الخميس، يوليو 18، 2019

الوطن الأول!


تزوج معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه من امرأة بدوية، فنقلها من شظف العيش إلى دار الإمارة في عاصمة الدنيا: دمشق، ولكن المرأة البدوية اشتد بها الحنين إلى موطن البدو، فأنشدت بضعة من الأبيات الرقيقة التي صارت من عيون الشعر العربي، وبها خلد اسمها في عالم الأدب. قالت:

لبيتٌ تخفق الأرواح فيه .. أحب إلي من قصر منيف
وأصوات الرياح بكل فجٍّ .. أحب إلي من نقر الدفوف
وبكر يتبع الأظعان صعب .. أحب إلي من بلغ ذفوف
وكلب ينبح الطُرَّاق دوني .. أحب إلي من قطٍّ ألوف
ولبس عباءة وتقر عيني .. أحب إلي من لبس الشفوف
وأكل كسيرة من خبز بيتي .. أحب إلي من أكل الرغيف
خشونة عيشتي في البدو أشهى .. إلى قلبي من العيش الظريف

وقد ملك عبد الرحمن بن معاوية الأندلس، وأقام فيها دولة قوية فتية، جددت شباب الإسلام، ومع ذلك لم ينس الشام، ويسميها أرضه وبعضه، ولم تنس كتب التاريخ والتراجم أن تذكر لوعته وهو ينشد قائلا:

أيها الراكب الميمم أرضي .. أقرئ من بعضي السلام لبعضي
إن جسمي كما علمت بأرضٍ .. وفؤادي وساكنيه بأرضِ
قُدِّر البيْن بيننا فافترقنا .. وطوى البيْن عن جفوني غمضي
قد قضى الدهر بالفراق علينا .. وعسى باجتماعنا سوف يقضي

لم تستطع لذة الملك ولا منازل السلطان أن تنسي لذة البلد ولا أن تذهب بالحنين إلى البلدان!

وقد كانت معاناة الاغتراب والحرمان من القوة والقسوة بحيث أنطقت الشعراء بأعذب الشعر، وليس هذا من المواطن التي يصدق فيها قولهم: أعذبه أكذبه، بل أعذبه –هاهنا- أصدقه!

وما لنا نذهب بعيدا، وهذا بلال بن رباح قد أنشد مشتاقا إلى مكة، مع أنه في خير دار وخير جوار، في المدينة المنورة، في جوار الأنصار (وهل في الناس ناس كالأنصار حفاوة وإيثارا ونبلا وكرما؟!)، وفي جوار رسول الله.. كل هذا معه وأنشد ملتاعا مشتاقا لبلد مسَّه فيها العذاب:

ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلة .. بوادٍ وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنة .. وهل يبدون لي شامة وطفيل

نعم، لطالما استغربت واستبشعت بيت القائل:

بلادي وإن جارت عليَّ عزيزة .. وأهلي وإن ضنوا عليَّ كرام

بل وحاولت أن أنسج ردا عليه، فقلت:

بلادي لئن جارت عليَّ لئيمة .. وأهلي لئن ضنوا عليَّ لئام

على أني بعد أن ذقت الاغتراب أجد لذلك القول مذهبا، وأجد له في صدري متسعا.. وصرتُ إذا هجا بلاده مقيم فيها عذرته، وإذا امتدحها مغترب عنها عذرته، فإذا مدحها مقيم فيها توقفتُ فيه فإن كان مرتاحا فيها فالأغلب أنه منافق، وإن كان يعاني فالأغلب أنه صادق، وكذا إذا هجا بلده مغترب عنها توجستُ منه، فإن كان طريدا مظلوما عذرته، وإن كان غير ذلك لم أستسغ منه هذا ورأيتها شعبة من اللؤم!

ولقد تعلمنا في المدرسة قصيدة شوقي في حب مصر: سلوا مصرَ هل سلا القلب عنها، وتعلمنا أنه قال فيها بيتا فيه مبالغة غير مقبولة، وذلك قوله:

وطني لو شُغِلتُ بالخلد عنه .. نازعتني إليه في الخلد نفسي

واستنكرنا مع من درسونا هذه المبالغة المذمومة، رجلٌ في جنة الخلد ثم يرى أنه سيشتاق وهو فيها إلى قطعة في الأرض!! ربما هنا يصدق في بيته قولهم: الشعر أعذبه أكذبه!

