الأربعاء، مارس 20، 2019

عزيزة جلود ومريم المصري

أنهيت قبل أسابيع قراءة مذكرات المجاهدة السورية عزيزة جلود، وهي مذكرات مؤلمة مريرة تثير الغضب بعد أحداثها بأربعين سنة، ترى كيف كان وقعها على صاحبتها التي عايشتها حقيقةً قاهرة على نفسها وأعصابها ومشاعرها وأهلها؟!

إن كنتَ تدقق في التفاصيل فستعرف اسم عزيزة جلود إن كنت مهتما بتاريخ سوريا أيام حافظ الأسد، فهي زوجة الشهيد إبراهيم اليوسف صاحب عملية المدفعية الشهيرة، والبطل الحلبي الذي بنى عليه أهل سوريا آمالا ضخمة، والرجل الثاني في تنظيم الطليعة بعد مسؤولها العام عدنان عقلة، وهو التنظيم الذي اجتذب الشباب الإسلامي في ثورة الثمانين التي لولا خذلانها من قِبَل القيادات "الإسلامية العريقة" لكان تاريخٌ آخر.

ستعرف عزيزة جلود أيضا إن كنتَ من هواة أدب السجون وقرأتَ مثلا رواية هبة الدباغ "خمس دقائق فحسب"، وهبة الدباغ طالبة بكلية الطب أُخِذت في ليلة باردة من ديسمبر وقيل لها "خمس دقائق فحسب" فإذا بها يُسلخ من عمرها تسع سنوات في سجون حافظ الأسد، وقد فوجئت هبة الدباع في أحد السجون بوالدتها وقد سُجِنت معها، ثم أفرج عن الأم وبقيت هي، ثم جاءها نبأ استشهاد أهلها جميعا في مجزرة حماة: الأب والأم وجميع الإخوة، وهي رواية أخرى مريرة مؤلمة ذابحة تحكي قصة أمتنا المقهورة تحت هذه الأنظمة. لكن الشاهد منها في سياقنا الآن أنها روت كيف أفرج عن جميع السجينات إلا عزيزة جلود التي قضت فوقهن عاميْن آخرين.

الغريب في شأن عزيزة جلود، وهو الذي من كثرته لم يعد غريبا، أنها اعتقلت قبل زوجها إبراهيم اليوسف كرهينة كي يُسَلِّم نفسه، ولما لم يفعل أُفْرج عنها لتكون كمينا لاصطياده، لكنه استطاع تنفيذ عملية تهريبها من بيت أهلها وقضت معه أيامه الأخيرة قبل استشهاده، ثم استشهد، ثم اعتقلوها بعد استشهاده.. لماذا؟ لا شيء! فقط ينتقمون من البطل الذي أخافهم وأذلهم.. وقد ظلوا أحد عشر عاما يسجنون زوجته انتقاما منه!!

في هذه المذكرات روت عزيزة جلود أخبار زوجها وتعرفها عليه ثم زواجها منه وأخلاقه وطبائعه وقصة انضمامه للطليعة وقصة عملية المدفعية وأغراضها وقصة المطاردة والاختباءات والبيوت الآمنة واحتياطات الثائرين، ثم فصول السجن الطويل وتغير الرجال (كان سبب الإيقاع بأهم مجموعات الطليعة رجل منهم كان مجاهدا فانتكس وصار عميلا لنظام الأسد.. وبئس المصير!)، وحكايات السجن كما تراه امرأة وحيدة بيدها طفل رضيع ظل معها في السجن حتى خشيت عليه أخلاق السجانين ففارقته، ثم إنها خرجت بعد سنين قضتها في زنزانتها وحيدة بلا أنيس (والسجن بلا أنيس سجن فوق السجن، وضعف فوق الضعف)، ثم قضت سنين أخرى تعاني فيها قهر النظام العام الذي تروج روايته الرسمية تشويه زوجها الشهيد ومع أبناء يتمزقون بين رواية الأم والبيت وبين رواية المدرسة والتلفاز، فهم أبناء البطل في بيتهم الضيق ودائرتهم المحدودة وهم أبناء الإرهابي في الشارع والمدرسة والمجتمع! ثم ما كادت تأتي الثورة السورية فيتنفسون بعض الحرية حتى جاءت داعش فخرجت المرأة المجاهدة تحت جنح الليل عبر مسالك التهريب فرارا من القتل ردة.. وأمور أسأل الله أن يعين على تناولها في مقال منفرد إن شاء الله، إلا أن كل مقال لا يُغني عن قراءة الكتاب نفسه.

