الأحد، أكتوبر 02، 2022

وقفة مع الطاعنين في الإمام القرضاوي

 

كان من فقه ابن عباس -رضي الله عنهما- حين ذهب لمحاورة الخوارج، أن بدأ كلامه معهم بقوله: "جئتكم من عند صحابة رسول الله ﷺ، وليس فيكم منهم أحد".

فأشار لهم إلى حقيقةٍ كان يجب أن تردعهم وتشككهم فيما هم عليه، وهي أن ما هم عليه من الرأي والموقف لا يوافق عليه صحابي واحد من صحابة النبي ﷺ، هذا مع أن المعسكر الآخر -معسكر معاوية رضي الله عنه- فيه صحابة قاتلوا عليا رضي الله عنه.

فمجرد مخالفة علي، بل ومقاتلته، كانت رأيا ذهب إليه بعض أولئك الصحابة، ولكن موقف الخوارج لم يذهب إليه ولا صحابي واحد!! فكان ذلك علامة على ضلالهم!

ووضع علماء الأصول قاعدة ذهبية كان لها أعظم الفضل والأثر في ضبط الحركة الفقهية عبر التاريخ، وهي أنه لا يجوز مخالفة سلف الأمة، فإذا اتفقوا على رأي، لم يكن جائزا لمن بعدهم أن يخالف هذا الرأي، فإن الحق لن يخرج عنهم، إذ هم الموصوفون بالخيرية على لسان رسول الله، وهم الذين نزل عليهم الوحي، وأخذوا العلم عن رسول الله، فمخالفتهم هي في واقع الأمر قولٌ بأنهم قد أخطؤوا الحق وضلوا عنه، والأمة لا تجتمع على ضلالة.

وكذلك إذا اختلف هؤلاء الصحابة والتابعون على رأيين، لم يكن جائزا لمن بعدهم إحداث رأي ثالث، وذلك أن هذا الرأي الثالث هو رمي لهم بأن جميعهم قد ضلوا الحق وأخطؤوه، وهو ممتنع كذلك، إذ لا يجتمعون على ضلالة.. وكذلك إذا اختلفوا على ثلاثة أقوال لم يجز إحداث رأي رابع.. وهكذا، وثمة تفاصيل يعرفها من يدرس الأصول.

ولذلك كان علماء الأمة حساسين للغاية لمخالفة السلف الأوائل، وإذا ورد الشيء عن الصحابي توقف عنده وخضع له أولئك الذين شهد لهم العالَم بالعبقرية، أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، ولم يتجرؤوا أن يخالفوا ما وصل إليهم من علم الصحابة، مع ما هم عليه من الذكاء ونفاذ العقل وقوة القريحة.

ومن هذا الباب قيل: إذا أردت ألا تحك رأسك إلا بأثر فافعل.. وقيل: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها سلف.

كان هذا كله، خشية أهل العلم من الوقوع في الخطأ في ذات المسألة، أو الوقوع في اتهام السلف الأوائل بأنهم ضلوا عن الحق.

وحين استقرت المذاهب الفقهية، كادت الأمة أن تتفق على اتباع المذاهب الأربعة المشهورة، وثمة إقرار تام بأن الحق ليس محصورا في تلك المذاهب الأربعة؛ إذ ليس لاتفاقهم قوة اتفاق الصحابة، ولأنهم لم يتفردوا بالاجتهاد، فثمة غيرهم ممن بلغ مرتبة الاجتهاد ولكن مذاهبهم لم تخدم ولم تحرر كمذاهب الليث والأوزاعي والثوري والطبري وغيرهم.. مع ذلك فإنك تجد إماما مثل الذهبي يقول: نهاب أن نجزم في مسألة اتفقوا عليها بأن الحق في خلافها.

فاستعمل لفظ "نهاب"، ليعبر به عن معنى أن الحق غالبا لن يتجاوز هذه المذاهب الأربعة إذا اتفقوا، ولكن لا يمكن الجزم بهذا.

تلك -عزيزي القارئ- مقدمة طويلة أردت منها لفت النظر إلى شيء واحد: أنك إذا رأيت جمهرة من أهل الصلاح اتفقوا أو غلب عليهم الثناء على شخص فيجب أن تتهيب اقتحام الطعن فيه، أو وجدت منهم الطعن في أحد فكذلك.. فإن الله جعل أهل العلم والصلاح معالم هداية وإرشاد وتوجيه.

ومناسبة هذا الكلام ما رأيتُه من الطعن في الشيخ العلامة الراحل يوسف القرضاوي -رحمه الله وبرد مضجعه- بعيد وفاته، فأما الذين طعنوا فيه لأنهم من أتباع السيسي وابن زايد وابن سلمان، فهؤلاء لا نأبه لهم ولا نلتفت إليهم، فلا قيمة لهم ولا لكلامهم، فإنهم في معسكر الباطل الصريح الذي يقف على رأسه الشيطان بنفسه، وأما الذين نقصدهم بالحديث هنا فهم إخواننا الذين يطعنون في الشيخ، يحسبون بذلك أنهم يدافعون عن الإسلام ويحرسونه من أهل الضلال!

إنك حين ترى جمهرة العلماء والصالحين يثنون على الشيخ ويجلونه ويترحمون عليه ويتوجعون لفقده، فمن البداهة أنهم لم يفعلوا ذلك وقد اجتمعوا على النفاق والكذب وبيع دينهم بدنيا غيرهم! ومن البداهة أيضا أنهم لم يفعلوا ذلك جهلا بما علمتَه أنت، لا سيما وهم الذين يشتغلون بالفقه ليلهم ونهارهم بينما لستَ في ذلك.. وإن ما في جعبتك من المطاعن التي تبلغ العشرة أو العشرين ليست بخافية عليهم، ولهذا لا يعدو الأمر أن يكون له احتمالات:

إما أن هذه المطاعن ليست بأخطاء أصلا، وأن الشيخ حين قال بها كان له فيها وجه مقبول، أو حتى عذر مقبول. ولكنك جهلت هذا الوجه أو هذا العذر فرأيت الخطأ فيما ليس في نفسه من الخطأ.

