزهم القوة أو الحيوية".

كان سعد زغلول، كما وصفه الشيخ محمد رشيد رضا، قد "اشْتُهِر بالتساهل الديني بما لم يشتهر به غيره من الوزراء وكان هو الوزير الذي أدخل تعليم الدين المسيحي في مدارس الحكومة في عهد وزارته للمعارف فجاء بعمل لا نظير له في حكومة من حكومات أوربة نفسها دع غيرها، والقبط يعرفون ظاهره وباطنه، ويعتقدون أنه إذا تم الاستقلال لمصر على يده وكان صاحب النفوذ اللائق به في حكومتها المستقلة فإن حظهم منها سينيلهم ما لم ينالوا في عهد الاحتلال".. فهل كان هذا هو القائد الطبيعي لثورة المصريين؟!

في دراسته "الاتجاه الإسلامي في الثورة المصرية سنة 1919م" أورد المؤرخ زكريا سليمان بيومي خمسة أسباب أدت إلى صبغ الثورة بالصبغة العلمانية الليبرالية الوطنية (المضادة لمعنى الأمة والهوية الإسلامية) هي: الصحافة العلمانية التي احتكرت التوصيف والتعبير عن الثورة، هزيمة دولة الخلافة وانحسار فكرة الجامعة الإسلامية، تراجع المؤسسات التقليدية في مصر وفي مقدمتها الأزهر، غياب القيادات الأصيلة من رجال الحزب الوطني، دعم الاحتلال للتمثيل العلماني والقيادة المتمثلة بسعد زغلول لهذه الثورة.

السؤال هنا: كم سببا من هذه الخمسة لا يزال قائما في حاضرنا الآن؟!

إجابة هذا السؤال هي بداية طريق معرفة مصائر ثوراتنا المسروقة، التي وصفها أحد نخبة 1919 بقوله: كانت ثورة ضد الإنجليز يقودها بعض المتنورين، وثورة ضد الثروة يقودها الأشرار الفقراء!



الثلاثاء، أبريل 16، 2019

مذكرات الشيخ رفاعي طه (13) قصتي مع اليسار في الجامعة


مذكرات الشيخ رفاعي طه (13)

من مؤسسي الجماعة الإسلامية المصرية

قصتي مع اليسار في الجامعة

·        ذهبت لصديق يحضر الجن كي أقنع صديقي الملحد بعالم الغيب
·        كنت أعدّ مجلة حائط وحدي، ومن هنا استقطبني اليساريون
·        صديقي اليساري كان ينكر وجود الله ويأمل في دخول الجنة!!

سجلها عنه وحررها: محمد إلهامي

كان العمل العام عندي طبعا وجبلة، لم يعلمني إياه أحد ولم آخذه عن أحد سبقني، منذ نعومة أظافري وجدتني توّاقًا لخوض هذا الغمار العام، وهكذا كان حالي في المدرسة الابتدائسة والمدرسة الإعدادية والمدرسة الثانوية، لدي الجرأة لأبادر وأقول وجهة نظري، ولهذا لم يكن الاهتمام بالشأن العام أمرا غريبا علي في مرحلة الجامعة، لكنني كنت أبحث عن الباب، وعن الأصحاب، لقد كنت أبحث عمن أعمل معه، إلا أني لم أجد!

كانت الجامعة يومئذ تكاد تكون خالصة لليساريين، هم أصحاب النشاط والصوت العالي، وهم أصحاب العمل العام، فلم أجد مجالا للعمل مع آخرين، وبينما لا زلتُ جديدا في الجامعة ولم أتعرف جيدا على الوسط المحيط، قررتُ أن أنفذ مجلة حائط وحدي! لا أتذكر الآن ماذا كان اسمها لكن الذي يهمّ هو أنها كانت خارج سياق النشاط العام في الجامعة، ولم يساعدني فيها إلا بعض الشباب أو الزملاء العاديين ممن ليس لهم اتجاه سياسي، ولقد كنتُ حريصا أن تكون هذه المجلة شهرية وأحيانا نصف شهرية. كنتُ خطاطا جميل الخط، كما كنت ذا قراءة ونظر فكنت صاحب المجلة مادة وتصميما، وربما جمعت لها المقالات وربما شاركني شابٌ في عدد منها.