لكنما جاءت ذكرى المجاهدة عزيزة جلود والتعريف بها لأن ثمة أخرى مصرية تعايش الآن ذات هذه الفصول، تلك هي مريم رضوان المصري أرملة عمر رفاعي سرور.

بعد الانقلاب العسكري في مصر اضطر عمر رفاعي سرور، وهو نجل الشيخ المصري المعروف رفاعي سرور، إلى الخروج إلى ليبيا، وهناك كان من جملة المجاهدين ضد قوات حفتر الذين شكلوا مجلس شورى مجاهدي درنة. اصطحب معه في خروجه زوجته مريم رضوان المصري، ثم قُتِل في قصف لقوات حفتر في درنة صيف 2018م.

ترك عمر رفاعي أرملته مريم رضوان (25 عاما) وثلاثة أطفال صغار: فاطمة (5 سنوات) وعائشة (3 سنوات) وعبد الرحمن (8 شهور)، ولا يعرف عنهم شيء!

بعد أربعة أشهر، في أكتوبر 2018 أعلنت قوات حفتر أنها ألقت القبض على أسرة عمر رفاعي، وفي نفس الشهر نشرت وسائل إعلام مصرية وليبية أن قوات حفتر سلمتهم إلى السلطات المصرية، ومن ذلك الوقت (أي منذ خمسة أشهر) ولا شيء يُعرف إطلاقا عن مصيرهم!

حاولت أسرة عمر رفاعي في مصر، كما حاول بعض القانونيين والحقوقيين، معرفة مصير الأم وأطفالها الثلاثة وقدَّموا البلاغات إلى الجهات الرسمية التي لم تحرك ساكنا ولم تسكن متحركا!

عند أنباء اعتقال الأسرة كشفت بعض المواقع المقربة من الجهات الأمنية المصرية وبعض المواقع الكنسية المصرية أن مريم رضوان المصري كانت مسيحية قبل إسلامها، وذلك قبل أن تتزوج من عمر رفاعي، فأشعل هذا تخوفا آخر كبيرا بأن اختفاءها هذا قد يكون معناه: تسليمها وأولادها إلى الكنيسة. والكنيسة المصرية الآن تعيش أزهى عصورها قاطبة في عصر السيسي، وقد كانت في عصر مبارك تتسلم المسلمات من جهات الأمن المصرية وتخفيهن ولا يُعثر لهن على أثر، وقد وقعت حالات شهيرة أبرزها: وفاء قسطنطين وكاميليا شحاتة وماري زكي عبد الله وغيرهن، فلئن كان هذا حدث في زمن مبارك فكيف بما قد يكون قد حدث في زمن السيسي؟!

هذا التخوف دفع المهندس خالد حربي إلى إعلان إضرابه عن الطعام وهو في محبسه بسجن العقرب، وسجن العقرب هو أسوأ السجون المصرية قاطبة، يضعون فيه من يظنونه خطيرا ومهما، وفيه الآن القيادات الكبرى لجماعة الإخوان المسلمين، إلا أن خالدا ليس من الإخوان، إنه من أشهر الشباب في مصر، وهو قرين حسام أبو البخاري إلا أن الأخير أشهر، وذلك لنشاطه الوافر في التصدي للتنصير في زمن مبارك، وقد سُجِن خالد وهو طفل وظل لفترات عديدة مطاردا من الأمن المصري، وضمن مجهوداته هذه كان هدفا دائما للكنيسة المصرية التي تطالب بإسكاته واعتقاله. لقد كانت مريم رضوان واحدة من ثمار المجهود الدعوي لخالد حربي.

أعلن خالد حربي إضرابه عن الطعام لحين ظهور مريم رضوان وأطفالها، الذين هم شرعا ثم قانونا مسلمون، ثم هم شرعا وقانونا غير متَّهَمين بشيء، ثم هم شرعا وقانونا وإنسانية لا يجوز أن يبقوا في حبس السلطة المصرية ولو كانوا مُتَّهمين لظروف هؤلاء الأطفال الصغار.

وقد أصدر ثلاثون من العلماء بيانا طالبوا فيه بالإفراج الفوري عن مريم رضوان وأطفالها وأفتوا بأن تسليمها للكنيسة –إن كان قد حصل- فهو ردة عن الإسلام وخروج عن شرائعه.

لكن السلطة المصرية لم تحرك ساكنا ولم يصدر عنها شيء، ثم المثير للتخوف أن المواقع الكنسية أيضا تشاركها الصمت المطبق من بعد ما شنُّوا في الأيام الأولى حملة على عمر رفاعي وأسرته، وهو ما يزيد من المخاوف أن تكون قد سُلِّمَت فعلا للكنيسة.