وإما أنها أخطاء حقيقة وقع فيها الشيخ ولكن ليس لها في حقيقة الأمر ما لها في نفسك، فلعلها من الفروع وأنت تراها من الأصول، ولعلها من الخلاف السائغ وأنت تراها من غير غير الخلاف السائغ لجهلك بالخلاف أو لعدم تصورك له في المسألة.

وإما أنها أخطاء كبيرة حقا، ولكنها مغمورة في بحر حسنات الرجل، فكانت الحصيلة النهائية في صالح الشيخ، ولذلك نطقت سائر هذه الألسنة بالمدح والثناء والتحدث عن فضله وبذله.

لا سيما وفي صدر الذين أفاضوا بالثناء على الشيخ رجال موصوفون بالعلم والشجاعة، ولا يعرف عنهم نفاق أو خيانة، أعني بذلك أمثال الشيوخ: محمد الحسن ولد الددو، والصادق الغرياني، وأسامة الرفاعي وكثيرون وكثيرون كثيرون.. وإذا تيسر لك فتح كتابٍ مما كُتب في ذكرى بلوغه السبعين أو التسعين لوجدتَ جلة المشيخة، من مختلف المدارس، يكتبون في الثناء عليه.. وكثيرون من مخالفيه كتبوا في الترحم عليه واقتضبوا في العبارة، فكان ذلك منهم إقرار بأن الشيخ من المبرزين في أهل الإسلام وأنه شأنه شأن من يرجى له الرحمة لما قدَّم وبذل، بل حتى الذين سكتوا ولم تسمح نفوسهم بالترحم عليه.. كل هؤلاء كانوا في معسكر الذين رأوا أن الشيخ من أهل الخير والفضل، ولم يروا أن المقام مقام تحذير من صاحب ضلالة يوشك أن يُفتن الناس به.

فكيف رأيتَ أنت أنك أحرص من هؤلاء جميعا على دينهم ودين الناس، فاندفعت ترى نفسك مكلفا بالطعن في الرجل، وإلا ضلّ الناس إن سكتَّ ولم تتكلم؟!

إن الكلام عن الشيخ ومنهجه، ووضع "أخطائه" في موضعها أمر لا يتسع له هذا المقام، لكن ثمة أصليْن كبيريْن تجب الإشارة إليهما:

الأول: أنه لا يمكن تقييم ما يُقال أنه أخطاء الشيخ على غير منهجه وأصوله، فكما لا يُقيم رأي للأحناف على قواعد المالكية أو للشافعية على قواعد الحنابلة، فكذلك لا يمكن تقييم عمل الشيخ القرضاوي على قواعد المدرسة السلفية أو المدرسة الجهادية أو مدرسة الإيمان بالتقليد المذهبي! وإنما الحق أن يُنظر إلى عمل الشيخ ضمن المنهج الذي سار عليه وأعلنه وقعَّد له.

الثاني: أن في المدرسة السلفية نزوعا إلى تكييف المسألة تكييفا عقديا، فإذا بالمخالفة في الفروع تتطور سريعا لتلتحق بالأصول والعقائد، فإذا بوسيلة مثل دخول البرلمان -مثلا- تندرج بعد تسلسل بسيط لتكون تحت أصل الرضا بالحكم بغير ما أنزل الله، بل الرضا بالشرك بالله.. وهو أمر لا يخطر ببال الذين أباحوا دخول البرلمان!.. وهذه النزعة ضخمت كثيرا من الخلاف، بل وضغطت على الكلمات الطبيعية لتولد منها معاني عظيمة لم يقصدها المتكلم بحال.

وبعد ذلك كله، فالأمر الذي يغيب عن الكثيرين أن الشيخ القرضاوي كان عالم أمة، ولم يكن عالم جماعة ولا حزب ولا دولة، وكان مشتبكا مع نوازل الأمة ولم يكن منعزلا عنها، ومثل هذا الشيخ حين يوجد في عالم شكَّله أعداء الإسلام وحددوا مجالاته وقوانينه، يجد نفسه أمام أوضاع لا حلّ فيها إلا اختيار أدنى المفسدتيْن، أي أنه يفتي بالوقوع في مفسدة.. ومن العجيب أن الكثيرين ممن يأخذون راحتهم في الطعن بالشيخ ربما اضطرته الظروف إلى الحياة في الغرب فرارا بنفسه وبحثا عن أمنه (وما عليه في هذا من حرج)، ولكنه في ظل الحياة هناك، اضطر أن يفتح لنفسه حسابا بنكيا، واضطر أن يدخل أولاده مدارس تدرس لهم الإلحاد وتخلط البنات بالبنين، وهو يحتكم في كل حركاته وسكناته إلى قانونهم المناقض للشريعة بطبيعة الحال.. يفعل كل ذلك ويرى نفسه مضطرا! ولستُ أجادل في أنه مضطر معذور.. ولكن هذا الرجل نفسه إذا كان عالما يستفتى في النوازل فإنه سيفتي كثيرا من الناس بما أفتى به لنفسه.. وحينها سيراه الجالس في البلد المسلم مترخصا ومستهترا ومستهينا بأحكام الله، وربما طوّر المسألة بقليل من التسلسل واللوازم ليجعله راضيا بالشرك بالله!!

إنك لن تجد عالِما مشتبكا مع نوازل الأمة في هذين القرنين الأخيرين، إلا وجدت له فتاوى مستغربة.. وأكثر الطاعنين في أولئك ليس لهم من فضل الاشتباك مع نوازل الأمة مثل ما كان للأولين، وتلك قاعدة الحياة: من عمل كثيرا أخطأ كثيرا، ولكن القاعد لا يخطئ! وما من شك في أن الخطأ -في هذا المقام- خير من القعود!

أسأل الله تعالى أن يرحم الشيخ بواسع رحمته، وأن يخلف علينا بخير منه، وأن يحسن أخلاقنا ويوسع صدورنا للمسلمين جميعا، لا سيما أهل الفضل والبذل منهم.

