الأربعاء، يونيو 20، 2018

مذكرات الشيخ رفاعي طه (3) أول اصطدام بالنظام، وأول صدمة فكرية، وأول تفكير في إقامة دولة إسلامية


سجلها عنه وحررها: محمد إلهامي

أنهيت المرحلة الابتدائية وكنت الأول على مستوى الصف السادس الابتدائي بالمدرسة، والعشرين على مستوى المحافظة، كانت درجاتي تجعلني في المركز العاشر ولكن المتكرر من المتفوقين أنزلني إلى المرز العشرين، وكانت عادتهم في ذلك الوقت أن يأخذوا المتفوقين إلى "تنظيم البراعم" الملحق بالطلائع، وكانت الطلائع ملحقة بالاتحاد الاشتراكي العربي، فدخلت تنظيم البراعم في الصف الأول الإعدادي وبقيت فيه فترة، فلما انتهت المرحلة الإعدادية دخلت الطلائع وبقيت بها حتى الصف الثالث الثانوي، ثم دخلت منظمة الاتحاد الاشتراكي العربي، وكنت مسؤول تثقيف وحدة بندر ادفو في المنظمة، وعندما دخلت الجامعة انضممت إلى الحزب الشيوعي لامصري لفترة، وبقيت فيه طوال فترة السنة الأولى في كلية التجارة، ولمست ظاهرة الفساد الأخلاقي إذ كنت متدينا بطبيعتي، وكنت قد التحقت بطريقة صوفية بعد أن أنهيت المرحلة الإعدادية.

أذكر حين كنت في الصف الثالث الإعدادي كان معنا زميل اسمه محمود حسن عبد الرسول، كان في عائلته على ما يبدو أحدٌ ممن يفهم السياسة أو أكثر، أو كان متدينا، المهم أن محمود حسن كان يقول لي:

-      لا بد أن نغيِّر جمال عبد الناصر، هل تعلم كيف أمسك جمال عبد الناصر بالحكم؟
-      كان ضابطا بالجيش وقام بثورة ثم حكم البلد
-      يمكننا أن نفعل مثله
-      ولماذا نفعل؟ هو رجل جيد
-      لا، ليس هو كذلك
-      لماذا؟ في الطلائع يعلموننا أنه رجل جيد. وأذكر له بعض الخطب
-      لا ليس كذلك.

كان من الواضح أنه متشبع برأي، إلا أنه لا يستطيع التدليل عليه. ولم يكن هو من الإخوان، لكني أتذكر أن أخاه الأكبر كان يملك متجرا للقماش "ماني فاتورة"، وكنت إذا ذهبت أجد عنده أصحاب كثيرون يجلسون ولا يشترون، وكان بيتهم في القرية كبيرا ويغلب عليهم التدين، ولعلهم من الإخوان القدامى، والله أعلم. إذ لم تطل صحبتنا، فقد افترقنا في الصف الثالث الثانوي.

مما أذكره من تلك الأيام أننا انتقلنا من مدرستنا إلى مدرسة أخرى أفضل أنشأها مصنع السكر، كانت مدرسة نموذجية نظيفة وبها فناء واسع على النمط الحديث وبها حديقة وبالحديقة صوبة لزراعة الورد، وجاءت مُدَرِّسة تدرس لنا مادة "التربية الزراعية"، وكانت ملابسها قصيرة جدا "الميني جيب والميكرو جيب" كما هي عادة أهل المدن في تلك الفترة، وأغلب الظن أنها من الوجه البحري وإنما جاءت في سياق المساكن التابعة لمصنع السكر، وهذه المساكن كانت كبيرة كأنها مدينة سكنية وكنا نسميها "المستعمرة"، وكانت كأنها قطعة من خارج البلد. وذات يوم كانت تعلمنا زراعة الورد، فكانت تميل إلى الأسفل فانكشفت ملابسها الداخلية، فصرخت فيها:

- هذا عيب جدا، لا ينبغي أن تنكشف ملابسك الداخلية

ففزعت واعتدلت وقالت لي:
-      ايه يا رفاعي حد يقول للمُدَرِّسة كده؟.. كسفتني (أحرجتني) أمام التلاميذ يا رفاعي!
-      هذا لا يصح، هذا عيب جدا.
-      هل إذا أتيت إلى المدرسة بملابس طويلة تضحكون عليَّ (تهزؤون وتسخرون مني)؟"
-      ولماذا نضحك عليكِ، إن ملابس أمي تصل إلى الأرض.