لن نمضي الآن مع احتمال تسليمها للكنيسة رغم قوة شواهده، وسنبقى في الحد المتيقن منه، وهو كونها سجينة أسيرة مع أطفالها لدى جهة تابعة للأمن المصري، لا لشيء إلا انتقاما من زوجها بعد مفارقته هذه الحياة كلها، امرأة وحيدة مع أطفال ثلاثة ترى كيف تعيش كل هذا الظلم وكل هذه القسوة؟

كيف تهدهد أطفالها الذين يفقدون الأمن والطمأنينة وحق الطفل في اللعب والمداعبة والانتقال بين الأهل والأقارب والجيران؟

ماذا تفعل إذا نزل بطفل لها مرض أو وجع أو عنَّت لها أو لطفلها حاجة؟

من تنادي وإلى من تلجأ؟

وإلى متى تستمر في بلادنا حكايات النساء في السجون المظلمة المخيفة؟!

إلى متى تتصل حكاية زينب الغزالي بهبة الدباغ بعزيزة جلود بمريم المصري؟!
ألا نفوسٌ أبيَّاتٌ لها هممٌ .. أما على الخير أنصار وأعوانُ؟
يا من لذلة قوم بعد عزِّهمُ .. أحال حالهمُ جورٌ وطغيانُ

الاثنين، مارس 18، 2019

مذكرات الشيخ رفاعي طه (12) قصة انضمامي لليسار


مذكرات الشيخ رفاعي طه (12)
من مؤسسي الجماعة الإسلامية المصرية
بعد حوار دافعت فيه عن الشريعة الإسلامية انضممت للتيار اليساري

·      قال لي عميد الحقوق: أنا مثل مالك والشافعي وأحمد ولا تقرأ في الكتب الصفراء
·      كانت الجماعة الدينية في الجامعة أوائل السبعينات ضعيفة متهالكة تجمع الصوفيين والأمنجية
·      كان الخطاب اليساري جذابا يمس المشكلات اليومية
سجلها عنه وحررها: محمد إلهامي

لقراءة الحلقات السابقة:
الحلقة السادسة: قصتي مع التصوف
الحلقة السابعة: قصة ثورة في المدرسة

أول ما أتذكره من أيام الجامعة ذلك النقاش الذي اندلع مع أستاذ القانون حول الشريعة الإسلامية، وقد كان من محاسن الجامعة ذلك التقارب الذي يكون بين الطالب والأستاذ الجامعي، فإنه أفضل من العلاقة الأبوية التي بين تلميذ المدرسة والمُدَرِّس، وذلك أنك تستطيع الحديث مع أستاذ الجامعة في أي وقت، تطرح وجهة نظرك، تجادل فيها، تناقش المادة نفسها ومعلوماتها ولا تتعامل معها كأنها مقدسة كما هو الحال مع المادة في المدرسة، وذلك هو ما شجعني لبدء هذا النقاش.

غاب عني الآن اسم الأستاذ، لعل اسمه كان "محمود سلام زناتي"، وكان عميدا لكلية الحقوق، لكنه كان يُدَرِّس لنا مادة "مبادئ القانون" في كلية التجارة، وكانت تشتمل على جزء من القانون البحري أو القانون التجاري، لا أتذكر الآن بدقة، على أن مقدمة هذه المادة جاء فيها أن "الشريعة الإسلامية هي المصدر الثالث للتشريع" أو نحوا من هذا، فاستفزني هذا الكلام، فذهبت إليه في الاستراحة التي تكون بين جزئي المحاضرة، وفيها كان الطلاب يذهبون فيسألون الأستاذ، وقد كانت شخصيته لطيفة فكان يجيبهم ويبش لهم، فعمدت إليه ومعي الكتاب، وانتظرت حتى فرغ الطلاب من حوله، ثم دار بيننا هذا الحوار، قلت له:

-      لو سمحت حضرتك، أريد أن أسأل سؤالا
-      تفضل يا بني
-      أنت تقول في المذكرة أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الثالث للتشريع.. هذا صحيح؟
-      نعم، صحيح!
-      الشريعة الإسلامية المصدر الثالث للتشريع؟!!
-      نعم!
-      الشريعة الإسلامية!! المصدر الثالث!!! للتشريع؟!!!

زاد استغرابه، وصار لا يفهم ما أقول، فقال بنوع جدية وصرامة:
-      أين السؤال؟!