الاثنين، سبتمبر 26، 2022

في يوم وفاة القرضاوي

 


خبر وفاة الشيخ الإمام يوسف القرضاوي من تلك الأخبار التي لا يتمالك المرء نفسه أن يكتب فيها شيئا! ويظل بعدها زمنا حتى يتسنى له أن يتزن ويختار وينظر إلى الأمر من بعيد، فيتهيأ له أن يتحدث!

 

وهذه الحيرة أراها بادية في كلام محبيه وطلابه، فالكلام فيه مضطرب، والفكر فيه مرتبك، والعين تدور والعقل يجول، يبحث المرء عن الزمام!

 

فإن رأيت القرضاوي في الكتب بهرك بسعة علمه وتفننه في الكتابة واهتمامه بأمر المسلمين وقضاياهم ونوازلهم، وإن جالسته بهرك بتواضعه وأدبه وطرافته وتوسعته لجلسائه وصبره عليهم.. ولقد رأيته وهو في الثامنة والثمانين من عمره يجلس في المؤتمر من أوله إلى آخره لأربعة أيام في دأب وصبر لا يطيقه الشباب!

 

ويكفي دليلا على قوة شخصيته وملئه لمكانه أن يحتار الناس في خلفائه من بعده!

 

كان القرضاوي رأس الأمر الذي ينتمي إليه، وباب الشأن الذي يقوم عليه، فهو في الفقه أكبر فقهاء العصر، وهو في الأزهر أرفع أعلامه، وهو في مصر أشهر مشايخها ورموزها، وهو في مدرسة الإخوان شيخها وفقيهها الأكبر!

 

ولستَ تجد عاقلا فيه إنصاف، من أي مدرسة إسلامية كانت، إلا وقد ترحم عليه وعرف فضله وتأسف لموته!

 

لقد شاء الله أن بُثّت بالأمس حلقة لي تكلمت فيها عن مذكرات الشيخ المجدد محمد رشيد رضا، وكان رشيد رضا ثمرة من ثمرات الأفغاني ومحمد عبده، فإن جريدتهم "العروة الوثقى" هي التي أيقظت فيه أن الإسلام شيء أكبر من العبادة والشعائر والأخلاق، وأنه نظام شامل لإصلاح الحياة والسياسة والاقتصاد والاجتماع!

 

هذا هو نفسه فضل القرضاويّ عليّ، فلقد أخرجتني كتبه من جدالات الأمور الصغيرة، التي لا تغادر تقصير الثوب أو فرضية النقاب أو إعفاء اللحية أو نحوها.. ففي كتبه رأيت أن الإسلام نظام حياة، وأنه منهاج أمة، وأنه الحل للبشرية!

 

وبعد أن كنت أرى الفتوى في كلام المشايخ تستغرق السطر أو السطرين، رأيتها تستغرق عشر صفحات أو أكثر في كتابه "فتاوى معاصرة"، فأنقذني ذلك من استسهال الفقه والاستهانة بعملية استخراج الحكم الشرعي من النص، وقد كنت على وشك ذلك أو وقعت فيه، فمنذ ذلك الوقت (وكان عمري 14 عاما) وحتى الآن، لا شيء أكثر مهابة عندي من الفقه.. ولئن كنتُ لا أستحضر الآن الفتاوى نفسها، فإن يقيني بأن الفقه عمل دقيق عظيم لا يزال حاضرا في نفسي حتى الآن!

 

كان الشيخ القرضاوي رجل عصره، مهموم بالنوازل، فليس يهتم أن يحرر الدقائق التي تعجب العلماء والمتخصصين، بل يقتحم الأمور التي تحتاج إلى الفتوى مما يفرضه الواقع.. وبهذا كان الشيخ أعظم تأثيرا ممن غرق في بحر الفقه العلمي التقليدي، فلم يعرفه سوى طلابه!

 

كتب عنه جاكوب سوفجارد بترسون كتابه "المفتي العالمي: ظاهرة يوسف القرضاوي".. فالرجل كان يقصده للفتوى أهل الصين وأهل أمريكا الشمالية!

 

ومع بلوغه هذه المكانة التي يحلم بها أي إنسان، ويسكر بها أي مغرور، إلا أن الشيخ كان كثير الإلحاح على ضرورة الاجتهاد الجماعي، وأن مسائل الأمة ونوازلها صارت أوسع من قدرة الشخص على أن يفتي فيها ويستوعب أحوالها. وهذه منه سمة عالِم الأمة والحريص على شأنها، فلم يكن بالذي يرضى بما بلغه من السمعة والشهرة، لأن همه فوق حيّز نفسه!

 

ولهذا أيضا كان مغرما بالمؤسسية، ويعرف القارئ له من خشيته أن ينتهي العمل بانتهاء صاحبه ورائده، ولذلك خاض في إنشاء المؤسسات كي يبقى الأثر والخبر بعد ذهاب الرجال! فسعى في هذا حتى كان من أحسن ثمراته: موقع إسلام أون لاين، والمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، ثم درته الكبيرة: الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين!

 

فكان إسلام أون لاين أعظم موقع إسلامي في وقته، وصار المجلس الأوروبي مرجع المسلمين الشرعي في ديار الكفر، وكان الاتحاد العالمي أول تجمع علمائي مستقل لا تسيطر عليه دولة!

 

وقد نختلف كثيرا في تقييم هذا الإنجاز المؤسسي، ومدى بلوغه أهدافه، ومدى سيره على النحو الذي أمّله الشيخ منه، وليس هذا مقصد الكلام هنا.. إنما مقصد الكلام الإشارة إلى هذا الهمّ الرابض في صدر الشيخ، وهذا المعنى الثائر في عقله، معنى المؤسسة، لكي لا ينفرد أحد بالرأي أولا، ولكي لا ينتهي العمل بوفاة صاحبه ثانيا.. فذلك الهمّ وذلك المعنى هو من أدلة العظمة التي تميز بها الشيخ الإمام.