وما علينا من ذلك، سواء أكان صادقا في هذا أم لم يكن، إلا أن جوهر الإشكال هنا لم أفهمه إلا مع ابن القيم رحمه الله..

كتب ابن القيم كتابا عجيبا رقيقا مثيرا للأشواق فيه وصف الجنة، وسمَّاه "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح"، وكان هذا الكتاب قرينا لأصحابنا أيام المراهقة، حيث كنا نغالب المراهقة والفتن بحديث الصبر وحديث الحور العين، وفي هذا الكتاب نظم ابن القيم قصيدته الشهيرة وقال فيها:

فحيِّ على جنات عدنٍ فإنها .. منازلنا الأولى وفيها المخيم
ولكننا سبي العدو فهل ترى .. نعود إلى أوطاننا ونسلم

في غربتي انتبهت لأول مرة إلى لفظ (أوطاننا) في أبيات ابن القيم رغم أنه قد مضي على حفظي لهذا البيت أكثر من عشرين سنة، وبهذا اللفظ انحل الإشكال الذي نشأ في بيت شوقي!

أولئك الصالحين عندهم من الإيمان واليقين وقوة الروح ما جعلهم يصلون إلى الحقيقة الأولى الكبرى، حقيقة أن منازلنا الأولى وأوطاننا الأصلية إنما كانت في الجنة، الجنة التي أُخْرِج منها أبونا آدم عليه السلام، ولذلك لا يزال دأب الصالحين أن يتشوقوا للجنة تشوقهم للوطن الأول والمنزل الأول!

نَقِّل فؤادك حيث شئت من الهوى .. ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى .. وحنينه دوما لأول منزل

لم ينس الصالحون أول القصة الكبيرة، قصة الجنة التي كانت أول الأمر ومبتداه، لم تبدأ قصتهم مع الأرض في لحظة المولد، لذا كان تعلقهم واشتياقهم بالمنزل الأول: الجنة التي أسكنها الله آدم عليه السلام!

لهذا يكثر في كلامهم حديث السفر والغربة، لا عن الدار والبلد التي هي في الأرض، بل الغربة في هذه الأرض، ولذا لما سُئل الإمام أحمد: متى يجد العبد طعم الراحة؟ قال: عند أول قدم يضعها في الجنة!

ولما حضرت بلالٌ الوفاة تهلل وجهه وقال: غدا ألقى الأحبة، محمدا وصحبه!

ولما خُيِّر رسولنا الأعظم –صلى الله عليه وسلم- بين أن يخلد في الدنيا ملكا أو أن يتوفاه الله، اختار الوفاة، وقال: بل الرفيق الأعلى.. بل الرفيق الأعلى!

وترك لنا قبل وفاته –صلى الله عليه وسلم- وصايا حافلة بمعنى الغربة والصبر فيها، فأمسك يوما بمنكبي عبد الله بن عمر وقال: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل"!

ولما رآه الصحابة يوما ينام على حصير قاسٍ ترك أثره في جنبه –صلى الله عليه وسلم- قالوا له: يا رسول الله، لو اتخذنا لك وِطاءًا، فقال: "ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها".

ومما سمعته من مشايخنا أن الرجل إذا ركب مواصلة فرأى في كرسيه قطعا أو خرقا، لم يأبه له كثيرا، ولم يقض وقته يحاول إصلاح الخرق ورتق الفتق، ولم ينفق على ذلك من ماله ولم يبذل فيه همَّه، ذلك أنه يعلم أنها مجرد مواصلة لن يلبث أن ينزل منها، قال الشيخ: فكذلك الدنيا!

ثم مما قرأناه على صفحات شبكات التواصل أن أرقى ما تكون الأخلاق بين المسافرين، يتبادلون الابتسامات ويتحلون بالذوق ويتجملون، يعرف كل منهم أنه لقاء عابر ولحظات سريعة، كان زهدهم في العلاقة دافعا لهم إلى التجمل فيها، فكذلك الدنيا أيضا!

