الأربعاء، سبتمبر 05، 2018

العوائق الأربعة أمام عقل التحرر والمقاومة

نحن في صراع مع النظام العالمي الذي بناه الغرب، وهذا النظام أنتج أفكاره وقيمه ومعاييره وجعلها ثقافة عالمية غالبة، يرسخ لها بسلاحه ونفوذه السياسي كما يرسخ لها بقوته الإعلامية والفكرية، وبقدر ما تترسخ أفكاره بقدر ما يترسخ نفوذه وسلاحه، وبقدر ما يترسخ نفوذه وسلاحه بقدر ما تنتشر وتهيمن أفكاره.

والمحنة التي يعانيها الفكر الإسلامي منذ مائتي سنة (التي هي عمر التفوق الغربي وهيمنته على بلادنا) هي محنته مع هذه الثقافة الغربية الغالبة، وانقسام المدارس الفكرية الإسلامية هو في الواقع انقسامها في استجابتها لهذا التحدي، فهناك من سعى للتوفيق والمصالحة وهناك من سعى للرفض والمواجهة، وفي كلٍّ درجات ومنازل وأطياف من الثبات ومن الانحراف.

وإن أمر التحرر والمقاومة هو من صميم هذه المحنة العاتية.. فإن أقصى ما تريده الثقافة الغربية الغالبة أن يعتنقها أولئك المهزومون الضعفاء ليكونوا من أبنائها (أو بالأحرى: عبيدها)، ومن ثم فلن يفكروا في المقاومة أصلا بل سيعتبرون لحظة احتلالهم هي لحظة الفتح الغربي لبلادهم! كذلك فإن أقصى ما تريده الثقافة الإسلامية أن تعود الأمة إلى دينها الصافي الأول كما نزل على نبيها دون شوائب ودون تأثر بالمكونات الأجنبية الدخيلة التي جاءت من عصور التخلف والاحتلال..

لهذا كله فإن المقاومة والتحرر والثورة هي في النهاية علامة على مدى نجاح المعركة بين الثقافتين والحضارتين: الغالبة والمغلوبة، فما دامت الأمة تقاوم وتسعى للتحرر فهي لا تزال وفية لنفسها ودينها وتاريخها، أما حيث فقدت روح المقاومة والتحرر فإنها تعبر عن مرحلة احتضار مفزعة.

لكن الأمر ليس دائما بهذا الوضوح، ليس المشهد منقسما بين متغربين يمارسون الدعوة للحضارة الغربية وإسلاميين يمارسون الكفاح والمقاومة والتحرر، لقد وُلِد من رحم المدرسة الفكرية التي سعت للإصلاح وبفعل أزمنة الاستضعاف ظواهر من دعاة ومفكرين ونخبة محسوبة على المدرسة الإسلامية لكنها تعتنق أصول الحضارة الغربية، بل وتمارس ما ترى أنه "تجديد" في الفقه والتراث الإسلامي، وهي في صف الثورات عموما، وفي صف المعارضة للأنظمة الحاكمة، لكن البديل الذي تدعو إليه والمجتمع الذي تنشده هو صورة من البديل والمجتمع والنظام الغربي.

أولئك لا يرون مشكلة أمتنا في الاستضعاف والاحتلال وحكم العملاء بقدر ما يرونها في تراثنا الفقهي ومسيرتنا التاريخية وإنتاجنا الحضاري، وأشد ما يزعجهم ويسيطر على كتابتهم هي المسائل التي تمثل تناقضا بين الحضارتين كقضايا المرأة وأحكام الجهاد وأحكام أهل الذمة والحدود (وبالذات: حد الردة وحد الرجم)، ويرون أن أصل المشكلات إنما هي ما فعله معاوية، وبعضهم يمدها إلى الحسن بن علي باعتباره أول من تخلى عن الشرعية السياسية تحت وطأة الضرورة (رغم أن النبي مدح فعل الحسن!!)، وبعضهم يمدها إلى سقيفة بني ساعدة، وبعضهم انصب تجديده على الأصول يحاول تفكيك المناهج الإسلامية المستقرة التي اجتمع عليها العلماء في الاستنباط والتعامل مع النصوص، وبعضهم يجدد اللغة لتفكيك معاني ومفاهيم المصطلحات القرآنية والنبوية المستقرة ليُخرجها من دلالاتها التي استقر عليها فهم المسلمين وبُنيت عليها الأحكام، وبعضهم يحاول التفلت برفع راية المقاصد التي لا تستنبط من الأحكام بل تهدر الأحكام وتخرقها، فكأن المقاصد فوق الأحكام وليست ثمرة لها!

النقاش مع هؤلاء يطول في المجال الفكري، لأن لهم آثارا فكرية مريعة ومدمرة، وقد ذكرنا في مقال سابق كيف أن مهمتهم فاشلة، إلا أن الذي يهمنا الآن هو آثارهم المدمرة في باب المقاومة والتحرر والكفاح الذي تخوضه الأمة.
أولئك يجمع بينهم القول بأن الأمة ضلت في باب السياسة منذ معاوية أو منذ الحسن أو حتى منذ أبي بكر، وهم بهذا لا تفصلهم عن العلمانيين المتغربين سوى خطوة فكرية واحدة، كما لا تفصلهم عن الشيعة سوى نصف خطوة، فالعلمانيون يقولون ليس في الإسلام نظام سياسي وهؤلاء يقولون فيه نظام سياسي لكن لم يُطبَّق أبدا أو لم يُطبَّق سوى خمس عشرة سنة! والشيعة يقولون: كفر الصحابة وغيروا وبدلوا وأولئك يقولون: لم يكفروا ولكن غيروا وبدلوا وانتصرت عليهم شهوات النفس ومطامع الدنيا.. كذلك يجمع بينهم التعامل مع الديمقراطية والمنتج السياسي الغربي باعتباره أرقى ما توصلت إليه البشرية في تطورها، فهو إن لم يكن الحكمة التي علينا طلبها من أي أحد فهي على الأقل الحكمة التي فاتت صحابتنا وفقهاءنا وتراثنا وفارقت تاريخنا منذ بدأ وحتى الآن!!

وهذه النتيجة أفتك ما يصيب روح أمة وهي في مرحلة التحرر والكفاح والمقاومة، فليس يكافح إلا الذي ينطلق من إيمان جازم بأنه على حق وأنه يملك البديل الأحق لهذا الظلم الذي انطلق يواجهه، وحيث ليس لدينا نظام سياسي فإن غاية ما نفعله حتى لو انتصرنا أن نطبق النظام الغربي ونستورده. أي أن هذه المدرسة (وهي بالمناسبة أكثر المدارس "الإسلامية" تمتعا بالأموال والشهرة الإعلامية الآن) تضرب عقيدة المقاتل وثقته بنفسه ورؤيته لنفسه بأنه من خير أمة، ثم تأخذ به ليتلقى الدروس في مصانع الحكمة الغربية التي يواجهها!

والمشكلة أن بعضا من حركات التحرر والمقاومة تتأثر بإنتاج هذه المدرسة لما ترى من رموزها من المواقف الثورية والمعارضة للواقع الحاضر، وإني أشهد فيما أراه على الانترنت وفيما أراه من الواقع كثيرا من الطاقات التي تعطلت، وبعضهم وصل الحال به إلى أن ارتد أو ألحد أو تشكك، وكان في يوم ما من الطاقات الثائرة الباسلة التي كادت تفقد حياتها في مواطن ثورية. كذلك أشهد خطابات لجهات وكيانات محسوبة على الثورات قد فقدت روحها الإسلامية الثائرة والمعتزة وصارت تميل إلى اللغة السياسية التي تكثر فيها الاستدراكات والاحترازات.