من هاهنا لفتُّ أنظار الذين كانوا يُعَلِّقون مجلات الحائط، أنا أُعَلِّق مجلتي الوحيدة وهم يعلقون أربعا أو خمسا، ومعهم من يتولى شرح ما في مجلاتهم وترويج فكرها بين الطلاب القارئين، وأنا وحدي لسان مجلتي وشارحها، ومن هاهنا كانت بداية التعارف!

-      من أنت؟
-      رفاعي طه

وبعد التعارف سألني:
-      لماذا لا تعمل معنا؟
-      من أنتم؟
-      نحن طلاب، ونحن معارضون للنظام.

ثم أخذ يتحدث عن توجهاته، أنا أسأل وهو يجيب، ثم قال:
-      يمكنك أن تعمل معنا بدلا من عملك منفردا، ويمكن لك أن تكتب في مجلاتنا
-      موافق.

كانت مجلتي ذات نفس سياسي ولكنها ليست متخصصة في السياسة، ولا كان لها ذات السقف العالي المعارض المعروف لليساريين، كانت متنفسي ونشاطي، فكنت أكتب فيها ما يعنّ لي في السياسة أو في غيرها، أعبر فيها عن نفسي ورأيي أولا وأخيرا، كما يتضح فيها النفس الديني الواضح، لتديني الشخصي، ولما تكوَّن لدي في فترات حياتي السابقة.

عرفت فيما بعد أن محدثي هذا لم يكن يساريا فحسب، بل كان شيوعيا أيضا! وعرفت أن هذه المجموعة التي كان يحدثني عنها هي التي نعرفها باسم "مجموعة العمال المصريين" وهم مجموعة شيوعية، تابعة لحزب "العمال المصريين الشيوعي"، فسألته:

-      أنتم طلاب، فلماذا تسمون أنفسكم بالعمال؟
-      نحن امتداد لحزب العمال المصريين
-      وما هي أنشطتكم؟
-      هذا الذي تراه، البلد كما ترى ينتشر فيها الظلم والاستبداد ونحن ضد الظلم والاستبداد، وهؤلاء كما ترى تقاسموا البلد وقَسَّموا الأمة وأفقروا الشعب، وهذا الظلم الاجتماعي الذي لا بد أن نستبدل به العدالة الاجتماعية.
-      هذا شيء حسن، ولا خلاف عليه، ولا يسعني إلا أن أشارككم فيه.

في هذا الوقت لم أكن أستعمل لفظ "العدالة الاجتماعية"، ربما تكلمنا عن تقاسم الثروة وتوزيع الثروة ونحو ذلك، وأن الناس سواسية، وأن الله عز وجل خلقهم كأسنان المشط، ونحو هذا من المقولات، وكان هذا القدر المتفق عليه بيننا هو القدر الذي نتعاون فيه.

مع مرور الأيام بدأت أنتبه إلى أن هؤلاء الشباب ليسوا متدينين، وفي ذلك الوقت كانت الجامعات المصرية تشهد قدرا هائلا من الانحلال الأخلاقي، كانت مصر كلها لا تزال في سطوة الأفكار الشيوعية واليسارية التي هي ضد الدين أساسا، ولعل تسعين بالمائة من شباب ذلك الوقت لم يكن متدينا أصلا، وينتشر بينهم الزنا والمخدرات، والحمد لله الذي عصمني وكرَّه إلي هذه الأشياء، فلم أقترف بحمد الله شيئا من هذا.