لئن كان المرء بطبعه وفطرته يشتاق إلى بلد لم يخرج منها إلا مطاردا مضطرا، مهما كانت حالة بلده من البؤس والسوء، فكيف ينبغي أن يكون الشوق للموطن الأول والمنزل الأول وهو منزل الراحة والسرور، وهو موضع رضا الله ونعمته على عباده؟!

اللهم ارزقنا يقينا نعلم به أن وطننا الأول هو الجنة!


الاثنين، يوليو 15، 2019

مذكرات الشيخ رفاعي طه (16) محاولة الإخوان الهيمنة على الشباب الإسلامي


مذكرات الشيخ رفاعي طه (16)

من مؤسسي الجماعة الإسلامية المصرية

هكذا حاول الإخوان الهيمنة على الشباب الإسلامي بجامعة أسيوط

·        ورث أسامة حافظ زعامة صلاح هاشم بعد تخرجه، وصار أمير الجامعة واقعيا!
·        كان النزاع والتنافس أقرب إلى الشيخين الكبيرين: درويش والسماوي من التعاون!
·        اسم "الجماعة الإسلامية" أطلقه الإخوان، وهذه شهادتي للتاريخ!

سجلها عنه وحررها: محمد إلهامي
لقراءة الحلقات السابقة:

ترسخت بيني وبين صلاح هاشم أخوة عميقة، كانت بذرة نشأة الجماعة الإسلامية المصرية، وبعد ذلك بقليل بدأ يظهر في المشهد الشيخ أسامة حافظ.

كان ظهوره أيضا في معسكر من تلك المعسكرات، كان يدير حلقة فيه وأعجبني حديثه مع الإخوة في هذه الحلقة، فذهبت أتعرف عليه، وكان طالبا في كلية الهندسة، وكان في ذات سني هذه المرة وليس أكبر مني كما كان صلاح هاشم، فكلانا مواليد 1954، ولئن كان من فارق في العمر فهو في نحو الثلاثة أشهر بيننا.

في تلك الفترة بدأ يحدث تراشق بين الشيخ مصطفى درويش والشيخ عبد الله السماوي، وقد ذكرت فيما سبق أن الشيخ مصطفى درويش كان أميرا لـ "جماعة الحق"، وقد كان قبل ذلك ينضوي تحت جميعة أنصار السنة المعترف بها رسميا من قبل الدولة، إلا أنها ضاقت بطاقته وطموحه وآفاقه فتركها وأسس جماعة الحق هذه، لتمثل همَّه كرجل من التيار السلفي المقاوِم العامِل، وقد ذكرتُ أن من أهم ما أخذناه عنه الالتزام بالهدي الظاهر كاللحية والثياب. وكان هو والشيخ السماوي صنويْن، مع أن الشيخ مصطفى أسنُّ منه بكثير، بل كان الشيب يخط خطوطا في لحية الشيخ مصطفى بينما لم يجد الشيب طريقه إلى لحية الشيخ عبد الله السماوي!

فيما بعد سارت الشهرة في ركاب الشيخ السماوي أكثر بكثير من سيرها في ركاب الشيخ مصطفى درويش، ولعل جيل الشباب الذين هم الآن في الثلاثينات يعرفون اسم السماوي لكن لا يعرفون اسم مصطفى درويش، بينما في ذلك الوقت كان كلاهما علمٌ من أعلام العمل الدعوي، ولكل منهما في جيلنا بصمات لا تنسى.

كلاهما سلفيٌّ، وكلاهما من أهل العمل والالتزام والمقاومة لا الخمول والاستسلام للواقع أو للحاكم، وكلاهما صاحب تأثير ونفوذ واسع على أتباعه ويجيد تكوين وتجميع الشباب من حوله، ومع هذا فبدلا من أن يجد التعاون مدخلا ليجمع بينهما فقد سبقت إليهما المنافسة والمنازعة على النفوذ والمناطق. كانت سوهاج مركز الشيخ مصطفى درويش وهي بهذا الاعتبار محرَّمة على الشيخ السماوي، وهكذا.