وهذا ما يجعل الأمانة ثقيلة ثقيلة ثقيلة على من وهبهم الله شيئا في باب التفكير والتنظير ونشر الوعي لترشيد المقاومة، وفي محاولة مني لوضع خطة أمام هؤلاء الذين تحملوا هذه الأمانة للقيام بها في باب التحرر والمقاومة وجدت أن الأمر يتلخص في أربعة عوائق رئيسية:

الأولى: معرفة حكم الإسلام في المسألة مع التخلص التام من ضغط الواقع وسطوة الثقافة الغالبة.

الثانية: معرفة موقع هذا الحكم من المنظومة العامة للإسلام، وكيف سار تطبيقه في التاريخ الإسلامي، والمراحل التي مرَّ بها.

الثالثة: معرفة رؤية الحضارة الغربية لهذه المسألة نفسها في كتابات المنظرين والمفكرين والفلاسفة، وموقعها ضمن المنظومة الفكرية الغربية العامة.

الرابعة: معرفة التطبيق الغربي لهذه الفكرة في الواقع العملي، وهل جرى تطبيقها في نفس السياق الذي أراده الفلاسفة والمفكرون حين أنتجوها أم أن الفكرة المبهرة التي صيغت في الكتب لم يكن لها مجال واقعي، وظلت كاللعبة يُشار إليها للفت نظر الصبيان وتغرير المغفلين وإلهائهم؟!

إذا اكتملت في العقل هذه الأمور الأربعة اتضح طريق الهداية والنور لحركة المقاومة والتحرر أولا، ثم لسائر الحركة الفكرية التي تقاوم في ثغور الكتابة والتنظير والتفكير.

سنضرب هنا بعض الأمثلة لتوضيح الصورة، وسنختاره من أشهر الشبهات التي تروج في إنتاج هذه المدرسة، وسنختارها من الشبهات المتعلقة بالجهاد والمقاومة والثورة:

[1]

تُزَيَّن الديمقراطية الغربية باعتبارها النظام الذي منح الشعوب حقوق الاعتراض، ومنع السلطة من الظلم وغلَّ يدها عنه، في مقابل التراث الفقهي والنصوص التي شرعنت الظلم وشلَّت الأمة عن الاعتراض عليه، كما في الحديث "تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك".

لتفكيك هذه الفكرة ينبغي تجاوز العوائق الأربعة: فهم حكم الإسلام في هذه الطاعة للأمير الظالم، ثم فهم كيف جرى تطبيق هذا الأمر في تاريخ المسلمين، ثم البحث عن رأي الفكر الغربي في هذه الطاعة، ثم البحث عن التطبيق العملي لهذه الفكرة في التاريخ الغربي الحديث.

1. سنجد أولا أن علماء الحديث مختلفون في صحة هذه الزيادة "وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك" فبعضهم يقول هي صحيحة، وبعضهم يقول: هي ضعيفة لا يؤخذ بها. سنمضي الآن مع من قالوا إنها صحيحة، فسنجد الفقهاء مختلفين في تنزيلها على قولين؛ الأول: أن الحاكم إذا ضرب ظهرك في عقوبة شرعية كحد الجلد في السرقة أو في الخمر وإذا أخذ مالك شرعا كالزكاة فتلك من حقوقه التي لا يجوز لك أن تخرج عليه بسببها بل تظل على الطاعة والولاء واحترام النظام، والثاني: أن الحاكم إذا ظلمك فضرب ظهرك وأخذ مالك فلا ينبغي أن يثور بك الغضب فلا تقدر عواقب الخروج عليه، بل إن كانت المصلحة في الصبر واحتمال الأذى منه أكبر من المفسدة المترتبة على الثورة والخروج عليه فاحتسب ذلك عند الله واصبر.

 وهكذا نجد معنى السمع والطاعة للأمير الظالم في أدنى حالاته يساوي معنى احتمال الأذى الخاص رعاية للمصلحة العامة.

2. فإذا نظرنا إلى التاريخ الإسلامي، وكيف فهم المسلمون الأوائل هذا النص وعملوا به، وجدنا أنفسنا أمام طوفان من الثورات والتمردات، لا سيما في الصدر الأول، وهم خير القرون وهم كذلك أفقه الأمة، فلقد سعى الأكثرون في تغيير المنكر بالسيف وإن لم يتيقنوا من قدرتهم على تغييره، وأكثر الصحابة إما قاتل مع علي أو مع معاوية ومن اعتزل فإنما اعتزل لأنه لم يتبين له الحق، وسائر الأئمة الكبار تعرضوا لغضب السلاطين وكثير منهم أنشب ثورة أو شارك فيها أو حرض عليها أو أفتى بما يدعمها، وهذا أمر يطول استقصاؤه، حتى قال الشهرستاني بأن مسألة الإمامة (أي: أمر السياسة) هو أكثر ما سُلَّ فيه السيف في الإسلام. أي أنك أمام أمة ثائرة حتى إنه ليمكن تفسير الفقه المصلحي الداعي إلى السمع والطاعة في القرون المتأخرة بأنه رد فعل على نتائج الثورات التي لم ينجح أغلبها (كما هي سيرة كل ثورات البشر في كل تاريخ البشر) فكانوا أقرب إلى التهدئة، وهو ما يظهر في قول ابن حجر المشهور بأن الخروج "مذهب للسلف قديم".

والمعنى الذي نريد قوله هنا أن المسلمون لم يتحولوا بهذا النص إلى عبيد لمن حكمهم وتغلب عليهم، ولعل دولة الأمويين هي الدولة التي واجهت أكبر عدد من الثورات في تاريخ الإسلام، وهي أول دولة ظهر فيها الحاكم المتغلب (عبد الملك بن مروان)، برغم إنجازاتها هائلة في الفتوح ونشر الإسلام ووحدة الأمة من الصين حتى فرنسا.

3. فإذا حاولنا استطلاع وفهم هذه المسألة في الفكر القانوني الغربي، الذي يُعرض لنا كواحة للعدالة في مقابل تراثنا المظلم، وجدنا عجبا.. إن المدارس القانونية الغربية تُلْزِم بطاعة القوانين غير العادلة، لأن إتاحة الخروج عليها لكل من يرى أنها غير عادلة يساوي اختلال النظام واضطراب الدولة، أي أن الفكر القانوني الغربي يُنَظِّر ويُشَرْعِن لفكرة "تسمع وتطيع للنظام وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك". هذا فضلا عن أن أصل نظرية السيادة في الفكر الغربي إنما تؤول عمليا إلى مراكز القوى (أي: المتغلب) في لحظة كتابة الدستور، أي أن المتغلب القوي هو الذي يصنع نظرية السيادة أولا ثم يصوغها في دستور ثم تتفرع عنه القوانين، التي تكون كلها ملزمة للشعوب ولا يجوز لهم خرقها ولو كان رأيهم أنها غير عادلة.