كان الزنا في ذلك الوقت أسهل منه الآن في الجامعات، بل ولم يكن عيبا لدى العديد من الشرائح، وكانت العلاقة بين الفتاة وزميلها في الحزب تشهد من التبسط والانفتاح ما يجعل ممارستهما الزنا أمرا طبيعيا باعتبارهما زملاء في الحزب أو في الفكرة، ولا بأس أن يسافر معها وتسافر معه، ولقد كان اغتراب البنات في دراستهن الجامعية مما يتيح لهن حرية واسعة وكنَّ يستغللن ذلك أسوأ استغلال أحيانا! فذلك الأب الذي أرسل ابنته للجامعة لا يتاح له شيء من الرقابة عليها.

ومهما قيل في الرقابة التي تفرضها إدارة المدن الجامعية إلا أنها في النهاية يمكن التنصل منها والالتفاف عليها، فهذه التي ستسافر –مثلا- في رحلة جامعية، لن تملك إدارة المدينة لها شيئا وليس بيدها أن تمنعها، أو حتى يمكن للفتاة أن تقول بأنها عائدة لبيتها فيما هي تنوي شيئا آخر، غاية ما في شأن الرقابة بمساكن المدينة الجامعية هو ضبط وقت الدخول مساءا، لكن أين كانت الفتاة طوال النهار؟ فهذا ما لا يتدخل فيه أحد.

كان الشباب في تلك الفترة على هذا النحو من الانحلال الذي رسَّخت له دولة عبد الناصر: ثقافتها وإعلامها وأفلامها ونخبتها الاجتماعية، لكن الشاهد هنا أن هؤلاء الشباب لم يكونوا متدينين لا بمعنى أنهم غير ملتزمين بالدين كسائر الشباب، لقد اكتشفت أن انحلالهم هذا هو علامة على الكفر! إنهم ليسوا شبابا تغلبه شهوته أو يساير التيار مع علمه بأن هذا حرامٌ دينيا أو لا يصح أخلاقيا أو لا يُقبل اجتماعيا.. لا! هؤلاء في هذا الحزب كانوا غير متدينين بمعنى أنهم لا يؤمنون بالدين أصلا!!

عرفت هذا يوم دخلت نقاشا مع أحدهم، كان اسمه سعيد، فقال لي: ليس الخلاف بيننا كبيرا يا رفاعي، أنت عندنا ممن نسميهم "المثاليين"، ثمة مثاليون وغير مثاليين (كان يُطلق على غير المثاليين اسما آخر ذهب عني الآن)، ومن ثَمَّ فليست لدينا مشكلة معك.

تطرق الحوار بيننا حتى وصلنا لقضية الإله: هل هو موجود أو غير موجود؟ فقلت له: هذه قضية لا يمكن أن أتشكك فيها، فقال: إنما ذلك لأنك لا زلت محصورا في اعتقاد قديم مسيطرٍ عليك، وهو اعتقاد لا تملك عليه دليلا، ما الذي يجعلك ترى الإله حقيقة؟!

قلت: بالعكس، كيف تثبت أنت أن الإله غير موجود؟ فإن كل ما حولنا يثبت وجوده، مجرد وجودنا هنا وكلامنا الآن معا دليل على وجوده، إننا ننطق ونتكلم ونرى، وغدا سنموت.. ما معنى هذا كله؟ معناه البسيط المباشر أن ثمة قوة أكبر منا موجودة وقائمة هي التي مَكَّنَتْنا من النطق والرؤية وهي التي تميتنا.. أنت، ماذا تسمي هذه القوة الكبرى؟ هيا.. ضع لها اسما!

قال: إنها الطبيعة، تنتج كل هذا و... و... إلخ هذا الحديث الذي كانوا يحفظونه ويُحَفِّظونه لأنفسهم.