 

لو كان الإمام في بلاد غير بلاد العرب في زماننا هذا لما كان من شك في أنه كان سيبلغ أعظم مما بلغ بكثير بكثير بكثير.. فمثل هذا الرجل لو كان شيخا للأزهر لكان الأزهر الآن في حال عظيم من القوة والسعة وتخريج العلماء واجتذاب الطاقات والطلاب!

 

لقد كان الشيخ طاقة هادرة وموجا متدفقا، نشاط هائل منطلق في جهاتها الأربع، ولقد هيأ الله له أن يسكن قطر، حيث توفر له فيها أمانٌ ما كان ليجد مثله في مكان آخر، فلقد كانت قطر من نعمة الله عليه، كما كان هو من نعمة الله على قطر، وهيأ الله له من حُكَّامها من اتسعت صدورهم له، وبلغت عندهم منزلته وقبلت لديهم شفاعته! وما كان له أن يبلغ ما بلغ لولا ما هيأه الله له منهم!

 

ولئن كنت لا أرتاب في أن القرضاوي رجلا عظيما، فإني لا أرتاب كذلك في أن الأمة لا تخلو من مثله، لكن يد البطش والطغيان والاستبداد، وأفواه السجون والمشانق قد ابتلعت والتهمت سائر هؤلاء، فإن هي لم تلتهمهم فقد كبتتهم وأخرستهم وقيدتهم، وإن هي لم تفعل ذلك عمدا فقد فعلته بما نشرته من أجواء الخوف وبيئة الفساد وارتفاع الأسافل والأراذل!

 

وتلك الجواهر النادرة المكنونة التي لم تسمح لها الأوضاع أن تتألق كما تألق القرضاوي، مهما جهلناهم فلم نعرفهم، ومهما كانوا مغمورين لم يأخذوا حقهم، فلا ريب أن الله يجزيهم أجرهم، ولا ريب أن التاريخ سينصفهم في قابل أيامه!

 

لكن يجب أيضا أن نقول، أن الشيخ الإمام القرضاوي قد استثمر الظرف المهيأ له أفضل استثمار، فكم من المشايخ أمثاله ممن توفر لهم أمنٌ ورزق، فلم تحملهم همتهم ولم تسعفهم مواهبهم أن يبلغوا شيئا مما بلغ الشيخ!

 

لئن كان الله قد أنعم على الشيخ ببلد آمن ورزق طيب، فلقد وفى الشيخ -نحسبه- شكر نعمة الله عليه، فبذلها في مرضاته، واستهلكها في نصرة قضايا الأمة!

 

وهذا هو واجب كل امرئ فيما أنعم الله عليه به، وفيما استخلفه فيه.

 

نعم، أعرف أنها سطور مرتبكة محتارة، وأعرف أني سأتحسر بعد قليل على شيء نسيته كان من حقه أن يذكر، ولكن يكفيني أن استطعت كتابة هذا في يوم كهذا! فهذا يوم غربت فيه الشمس، وانهد فيه ركن العلم، وخُتِم بالشيخ جيل الكبار!

 

فاللهم أجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيرا منها.

 

....

 

الاثنين، سبتمبر 05، 2022

وأزواجه أمهاتهم..

ما إن يتكلم المسلم فيجري على لسانه لفظ "أمهات المؤمنين" حتى ينشأ في نفسه ارتباطٌ جديد خاصٌّ بالنبي ﷺ، وكما أن النبي أولى بنا من آبائنا وأنفسنا، فإن زوجاته أمهاتنا، وهذه علاقة قررها الله تعالى في قوله ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6]، ويسميها الشهيد سيد قطب "الأمومة الشعورية بين أزواج النبي ﷺ وجميع المؤمنين"[1]، ومن هنا فإن حياة أمهات المؤمنين هي مما يزيد من الرابطة والعاطفة الخاصة بين المسلم ونبيه ﷺ.

ومن فوائد هذا أن أمهات المؤمنين كُنَّ إحدى العلامات الفارقة التي يتميز بها المسلم عن الكافر والضال والمبتدع! فالمسلم حقا هو من يشعر نحوهن بهذه الأمومة والتوقير والتبجيل، وأما غيره، فتشتعل في صدره الأحقاد والأغراض، وتدب في نفسه العقارب والمآرب، ويسعى في تشويه سيرتهن، أو تشويه سيرة النبي من بابهنّ!

وقد كان هذا قديما وحديثا، وتأمل هذا الفارق:

لما حوصر عثمان رضي الله عنه ذهبت إليه أم المؤمنين أم حبيبة تغيثه ببعض الماء والطعام، وما خطر في بالها أن الذين يحاصرونه يمنعونها، فهي أم المؤمنين، وهم إنما يزعمون لأنفسهم التقوى والإيمان، وأنهم ما خرجو على عثمان إلا لانحرافه عن بعض الدين! إلا أن هذا قد القناع الزائف قد سقط وانكشف، حين منعوها أن تصل إليه، وضربوا بغلتها وقطعوا الحبل بالسيف حتى كادت تسقط من فوقها[2]! وهؤلاء الذين تمردوا على عثمان حتى قتلوه، هم أنفسهم الذين حاولوا اغتيال أم المؤمنين عائشة في موقعة الجمل، حتى صار هودجها كأنه القنفد من كثرة السهام والنبال!

بينما ترى المشهد الآخر عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعند أهل الجمل، فمع أنهما معسكران متقاتلان، إلا أن كليهما كان حريصا على حياة أم المؤمنين عائشة، فأما أهل الجمل فقد استماتوا في الدفاع عنها وأحاطوا بجملها واستشهدوا تحته لكي لا يخلص إليها أذى[3]، وأما علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقد أرسل فرقة خاصة من جيشه، لاستنقاذها وكلَّف بذلك أخاها محمد بن أبي بكر وعبد الله بن بديل بن ورقاء[4].