ومن فضلك لا تنسى أن المتغلب في التاريخ الإسلامي لم يكن يستطيع أن يغير المرجعية العليا الحاكمة (القرآن والسنة) ولا كان يستطيع –ولو توفرت له القدرة- أن يتغول على المساحات المجتمعية التي يتولاها العلماء والأعيان وغيرهم، لأنها محروسة أيضا بنصوص مقدسة.

4. فإذا ذهبنا إلى متابعة الواقع الغربي في تطبيق هذه الفكرة، فسنجد أن التاريخ الغربي كان مخلصا في فرض القوانين بالقهر والقوة، وفي مقاتلة الخارجين عليها مهما كانت مبرراتهم أنها غير عادلة، بل ولما تغيرت الظروف وتغيرت هذه القوانين وحصل الاعتراف بأنها لم تكن عادلة لم يحصل ردُّ الاعتبار للقتلى ولا تعويض المضارين الذين ثاروا أساسا على هذه القوانين التي اتضح بالفعل أنها غير عادلة. (انظر تفصيل هذا في هذا المقال للشيخ الفذ الأسير: إبراهيم السكران، سجين آل سعود، فرج الله عنه.. ففيه طواف في المدارس القانونية والوقائع التاريخية الغربية).

وهكذا مع تفكيك هذه العوائق الأربعة نصل بوضوح إلى أن الديمقراطية المعاصرة لا تتميز لا من حيث النظر ولا من حيث التطبيق على الشريعة الإسلامية، بل هي أدنى وأحط، لأن المستقر عندها "الخضوع للنظام ولقوانينه غير العادلة" هو المختلف فيه لدى الفقهاء، بل هو مساوٍ لأدني تفسيرتهم للطاعة رعاية للمصلحة العامة.. فضلا عن أمور أخرى كثيرة.

[2]

تُعْرض الديمقراطية المعاصرة في ثوبها اللطيف المُزَيَّن باعتبارها النظام الذي أنتج تداولا سلميا للسلطة، يذهب رئيس ويأتي رئيس، في حين ارتكست مسيرتنا الحضارية منذ لحظة تنازل الحسن بن علي لمعاوية عن الخلافة رعاية لمصلحة الأمة ففرط بهذا في الحق الذي معه تحت وطأة الضرورة، وهو ما أدى إلى استمرار التوريث الذي لا زال ينكبنا حتى هذه اللحظة.

لنفكك هذا الكلام في ظل العوائق الأربعة التي ذكرناها:

1. فمن حيث حكم الإسلام فنحن أمام اتفاق معروف بأن منصب الإمامة منوط باختيار الأمة، فتركه النبي ولم يُسَمِّ من بعده خليفة لكي لا يكون نصب الخليفة نصا شرعيا، وهكذا قال أبو بكر في أول خطبته، وهكذا سار العمل في زمن الراشدين.. ومنتهى القول في هذه المسألة أن مسألة التوريث هذه لم يقبلها الصحابة وكبار التابعون في زمن معاوية إلا تحت وطأة الاضطرار والخوف من وقوع الفتنة إذ يتعذر جمع الناس على خليفة يرضون به جميعا، فسَلَّموا بأن تحكم العصبة الأقوى المؤهلة لقيادة الأمة، مع بقاء الحكم الشرعي نفسه واضحا يردده الفقهاء منذ وُجِدوا إلى زماننا هذا.

أي أن الإسلام لم يشرعن التوريث، لم يحض عليه، بل ولا يقبل به إلا في حالة الاضطرار والضرورة.. هذا من حيث حكم الإسلام نفسه.. وهذا في وقتٍ كانت كل أنظمة الدنيا ملكية وراثية من الصين حتى غرب أوروبا، فالإسلام لم يكن متأثرا بالواقع الأرضي بل كان متفوقا عليه ومبتكرا لنظام تختار فيه الأمة من يحكمها، وهي الفكرة التي كان مجرد طرحها في بلاط ملكي يثير الضحك ويلقي بصاحبها في الموت متهما بالجنون!!

أما من حيث أن التوريث هو سبب نكبة الأمة الآن، ففي هذا اختلاف شديد جدا، ولا يُسَلَّم بهذا القول، فالأمة عاشت حضارتها التي ازدهرت وكانت قوة عظمى عالمية ألف سنة في ظل الملك العضوض والتوريث، ككل أمم الدنيا شرقا وغربا وككل حضارات الدنيا التي ازدهرت في ظل النظام الملكي الوراثي. وقد احتلنا الغرب ونهبنا وقهرنا منذ كانوا في نظامهم الملكي الوراثي بداية من إسبانيا الكاثوليكية التي افتتحت عصر الكشوف الجغرافية. ثم إن أمتنا منكوبة الآن على يد الملوك والعسكر الجمهوريين معا، فالنكبة تعم من ورثوا أولادهم ومن لم يورثوا.

2. العائق الثاني: كيف سار هذا الوضع في التاريخ الإسلامي؟ والإجابة: سار مسيرة الأمر الواقع الذي يسوق إليه الاضطرار، والذي لا يلقى استسلاما من بقية الأمة، بل سيرة الثورات والتمردات مستمرة، مع بقاء الضمير العام متطلعا إلى نظام الخلافة الراشدة، ومع استمرار المحاولات بقدر ما أتاحت الظروف والإمكانات، ومن وقف بجانب الملوك إنما وقف بجانب استقرار النظام وتقديم مصلحة الأمة.

3. فما هو موقع موضوع التوريث من الفكر الغربي؟ والإجابة: أنه لم تخرج فكرة التمرد على النظام الملكي نفسه وصناعة النظام الجمهوري ليحكم دولا كبيرة إلا قبل قرون قليلة (قرنان أو ثلاثة أو أربعة على الأكثر)، وما قبل ذلك إنما كان الحكم الديمقراطي علامة على المدن الصغيرة سواء أكانت مدن اليونان قديما (والتي انتهت تحت جحافل الرومان) أو المدن الإيطالية في العصر الوسيط والتي انتهت أيضا تحت جحافل الملوك أو البابوات.. ولذلك ظلت فكرة الحكم الديمقراطي نفسها وإن نجحت في إدارة الشأن الداخلي إلا أنها عاجزة عن التوسع والتمدد والنجاح في دولة كبيرة بل وظلت عاجزة عن حماية نفسها من تغول الدول الكبيرة المجاورة. وهكذا ظل نظام التوريث الملكي هو النظام السائد في الفكر والتطبيق التاريخي في أوروبا إلى ما قبل عصر الثورات الجمهورية التي يؤرخ لها بالثورة الفرنسية (قبل حوالي قرنين فقط).

على أنه يُنازَع أيضا، وبقوة، في أن مسألة رفض الملكية والتوريث كانت تطورا فكريا وارتقاء غربيا في مدارج الإنسانية، بل الأمر مزيج من عوامل اقتصادية وسياسية ودينية صنعت شكل الدولة الحديثة ضد الكنيسة والملكية والإقطاع (هذا المقال مجرد مثال يثبت أن المسألة لم تكن أفكارا).