قلت: الطبيعة لا يمكن أن تخلق كائنات حية بهذه الكثافة الموجودة في كل مكان. لكني دعني أُسَلِّم لك أنه لا إله، ولا آخرة، ولا جنة ولا نار ولا شيء على الإطلاق.. هب أننا متنا الآن أنا وأنت ثم صحونا يوم القيامة فاكتشفنا أنها قيامة وأن ثمة جنة وثمة نار، ماذا ستفعل حينئذ؟!

قال: لن أفعل شيئا، ولم قد يُدخلني النار؟ ألست تقول بأن ربنا عادل؟ لئن كان عادلا فسيدخلني الجنة!

أجبته مندهشا: حقا؟!!!

ربما لن يصدق القارئ مثل هذا الحوار، إلا أنه كان يجري فعلا على هذه الطريقة، كان يظن أنه يستحق الجنة طالما أنه لم يفعل شيئا يؤذي البشرية! يقول: منذ أن عرفت نفسي لم أؤذِ البشرية، وعليه فيجب أن يدخلني الجنة.

قلت له: كيف هذا؟! إنني الآن لو سببتك مرتين أو ثلاثة فسيثير هذا غضبك وربما لم تتحمل فعاجلتني بالضرب والعراك، فما بالك وأنت تشتم الذات الإلهية، تقول: ليس إلها، وليس موجودا، وليس يدبر الكون.. كيف تريد بعد هذا ألا يدخلك النار؟! هل بعد هذه النار من عدل؟! لئن كنتَ تقول بأن الله عادل فأبسط مقتضيات العدل أنه يُدخل الصالح الجنة ويُدخل الطالح النار، أما إن كان الصالح والطالح يدخلان الجنة أو يدخلان النار فليس من عدل هنا على الإطلاق! هذا أمر ضد العدل نفسه!

انتهى هذا الحوار عند هذه النقطة.

كانت حواراتنا تسير على هذا النمط الذي نجتهد فيه في هذه المرحلة المبكرة، لكن أبرز مظاهر الخلاف كانت تتجلى في المسائل الأخلاقية. وبقيت معهم هذه السنة الأولى ثم الثانية من كلية التجارة.

مما أتذكره أيضا حوارا آخر مع أحدهم، واسمه جمعة، وكنا نتكلم ذات يوم عن الجن والملائكة والغيبيات والسحر، ونحو هذه الأمور، ولم يكن هو مؤمنا بأيٍّ من هذه الغيبيات، قلت له:

-      ألست لا تؤمن بهذه الأشياء: السحر والجن والملائكة لأنها غيبيات؟
-      بلى
-      فهل إذا ثبت لك شيء منها، هل تؤمن بالبقية؟!
-      نعم!
-      حسنا، لن أستطيع أن أثبت لك الجن والملائكة، لكني أستطيع أن أثبت لك وجود السحر، ولي عليك أنه إذا ثبت هذا أن تؤمن بالجن والملائكة وعالم الغيب.. اتفقنا؟
-      اتفقنا.

تركته ومضيت إلى رجل أعرفه كان يتعامل مع الجن، وذكرت له أن صديقا لي يقول كذا وكذا، وطلبت منه أن يدبر شيئا ما، أيَّ شيء، يخرج من بعدها صاحبنا هذا وقد آمن. وافق وقال:

-      انتظروني يوم الثلاثاء القادم، سآتيكم.
-      ماذا ستفعل؟
-      لا تشغل بالك
-      لا.. لا أدخل في رهان خاسر، يجب أن تخبرني ماذا ستفعل؟
-      سأجعله يضع يده اليسرى على فخذه الأيسر، ثم أقرأ بعض التعاويذ، وسترتفع يده غصبا عنه.
-      وماذا إذا قاوم؟
-      لن يستطيع.. ولو قاوم فستُكْسَر يده!
-      متأكد؟
-      متأكد.. ما رأيك أن تجرب؟
-      (في خوف ورهبة) لا.. لا أجرب، أنا مؤمن والحمد لله!