فهنا ترى الفارق بين المسلم الذي يوقر أمهات المؤمنين ويحرص على حياتهن، وبين الضال المبتدع والكافر الحقود الذي يسعى في إيذائهن وقتلهن!

وامتدَّت هذه القاعدة منذ ذلك الزمن وحتى وقتنا هذا وإلى ما شاء الله! فلستَ ترى مسلما أو حتى منصفا إلا وهو يوقّر أمهات المؤمنين، ولست ترى عدوا للمسلمين إلا وهو يسعى في إيذائهن، سواءٌ أكان هذا العدو شيعيا رافضيا أو مستشرقا أو علمانيا أو ملحدًا.

لقد صارت أمهات المؤمنين من علامات الإيمان، فإنهن الطيبات اللاتي اختارهن الله لنبيه ﷺ، ووصفهن بقوله ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: 26]

***

وفوق ذلك، فإن المؤمن يشعر بنعمة الله عليه بأمهات المؤمنين –رضي الله عنهن- إذا تصوَّر أن لو لم يكن للنبي أزواج! فلو كان ذلك لخفيت علينا كثير من سنن النبي ﷺ في بيته ومع أزواجه، وكيف كان يتعامل مع رغباتهن وغيرتهن واعتراضاتهن، وكيف كان يغازلهن ويغار عليهن ويحتوي ما يقع بينهن من الأمور، وكيف يكون في خدمة أهله، ويتلمس في ألفاظهن وتعبيراتهن المعاني التي تنطوي عليها نفوسهن، وكيف أنه في استشارهن ونزل على رأيهن في أمور كبرى، بل كيف ترك لهن بعض الألغاز بعد وفاته كلغز "أسرعن لحاقا بي أطولكن يدا"، فلم يعرفن إجابة هذا ومعناه إلا بعد وفاته، فعلمن أن طول اليد كناية عن كثرة الصدقة.

إن من يطالع الأحاديث المروية عن عائشة -رضي الله عنها- وحدها، يُصاب بالصدمة إذا تصَوَّر أننا نفقد كل هذا العلم والثراء، فإنها معدودة في أكثر الرواة عن النبي ﷺ، كما قال الناظم:

والمكثرون من رواية الأثر .. أبو هريرة يليه ابن عمر

وأنس والبحر كالخدري .. وجابر، وزوجة النبيّ

أو كما قال الآخر

سبع من الصحب فوق الألف قد نقلوا .. من الحديث عن المختار خير مضر

أبو هريرة، سعد، جابر، أنس .. صدِّيقةٌ وابن عباس، كذا ابن عمر

فعائشة وحدها قد روت علما غزيرا عن النبي ﷺ، وكانت أعلم أمهات المؤمنين، ومن فقهاء الصحابة، هذا فضلا عما روته الأخريات كأم سلمة وزينب بنت جحش وجويرية بنت الحارث وصفية بنت حيي.. فلو لم يكن لهن من الفضائل إلا أنهن عرَّفننا بنبينا ﷺ وقرَّبن إلينا صورته وطبائعه وطريقته لكان ذلك منهن أعظم الفضل!

***

ومن العجيب الذي يدل على فساد بعض النفوس أن ترى المنصفين من غير المسلمين يوقرن أمهات المؤمنين، ويرون في سيرتهن دليلا على عظمتهن وعظمة النبي ﷺ، بينما حُرِم من هذه النعمة بعض من يزعم الانتساب إلى المسلمين.

يقول مؤرخ الحضارة ول ديورانت: "وكان النزاع يقوم في بعض الأحيان بين النبي  وبين أزواجه كما يحدث عند غيره من المسلمين، ولكنه كان على الدوام يعزهن، ويظهر لهن ولغيرهن من النساء المسلمات ما يليق بهن من عواطف طيبة، ويروى عنه أنه قال: إن المرأة الصالحة أثمن شيء في العالم"[5].

ومن أعجب ما في هذا الباب أن ترى امرأة أوروبية غير مسلمة تنطق بالحق في موضوع مثل تعدد الزوجات، أقصد المستشرقة الإيطالية لورافيشيا فاجليري، والتي تقول: "أصر أعداء الإسلام على تصوير محمد شخصا شهوانيا ورجلا مستهترا، محاولين أن يجدوا في زواجه المتعدد شخصية ضعيفة غير متناغمة مع رسالته. إنهم يرفضون أن يأخذوا بعين الاعتبار هذه الحقيقة: وهي أنه طوال سني الشباب التي تكون فيها الغريزة الجنسية أقوى ما تكون، وعلى الرغم من أنه عاش في مجتمع كمجتمع العرب؛ حيث كان الزواج كمؤسسة اجتماعية مفقودا أو يكاد، وحيث كان تعدد الزوجات هو القاعدة، وحيث كان الطلاق سهلا إلى أبعد الحدود، لم يتزوج إلا من امرأة واحدة ليس غير، هي خديجة التي كان سنها أعلى من سنه بكثير، وأنه ظل طوال خمس وعشرين سنة زوجها المخلص المحب، ولم يتزوج كرة ثانية، وأكثر من مرة إلا بعد أن توفيت خديجة، وإلا بعد أن بلغ الخمسين من عمره، لقد كان لكل زواج من زواجاته هذه سبب اجتماعي أو سياسي؛ ذلك بأنه قصد من خلال النسوة اللاتي تزوجهن إلى تكريم النسوة المتصفات بالتقوى، أو إلى إنشاء علاقات زوجية مع بعض العشائر والقبائل الأخرى؛ ابتغاء طريق جديد لانتشار الإسلام، وباستثناء عائشة ليس غير، تزوج محمد من نسوة لم يكنّ لا عذارى، ولا شابات، ولا جميلات، فهل كان ذلك شهوانية؟"[6].