4. فما هو موقع موضوع التوريث من التطبيق الغربي؟ والإجابة: أن هذا أيضا موضع شك كبير، ففي كثير جدا من المؤلفات الغربية حديث متكرر عن أن الديمقراطية وتداول السلطة هو مجرد مسرحية تدور أمام الشعوب بينما تتحكم بها مراكز القوى الحقيقية والخفية.. تلك هي مراكز الأموال الضخمة التي تملك تمويل وتسيير وإنتاج وإخراج المسرحية السياسية، يستدلون على ذلك بكثير من الشواهد منها: أن السياسة فعليا لا تتغير مع تبدل الرؤساء إلا كما يغير أحدهم ثوبه، وأن العائلات الغنية الكبرى لا تزال هي التي تتوارث المال منذ أربعة قرون فكأنها هي العائلات الملكية التي فضَّلت ألا تكون في واجهة المسرح وقدَّمت بدلا منها عرائس تحركها من الخلف. وحركة الإنتاج الفكري التي تتحدث عن السيطرة المالية الاقتصادية على السياسة كلها –تقريبا، وفيما أعلم- تؤول إلى الحديث عن مراكز القوى الحقيقية الخفية وشبكات المصالح والسيطرة التي لا تتغير بالانتخابات، ولا تُستدعى أمام البرلمان، ولا تحاكمها وسائل الإعلام.. بل كل هذه الأمور إنما هي وسائلها التي تتحكم بها في المشهد.

إن الحديث أن الغرب بالديمقراطية المعاصرة تجاوز التوريث ووصل إلى تداول حقيقي للسلطة هو أمر مُتَنَازع فيه ومختلف فيه بقوة. وقد سجل صحافي أمريكي مشاهدات خطيرة في كتابه ذي العنوان الكاشف "أفضل ديمقراطية يستطيع المال شراؤها".

والمقصود من كل ما سبق: أن التوريث الذي يُعيروننا به لم يكن شرعا بل كان اضطرارا، وليس هو بنفسه سبب النكبة (إذ حضارات العالم القديم ازدهرت في ظل أنظمة ملكية وراثية)، كما أن الغرب لم يتخلص عمليا من التوريث، وهذا التداول في السلطة مشكوك في حقيقته من الغربيين أنفسهم.

[3]

وأختم بهذا المثال، ولن أطيل فيه فقد طال المقال:

يُعيّروننا بأحكام الجهاد التي فيها جهاد الطلب، ويرون أنه اعتداء وعدوان على الأمم الأخرى ولو كانت مسالمة، بينما جاء النظام العالمي بسيادة الدول ومنع الآخرين من التدخل في شؤونها.

1. فأما حكم الإسلام في المسألة نفسها فهو متعلق بمسألة "هل الأصل في العلاقة بين الدولة الإسلامية والدول الأخرى: السلم أم الحرب"، فالجمهور على أنه السلم وقال الشافعية بأنه الحرب، وفي المسألة تفاصيل كثيرة ليس هذا موضعها، لكنها جعلت بعض المعاصرين يجعلون المسألة على العكس فيقولون بأن الجمهور على أنها الحرب أو على أنها الدعوة.. ويُطلب الأمر في كتب الفقه لكن الذي نقصده الآن أن المسألة فيها خلاف بين الفقهاء.

ومنبع هذا الخلاف –فيما أرى- أن وقائع السيرة والتاريخ تحتمل الرأيين، فمن طبائع الواقع أن الباطل لا يطيق وجود حق إلى جواره، فسرعان ما تنشب بينهما المعركة.. ومن ثم فإن غزوات النبي وفتوحات الراشدين حين تُحلَّل فقيها فإنها لا تخلو من سبب عدائي من الطرف الآخر، ويأتي الخلاف من تقدير الفقهاء: هل لو لم يقع هذا السبب العدائي كانت ستتحرك الجيوش للغزو والفتح أم لا.

على كل حال هو نقاش نظري.. لكن المضمون العملي الكامن فيه هو: هل على الدولة الإسلامية مسؤولية أخلاقية لإنقاذ الشعوب الأخرى من الظلم والاضطهاد الواقع عليها من الأنظمة الباطشة؟ فيكون الفتح إنقاذا لها ولو لم يقع من هذا النظام الباطش بشعبه خطر على المسلمين والدولة الإسلامية؟

2. العائق الثاني: كيف جرى تطبيق هذا في تاريخ الإسلام؟ والإجابة: سبقت خلاصتها في السطور السابقة.. فقد توسعت دولة الإسلام توسعا كبيرا وغزت جيوشها أطراف الصين وحتى جنوب فرنسا، ووصلت إلى موسكو شمالا وإلى وسط إفريقيا جنوبا.. وكانت –كما نرى ونعتقد- أوسع عملية تحرير للشعوب في تاريخ البشر، ونحن الفاتحون الذين أقاموا العواصم الحضارية في أقصى الشرق والشمال وفي أقصى الغرب والجنوب بينما قصص الاحتلال هي قصص امتصاص موارد البلاد ودماء الشعوب لتتضخم عواصم الإمبراطورية.. وفي عموم التاريخ الإسلامي كانت عواصم الشرق والغرب أزهى حضاريا من مكة والمدينة وأحيانا أيضا: بغداد ودمشق (وهي عواصم الدولة الإسلامية).

3. العائق الثالث: كيف يرى الغرب مسألة جهاد الطلب؟ والإجابة: وثائق المنظمات الأممية فضلا عن إنتاجات المفكرين حافلة بأن الغرب لديه مسؤولية أخلاقية في نشر ما يراه حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية والقيم الإنسانية.

4. العائق الرابع: كيف كان تطبيق جهاد الطلب عمليا في التاريخ الغربي؟ والإجابة: سل خمسة قرون تبدأ من الإسبان في عصر الكشوف الجغرافية وحتى لحظة قراءتك لهذا المقال: عن استعمار إفريقيا والأمريكتين واتخاذ ملايين البشر عبيدا وطواف السفن من ماجلان وكولومبوس حتى القواعد العسكرية البحرية في المحيطات والبحار حول العالم.. الجواب واضح.

إنما المأساة هنا في أن ترى "مفكرا" ينادي على الغرب (يسميه: المجتمع الدولي) أن يتدخل لإنقاذ شعب من حاكمه الجلاد، كما في سوريا مثلا، ويرى في توجيه الضربات العسكرية للنظام ومساندة الثورة عليه عملا جليلا وإنسانيا ونبيلا.. ثم هو هو نفسه يريد أن "يجدد" الإسلام فيحذف جهاد الطلب لأنه لا يناسب المعايير المعاصرة والتقدم الإنساني الذي وصلت إليه البشرية!!

لئن كنتَ ترى أن تدخل القوي لإنقاذ الضعيف واجب إنساني.. فما الذي جعله بردا وسلاما للأمريكان ووثائق المنظمات الدولية حرًّا ونارا على المسلمين وتراثهم الفقهي؟!!

الخلاصة:

أكثر تشغيبات الذين يريدون "تجديد" الإسلام وتنقيح تراثه الفقهي وتطويره بما يتلاءم مع العصر هم في الحقيقة منسحقون أمام الثقافة الغالبة، ومن شدة انسحاقهم تشوهت لديهم معرفة ثقافتهم ومعرفة الثقافة الغالبة معا.. وهذا أمر لا بد لا بد لا بد أن تتحرر منه حركات المقاومة والتحرر، فلا مقاومة ولا تحرر إلا بنفسية تؤمن بأنها الأصلح والأحق وأنها على الخير والهدى، وحتى يتحقق ذلك فالأمانة التي على واجب العلماء والفقهاء والمفكرين والكتاب أن يحللوا كل مسألة في ضوء هذه العوائق الأربعة لتتضح الصورة التي نؤمن بها أننا خير أمة أخرجت للناس، وأننا جند الله وقدره الغالب ولو بعد حين!