مع أني لا أؤمن بخرافاتهم هذه إلا أني وجدت فيه وسيلة لكي آخذ صديقنا جمعة إلى الإيمان بالغيب، وكان صاحبنا صاحب التعاويذ هذا اسمه عبد السلام، وحضر إلينا حسب الاتفاق. وعبد السلام هذا –بالمناسبة- لم يكن متدينا، ولكي نعرف مقياس التدين فأنا كنت أصلي وأصوم فحسب ومع هذا كنت متدينا بمقاييس هذا العصر!

جاء عبد السلام وجاء جمعة، وضع يده على فخذه، وقال له: إذا شعرتَ أن يدك ترتفع فلا تقاوم حتى لا تتضرر، وبينما جمعة يضع يده ويراقب ألا ترتفع فعبد السلام يقرأ تعاويذه وينظر بقوة إلى عينيه، ثم يقول له: لا تقاوم.. قد أخبرتك ألا تقاوم، لا تحاول..

في النهاية ارتفعت يده فعلا..

هل كان هذا نوع من التأثير النفسي؟ أم نوع من تسخير الجن.. لا أعلم!

المهم أني كسبت الرهان، وهتفت في جمعة: ها؟ آمنت بالملائكة والجنة والنار أم ماذا؟!

تمتم وتلعثم ولم يحر جوابا: لأ.. هو.. أكيد أنتم... لأ.. لأ، يجب أن أتكلم مع آخرين. ثم لم يؤمن!!

هكذا كان الحال مع التيار اليساري في ذلك الوقت.. ثم نترك الحديث عن الجماعات الدينية إلى اللقاء القادم إن شاء الله.

الخميس، أبريل 11، 2019

ويسألونك عن الجيش الوطني والدولة الوطنية


حاول الإخوان في مصر بعد نجاحهم في برلمان ما بعد الثورة ضمن خططهم الإصلاحية أن يتعرفوا على الخريطة الاقتصادية لمصر، بحيث تكون البداية لرسم السياسات الاقتصادية فيما بعد وحجر الأساس في اتخاذ القرارات. نظَّمَ أحدهم –كما أخبرني هو بنفسه- اجتماعا دعا فيه عددا من الوزراء السابقين والخبراء وأساتذة الجامعة والنافذين، ثم فوجئ هو نفسه أن البلد ليست فيها خريطة اقتصادية، وقال له وزير سابق: "أنت تحاول فعل شيء لم يحدث من قبل، كان مبارك يحكم البلد بطريقة أن الوزارات هي دوائر فساد خاصة يمكن للوزير وفريقه أن يستفيدوا منها، لكن السياسات العامة لا تؤخذ في الوزارة ولا مجلس الوزراء وإنما تأتينا بها تعليمات رئاسية ولا نعرف على وجه التحديد لماذا اتخذ هذا القرار ولا ما هي تأثيراته وأبعاده".

بعد هذا الاجتماع بشهور، والكلام لا يزال للقيادي الذي حدثني بهذا، فوجئ بطلب من رجال أعمال في دولة إسلامية يريدون الاستثمار في قطاع المحاجر لأنهم يعملون في صناعات الرخام، فسألهم: وكيف عرفتم أن محاجر مصر فيها هذه الأنواع التي تعملون فيها؟ قالوا: اشترينا المعلومات من مؤسسة أمريكية (تتاجر بالمعلومات)! (انتهى النقل عن القيادي الإخواني).

وكانت الخلاصة أن المؤسسات الأمريكية التي تتاجر بالمعلومات وتبيعها لديها خريطة مصر الاقتصادية التي ليست موجودة في الوزارات المصرية نفسها. وأن طبيعة الحكم في مصر كالصندوق الأسود لا يُعرف من يديره ولا من يتخذ قراراته.