وثمة كاتب آخر من بين الجميع يستحق وقفة خاصة، بل لا يسمح المقام سوى بإشارة عابرة، ذلك هو الكاتب القبطي المصري د. نظمي لوقا، وهو أستاذ في الفلسفة وشاعر وأديب ومترجم، ذلك الرجل الذي ظلمته الكنيسة لأنه أنصف الإسلام، وظلمته دولة العسكر العلمانية لأنها تراعي خاطر الكنيسة، ولم ينتبه إليه المسلمون في غمرة ما هم فيه من الهموم التي تجعلهم لا ينتبهون لبعض أعلام المسلمين أنفسهم.

كتب نظمي لوقا ثلاثة من الكتب عن الإسلام هي من أرقى وأجمل ما يُكتب، منها كتابه "محمد في حياته الخاصة"، الذي تركز على تبرئة النبي ﷺ من الشبهات المثارة حول زواجه وزوجاته، فأخذ يروي قصة كل زواج ودوافعه ومعانيه بعقل ذكي وقلم عبقري، ومن بديع ما قاله في هذا[7]:

-      "ربع قرن من الزمن، هي فترة الشباب العارم والرجولة الفتية، ولم يكن فيها زوجا للعدد العديد من الحريم، بل كان بعل امرأة واحدة هي خديجة، وذلك في البيئة لا تعرف إلا التعدد الذي لا حصر له".

-      "لو كان محمد أخا مجانة لكان أول ما يتشدقون به من المطاعن عليه حين نهض يدعوهم إلى عبادة الله، وما ينبني عليها من التعفف والاستقامة والطهر، أن يتصايحوا: ما هذا الذي خرج علينا به محمد ﷺ من الدعوة إلى العفة، وهو الذي عهدناه كذا وكيت؟! ولكنها لم تخطر ببالهم على كثرة ما رموه من البذاء، لسبب واحد لا يُعقل سواه، أنه كان في سلوكه الشخصي على نقيض ذلك، وكان مشهورا بالتزام العفة والطهر والبعد عن الشبهات، فالفجور في عصر الفجور لم يكن شيمة محمد، ولم يكن مكلفا بعد برسالة".

-      "لقد كان بيده أن يجعلها (جويرية بنت الحارث) من نصيبه من السبايا، وكان بيده وقد راقته أن يجعلها في ملك يمينه بشرائها من قيس بن ثابت، ولكن المسألة كانت أكبر وأجل من فتاة راقت رجلا فتمناها؛ لأن المسألة كانت مسألة فتح مبين، وتألف قلوب، وانتشار دين، ثم هي فضلا عن هذا مسألة نخوة لا نزوة".

-      "كان بيده أن يجعلها (صفية بنت حيي) أَمَةً من إمائه، لو أنه كان ينظر إلى متعة، ولكنه حررها وتزوجها لتكون لها عزة بعد ذلة، وهو الذي طالما أكرم عزيز قوم ذل، ولكي يعلم من لم يعلم بعد أن محمدا يجبر القلوب الكسيرة، ويعفو عند المقدرة، ويأسو ما جرحه مضطرا".

وبعد أن استعرض سائر الزيجات، وتوقف مليا عند قصتي عائشة وزينب لما فيهما من الكلام الكثير الذي اتكأ عليه المغرضون، ثم خرج بهذه الخلاصات:

-      "هؤلاء زوجاته اللواتي بنى بهن وجمع بينهن، لم تكن واحدة منهن هدف اشتهاء كما يزعمون، وما من واحدة منهن إلا كان زواجه بها أدخل في باب الرحمة وإقالة العثار والمواساة الكريمة، أو لكسب مودة القبائل وتأليف قلوبها بالمصاهرة، وهي بعد حديثة عهد بالدين الجديد".

-      "ما كان من الهين على رسول قائد جيش وحاكم دولة محاربة أن يزيد أعباءه بما يكون في بيت كثير النساء من خلافات على صغائر الأمور، ولكنه الواجب؛ واجب الدعوة، أو واجب النخوة، وشتان ذلك وما يتشدقون به من أمارة النزوة".

-      "إن النهج الصحيح في فهم أعمال كبار الرجال أن نتصورهم في ضخامتهم وفي عناصر تكوينهم النفسي، وعلى ضوء هذا التصور نتخير من الدوافع المختلفة الممكنة للعمل الواحد من أعمالهم ما يتفق وشخصيتهم"

-      "فليقل من شاء ما يشاء! ولكن لا حيلة في نسبة محمد إلى الوفاء غاية الوفاء، إلى وفاء يكاد يجعلني أشك في بشريته، وأنا الذي جربت من فنون التنكر والمروق ما أوشك أن يقضي على ثقتي بسائر خلق الله من أبناء آدم وبنات حواء".

***

لقد كانت سيرة النبي ﷺ مع زوجاته الطاهرات أكبر دليل نرفعه في وجه العالمين لنحدثهم عن مكانة المرأة في ديننا، لا سيما وقد بُعث النبي في قوم لا يكرمون المرأة ولا يرون إلا أنها شيء كغيرها من الأشياء، ولكنهم حين نزلت عليهم أوامر الله في شأن النساء التزموها كأن لم يكونوا يهينونها من قبل!

فأمهات المؤمنين هن النماذج الحية التي شرحت للمرأة المسلمة، ولغير المسلمين جميعا، طبيعة المرأة ودورها في هذه الحياة ومكانتها في هذا الدين، وبيَّنت لها حقوقها وواجباتها!

وأمتنا تنفرد في هذا عن بقية الأمم، فعيسى لم يتزوج النساء، وأتباعه ابتدعوا الرهبانية التي لا يطيقها أكثر الناس، بل لقد غزت الشهوانية رهبانهم وصار لهم في كل يوم فضيحة وفضائح. كذلك لا يكاد يثبت شيء من أخبار الأنبياء مع زوجاتهن. فسيرة أمهات المؤمنين عندنا هي مزية أخرى نفتخر بها ونرتفع.

فرضي الله عن أمهات المؤمنين جميعا.

نشر في مجلة أنصار النبي 



[1] سيد قطب، في ظلال القرآن، 5/2819.

[2] أحمد بن حنبل، فضائل الصحابة، (799) بإسناد صحيح كما قال محققه وصي الله عباس؛ الطبري، تاريخ الطبري، 2/672، 673.