السبت، سبتمبر 01، 2018

الحج.. الفريضة المقاوِمة


شاء الله تعالى أن ننتهي من سلسلة رصد الأوضاع في مصر قبل وبعد الحداثة من خلال رحلتي حج، في نفس الشهر الذي تظللنا فيه أيام الحج.. وكلما ظللنا مشهد الحج عرفت لماذا تمنى المستشرق الفرنسي كيمون أن تهدم الكعبة، وينبش قبر النبي ويوضع رفاته في متحف اللوفر. وهذا الرأي عرفناه بالأصالة لأن الذي نقله كان هو وزير الخارجية الفرنسي مسيو هانوتو، كان هذا الأخير منزعجا ومتعجبا من مقاومة الجزائريين وأنهم لا يقبلون الخضوع لفرنسا رغم فارق القوة وتطاول الزمن وفداحة التكاليف.. رأى كيمون أن قبر النبي كالعمود الكهربي الذي يبث أفكاره في المسلمين الذين يتحولون إلى مجانين بهذه الأفكار، ولقد كانت ألفاظه الأصلية من الوقاحة والحقد بحيث أخجل من نقلها كما هي[1].

إن الحج فريضة إسلامية تقاوم كل ما أريد أن يُغرس في الأمة ويرسخ فيها قسرا وقهرا، وهو فريضة تذكر الأمة بما أريد لها أن تنساه، فلا يزال الحج يُقاوم التقسم القُطري ويذكرها بأنها أمة واحدة، لا يزال يقاوم الأفكار التي تجعلها أقواما وأعراقا ويذكرها بأن هويتها الإسلام، لا يزال يقاوم ما ينشب بينها من الخلافات ويذكرهم بالألفة ووحدة المسار والمسير المصير، لا يزال يقاوم صناعة الأعداء الوهميين وتسويقهم فيها ويذكرهم بأن عدوهم الشيطان، لا يزال يقاوم ما يراد لهم من الانهمار على الدنيا واتباع الشهوات ويذكرهم بمشهد الكفن والحشر يوم القيامة.

قد منع الله الجدال في الحج فيجتهد الناس في لزوم الألفة ويحملون أنفسهم على كبح الغضب والمسامحة والنزول على رأي أحدهم بسلاسة فيرتد هذا على أنفسهم في بقية حياتهم، وإن مواقع التواصل الاجتماعي تزخر بموقف وقع بين مصري وجزائري أو بين باكستاني ومغربي أو بين حجازي وإندونيسي فيتذكر الجميع ما بينهم من الرابطة والرحم.

هذا الحج هو أحد أهم الدعائم التي جعلت الأمة المسلمة في هذه الصورة من المتانة والترابط والتلاحم عبر خمسة عشر قرنا، مهما تقسمت الأنظمة السياسية ومهما حاولت تقسيمهم، ومهما اختلفت ألوانهم وألسنتهم وأعراقهم، ومن أهم ما أذكره في هذا الباب أني كنت في مؤتمر علمي بالسودان عن طرق الحج وآثارها المتعددة، وتحدث عدد من الأساتذة عن أن رحلة الحج أدت إلى رسوخ المذهب المالكي في السودان وفي الشمال الإفريقي لأن الحجاج المغاربة كانوا يقطعون الطريق إلى الحج عبر السودان. فعقب أستاذ سوداني بلفتة بديعة، فهو يرى أن مذهب المالكية في الحج مما ساهم في ترابط المغاربة بالمشارقة وذلك أن المالكية يجعلون القدرة على الحج هي فقط القدرة الصحية، فيعذرون المريض لكن لا يعذرون الفقير، ومذهبهم أن يخرج الصحيح فيعمل حتى يوفر أجر الطريق فيسير فيه ثم يعمل حتى يوفر أجر الطريق، وهكذا حتى يصل.. ومن ثَمَّ كان الحجاج المغاربة بمن فيهم الفقراء الأصحاء ملزمون بالحج، وهو ما ساعد على كثرة الحجاج من بلاد المغرب وغرب إفريقيا.

بقيت الفريضة قائمة في نفوس المسلمين التي تتشوق للبيت الحرام وزيارة مسجد النبي، حتى في الأوقات التي كان الطريق فيها مخيفا وموحشا كان الحجاج يفدون من مشارق الأرض ومغاربها حتى وإن غلب على ظنهم وظن أهاليهم أنها الرحلة الأخيرة، بلا عودة.. وبمثل هذا ظلت الرابطة الإسلامية تجدد نفسها كل عام مرة كبيرة، بخلاف مرات غير معدودة من سنة العمرة والزيارة.

لذلك، فمنذ أن دخلت أمتنا في عصر الاستضعاف ورزحت تحت الاحتلال والحكومات العلمانية حتى عملت كثير من تلك الأنظمة على التضييق على الحج، وما من حكومة نشأت في تلك البلاد إلا واعتدت على أوقاف الحج، وهي أوقاف ضخمة مرصودة بكل بلاد الإسلام للإنفاق على الحرمين تنتج أموالا غزيرة، وهو ما أثر سلبا على أوضاع الحرمين، فضلا عن الصدقات الأخرى والعادات التي كانت تؤديها الإمارات الإسلامية من أموالها أو التي كان يتبرع بها الناس، فكل هذا قد توقف مع الدخول في الدولة القومية الحديثة التي بسطت سيادتها على سائر ما في أراضيها من الموارد وتحكمت فيها، والأصل أن الأوقاف أموال محبوسة لله وليس للحكومات عليها سبيل. ولولا الطفرة النفطية في الجزيرة العربية لكانت أحوال الحرمين الآن مزرية للغاية وتشهد بهذا الضرر الخطير.

كذلك فقد ضيقت بعض الحكومات على الحج نفسه، وقد روى شكيب أرسلان في رحلته إلى الحج (التي كانت 1930م) أن حجاج الأناضول حُرِموا من الحج "لأن مصطفى كمال (أتاتورك) يأبي أن ينفق التركي شيئا من ماله في بلاد عربية، فهو قد أراد هذا لأجل التوفير على الأتراك بزعمه. وياليته احتاط للتوفير على أمته في الطرق التي ذهبت فيها الملايين من أموالهم إلى جيوب الإفرنج كالخمر والميسر والألبسة الإفرنجية"[2]. وحاول بورقيبة أن يفعل مثله لكنه لم يستطع غير أنه ألقى خطابا في صفاقس (29 إبريل 1964) دعا فيه إلى الكف عن الحج لأنه يهدر العملة الصعبة، واقترح على أهل تونس أن يزوروا مقامات الأولياء في تونس بدلا من الحج.

وأشد من ذلك وأشنع ما فعلته الأنظمة الشيوعية في الصين وفي آسيا الوسطى وفي أوروبا الشرقية، والتاريخ حافل بآلام وأهوال في حظرهم الحج أو تشديد المراقبة عليه أو تعذيب وقتل من ثبت أنه تسلل خفية إلى الحج، وهذا التاريخ لا يزال أكثره مجهول لأن أهله ليسوا من العرب، ولأن كثيرا من تلك البلاد لا تزال في نفس الحال أو أهون قليلا.