ثم فيما بعد أخبرت ناظرة المدرسة، ونصحتها الناظرة أن ترتدي ملابس طويلة، ثم جاءت الناظرة فحدثتني وقالت "عيب أن تقول هذا للمدرسة"، لكنه حديث تقدير أكثر من حديث لوم وعتاب. وهذه الناظرة كان زوجها مأمور مركز ادفو، وكان برتبة عقيد واسمه عبد المنعم حمودة، وكان لها بنت اسمها عزة، وكانت تمازحني أحيانا وتقول: سأزوجك من عزة!

وكان في المدرسة مدرس للغة الإنجليزية يدعى محمود عبد الرحمن، وهذا الأستاذ من أسباب تأخر اللغة الإنجليزية في المدرسة، فلقد كان يكتب الإنجليزي بالحروف العربية، فمثلا كلمة book يكتبها "بوك"، ولم أدرك فداحة هذه الطريقة إلا بعد أن كبرت. وكان هذا الأستاذ حريصا على أن يعطيني درسا خصوصيا، وكنت أقول له: إنني متميز ولا أحتاج إلى درس خاص وأنا الأول على المدرسة دائما. فنشأت بيني وبينه ما يشبه العداوة، حتى أنه جاءنا ذات يوم فأخبرنا أنه سيمتحننا غدا في حفظ قصة باللغة الإنجليزية تقع في صفحتين ونصف، وحاول الطلاب أن يعترضوا بضيق الوقت، لكنه أصرَّ، وشعرت أنه فخٌ مُعَدٌّ للانتقام مني، وتجنبا لما قد يحدث فقد بذلت جهدي فحفظتها عن ظهر قلب، لكن جاء الغد فلم يمتحنَّا ثم الذي بعده ثم الذي بعده، وكنت أطالبه بأن يختبرنا في القصة فيتجاهلني أو ينهرني بقوله "هذا ليس من شأنك"، فلما جاء اليوم الرابع، فاجأنا بالامتحان، وسأل بقية الطُّلاب قبلي وكانوا قد نسوا ما حفظوه منها، فمن لم يستطع تسميع القصة أبقاه واقفا بانتظار العقاب، حتى إذا وصل إليَّ سمَّعتُها له دون أي خطأ، فقال مغتاظا "يخرب بيت أبوك"، ولم يعاقب أحدا من الطُّلاب، ولو أني أخطأت لكان قد عاقبنا جميعا فلا يظهر أنه عاقبني منفردا.

لم أكن أستفيد من حصة هذا الأستاذ، وكان بالمدرسة أستاذة أخرى نصرانية اسمها "نادية" وكانت جيدة، فكنت أنتهز الفرص فأذهب إليها في وقت الراحة لتدرسني، وكانت تشعر أنني مجتهد، فضبطني هذا الأستاذ يوما معها وهي تشرح لي الدرس الذي كان يشرحه، فوبخني وضربني بالعصا، لكنني أمسكت بالعصا وصحت في وجهه: لن تضربني مرة أخرى، فظهر أننا نتشاجر، ولما شتمني بأبي شتمته بأبيه، ثم حضر أستاذ آخر فأخبره أني مريض بالربو، وحضرت الأستاذة فوزية ناظرة المدرسة فلامته وهدأتني فقد بدأت أزمة الربو في الظهور.

حضرتُ مرتين حفلات أوائل الطلاب على مستوى المحافظة، ومما أذكره أيضا أني حين كنت في الصف الثالث الإعدادي تلك المسابقة التي خسرناها من مسابقات المدارس، وكانت مسابقات المدارس تجري بانتخاب مجموعة من الطلاب يمثلون مدرستهم ثم تُطرح عليهم الأسئلة، فيتميز بعضهم على بعض، وقد نجحنا أن نحصل على المركز الأول على مستوى أسوان، ثم كان ينبغي أن ننافس على مستوى الجمهورية، لكنني أخطأت في الإجابة عن سؤال "27 رجب" فسارعت بالقول: "ليلة القدر"، اختلط على الأمر بين 27 رجب و27 رمضان، ثم سرعان ما استدركت قائلا: الإسراء والمعراج، لكن الممتحن كان قد سجَّل الإجابة الأولى، وبهذا خسرنا وتفوقت المدرسة المنافسة علينا، خصوصا وقد فازوا علينا في مسابقة الغناء.

وفاة عبد الناصر

أتذكر جيدا يوم وفاة جمال عبد الناصر، كان الحزن يخيم على مركز ادفو كله، حتى إن امرأة ألقت بنفسها من الطابق الثالث حين سمعت خبر موته، وخرجنا جميعا من المدارس نبكي بكاء هيستيريا، وكنت أبكي بحرقة!