في سياق آخر، كان نموذج الجزائر هو النموذج المثالي الذي ندلل به على أن نظام الحكم في بلادنا العربية صندوق أسود مجهول، ذلك أن الجميع يعرفون أن بوتفليقة لا تسمح له صحته أن يحكم، إذن فمن الذي يحكم؟ هنا تختلف وتضطرب الإجابات.. فبعضهم يُسَمِّي الحاكمين ترجيحا وتوقعا وظنونا، وبعضهم يعترف بأن الإجابة مجهولة، وبعضهم يتوقع أن الذين يحكمون هم مجموعة وليس واحدا، ثم يقع الخلاف في تسمية هذه المجموعة بطبيعة الحال.

وهكذا، كان الشعب يعرف بنفسه أن رئيسه لا يحكم ولكنه لا يعرف من يحكم.. والجميع يعرفون أن فرنسا وأمريكا يعرفون جيدا من يحكم!.. تلك هي الصورة النموذجية لحالة معاصرة من الاحتلال بالوكالة التي تمثلها الدولة العربية المعاصرة.

الغريب المثير للدهشة وللخوف أيضا أن لحظة الثورة المصرية وما بعدها –وهو ما يتكرر الآن بحذافيره في الحالة الجزائرية- تحفل بالعارفين الذين يزعمون قدرتهم على رسم المشهد السياسي وتحديد مواقع أطرافه وأجنحته وتصور النزاعات التي بينهم، وأخطر هؤلاء من تنتهي خلاصاته إلى الثقة بالجيوش أو بالأجهزة الأمنية باعتبارها أجهزة وطنية، هؤلاء لا يخرج الظن فيهم عن احتمالين: أنهم أدعياء أو خبثاء.

من وجهة نظر علمية بحتة فالدولة العربية المعاصرة ليست دولة بالمعنى المفهوم في كتب العلوم السياسية، فهي ليست تعبيرا عن حقيقة طبيعية جغرافية ولا عن عرق ولا عن دين، ولا هي نتيجة صراع داخلي بين شعوب هذه المنطقة أسفر عن اتفاقية مثل وستفاليا الأوروبية التي رسمت دُوَلَها استنادا لتقاسيم قومية وجغرافية.. على العكس، دولنا المعاصرة هي خرائط رسمها الاحتلال الأجنبي بصراع النفوذ واتفاقيات التقسيم. ولذلك يُمكن أن توجد دولة لا تعبر حتى عن القبيلة بل القبيلة أوسع منها، كما توجد شعوب تتقسم بين دول مختلفة. ومن ثَمَّ فمحاولات تفسير سياسات الدولة العربية المعاصرة وفقا لما في كتب العلوم السياسية هي فاشلة بالضرورة لأن الحالة التي تعالجها هذه الكتب لم توجد في واقعنا.

ومن وجهة نظر سياسية بحتة فإن النظم التي تحكم هذه الدول لم تكن إفرازا لهذه المجتمعات، بل كانت من مخلفات الاحتلال الأجنبي أيضا، وأكثر الدول العربية المعاصرة تحكمها الأقليات، التي وصلت إلى هذه المواقع ضمن السياسة العامة للاحتلال بتمكين الأقليات، ولهذه فهي ليست تعبيرا صادقا عن هذه الشعوب ولا لها انتماء حقيقي لهذه الأمة. كما أنها محكومة باتفاقيات علنية وسرية تنظم التصرف في الموارد والثروات وتحتكر الخطوط العامة للسياسات. ومن ثَمَّ فتعريف "الدولة الفاشلة" أو الناجحة كما هو في كتب العلوم السياسية يعتبر تعريفا معكوسا في نموذجنا العربي المعاصر، ويمكن مراجعة هذه النقطة هنا.

ولهذا فإن الذي يبدو مُحَيِّرًا لأول وهلة يبدو طبيعيا جدا مع ملاحظة هذه الفروق، إذ أن اجتماع الدول العربية في اللغة والدين والثقافة والاتصال الجغرافي لم ينجح، كما هي طبيعة الأشياء، في صناعة أي نوع من التقارب فيما بينها، بل تأسست صيغ أصغر كالاتحاد المغاربي ومجلس دول التعاون الخليجي، ثم لم تفلح هذه الصيغ الأصغر أيضا في صناعة أي نوع من التكتل! وقد كان يُقال عن حق: الاجتماعات الوحيدة التي تنجح عربيا هي اجتماعات وزراء الداخلية. فإلى أي شيء يشير هذا؟!