والخلاصة أن الحج هو مؤتمر المسلمين السنوي الذي يكافح كل ما أريد أن تنساه الأمة، ويغرس كل ما أريد خلعه روح الأمة، وهو لهذا مصدر خطر على كل عدو لهذه الأمة، فلست تجد عدوا لها إلا وهو متوجس من الحج ساعٍ في عرقلته ورفع كلفته وصد الناس عنه وتشديد الرقابة عليه.




[1] انظر: محمد عبده، الإسلام بين العلم والمدنية، ط1 (القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2011م)، ص23.
[2] شكيب أرسلان، الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف، وقف على تصحيحها وعلق بعض حواشيها: السيد محمد رشيد رضا، ط1 (القاهرة: مطبعة المنار، 1350هـ)، ص82.

الاثنين، أغسطس 27، 2018

لماذا يحتفل الأتراك بمعركة ملاذ كرد؟

تمر اليوم ذكرى معركة ملاذ كرد (26 أغسطس 1071م)، وقد أقام لها أردوغان احتفالا مشهودا، وسارعت وسائل الإعلام تغطي ذكرى هذه المعركة.. فما أهمية هذه المعركة؟ ولماذا هي من بين آلاف المعارك التي خاضها السلاجقة والعثمانيون التي يجعلها أردوغان علامة تستحق الاحتفاء؟

سأحاول تقديم صورة عن هذا الموضوع بأوجز عبارة ممكنة إن شاء الله

[1]

كانت الإمبراطورية البيزنطية هي أشد القوى السياسية عداء للإسلام وصلابة في مواجهته طوال ثمانية قرون، وكانت عاصمتها القسطنطينية تحتوي على الكنيسة العظمى (أيا صوفيا) التي هي عاصمة المسيحية الأرثوذكسية في كل العالم. وكانت هذه الإمبراطورية هي القوة المسيحية العظمى.

للمسيحية تاريخيا عاصمتان كبريان: القسطنطينية وروما.. في الأولى أيا صوفيا، وفي الثانية: الفاتيكان.. وقد كانت بشرى النبي بفتح المسلمين لهما تساوى البشرى بانتصار الإسلام وسيادته على العالم.

تحققت البشرى الأولى بعد ثمانية قرون على يد السلطان محمد الفاتح، ولا زال المسلمون ينتظرون نصف الوعد بفتح روما.

لكن الذي يهمنا الآن أن روما في وقت النبي كانت ضعيفة ومفككة، وكانت القوة المسيحية التي تصدت للإسلام وعرقلت انتشاره في أوروبا هي الدولة البيزنطية التي أخفق المسلمون فتح عاصمتها القسطنطينية رغم محاولاتهم الكثيرة المضنية منذ زمن الدولة الأموية وحتى الدولة العثمانية.

يمكن اختصار التاريخ الطويل المرير بين دولة الإسلام والدولة البيزنطية في ثلاث معارك فارقة: اليرموك، ملاذ كرد، فتح القسطنطينية.

1. معركة اليرموك أدت إلى زوال الوجود الرومي البيزنطي نهائيا من الشام ثم من مصر.
2. معركة ملاذ كرد أدت إلى زوال الوجود الرومي البيزنطي من الأناضول، وصار بإمكان المسلمين أن يشاهدوا كنيسة أيا صوفيا من الطرف الآسيوي.. لذلك تسمى ملاذ كرد بـ "اليرموك الثانية".
3. فتح القسطنطينية هي المعركة الأخيرة التي أزالت الإمبراطورية البيزنطية نفسها وفتحت الطريق أمام انتشار الإسلام في شرق أوروبا والذي وصل إلى فيينا.

بين كل معركة وأخرى أربعة قرون: اليرموك (15 هـ) وملاذ كرد (463 هـ) وفتح القسطنطينية (857 هـ)

أي أن ملاذ كرد هي المحطة الثانية من ثلاث محطات في انتشار الإسلام وسقوط القوة المسيحية العظمى. ولهذا فهي واحدة من أعظم المعارك في تاريخ الإسلام.

[2]

وقعت المعركة في منتصف القرن الخامس الهجري، وكان هذا القرن من قرون الصحوة الإسلامية في المشرق والمغرب.
لقد عاشت الأمة الإسلامية القرنَ الرابع الهجري في حال ضعف قوية، وسيطرة شيعية شاملة، فالبويهيون يسيطرون على فارس والعراق، والقرامطة على الجزيرة العربية والشام، والدولة العبيدية الفاطمية الإسماعيلية على مصر والشمال الإفريقي.. ولم ينجُ من هذا الوضع البائس إلا الأندلس والمغرب الأقصى التي كانت تعيش واحدة من أعظم ازدهارها تحت حكم عبد الرحمن الناصر ثم ابنه المستنصر ثم الحاجب المنصور بن أبي عامر.

في القرن الخامس تغير الحال، دخلت الأندلس في عصر ملوك الطوائف وتضعضعت قوتها، بينما نبغ في الشرق الدولة الغزنوية التي فتحت الهند، ثم السلجوقية التي اكتسحت الدولة الشيعية، وفي المغرب نبغت دولة المرابطين التي منعت الأندلس من السقوط وتضعضعت الدولة العبيدية الفاطمية في مصر وزالت عن الشمال الإفريقي.

ما يهمنا الآن هم السلاجقة:

السلاجقة من الجنس التركي، وقد تكونت دولتهم في المشرق ثم قويت حتى استحالت عاصفة كبيرة حكمت خراسان ثم فارس ثم العراق وصارت على حدود الشام.. وأنقذت الخلافة العباسية من الدولة البويهية الشيعية التي سيطرت عليها مدة 113 عاما، وصار طغرل بك (زعيم الدولة) هو الرجل الأقوى في العالم الإسلامي.

في فترات الضعف السابقة كانت الدولة البيزنطية قد استطاعت احتلال الكثير من الأراضي التي فتحها المسلمون في آسيا الصغرى وإرمينية، وصارت تهاجم الشام، ومدنها الكبرى كحلب وأنطاكية وتنفذ مذابح كثيرة في منبج وفي شرق آسيا الصغرى.

لما توفي طغرل بك آل السلطان من بعده إلى ابن أخيه ألب أرسلان (تعني بالتركية: الأسد الثائر)، فإذا نظرنا إلى الخريطة السياسية التي سيواجهها ألب أرسلان سيكون الوضع كالآتي:

1. البيزنطيون صاروا يهاجمون الشام ويستبيحون مدنه.. بينما الدولة العبيدية الفاطمية في مصر قد تضعضت ولا تستطيع الدفاع عن الشام الذي كان تابعا لها، بل على العكس من ذلك يرى الطرفان (العبيديون والبيزنطيون) أن عدوهما القادم هو السلاجقة الذين يحكمون دولة شاسعة تمتد من خراسان حتى الشام ومن حدود أرمينية حتى المحيط الهندي.. وبالفعل كان بين الطرفين تحالف ضد هذا العدو السني القوي القادم.

2. مناطق التنازع والاحتكاك بين هاتين القوتين: في مناطق إرمينية والجزيرة الفراتية.. وكليهما كانتا قبل الآن مناطق إسلامية لكن الضعف الإسلامي في القرون الماضية أدخلهما تحت سلطان أو تهديد البيزنطيين والعبيديين.