وقع بينهما التراشق اللفظي، وشهدناه معشر الشباب، فساءنا كما يسوء شباب كل جيل أن يشهدوا خلافات مشايخهم، ولأن الشباب من طبيعته الحماس والحسم فقد سبق إلى الأذهان سؤال الشباب المعتاد: من منهما على صواب ومن منهما على خطأ؟ وقد يتطور السؤال إلى أن يقال: من منهما على حق ومن منهما على باطل وضلالة؟

فأسررت لصلاح هاشم بهذا فقال: إنني أعرفهما، ولعل الشيخ مصطفى درويش يكون أقرب إلى الحق من الشيخ السماوي، إنني أعرفه من سوهاج، لكن على كل حال لن ندخل بين الرجلين ولن نخوض في خلافاتهما.

كان الشيخ صلاح هاشم شخصية مسالمة توافقية مع الجميع، ولم أكن كذلك، إنما كنت أتوق إلى اتخاذ موقف من أحد الرجلين، والانحياز إلى الآخر، فسؤال من منهما على صواب أو من منهما على الحق لم يكن سؤالا نظريا أطرحه لممارسة الثرثرة الفكرية، بل كان سؤال عمل وحركة يستتبعه انحياز وتعسكر وتخندق وراء أقربهما للحق.

كان صلاح هاشم يُجِلُّ الشيخ مصطفى درويش لمعرفته به، فهما من سوهاج، ولسبق سنه وقدمه في خدمة الإسلام، وكان يرى أن الخلاف لا يأتي إلا بشر، وأنه يسعنا أن نعمل في الدعوة بعيدا عن الخلافات بين الرجلين الكبيرين.

وخلاصة القول أنه إلى نهاية هذا العام الدراسي توثقت العلاقة بين ثلاثتنا: صلاح وأسامة وأنا، ثم حمل العام الدراسي الجديد ظرفا فارقا في تاريخ الحركة الإسلامية كلها.

لقد خرجت قيادات الإخوان المسلمين من السجون الناصرية وشرعوا في التعرف على هذه الحالة الشبابية الإسلامية المتنامية في الجامعات، وساروا في هذا سيرا حثيثا  يستطيع الذين كانوا في جامعة القاهرة أن يسردوا تفاصيله أحسن من غيرهم. وقد وصل إلينا هذا السير الحثيث في أسيوط متمثلا في معسكر دعت إليه قيادات الإخوان في مسجد عمر مكرم الشهير والقريب من محطة القطار. كان هذا بين سنتي 1976، 1977.

لم أحضر هذا المعسكر، ولا أتذكر الآن ما سبب تغيبي عنه، ربما كنت خارج أسيوط أو غير ذلك، إلا أني سأذكر أبرز ما حصل فيه، لأنه كان لحظة فارقة في العمل الدعوي الجامعي عندنا.

كانت أبرز قيادات الإخوان المسلمين في أسيوط حينئذ الدكتور محمد حبيب الأستاذ بكلية العلوم وهو الذي وصل إلى نائب مرشد الإخوان فيما بعد، ومحامي اسمه محمد الغزالي، وآخر اسمه دسوقي شملول وكان معيدا في كلية الهندسة، وآخر اسمه عبود وكان في العقد السادس أو السابع من عمره ذا لحية بيضاء. أولئك هم وجوه الإخوان في أسيوط، وهم الذين إليهم مرجع الشباب الذي انضم للإخوان في ذلك الوقت، وكانوا يُنَظِّمون الفعاليات التي يُحضِرون فيها الدعاة من أمثال الشيخ محمد الغزالي والحاجة زينب الغزالي رحمهم الله الجميع، وأولئك هم الذين نظَّموا هذا المعسكر وأنفقوا عليه.

فماذا فعلوا في هذا المعسكر؟

اقترحوا أن تختار كل مجموعة من الشباب المتدين في كل كلية "أميرا" لها، وذلك أن "الأمير" هو اللفظ الشرعي لمعنى الرئيس أو المسؤول، ونحن بطبيعة الحال منقادون للشرع. وهكذا اجتمع أبناء كل كلية واختاروا لهم أميرا، وبدأت تتهيكل الجامعة، فهذا أمير كلية الطب وهذا أمير كلية التجارة وهذا أمير كلية الهندسة... وهكذا.

وبعد هذا اقترح هؤلاء الإخوة قيادات الإخوان الأربعة أن يختاروا أميرا لكل الجامعة، يكون أميرا فوق أمراء الكليات.. وسأقف بالمشهد هنا لتوضيح بعض أمور، ثم أعود إليه.