فقلت له وأنا سادر في أسلوبي:
-      يعني لم تدرك السؤال بعد؟!
-      عيب يا بني.. عيب! ما هذه اللهجة وما هذه الطريقة في الكلام.. من أين أنت؟
-      من أرمنت، قنا (وأنطقها بلهجتي الصعيدية التي تُنطق فيها القاف كأنها جيم قاهرية)
-      أين أرمنت قنا هذه؟!
-      ألا تعرفها.. لا تعرف أرمنت، قنا؟!
-      لا، لا أعرف
-      مركز أرمنت، محافظة قنا.
-      آها، نعم، محافظة قنا معروفة.. المهم، أين السؤال، عم تريد أن تسأل؟
-      حضرتك تقول: الشريعة الإسلامية المصدر الثالث للتشريع، هل هذا صحيح؟!
-      نعم، هذا صحيح، أنا أقول هذا فعلا، ما الذي يعسر عليك في فهم هذا؟!
-      أنا معترض على قولك: إن الشريعة الإسلامية المصدر الثالث للتشريع.
-      حسنا، فماذا تريدني أن أقول؟ هل تحب أن أقول إنها المصدر الأول؟
-      نعم، يجب أن تقول: المصدر الأول
-      ولكنها ليست كذلك، ليست المصدر الأول
-      ليكن، ليكن أنها الآن ليست المصدر الأول، لكن هل أنت مقتنع أن مكانها الطبيعي أن تكون المصدر الثالث؟! هل يليق بالشريعة أن تكون المصدر الثالث برأيك؟ أم أنك تسير مع الوضع الحالي الذي جعلها المصدر الثالث؟
-      رد بتجهم: أنت تكثر القراءة في الكتب الصفراء!

لم أفهم إشارته وتلميحه، ولم أكن أعرف أن الكتب الصفراء مصطلح يطلق على كتب التراث الإسلامي، وتصورت أنه يقصد الكتب التي ورقها أصفر كالكتب القديمة المطبوعة على الورق الأصفر، وقع في ذهني المعنى المباشر للألوان، وهو ظاهر الكلام، فأجبته ببراءة ولهجة دفاعية:

-      لا والله العظيم، أنا لا أقرأ أبدا في كتب صفراء.. أنا...

وجد الدكتور نفسه أمام طالب بينه وبينه فجوة في التواصل! فقال بلهجة ودود:

-      الشريعة الإسلامية يا بني لا تصلح أن تكون مصدرا مستقلا في التشريع
-      لكن هذا الكلام غلط يا دكتور
-      أين الغلط يا ابني؟
-      هذه الشريعة الإسلامية أنزلها الله تعالى
-      من قال لك: أنزلها الله؟! الشريعة الإسلامية هذه هي أقوال الفقهاء، مجرد اجتهاد بشري، مجرد فهم للنص، وأنا فقيه.. أنا من فقهاء الأمة! وأنا أفهم النص مثلما كان يفهمه الإمام أحمد والإمام الشافعي والإمام مالك وهؤلاء الفقهاء
-      لا طبعا.. كيف؟ كيف تُسَوِّي نفسك بهؤلاء الأئمة؟
-      وما أدراك أنت بهؤلاء؟ هل تعرفهم؟ هل تعرف أنت مالك والشافعي وأحمد؟ هل قرأت لهم شيئا؟ هل إذا أعطيتك الآن مجموعة من كتبي مثل كتبهم.. هل تشهد أني أفهم مثلهم؟!

أصابني الارتباك، كان موقفا غريبا وغير متوقع، رجل يقول إنه مثل مالك وأحمد، ويفهم مثلهم.. لكني مع ذلك تماسكت وقلت:

-      لا، حضرتك لديك علم في القانون الوضعي الذي تُدَرِّسه، لكن لا يمكن يكون لديك من علم الشريعة مثل أحمد ومالك وهؤلاء الأئمة، هؤلاء أخذوا علمهم من القرآن والسنة.
-      نحن أيضا مصدر علمنا الكتاب والسنة، كيف تتخيل العلم الذي لدينا؟ القانون الفرنسي نفسه مأخوذ عن الشريعة الإسلامية، ثم نُقِل إلينا بهذه الكيفية، ففي الواقع فإن العالم كله يحتكم إلى الشريعة الإسلامية حين يحتكم إلى القانون الفرنسي.