ولذلك شهدت هذه المناطق حركتان متوازيتان: ألب أرسلان يفتح مناطق في إرمينية وآسيا الصغرى، وإمبراطور الروم البيزنطيين يهاجم المناطق الجنوبية من آسيا الصغرى ويصل إلى الشام.

كان اللقاء حتميا..

[3]

جمع إمبراطور الروم حشدا رهيبا يقدر بمائتي ألف مقاتل وخرج به إلى نواحي أرمينية وفي خطته أن يكمل المسير إلى العراق ثم إلى فارس حتى يدمر عاصمة السلاجقة (الري) ومن شديد ثقته بقوته أعطى كل أمير أرضه التي سيتولى عليها في طول هذه البلاد.

وكان ألب أرسلان في الطريق بين ديار بكر وحلب فبلغه هذا الحشد الرهيب لإمبراطور الروم.. ولأسباب تختلف المصادر فيها كثيرا لم يكن معه من الجيش في ذلك الوقت إلا خمسة عشر ألفا من الجنود، لكنهم كانوا من نخبته المتميزة.

كان الجيش الرومي يتكون من سائر العناصر العرقية التي تحكمها الإمبراطورية البيزنطية: الروس والكرج واليونان والأرمن فضلا عن الروم فضلا عن أتراك من مجموعات لم تعتنق الإسلام.

لم يكن أمام ألب أرسلان في هذا الظرف العصيب الذي لم يستطع فيه حشد الجنود إلا أن يطلب الهدنة.. لكنه لو طلبها من موقع ضعف فلن يُستجاب له بحال، تلك هي قاعدة السياسة والقوة التي يفهمها الجميع.. فلذلك دبَّر أمره لكي يوقع بمقدمة الجيش البيزنطي التي تسبقه بمسافة -وكانت من الروس- ثم يرسل في طلب الهدنة.

وبالفعل، استطاع خوض معركة قوية سحق فيها المقدمة الروسية التي تتكون من عشرين ألف جندي، فحسَّن وضعه التفاوضي، وأرسل سفيره يطلب الهدنة.. لكن الإمبراطور ذي المائتي ألف لم يبال أن هلك له عشرون ألفا، فقال ساخرا: سأرد على هذا العرض حين أصل الري!

هنا لم يعد أمام ألب أرسلان إلا الانسحاب ومحاولة الإعداد.. أو الاندفاع في هذه المغامرة المجنونة والتي فيها احتمال هلاك نخبته المكونة من خمسة عشر ألف جندي مرة واحدة!

كان الانسحاب يعني خسارة نتائج الأعوام الماضية من الفتوح في أرمينية وشمال الشام، ويعني انهيار الروح المعنوية لدى الجنود المسلمين، كما يعني مئات آلاف القتلى والجرحى والسبايا في المدن المسلمة.. ويعني تعاظم الروح المعنوية لدى البيزنطيين وازدياد القوى العسكرية بمن سينضم إليهم من بلاد إرمينية والكرج وأذربيجان ونصارى شمال الشام.

قرر ألب أرسلان أن يخوض المعركة..

وشجعه على ذلك الفقيه الذي كان في الجيش نصر بن عبد الملك البخاري، قائلا: إنك تقاتل عن دين قد وعد الله بنصره.

[4]

كان ألب أرسلان في حاجة إلى أمرين معا: أن يجعل جيشه في أقصى طاقته المعنوية والقتالية، وأن يضع خطة عسكرية تكسر التفوق العددي والعُدَدي الهائل بينه وبين الروم (15 ألفا مقابل 200 ألف).

فعلى مستوى الطاقة المعنوية أعلن أنه قد تخلى عن منصبه كسلطان، وقال: ليس هاهنا اليوم سلطان يأمر ولا جُنْد يُؤمر، فمن أراد البقاء للقتال بقي ومن أراد أن يرجع رجع.. وخلع ثوب السلطنة ولبس الثياب البيض (أي: الكفن) وقال: إن قتلت فمن حواصل النسور الغبر إلى حواصل الطير الخضر رمسي، وإن انتصرت فإني أُمْسِي ويومي خير من أمسي.

وعقد يده بذنب خيله (علامة على الثبات وعدم الفرار)، ونزل ومرغ وجهه في التراب وتضرع إلى الله.. وكانت وصية فقيهه أن يؤجل المعركة إلى ساعة الزوال من يوم الجمعة حتى تدركه دعوات المسلمين على المنابر.

وكان هو قبل ذلك قد أرسل إلى الخليفة في بغداد يخبره، فأمر الخليفة بعض الفقهاء بوضع دعاء موحد، وزعه على المساجد، وفيه الدعاء لألب أرسلان وجيشه.

وكان من البشريات العاجلة أنهم اكتشفوا الجيش البيزنطي وقد حفر خندقا حول معسكره، فعلموا أن هذا دليل على خوفهم وخشيتهم وأنهم لا يتمتعون بما أظهره الإمبراطور من ثقة كاملة في نصره.

وعلى مستوى الخطة العسكرية فإن مجموع ما وصلنا من الروايات التاريخية يؤدي بنا إلى القول بأنها كانت كالآتي:

- كان الهمّ الأول والأكبر لجيش ألب أرسلان منع التطويق، ومن ثم فقد وضع قطعة من جيشه في كمين خلف طريق الجيش البيزنطي ليثخن فيه من الخلف ويشاغله ويعرقله.

- عند لحظة انتشاب القتال سيتحول الجيش كله إلى ما يشبه السهم، ليتحرك حركة سريعة وخاطفة إلى قلب الجيش مباشرة حيث خيمة الإمبراطور نفسه، وبهذا تنقسم مهمة الجيش إلى من يصدون ويشاغلون ويفتحون الطريق، وإلى نخبة أخرى تخترق هذه الصفوف بأقصى ما تملك من سرعة لتصل إلى خيمة الإمبراطور فتقتله وتشيع خبره فينهار الجيش الكبير.

وهو ما كان فعلا.. لم تلبث المعركة كثيرا حتى كان بعض نخبة السلطان ألب أرسلان قد اخترق خيمة الإمبراطور فنزع عن رأسه التاج، ووضعه فوق رمح ونادى بأن الإمبراطور قتل، فيما كان جندي آخر قد جرده من ملابسه الإمبراطورية وسحبه أسيرا.. وما إن انتبه الجيش إلى التاج المرفوع فوق رمح حتى انهار وتفتت وانسحب لا يلوي على شيء.

يضطرب كثير من المؤرخين في محاولة وصف أسباب الهزيمة مع وجود هذا الفارق العددي الكبير، ولذلك تتنوع اجتهاداتهم في تحليل ما حدث.

البعض يرفع من عدد جيش المسلمين حتى يوصله إلى خمسين ألفا أو مائة ألف، ويخفض من جيش الروم حتى يوصله إلى مائة ألف.. والبعض يعزو الهزيمة إلى اختلاف أجناس الجيش البيزنطي وعدم اتساقه وانسجامه.. والبعض يذكر خيانة وقعت من بعض القادة غير الروم للإمبراطور الرومي مما أدى لهذه الهزيمة.. والبعض يذكر أن المجموعات التركية التي كانت في جيش الروم تخلت عنه وانحازت لبني قومها الترك وإن لم تكن على دينهم.. والبعض يقول انقلب اتجاه الريح ليصير في وجه الجيش البيزنطي مما ساعد حركة الجيش الإسلامي.