[3] خليفة بن خياط، تاريخ خليفة بن خياط، ص190؛ الطبري، تاريخ الطبري، 3/53، بإسناد حسن، انظر: عبد الحميد فقيهي، خلافة علي بن أبي طالب، رسالة دكتوراة، ص138 (الملحق).

[4] ابن أبي شيبة، المصنف، (37831)، بإسناد جيد، انظر: ابن حجر، فتح الباري، 13/57.

[5] ول ديورانت، قصة الحضارة، 13/64.

[6] لورافيشيا فاجليري، دفاع عن الإسلام، ص99، 100.

[7] أنقل هذه العبارات باختصار يُلزم به المقام، من كتابه "محمد في حياته الخاصة"، والذي أرجو أن يعود إليه القراء ليستمتعوا بما فيه.

السبت، سبتمبر 03، 2022

في ذكرى تحرر أفغانستان: نظرة وعبرة

 


في الليلة الظلماء يُفتقد البدر، وفي زمن الهزيمة يُفتقد النصر..

وفي زمن هزائمنا المتتالية تألق هذا الشعب الأفغاني الباسل الصبور ألمع ما يكون التألق، فأنزل الإمبراطوريات الثلاث الكبرى من فوق عروشها: الإنجليز والروس ثم الأمريكان..

ولئن كان المسلم يفرح بالكلمة يقولها العدو المهزوم في كل وقت وعصر، فإن هذه الفرحة تتضاعف في زمن القهر والضعف، ولك أن تنظر في رئيس وزراء الإمبراطورية التي كانت لا تغيب عنها الشمس، هارولد ماكميلان، وهو يلخص تجربة بلاده فيقول: "القاعدة الأولى في السياسة: لا تغزو أفغانستان"[1].

وفي الوقت الذي كان الاتحاد السوفيتي هو الوحش الذي يسيطر على نصف العالم الشرقي، والذي لم يكن أحد يشك في سهولة ابتلاعه لأفغانستان، إذ بالأفغان يسحبون هذا الوحش من عليائه ليكتبوا الفصل الأهم في قصة نهايته، وحتى هذه اللحظة يرسم المُنَظِّر الروسي مصالح بلاده ومستقبلها اعتمادا على درس الهزيمة الروسية على يد الأفغان، يقول: "المنطق الجيوبولتيكي يُظهر أنه سيكون حتما على روسيا أن تعود إلى أفغانستان، على الرغم من أنه كان أفضل بكثير أن تعود في صورة حليف وفيّ، حامٍ وصديق، من أن تعود في صورة جلاد غليظ القلب، فوصول روسيا إلى البحار الدافئة يمكن التوصل إليه ليس فقط عن طريق الحرب الدامية، بل ومن خلال سلام عقلاني مفيد للمصالح الجيوبولتيكية لجميع الدول القارية"[2].

وهذا كيسنجر، ثعلب السياسة الأمريكية ودهقانها، يكتب في لحظة انتشاء، "تبين أن التحذيرات الأولية حول تاريخ أفغانستان بوصفها "مقبرة الإمبراطوريات" بلا أساس. فبعد عمل سريع قادتْه قوات أمريكية بريطانية وأفغانية حليفة تمَّت إطاحة الطالبان وإخراجه من السلطة"[3]، ومع أنه نسي الآخرين وهم كثير فلا أدري كيف لم يشعر بالحرج وهو يفخر بانتصار كهذا شارك فيه كل هؤلاء ضد حركة صغيرة فقيرة في بلد صغير فقير؟! المهم أن الله أبقاه حيا حتى رأى بعينيه فساد نبوءته وصحة سنة التاريخ، ليخرج الأمريكان من أفغانستان!

كان كيسنجر سيئ الحظ، وكان الحظ السيئ نصيب بريجينسكي، الذي شغل أيضا منصب مستشار الأمن القومي الأمريكي، لقد مات بريجينسكي قبل أن يرى الانسحاب الأمريكي الأخير من أفغانستان، وكان قد كتب قبل موته يقول: "تمثلت العواقب بتدهور درامي مثير لمكانة أمريكا العالمية، وبتبدد تدريجي لمشروعية صدقية أمريكا على الصعيد الرئاسي، وبتضاؤل ذي شأن لتماهي حلفاء أمريكا الذاتي مع أمن أمريكا"[4].

منذ زيارته الأولى لأفغانستان، أحسَّ وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس بالإخفاق، وكتب في مذكراته يقول: "كان ذلك تذكيرا قاسيا لي بقدرتنا المحدودة على التنبؤ بالمستقبل، أو استشراف التبعات غير المقصودة لأفعالنا. كان ذلك ما جعلني حذرا للغاية حيال إرسال القوات المسلحة (الأمريكية) إلى أماكن جديدة"[5]، فهذا من فضل أفغانستان على هذه الأمة، لقد صار رئيس أقوى جيوش التاريخ حذرا من حروب أخرى بفعل ما لقيه على يد أولئك الطالبان! بل إنه اعتبر أن أي وزير دفاع أمريكي سينصح في المستقبل بإرسال قوات إلى الشرق الأوسط وآسيا، مجنونا يجب إخضاعه لفحص قواه العقلية!

إذن، هكذا أخفقت الحرب التي قال عنها الرئيس الأمريكي قبل أن تنطلق: "لا يمكن أن نفشل، فهذه الحرب مختلفة عن أي حرب أخرى في التاريخ"[6]، وهي التي احتشد لها من الجيوش والقوى والعملاء المحليين ما لم يحتشد مثله في التاريخ.. تبدد هذا كله في أرض الأفغان!

نعم، الشعور بلذة الانتصار وتذوق طعم التحرر هو من حاجات البشر، وهذه الحاجة تتضاعف عند الأمة المغلوبة، ولا يمكن توجيه اللوم لرجل أطال الجلوس إلى الطعام بعد شدة الجوع، أو أخذ يعب من الماء بعد طول ظمأ.