هنا أصابني الانبهار، وأخذني مسار الكلام لأعجب به، لقد رسم لي أن العالم كله يحتك إلى الشريعة الإسلامية، وكفى بهذا فخرا ومصدر سعادة.. ومع ذلك فقد كان شيئا ما في نفسي يرفض هذا، ويراه تلفيقا أو تزويرا أو كلاما غير مقبول، فعاودت أقول وأرد:

-      لا.. لا يمكن أن يكون هذا القانون هو القانون الإسلامي
-      يا بني، أنا عميد كلية الحقوق، وعندما أقول لك: إن القانون الفرنسي مأخوذ من الشريعة الإسلامية، فأنا أعلم ما أقول!

في هذه العبارة الأخيرة احتد عليَّ، وارتفع صوته في النقاش، وما كنتُ لأستغرب هذا، فمثل هذا الحوار والجدال لم يكن ممكنا أن يدور مع مُدَرِّسٍ في المدرسة، وها هو يدور بين طالب وعميد لكلية الحقوق، ومع أن الرجل أفحمني وأسكتني، ومع أني لم أعد أعرف بم أجيب ولا كيف أرد، إلا أنني بقيت على انبهاري بالرجل وإعجابي به. ثم مع ذلك فقد كرهت مادة القانون، وعزمت ألا أحضر هذه المحاضرة!

كنت مبهورا نعم، لكن أيضا لم أبتلع قوله أن تكون الشريعة هي المصدر الثالث للتشريع، ثم إن له فلسفة تُعْجِزُني، والعجز يضيق الصدر ويسبب أزمة، ما هذا الرجل؟! هل يمكن أن يكون فعلا كالإمام أحمد أم أنه يريد بهذا تشويه علماء الشرع حين ينزل بهم إلى نفسه؟! هل له فعلا مثل إنتاجهم؟! هل يمكن أن يكون له مثل فهمهم وعلمهم بالدين؟!.. أمور لم أستطع أن أبتلعها وإن أسكتني حواره، وكان الحل الأسهل أن أتجنب هذه المادة وصاحبها.. وقد كان! ثم كانت بعد ذلك آثارها، لقد ظللت أرسب في هذه المادة ثلاث سنوات متتاليات!

ويبدو أن ذلك الحوار قد طبع صورتي في ذهنه، فقد شاهدني ذات يوم وأنا داخل إلى المدرج فنادى عليَّ، ثم سألني: لم لا تحضر معنا؟ فأجبته باقتضاب وأنا أتملص من الموقف: سأحضر سأحضر، ثم سارعتُ منصرفا.

ومن المفارقات، أني وبعد هذه المحاورة التي أبدو فيها كإسلامي متشدد، ما لبثت أن انخرطت في صفوف التيار اليساري، ناشطا طلابيا!

ومن المفارقات أيضا أني لم أحاول فيما بعد هذا الحوار أن أعود إلى الكتب فأقرأ لأردَّ عليه، استمر شأني في القراءة كما هو، القراءة المتنوعة غير الموجهة، لكن لم أقرأ بغرض الردّ عليه، كأن الحوار لم يستفزني للرد رغم أنه أعجزني وأضاق صدري، لقد وقر في نفسي أنه أستاذي وكيف أردّ عليه؟!

أتذكر أني كنت في تلك الفترة اقرأ في الكتب الإسلامية عموما، وأقرأ تفسير القرآن لابن كثير، ومقدمة ابن رشد التي هي بداية المجتهد ونهاية المقتصد، وكتاب أصول الفقه الصغير الذي ألفه الشيخ محمد خلاف. كانت هذه الكتب الثلاثة تلازمني في المرحلة الثانوية، ثم في أول سنة بالجامعة كنت أقرأ فيهم فيتحسن فهمي، ثم اشتريت كتاب "الأم" للإمام الشافعي، وبمرور الوقت بدأت تتكون ملكة القراءة في كتب السلف، لا سيما في المعسكرات الطلابية ومعارض الكتاب الإسلامية، ولقد أعطى نشاط التيار الإسلامي في السبعينات دفعة هائلة لمثل هذه الميول.. لكن هذا سيأتي فيما بعد!

أما قصة انضمامي إلى التيار اليساري فكان السبب فيها أني بطبعي شخص نشط، ولا أستطيع الخمول والسكون، وفي ذلك الوقت لم يكن قد بدأ النشاط الإسلامي في الجامعات، بل كان النشاط يكاد يكون حكرا على اليساريين، نعم.. كان هناك ثمة جماعة ضعيفة اسمها "الجماعة الدينية" إلا أنه يغلب عليهم التوجه الصوفي والتوجه الأمني كذلك، كان معظمهم صوفية وتابعين للأمن! كنت أعرف الصوفيين بما لدي من تجربة قديمة في الصوفية، لكن التابعين للأمن كان تصنيفا جديدا أخذته من الرفاق الشباب اليساريين الذين كنا نعمل معا.