كان شباب الجامعات ينظرون لقيادات الإخوان باعتبارهم قيادات دعوية قديمة لها احترامها وإجلالها لا سيما من له منهم محنة طويلة، فلذا يقبلون عليهم ويستمعون لهم كما يستمعون إلى أي شيخ كبير مرموق، فشباب هذه الفترة رغم حماستهم وطاقتهم الجبارة لم يكونوا يأنفون أن يتعلموا ويستمعوا بل ويخضعوا للكبار طالما رأوا في هذا مصلحة الدين والدعوة. ولهذا فلم يكن يستنكف الشباب المتدين من غير الإخوان المسلمين بل وبعض الذين في نفوسهم شيء من الإخوان، لم يكونوا يستنكفوا أن يحضروا فعاليات الإخوان الدعوية ولا أن يجيبوا دعواتهم إلى معسكر ينظمونه ولا أن يسمعوا لهم في أمر يقترحونه.

في سياق آخر كان صلاح هاشم قد تخرج في كلية الهندسة ولم يعد زعيمها، وإنما آلت الزعامة من بعده إلى أسامة حافظ، وكان هو بحكم الواقع أمير كلية الهندسة وإليه يرجع الشباب فيها وعن رأيه يصدرون، ولهذا لم يكن اختياره أميرا لهذه الكلية في ذلك المعسكر إلا أمرا سهلا وتحصيل حاصل.

لكن زعامة أسامة حافظ لم تتوقف عند حدود كلية الهندسة، لقد ورث زعامة صلاح هاشم التي تكونت في العام الماضي، وهي زعامة الشباب الملتزم في الجامعة كلها، فهو على الحقيقة زعيم الشباب الإسلامي بالجامعة.

وكان لأسامة حافظ صديقٌ معيدٌ بكلية الهندسة اسمه عبد المتعال، وكان صديقه هذا مسجونا مع الإخوان في الفترة الناصرية، إلا أنه كان يُكِنّ كراهية شديدة للإخوان، وكان كثير الحديث عن ضلالتهم وبدعهم، فألقى هذا بظلاله في نفس أسامة حافظ، لم يصل الحال إلى أن يكرههم كما كان حال صديقه، لكنه وصل إلى قناعة تقول: لا يجب أن نكون مع الإخوان ولا تابعين لهم. وإذا كانت هذه قناعة أسامة حافظ فهي قد تسربت إليَّ أيضا بالتبعية. ولا يزال هذا كله أمر في القلوب وحديث عابر على اللسان لا يترتب عليه عداوة ظاهرة أو عمل أو تنافس.

أعود إلى المعسكر:

اختير أسامة حافظ أميرا لكلية الهندسة ببساطة، فلما جاء دور اختيار أمير الجامعة لم يكن ثمة أحد يستطيع أن ينافس أسامة في هذا الموقع، فإنه في واقع الأمر أمير الجامعة وزعيم شبابها الإسلامي. إلا أن إرادة قيادات الإخوان اتجهت إلى اختيار طالب صغير في السنة الأولى من كلية الطب اسمه أسامة سيد، بالكاد نبتت لحيته، ثم إنه حليقٌ، وهذا أمر حساس عند الشباب في ذلك الوقت.

وهكذا تضاربت إرادة شباب الجامعة وإرادة قيادات الإخوان، فجاء دور الدبلوماسية، فأخذ المهندس دسوقي شملول –أحد القيادات الأربعة- دفة الكلام وقال: يا شباب الشيخ أسامة حافظ أهل لهذا بلا شك ولكن المشكلة أنه الآن في السنة الأخيرة من كلية الهندسة، والمصلحة تقتضي أن يتولى الأمر شاب صغير فيمارس الأمر وتتراكم خبرته ويفيد ويستفيد، بينما الذي سيتخرج لن يستطيع مراكمة خبرة ولن يستفيد منه إخوانه وسيكون الأمير في العام القادم جديدا بلا خبرة ويتعلم من الصفر مرة أخرى. ومن هنا فمصلحة العمل الدعوي في أن يتولى الأمر من كان في السنة الأولى أو الثانية.