لكن القدر المشترك المتفق عليه بين الروايات، ولا سيما الروايات الإسلامية، هو هذا الفارق الهائل في العدد والعدة، وفي أن المعركة لم تطل وكانت سريعة، وفي أمور تضرع السلطان وحماسة جنده وترتيبه أن تبدأ المعركة لحظة ارتقاء الخطباء المنابر.

[5]

كانت هذه أعظم نتيجة يحققها جيش إسلامي على جيش بيزنطي، فلم يسبق من قبل أن استطاع الجيش المسلم أسر الإمبراطور، وغاية ما حصل قبل ذلك أن الإمبراطور أصيب كما في معركة ذات الصواري -زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه- أو كان جيشه ينتصر في أوقات الضعف الإسلامية في منطقة شرق آسيا الصغرى وشمال الشام.

لهذا لم تكن الصدمة التي نزلت بالروم صدمة عسكرية فقط أدت إلى انهيار الجيش، بل كانت صدمة سياسية أيضا، إذ ترتب عليها صراع في بلاط الحكم حول الإمبراطور القادم.

كانت حالة أرمانوس -الإمبراطور الأسير- مريعة، وقد ظهر منه هذا إلى حد أن السلطان ألب أرسلان قرر أن يُطلقه.. فالذي تلقى صدمة الهزيمة أنفع للمسلمين وهو في الحكم من إمبراطور جديد قد يطلب الثأر.. فالقاعدة أن القيادات المنهزمة المنهارة أفضل لعدوها من القيادات الجديدة الناشئة.

رأى ألب أرسلان بفراسته أن أرمانوس هذا لن يفكر مرة أخرى في حرب المسلمين، فقرر إطلاقه، مقابل جزية سنوية (مليون ونصف المليون دينار) وإطلاق كل أسرى المسلمين لدى الروم، وهدنة خمسين سنة.. وقد وافق على هذا كله، ثم نظر ناحية بغداد -حيث الخليفة- وانحنى كعلامة على الخضوع والتعظيم.

ولما عاد إلى عاصمته كان منبوذا من قومه، ولم يستطع أن يعود إلى ملكه، بل قُبِض عليه وسَمَلوا عينيه لكي لا يصلح للحكم ولكي ينتهي أمله.

فكانت ميتته بيد قومه بعد هزيمة ساحقة لم تلق الإمبراطورية البيزنطية مثلها من المسلمين من قبل.

لكن النتيجة الأهم التي جعلت لمعركة ملاذ كرد تأثيرها العظيم في التاريخ هو أن قوة الإمبراطورية البيزنطية انتهت تماما من كل أملاكها في الأناضول وبلاد أرمينية.. لقد صارت هذه الأنحاء ضمن نفوذ المسلمين، وتكاثر فيها المسلمون، ودخل كثير من أهاليها في الإسلام.. ولم يخرج الإسلام من تلك المناطق أبدا فيما بعد إلا قبل مائة سنة مع الحرب العالمية الأولى التي انتزعت أرمينية وجورجيا وأذربيجان.

فكانت هذه المعركة هي بداية سكنى الأتراك منطقة الأناضول.. وهي المنطقة التي سيظلون بها أربعة قرون أخرى، حتى إذا انتهت الدولة السلجوقية من هناك كانت الدولة العثمانية قد ولدت، وهي التي ستستكمل مهمة الفتح حتى تفتح القسطنطينية ثم شرق أوروبا حتى فيينا.

لهذا يحتفل الأتراك بهذه المعركة باعتبارها المعركة الفاصلة التي أسكنتهم هذه الأرض وجعلتها قلعة الإسلام قرونا ثم قلعة الخلافة قرونا.

[6]

استغربت حين سمعت كلمة دولت بهجلي -رئيس الحزب القومي التركي- كأنها كانت كلمة رئيس حزب إسلامي (إلا قليلا).. وأشد ما لفت نظري في كلمته أنه قال: إن الروم الذين هزمناهم لم ينتهوا بعد، بل إنهم لا زالوا أحياء ولا زالوا يقاتلوننا ولا يزالون يبثون الفتن بين المسلمين.

نعم.. إن الغرب لا يزال يتخوف من الأتراك باعتبار أنهم كثيرا ما قلبوا ميزان القوة لصالح المسلمين، ومعركة ملاذ كرد هي واحدة من أهم هذه اللحظات الكبرى الحاسمة!

لقد اتضح بعد هذه الهزيمة أن الدولة البيزنطية بدأت عصر الغروب، ورغم أنها استمرت أربعة قرون بعد هذه اللحظة إلا أن ملاذ كرد قد اضطربت لها الكنائس الغربية التي بدأت تشعر بالارتياع من الزحف الإسلامي إلى أوروبا. لا سيما وأنه لم تمض خمس عشرة سنة على هذه الهزيمة إلا وكان المرابطون يحققون نصرا حاسما آخر في الزلاقة يطيلون به عمر الأندلس أربعة قرون أخرى.

إثر هاتين الهزيمتين استيقظت المسيحية الأوروبية وقررت أن تدافع عن المسيحية بنفسها بعد انهيار ثقتها بالحصن البيزنطي الذي يحمي المسيحية من الشرق، وهي الصحوة التي ولدت فيما بعد أشهر حدث في التاريخ: الحروب الصليبية.

من المؤسف أن دولة السلاجقة (وإن بقيت في الأناضول أربعة قرون) إلا أنها دخلت في طور ضعف بعد وفاة السلطان ألب أرسلان ثم ابنه ملكشاه.. واستطاعت الجيوش الصليبية أن تخترق الأناضول وتهزم السلاجقة في منطقة الروم لتستقر في الشام قرنين من الزمان حتى يكون انكسارهم على يد صلاح الدين بعد نحو القرن ثم نهايتهم تماما على يد المماليك بعد نحو قرن آخر.. وتلك الحروب الصليبية كانت لها آثار واسعة ليس هذا مجال بيانها.

لكن المهم في سياقنا هذا الآن، أن الكتابات الغربية تنظر للأتراك المعاصرين وترى فيهم السلاجقة كما ترى فيهم العثمانيين، وتتخوف من نهضة معاصرة تجدد ملاذ كرد وفتح القسطنطينية مرة أخرى. والتراث الغربي تجاه العثمانيين حافل بما يجعل ذكراهم مرعبة ومثيرة للفزع.

هذا شعور الغرب نحو المسلمين جميعا، لكن الخطر الذي يرونه الآن أقرب إليهم هو خطر الأتراك.. وهو الأمر الذي يعرفه أردوغان ويستدعيه ويجدد ذكراه ويثير حماسة الأتراك به، وهكذا تفعل الأمم الناهضة: تحيي تاريخها ولحظات مجدها.

لكن أسوأ ما يحدث هنا أن هذه الظروف تجعل من نصر ملاذ كرد يبدو وكأنه نصر تركي، بينما الحقيقة أنه نصر إسلامي لا شك في ذلك.. فما كان في الزمن القديم معنى القومية العرقية العنصرية التي زرعها فينا الاحتلال وعملاؤه من بعده..

ولذلك، فبقدر ما يحتفل المسلمون في كل مكان بهذا النصر بقدر ما يتحرر النصر من هذه الصبغة القومية الضيقة ليكون نصرا من انتصارات المسلمين ويوما من أيام الله.