ومع هذا فلم يكن أولئك التابعون للأمن عتاة أو دهاة، إنما كان توجههم الصوفي ينزع بهم إلى ذلك كما ذكرت سابقا من أن التدين في عصر عبد الناصر كان ذا مسحة صوفية وأن هذا كان مطلب السلطة لتوظيف الدين ضمن سياستها، ولقد كان مألوفا أن يكون المرء اشتراكيا وصوفيا معا كما سبق الحديث. ثم إن هذه الجماعة الدينية ضعيفة وخاملة ولا نشاط لها، إنهم يُعرفون بالتزامهم الصلاة وبمجلة حائط ضعيفة متهالكة لا تسمن ولا تغني من جوع. وهو ما يخالف طبعي ويجعلني نافرا من حالة السبات هذه!

أما اليساريون فأصحاب نشاط وحركة، يصدرون عددا من مجلات الحائط، بل لقد كنتُ أصدر مجلة حائط وحدي، إعدادا وتنفيذا، وقد شاركوا فيها وكانوا يدعمونني، وكانت الجامعة تشهد حرية طلابية، وقد كان الطلاب اليساريون يُجَهِّزون معرضا ويتكلمون فيه عن السادات والحرب والحق في الخبز والعدالة الاجتماعية والأزمة الاقتصادية والبلد التي تعاني من المجاعة والشعب الذي يعضه الفقر، يتكلمون أحيانا أخرى عن الطالب المصري، وأزمة الكتاب لدى الطالب المصري، أزمة التعليم لدى الطالب المصري، ما الذي يتلقاه الطالب في مصر من المناهج الضعيفة غير العلمية غير المركزة.. إلخ!

كان اهتمامهم منصبا على المشاكل التي تمس الحياة اليومية، إضافة إلى البعد السياسي، وقد كان للسادات نصيب الأسد من نقدهم وهجومهم. وكان هذا ما يجذب إليهم، وهو من جملة ما جذبني كذلك.


الأربعاء، مارس 13، 2019

نصيحة الثائر إلى شعب الجزائر


لا يزال هتاف ابن باديس يبعث الحمية ويثير الفخر بعد كل هذه العقود، فقد حملت الكلمات روح صاحبها لما هتف:

شعب الجزائر مسلمٌ .. وإلى العروبة ينتسبْ
من قال: حاد عن اصله .. أو قال: مات. فقد كذبْ

وتلك هي معركة الجزائر التي لم تنته بعد، معركة الشعب العربي المسلم، مع النظام المتفرنس الذي يريد قهره وقسره على خطة خسف وحيد وموت وضلال! كما تلك هي معركة الأمة كلها، فالأمة منذ عصر الاستعمار وهي ترزح تحت الأنظمة المجرمة، ثم رحل الاستعمار وترك صنائعه وغلمانه يديرون البلاد على وفق ما كان يفعل لكن بغير أن يدفعوا تكاليفها من أموالهم وجنودهم، وبغير أن يستثير وجوده حفيظة الناس وروح المقاومة فيهم.

ولقد علم شعب الجزائر كيف التفتت إليه أنظار الأمة كلها ترقب وتشاهد، ثم كيف تطوع كل صاحب رأي أن ينصح ويناصح، ويسأل ويتابع. وتلك سيرة أمتنا فهي كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر. وسواء أكانت حالة الجزائر الآن حالة ثورة أم هي تباشير ثورة، فقياما بهذا الحق أسوق إلى إخواني هذه الأسطر وفاء بحق أخوة الدين.

1. المعركة في غاية الشراسة، وأي محاولة لتهوينها تضليل وتزييف وتخدير، وهذا أمر لا يحسن فيه التوسط وادعاء العقل، فأدعياء العقل والتهوين من مثل هذه الحقائق إما مخدوع مغفل أو منافق خبيث، فإن كان الأول فمصيره بين القبور والسجون والمنافي، وإن كان الثاني فمصيره في أروقة السياسة والإعلام يمارس نفاقه الخبيث.

إن الظالم الغاصب إذا اغتصب قطعة ذهب أو عقارا من طابقين لا يتركه إلا مضطرا مجبورا مقهورا، فكيف يُتَوَقَّع من احتلال أجنبي أن يفرط في بلد امتلك ثرواتها ومواردها وأجواءها وموانيها وصنع طبقة حكمها على يديه؟!