كان بهذا الكلام يريد أن يحث الشباب على اختيار أسامة سيد. ولهذا فكلما طُرِح اسم آخر غير اسم أسامة سيد لم يصلوا إلى نتيجة، ولم يكن أسامة أمير كلية الطب حينها بل كان أميرها في ذلك الوقت سيد العربي. وقد رفضوا أيضا أن يكون سيد أمير الجامعة لذات السبب: أنه سيتخرج العام المقبل.

ونجحت دبلوماسية القيادات الإخوانية آخر الأمر، وصار أسامة السيد، الطالب بالفرقة الأولى بكلية الطب أميرا للجامعة.

من هنا صار لقب أسامة السيد "أمير الجماعة الإسلامية في أسيوط".

ولهذا فإن أول من وضع اسم "الجماعة الإسلامية" في جامعة أسيوط كانوا هم الإخوان المسلمين، فمن قبل هذه اللحظة كان الشباب يعملون بغير اسم محدد، فربما سمينا أنفسنا أو سمانا أحدهم جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو كان بعضنا من جماعة الشيخ السماوي، أو كان بعضنا الآخر من جماعة غيره، لكن بعد هذه اللحظة صار اسم الشباب الإسلامي "الجماعة الإسلامية".

هذه روايتي للتاريخ وان خالفها من خالفها!

وهنا لا بد أن أكرر وأؤكد: لقد كان أسامة حافظ قادرا على أن يفسد مشهد اختيار أمير الجامعة، وله من الدوافع ما هو جدير بالأخذ به، من أول قناعته بأن الإخوان ليسوا الجماعة التي يجب اتباعها بل لديهم من البدع والضلالات ما ينبغي لأجلها الانصراف عنهم، وانتهاء بقناعته بأنه أسامة سيد لا يصلح لهذا الموقع. لكن الشباب كما ذكرتُ لم يكن ينطلق في العمل إلا متجردا لله ومُقَدِّمًا مصلحة الدين والدعوة على مصلحة نفسه، ومُوَقِّرًا للسابقين في العمل والدعوة وإن لم يكن تابعا لهم، وبعيدا عن المناكفات المبنية على حظوظ النفس. فإذا اقترح شيخٌ فكرة ولم يكن لدينا فكرة تضادها فلا مشاحة ولا نزاع، وإذا كان لدى أحدهم رؤية وليس لدينا ما يقابلها فليكن ما يرى.

هكذا قيل: الجماعة الإسلامية! ما رأيكم في هذا الاسم؟

لا مانع؟ لا مانع. فانتهى الأمر وثبت الاسم.

وانتهى المعسكر على تسمية أمراء الكليات، وتسمية المجموع، وتسمية أمير الجماعة الإسلامية بجامعة أسيوط.

بعض إخواني في "الجماعة الإسلامية" يخالفني في هذه الرواية، وربما يأتي فيما بعد ما يجعلنا نسرد آراءهم. لكن النتيجة التي انبثق عنها هذا المعسكر رغم مروها بسهولة فإنها أسست فيما بعد لنزاع بدأ ولم ينته، وهو النزاع الذي انتهى بالانشقاق بين اسم وكيان ما صار يعرف بعدئذ بـ "الجماعة الإسلامية"، وبين اسم وكيان "الإخوان المسلمين".. وهو ما نرويه إن شاء الله في اللقاءات القادمة.


الأربعاء، يوليو 10، 2019

كيف صارت حانة اليوناني استاد كرة؟!


منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين كانت مصر في واحدة من أشد لحظاتها بؤسا ومرارة، كانت أسرة محمد علي قد فتحت أبواب مصر للأجانب حتى صار لهم فيها السيادة العظمى، وصار الشعب عندهم كالعبيد، وكان الشحاذ في أوروبا يتعلق بالسفينة السائرة إلى مصر في رحلة هجرة غير شرعية محفوفة بالمغامرة، فإذا وصل إلى الشواطئ المصرية وجد البلاد تفتح له ذراعيها وتقدم له أبناءها عبيدا وجواري!