يشير إلى حقيقة أن هذه الدول تعمل ضد الشعوب. وهذه الحقيقة هي التي تفسر سائر وجوه التعاون والتقارب بينها.
هل هذا اكتشاف جديد؟!

في الواقع: لا، هذا أمر ظاهر للكافَّة إلا لأولئك الذين يتعاطون مخدرات الإعلام الرسمي الحكومي، أو يقتصرون في فهمهم للواقع على النظريات الأكاديمية التي تشرح حالة الدولة في صيغتها التي انبثقت عن وستفاليا وتطورت أوروبيا، (ومن نافلة القول أن الثقافة التي نتعاطاها وندرسها هي بالضرورة غربية لأن الغرب هو الذي احتلنا والذي لا يزال غالبا علينا عسكريا، ومن ثَمَّ: ثقافيا). بل هو أمر يُصَرِّح به ساسة وباحثون غربيون وباحثون عرب أيضا، وإن كان العرب أقل بطبيعة الحال.

إن تكوين الدولة العربية المعاصرة هو في أساسها تكوين مُشَوَّه، بل ليس يُطلق عليها مصطلح الدولة القومية لأن العرب لا يتجمعون في دولة واحدة، بل هي دول شبه قومية (subnation) ولهذا ابْتُكِر لها مصطلح "الدولة الوطنية" وهو مُصطلح لا يعبر عن معنى أو عن انتماء، لأن كل أرض مهما صغرت يمكن تسميتها بالوطن.

ولذلك فإن التحدي العظيم القاهر أمام الشعوب الثائرة يتمثل في أن هذه الدولة المعاصرة أقرب لأن تكون إدارة استعمارية محروسة بحامية محلية تابعة للجيش الأجنبي، هذه هي الصورة التي يُفَسَّر بها سلوك الدولة المعاصرة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا. ومع أن هذه النُظُم قد مَزَّقت العقد الاجتماعي الذي صاحب تأسيسها (الأمن مقابل الحرية، أو بعض الثروة مقابل الحرية، أو بعض الدين مقابل الحرية... إلخ) إلا أن الشعوب لم تستطع بعد الخروج من سيطرتها، ذلك أن المعركة ليس مجرد معركة شعب ضد حاكم مستبد، بل هي معركة شعب ضد نظام قاهر متغول، ثم هي معركة شعب ضد الاحتلال الأجنبي الداعم له، فيجتمع فيها معنى الثورة السياسية والثورة الاجتماعية وحرب التحرير ضد المحتل.

حَفَّزَني إلى كتابة هذا كله دعوى تسري بين أهلنا في الجزائر عن الجيش الوطني الجزائري الذي أنشأته الثورة وليس الاحتلال الفرنسي، وعن الأجنحة الوطنية المخلصة التي تسعى الآن جاهدة للتخلص من رموز دولة بوتفليقة، وأن الجيش الجزائري ليس كالجيش المصري. والواقع أن هذا المشهد هو مشهد مصري خالص تكرر بالحرف قبل ثماني سنوات، فقد قيل عندنا:

- جيشنا ليس علمانيا ولا عقائديا كالجيش التركي
- جيشنا زاخر بالمتدينين لأنه من عموم الشعب (فالتجنيد إجباري) وليس مرتزقا كالجيش الأمريكي
- جيشنا لا تزال عقيدته القتالية ضد إسرائيل ولكنه كجيش محترف لا ينفذ انقلابات عسكرية ضد القيادة السياسية كما فعلت الجيوش التركية والباكستانية والسورية