قالت العرب: لا يُجنى من الشوكِ العنبُ ولا تلد الحية إلا حيية. وأولى الناس بالشك فيهم وإساءة الظن بهم وتقديم العداوة لهم من أراق من دمائكم ملايين الشهداء يوم حكم بنفسه، ومئات الآلاف يوم حكم بصنائعه وغلمانه.

قد كان إخوانكم في مصر يجتهدون أن لا يروا المعركة كما هي، استحبوا العمى على الهدى، فروا من الحقيقة القاسية كي لا يتعرضوا لسؤال الواجب، رضوا من عدوهم بالخداع وأحبوا أن يصدقوه لئلا يُضطروا للتفكير في تبعات ما إن كان كاذبا، وسارت الأيام وهو يحفر لهم الأخدود ويُسَعِّر لهم الحطب وهم من فرط التفكير بالتمني يظنونه يُمَهِّد لهم، ظن الإسلاميون أنه يمهد لهم بعد أن قدَّم نفسه لهم كمؤمن آل فرعون، وظن خصومهم أنه يمهد لهم بعد أن قدم نفسه لهم كوطني زاهد في الحكم حريص عليهم.

فلا يخدعنكم ملمس الأفعى الناعم، ولا ينطليَّن عليكم مشهد التمثيل العاطفي، ولا تذهب بأبصاركم شعارات الوطنية، فلو كان فيهم خير لأصلحوا أنفسهم وأصلحوا من تلقاء أنفسهم قبل أن تنزلوا إلى الشوارع.

2. لا تحرر بلا تكاليف مريرة، وانظروا كيف يجتهد امرؤ غُصِبت منه قطعة ذهب أو عقار حتى يستردها، ترى كيف يجتهد شعب قد سُرق منه البلد؟!

إنه لا يُعطى السلم إلا القادر على الحرب، وقد قال كيسنجر يوما: لا تُعْطى السمكةُ الطُّعمَ بعد صيدها، وقد صرَّح في كتابه "النظام العالمي" بضرورة دعم الأنظمة المعتدلة، المعتدلة له بطبيعة الحال!

إنما هي حربُ نظامٍ عالميٍّ يستفيد من هذه الأنظمة ويجعلها خط هجومه الأول، فما من نظام في بلادنا العربية إلا وهو تحت حماية المحتل الأجنبي، وينزل المحتل بنفسه ليحميه إن ضعفت قوته واهتزت منه الأركان.

ولهذا فكل خطوة تهدئة فهي مكر وخداع، وكل خطوة تخويف هي تهديد حقيقي، ستبذل هذه الأنظمة وأسيادها كافة ما استطاعوا من آلة قتال وقتل إذا أعجزهم المكر والحيلة، ثم سيبذلون كافة ما استطاعوا من المكر والحيلة إذا أعجزهم القتل والقتال، يزاوجون بين هذا وذاك لإعادة الشعب إلى الحظيرة.

وفي المقابل فإن التعامل مع هذا الوضع هو أصعب وأشد وأعظم ما يمكن أن تبتلى به أمة من الأمم، فذلك هو ابتلاء المستضعفين والمقهورين، أن يخوضوا معركة تحرر ضد غالبهم والقاهر عليهم، ولولا أن التحرر فطرة في النفوس ما أقدم أحد على معركة كهذه أبدا، ولولا أن الإسلام عميق في النفوس لكان اختيار الكفر هو الاختيار العقلي النفعي "الحكيم"، فليس يخوض معركة كهذه إلا أصيل النفس أصيل الدين.

وهي معركة لا تُخاض بمجرد الشجاعة والجسارة، ولا ينفع فيها مجرد التضحية والبذل واسترخاص النفس والمال.. نعم، سيبذل كل هذا لا محالة كما هي سيرة معارك التحرر، لكنه لن يكون كافيا، وكم من ثورات فشلت وحروب تحرير أخمدت أو اختُطِفَت وسُرِقَت وانحرفت وجهتها، فضاع كل هذا هباء منثورا، لم يضع في ميزان الله طبعا لكنه ضاع في ميزان الواقع.

ونعم، لا بد أن نعترف أن أمتنا المسلمة برغم كل ما بذلته في القرنيْن الأخيريْن من أثمان فادحة تنتصب دليلا باهرا على أصالتها وبسالتها، فإنها لم تنجح في جني ثمرة ذلك، وأبطالنا الذين نفتخر بجهادهم لم يستطيعوا أن ينتصروا حتى الآن نصرا حقيقيا على الآلة الجبارة للاحتلال: يستوي في هذا الخطابي والبشير الإبراهيمي وابن باديس وعمر المختار وعمر مكرم ومصطفى كامل وعرابي وحسن البنا والقسام وأقوام قبلهم وأقوام بعدهم، كل هذه المشاريع لم تصل إلى غاياتها التي نشدتها، لاختلال في القوة أو لاختلال في الدهاء أو في كليهما، وهو ما يجب على الموجة المعاصرة أن تستدركه وتجتهد فيه وهي تنتج تجربتها.