لكننا لا نملك ترف الوقوف طويلا لنتذوق طعم النصر، فإن التحديات التي تتبعه أثقل بكثير وأطول بكثير، إن التحرر هو غاية كل شعب محتل، ولكنه أيضا هو بداية كل شعب يطلب ألا يُحْتَلَّ مرة أخرى، ومثلما بذل الأفغان ثمنا عظيما قبل التحرر، فإنه ينتظرهم ثمنٌ أعظم بعد التحرر!

إن أفغانستان، مثل أمتنا، تقع في المنطقة الوسطى بين المشاريع الكثيرة المتحاربة والمتضاربة، من مزايا أمتنا العظيمة أننا نتوسط هذا العالم، ولو أن أمتنا كانت دولة واحدة فإنها تكون أقوى دول العالم بلا شك، إنها تسيطر على الموارد الكثيرة، وتسيطر على الممرات البرية، وعلى المضايق البحرية، ولا تستطيع أمة في هذا العالم أن تتواصل أو تتاجر مع أمة أخرى دون إذن هذه الأمة الإسلامية.

وهذا الموقع الخطير في قلب العالم، مثلما يعطينا قوة هائلة في لحظة القوة، فإنها يكون تحديا عظيما في لحظة الضعف، ومن ثمَّ فلا خيار، فإما أن تكون قويا، وإما أن تكون مسرحا يتحارب عليه الأقوياء من حولك!

وأفغانستان صورة مصغرة من هذا الوضع، إنها تقع دائما في قلب الأحلام والخطط والمشروعات الأمريكية والروسية والصينية والهندية والإيرانية، وهذا يجعلها دائما في قلب الخطر، ويجعلها دائما في حاجة لكل طاقة ومجهود في أي مجال! ذلك كله يلقي عبئا كبيرا على الإمارة الإسلامية التي ستحتاج إلى إدارة الكثير من المعارك المتضاربة، وإدارة القليل من الموارد الموجودة، لتحقق أفضل النتائج!

إن الشعب الذي أسقط القوى العظمى من عروشها، ببسالة وصمود منقطع النظير، بقي أمامه أن يثبت قدرته على النمو والنهوض في السِّلم، ربما لن يتجرأ أحد في المدى القريب لتكرار تجربة الغزو، ولكن التاريخ والسياسة مليئتان بالحمقى الذين يحبون أن يكرروا التجارب! أولئك الحمقى لا تردعهم التجارب ولا يقرؤون التاريخ عادة، ولهذا فهم حاجة إلى نوع آخر من الردع: ردع القوة الحاضرة القائمة!

هذه القوة الحاضرة القائمة لا تظهر إلا ببذل المجهود الأعظم في تقوية الدين والإيمان واليقين في الإسلام، فذلك هو ما يفجّر طاقة المرء وطاقة المجتمع فيجعله يبذل غاية وسعه وهو يرجو بذلك وجه الله واليوم الآخر! لا تستطيع الرواتب المجزية والأموال الكثيرة أن تستخرج من الإنسان كل طاقته مثلما يستخرجها الإيمان العظيم.

وهذه القوة الحاضرة القائمة لا تظهر إلا ببذل المجهود الأعظم في تلاحم الشعب الأفغاني، وإزالة ما عنده من أسباب الفرقة والانقسام، لقد كانت هذه الفرقة هي الثغرة الكبرى التي ينفذ منها العدو، وقد حقق بها الإنجليز والروس والأمريكان ما لم يكونوا يستطيعون تحقيق عُشْرِه بسلاحهم وعتادهم. ثمة مجهود ضخم يجب بذله في توثيق الروابط وتمتين العرى بين الأفغان، ثم بين الأفغان وإخوانهم من الشعوب الإسلامية: الأقرب فالأقرب. والتجربة الأفغانية شاهدة على أن قوة الترابط الإيماني قد وفَّرت للأفغان من الإمكانيات والفرص ما لم يكن يمكن بلوغ عُشْره لو انفرد أهل البلد بأنفسهم في مواجهة هذه القوى الكبرى.

ثم إن هذه القوة القائمة الحاضرة ستحتاج سياسة كبيرة ودقيقة في إنشاء العلاقات والتحالفات مع الدول المحيطة ثم الأقرب فالأقرب، كما ستحتاج مجهودا ضخما في نشر التعليم وبناء الاقتصاد والاهتمام بالبحث العلمي، البحث العلمي الذي ينصبُّ أول ما ينصبُّ على تصنيع السلاح، فإنه لا شيء أنفع للمسلم ولا لمجتمع المسلمين بعد قوة إيمانهم وترابطهم من قوة سلاحهم. هذه القوة هي التي تحيل الأمة من فريسة إلى ندٍّ وشريك، كما تحولها من ندٍّ وشريك إلى قوة مُهابة يُرتجى ودّها ويُبْتَغى التحالفُ معها!

هنئيا للأفغان البواسل ذكرى تحررهم، ونسأل الله أن نراهم في العام القادم وقد صاروا خطوات كبيرة على طريق التمكين والقوة.

نشر في مجلة الصمود، العدد 199

المجلة الرسمية الناطقة باسم الإمارة الإسلامية في أفغانستان



[1] أحمد موفق زيدان، صيف أفغانستان الطويل، ص6. والترجمة الحرفية للكلمة: "بني العزيز، ما دمت لا تغزو أفغانستان، فأنت في خير حال"، وهي موجهة من هارولد ماكميلان لخلفه في رئاسة الوزراء أليك دوغلاس هوم، بتاريخ أكتوبر 1963م.

[2] ألكسندر دوغين، أسس الجيوبولتيكا، ص217، باختصار. وأعاد التأكيد على هذا في ص410.

[3] هنري كيسنجر، النظام العالمي، ص311.

[4] زبيجنيو بريجينسكي، رؤية استراتيجية، ص85، باختصار.

[5] روبرت جيتس، الواجب، ص241.

[6] كونداليزا رايس، أسمى مراتب الشرف، ص117.