كان الأجانب يهيمنون على السياسة والاقتصاد والقانون، قصر الخديوي حافل بالأجانب، الهيئات الحكومية الكبرى وقادة الجيش وبعض الوزارات يتولاها الأجانب، امتيازات المشاريع تأتي بقروض أجنبية ويتولى تنفيذها أجانب ويسخرون فيها العمال المصريين كعبيد ثم يجنون أرباحها، والنظام القانوني في مصر كان محاكم قنصلية ثم مختلطة يهيمن عليها الأجانب، ما على الأجنبي إلا أن يفتعل مشكلة مع أي مصري، فيسحبه إلى محكمة قنصيلة بلاده فتقضي له المحكمة بما شاءت من أموال المصري وعقاراته، وبهذا يفتقر المصري ويغتني الأجنبي.

سنأخذ من بين هذا المشهد كله مشهدا واحدا متكررا..

شحاذ يوناني أو مالطي أو غير ذلك، غامر بنفسه في البحر حتى وصل إلى مصر، وجد طريقه إلى قرية أو مدينة ما، فتح فيها حانة خمر وقمار، استجلب فيها راقصة أو عاهرة (ولا بأس أن تكون ابنته أو أخته أحيانا)، يأتيه الفلاح أو العمدة أو ما بينهما، يسكر ويشرب ويطرب ويلعب، فينزف أمواله بالقمار أو بالخمر أو لعيون الفتاة اليونانية المليحة المتحررة، فإن كان فلاحا لا يقوى على سفك المال دفعة واحدة فهو يشرب ويطرب ويقترض بالربا الفاحش.

وفي غضون سنوات يتحول الشحاذ اليوناني إلى مركز تدوير المال في القرية، ويمكنه أن يُقرض الأعيان بالربا، ثم في مرحلة لاحقة يستولي على أطيانهم ودورهم إن لم يستطيعوا السداد، والقانون في صفه والشرطة في خدمته!

لنترك كل هذا المشهد ونركز في مشهد الفلاح الفقير.. يبدو مثيرا للاشمئزاز أن ينفق الفلاح الفقير أمواله في الخمر والقمار حتى بعد يومه الطويل المنهك الحافل بالكدح والمرارات، ويصعب أن تجد من يدافع عن فعله هذا بأنه حق له في اللذة والراحة والغياب عن الهموم. وذلك أن العزم فيمن كان هذا حاله أن يكبح جماح شهوته ويمسك زمام نفسه ليحول نفسه بتوفير هذه الأموال التي حصَّلها بالعذاب في تغيير حاله وحال أولاده. هكذا يقول داعي العقل إن لم يكن داعي الدين!

هذا المشهد السابق يتكرر في مصر الآن، لكن مع تعديل طفيف وغير مؤثر في المشهد العام..

الهيمنة الأجنبية على مصر لا تخطئها العين، البلد حافلة بالأجانب في مواقع شديدة الحساسية، ومن الوزراء من هو مزدوج الجنسية، الشركات الأجنبية تملك نصيب الأسد من حصة الأسواق، بما في ذلك الشركات التي تبدو بأسماء وطنية ولكن أسهم ملاكها تشير إلى حقائق أخرى، بل إن عقود الحكومة مع الشركات الأجنبية والتي تتم في السر محصنة من المحاسبة بقانون أقره برلمان السيسي في أول دورته التشريعية، وهذا قانون شراء الجنسية المصرية بعشرة آلاف دولار سيأتينا بموجة من الأجانب يدفعون هذا المبلغ التافه لا حبا في مصر ولكن حبا في التمتع بخيراتها. وكذلك القانون والقضاء لم تعد به شبهة استقلال لا سيما بعد التعديلات الدستورية الأخيرة التي تضعه كله في جيب السيسي، على أن هذا القضاء نفسه حين كان يبدو مستقلا كان يُضرب به عرض الحائط وقد أُفرج عن جواسيس رغم أنف الحكم القضائي أيام مبارك، وجاءت طائرة نقلت محكومين أجانب إلى بلادهم أيام مجلس طنطاوي العسكري، ويكفينا أن نذكر ماذا حدث لقضية وقاضي تيران وصنافير.

المشكلة أننا نحتاج أن نذكر بعض التفاصيل لأن الصورة الحاضرة أكثر تشوشا وغبشا من صورة الماضي، لأن التزوير ينصبّ على الحاضر بفعل التضليل الإعلامي والمجهود الثقافي، بينما ذهب رجال الماضي وتزويرهم وبقيت الحقائق لا تحتاج كثيرا من ذكر التفاصيل.