ولهذا فكل الكلام عن المقاومة والجهاد والشجاعة يجب ألا يُحمل على معاني الحماسة والاندفاع والتهور، وإنما التدبير والتخطيط واصطناع الحلفاء وتسكين الأعداء يجب أن يكون حاضرا قبل العمل ومعه وبعده.

3. الثورة لحظة فارقة، الشعوب لا تثور بالطلب، ولا تزال لحظة الثورة لحظة محيرة في توقعها، ولهذا فإن الثورة لحظة وزمن.. إذا ذهبت لا تعود!

السلطة دائما أقوى من الشعب، لحظة الثورة هي الوحيدة التي تنقلب فيها المعادلة ويكون الشعب فيها أقوى من السلطة، ولهذا فإن أهم سعي السلطة يكون في تبريد هذه الهبة الشعبية وتهدئتها وتخديرها وتسكينها وإطالتها وتمديدها بحيث تنتهي دون أي تنازلات أو بتنازلات وهمية، ومن ذات هذا الباب قيل بحق "إذا أردت إماتة أمر، فشَكِّل لجنة"!

ومن هنا فلا بد للحالة الثورية أن تفرز قيادتها، بدون القيادة التي تستطيع تحويل حركة الجماهير من حالة عامة إلى حركة فعالة، تبدو الشعوب في بداية الثورة كالماء السائل الكثير يُخيف ويُرعب لكن يمكن التعامل معه بتحويل مساره وفتح البثوق في جوانبه ووبناء السدود أمامه، بينما إذا وُجِدت القيادة تحول هذا الماء لقوة خارقة مسددة تصيب هدفها فتحطمه تحطيما!

لو ظهر الزعيم بعد أو قبل لحظة الثورة فلربما قضى عمره كله يحاول استيلاد حالة ثورية ولا ينجح، والأغلب أنه يُسحق تحت أقدام السلطة أو يضطر لمهادنتها تجنبا لهذا المصير. فقط لحظة الثورة هي التي تجعل عبقريته في البناء والقيادة ذات أثر وثمر، يعطيها من نفسه بقدر ما تعطيه من نفسها، أمران يلتقيان على قدر.

ومعضلة القيادة في تجاربنا معضلة عظيمة أخرى، فالقادة بطبيعتهم ندرة، والأدعياء كثرة، وفي أزمنة الاستضعاف وأحوال أمتنا هذه فالقادة هم هدف العدو: الاغتيال أو السجن أو النفي أو التشويه، أو صناعة البديل وتلميع الزائفين.

فإذا وُجِدت القيادة الصادقة فإن حمايتها أوجب الواجبات، وسيعرف القائد بذكائه وبصيرته وحسن اختياره لأهل مشورته وقوة اعتماده على الجماهير التي من خلفه كيف يستثمر هذه اللحظة الفارقة.

وليس أولى من دعم قائد ينتهز اللحظة الفارقة وحمايته، سوى الابتعاد عن قادة مزيفين مصنوعين يمتطون صهوة الحركة الشعبية ليعيدوها من جديد إلى ما قبلها، ومثلهم في هذا قادة –ربما كانوا مخلصين وصالحين في أنفسهم- لكنهم ضعفاء أو جبناء، يرتضون بأنصاف وأثلاث وأرباع الثورات، فأولئك مثل المزيفين المصنوعين في النتيجة النهائية، هؤلاء الذين ستستهولون التكاليف ويرضون بالفتات وينخدعون بالوعود ثم يعيدون التبشير بها بين الجماهير كي يخذلونهم عن الاستمرار في الثورة. حتى إذا نحجوا أو فات الوقت كانوا معهم من الهالكين.

إنه لا بد للثورة أن تصطدم بالنظام الحاكم، هذه طبيعتها، كما هي طبيعة النظام الحاكم.. فإما أن يكون هذا في زمن الثورة والفوران الشعبي، وإما أن يكون هذا بعد خمود الثورة وبرودها، فإن كانت في الأولى كانت الثورة أقرب إلى النصر، وأما الثانية فالثورة حتما مهزومة، والثوار الذين داعبت خيالهم أحلام المجد هم الذين سيكون أغلى ما يتمنونه مجرد العيش بأمان!