بل المفارقة أنه قد قيل في جيشنا المصري ما يجعل الاطمئنان إليه أكثر من الاطمئنان إلى الجيش الجزائري، فقد قيل أيضا:

- جيشنا بناه المصريون بعد يوليو ولم تبنه فرنسا كالجيش الجزائري
- جيشنا لم يرتكب مذبحة ضد الشعب كما فعل الجيش الجزائري في التسعينات
- جيشنا يتكلم العربية لا الفرنسية، وثقافته عربية إسلامية لا فرنسية غربية كالجيش الجزائري

واستعمل كل طرف ما في جعبته من المعلومات والظنون والأوهام لتسويق وطنية الجيش وأن طنطاوي كان معارضا لمبارك، فلان يستخرج وثيقة من ويكي ليكس برفض طنطاوي لاقتراح أمريكي ما بشأن الحدود أو التسليح.. كتاب كان يسب الرئيس وكاد يُسحب من الأسواق لكن طنطاوي مرره.. بل قال أحد الثوريين المعروفين: طنطاوي قد يكون مؤمن آل فرعون.. حديث عن زوجة طنطاوي المحجبة.. حديث عن طنطاوي وحفاظه على الصلاة.. وهكذا!

كلام وحقائق وإشاعات وخليط من الحكايات عن طنطاوي وقيادة الجيش تصب كلها في أن الجيش وطني وأنه فقط كان ينتظر لحظة خروج الشعب ليتحرك.. كلام تدفعه الرغبة في الانتقال السلس للسلطة بلا تكاليف ولا صدام.. وتنتجه الحالة التي يبدو فيها العلمانيون (أنصار مبارك) ضد الجيش!

يجب ألا يغتر الجزائريون بالهجوم العلماني على الجيش الجزائري، فقد حدث هذا نفسه في مصر أيضا حتى ظن الإسلاميون أن قيادات الجيش متدينون ومخلصون، وكانت قيادات الجيش تدعم هذا التصور في اللقاءات الخاصة مع الإسلاميين وتشتكي من العلمانيين الذين يريدون تحويل مصر إلى ليبرالية لا أخلاقية! فيما نفس هذه القيادات تلبس الوجه الآخر في لقاءاتها بالعلمانيين وتحذرهم من صعود الإسلاميين الذين سيأتون للبلد بالخراب ويغرونهم بالضغط لتطويل الفترة الانتقالية تحت الحكم العسكري. لذلك كان العلمانيون في مصر يعيشون واحدة من أغرب التناقضات، فهم يهاجمون العسكر ويتهمونهم بصفقة سرية مع الإسلاميين لتسليمهم البلد، وفي نفس الوقت يطالبون بتطويل الفترة الانتقالية تحت حكم العسكر لأن الأحزاب "المدنية" غير مستعدة بعد!!!

لو أن قائد الجيش الحالي قضى سنينه الأخيرة في تصفية رجال فرنسا –كما يُسَوَّق الآن في الجزائر- لما بقي في موقعه، لأن فرنسا لم تكن لتقف متفرجة عليه، وهو يُصَفِّي نفوذها في أهم وأخطر مؤسسة حكم في النظام السياسي.

أعرف أن كثيرا مما قلته هذا معروف، ولكنها ذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين..

كما أعرف أن أهلنا في الجزائر يعرفون أكثر من هذا بكثير بكثير بكثير، ولكن التيار العام يجرف العارف، على نحو ما جرف دريد بن الصمة وهو ينصح قومه فخالفوه، ثم تابعهم، ثم قُتِلوا جميعا، فترك قبل مقتله بيته الخالد:

أمرتهمُ أمري بمُنْعَرَج اللِّوَى .. فلم يستبينوا النُّصح إلا ضحى الغد
فلما عصوني كنتُ منهم وقد أرى .. غوايتهم، أو أنني غير مهتدي
وهل أنا إلا من غُزَيَّة إن غوت .. غويتُ، وإن ترشد غزية أَرْشُدِ