لكن الذي يهمنا الآن من هذه الصورة، وهو مقصود المقال، هو تكرر ذات الصورة: صورة الفلاح الفقير المنهك الذي تواطأت عليه السلطة والقوانين والأجانب، وهو يذهب فينزف ماله في حانة اليوناني متمنيا أن يحظى بنظرة الإعجاب من ابنته الفاتنة!

هذه الصورة ذاتها تتكرر أيضا، تفعل الشعوب الفقيرة المقهورة ذات هذا السلوك، حين تهلك ما بقي من طاقتها في متابعة كرة القدم، متابعة مجموعة من الميلونيرات يلعبون بالكرة، إن انتصروا زادت أرصدتهم وإن انهزموا لم تنقص. يهلك الناس أعصابهم وأموالهم وأوقاتهم وطاقتهم وحماستهم في الصراخ على هذا أو ذاك، يفرح لهم أشد مما يفرحون لأنفسهم ويحزن عليهم أشد مما يحزنون على أنفسهم!!

لن نسأل الآن لماذا؟ إذ لا يُسْأل المخمور السكران عن أفعاله حال سكرته.. لكن المثير للدهشة والاشمئزاز معا، أن يخرج متفلسفون يتحدثون عن هذا المشهد باعتباره: الحق في اللذة والخروج من الهموم ونسيان الأحزان ولو لساعتين، ربما يصلح هذا كنوع من التفسير لكن لا يصلح أبدا كنوع من التبرير، يمكن أن يُقال على سبيل الوصف والقراءة: إنهم يفعلون هذا لهذا السبب، لكن لا يصح بحال أن يقال: دعوهم وارحموهم وكفوا ألسنتكم عنهم واتركوهم فليتمتعوا هذه الدقائق المعدودة!

هذا ما لم أعرف أنه قيل لفلاح فقير يرتاد حارة اليوناني على سبيل الجدّ، ويبدو أن الفلاحين القدماء كانوا يفتقدون لفلاسفتنا المعاصرين!

لست مهتما هنا بلم محبي الكرة أو معاتبتهم أو تقريعهم، بل مهتم بهدم هذا البناء الفلسفي المتهافت الذي يتحدث عن حق المقهور في أن يستمر سكرانا مخمورا ذاهلا عما يراد به ويراد له، ولئن كان يمكن التماس العذر لعاشق الكرة فهو كالتماس العذر للمذنب المخطئ المنصرف عن رشده إلى اللهو، هو نوع من الشفقة والتعاطف وليس أبدا إقرار له أو رضا بما يفعل.

كرة القدم يستعملها الطغاة في تخدير الناس وإلهائهم، لا سيما حين يصبغون على مباراة الكرة معنى الملحمة الوطنية وعلى اللاعبين سمات البطولة. هذا تخدير يجب على كل عاقل أن يقاومه، والهزيمة في كل مباراة هي حقيقة نصر ووعي ويقظة لعموم الناس، وإنا لنسأل الله من فضله أن يزيد في هزائمنا الكروية لتقل جرعات المخدر اللذيذ الذي يصرف طاقتنا عما هو واجب وعما هو أولى.

وليس فرقا أن يكون اللاعبون مجموعة من الساجدين أو مجموعة من المنحلين أخلاقيا، الفارق هنا ليس كبيرا، ربما هو كالفارق بين أن يقدم اليوناني في حانته خمرا معتقة أو خمرا مغشوشا، كلاهما خمر في نهاية الأمر!

ولو أن يونانيا في ذلك الزمن بعث في زماننا هذا، لما فكّر في أن يتخذ له حانة، بل لاتخذ له ملعبا وفتح إلى جواره فضائية تعمل أربعا وعشرين ساعة في التحليل الكروي.. لقد صارت بلادنا المحتلة وشعوبنا المهزومة تعرف من خطط الكرة ما لا تعرف شيئا منه من خطط الحرب، وتعرف من أسماء اللاعبين ما لا تعرفه من أسماء المحاربين، ومن سياسات المدربين ما لا تعرفه من سياسات الأمن القومي!

وحين يستفيق الفلاح على استلاب أرضه وداره، سيجد زميله الفيلسوف يحاول أن يخترع له نظرية أخرى تسكره جيلا آخر!