لقد كان دخولي منظمة الطلائع من أسباب تعلقي الشديد بعبد الناصر، كنت أحفظ خطبه عن ظهر قلب، إذ كنتُ حينئذ قويّ الحفظ سريعه، فلذلك بكيته بكاء شديدا ومُرًّا. وكان الناس يحملون نعشا فارغا يجوبون به الشوارع، كأنهم بجنازتهم الرمزية هذه يشاطرون الجنازة الحقيقية في مصر.

مرَّ يوم ثم الثاني في حالة الحزن هذه ثم قدر الله لي أن أتحول تحولا شديدا، فعند انتهاء الجنازة في مركز ادفو، وكنت حينئذ في ادفو لكون مدرستي الثانوية هناك، صار الناس يعودون إلى بيوتهم، فشاء الله أن مرَّ بي أستاذ التربية الرياضية في المدرسة الإعدادية محمد الشاهد فرآني، وسألني:

-      ما بك يا رفاعي لماذا تبكي؟
-      هل هذا سؤال؟
-      نعم، أسألك لماذا تبكي؟
-      أبكي جمال عبد الناصر طبعا.
-      لا، أنت لا تبكي جمال عبد الناصر.
-      فسألت مندهشا: كيف؟! لماذا لا أبكي جمال؟
-      من أين لك أن تعرف جمال عبد الناصر حتى تبكيه؟
-      هل يوجد أحد لا يعرف جمال عبد الناصر؟
-      إنما رأيتَ الناس تبكي فبكيت، فلا تعاند!
-      فانتبهت لهذا المعنى لأول مرة وسألته: إذن ألست حزينا على جمال عبد الناصر؟
-      لا لست حزينا
-      كيف ذلك؟
-      تعال معي وسأشرح لك: لماذا لست حزينا عليه.

مضيت مع الأستاذ محمد، وكان من حي السيدة زينب في القاهرة، فقال:
-      أنت كنت معي مدة سنتين في المدرسة الاعدادية، وأنا أحبك، فأنت شاب متدين، ولهذا فإني أريد أن أُسِرَّ لك بأشياء لكن لا تخبر بها أحدا. لقد كنتُ ضابط احتياط في حرب اليمن، هل تعلم يا رفاعي أننا كنا نُحَزِّم المساجد بالديناميت ثم نفجِّرها فوق رؤوس الناس أثناء صلاة الجمعة؟! هؤلاء الذين نقتلهم ونفجرهم كانوا مسلمين، هكذا كانت تأتينا الأوامر العسكرية!
-      ولماذا تطيعون هذه الأوامر التي تأمر بقتل الناس وهم يصلون الجمعة؟
-      لقد أردنا أن نهزم ثورة اليمن، خرجنا من مصر وذهبنا للحرب لأجل هذا الغرض.
-      وما ثورة اليمن؟

فحكى لي عن الثورة، وعن عبد الله السلال والانقلاب الذي تم على الإمام أحمد البدر وأن أحمد البدر كان ملكا صوفيا وشيعيا من الزيدية، وأن جمال عبد الناصر أراد الوقوف مع الضباط لتكون مثل "الثورة في مصر". ثم قال:

"جمال عبد الناصر هذا مجرم، وليس زعيما كما يقال وكما تسمعون في المدارس، ولا يحب الدين. أنا من الإخوان يا رفاعي وأبي مات في السجن، مات في مذبحة طرة حيث اقتحموا على الناس الزنازين وقتلوهم".

كان في غاية التأثر، مما أثَّر فيّ كثيرا، فسألته:
-      معنى هذا أن جمال عبد الناصر سيء؟
-      كلمة "سيئ" لا تكفي للتعبير عنه.
-      فكيف يا أستاذ لا تخبرونا بالحقيقة كل هذه الفترة؟
-      لا نستطيع أن نقول هذا، وإلا ألقينا في السجون، الآن يمكن أن نقول هذا لأنه مات، أما ما قبل ذلك فلا يمكن.

وهكذا حصلت المفارقة، اليوم الذي كنت أشد ما يكون حزنا على عبد الناصر هو اليوم الذي أمسيت أبغضه أشد ما يكون البغض، انقلب الحب بغضا بنفس الدرجة!

جزى الله هذا الأستاذ محمد الشاهد عني خير الجزاء، كان له عظيم الأثر في أن يتحول مساري كثيرا، لا أقول بأني شهدتُ تحولا جذريا إذ أنني بقيت بعد هذه الصدمة في منظمة الشباب الملحقة بالاتحاد الاشتراكي العربي، وبقيت كذلك في الطريقة الصوفية التي كنت قد انتسبت إليها.. لقد تم تحولي الجذري بالتدريج!

لم أفكر أبدا فيما إن كان كلامه كذبا أو مبالغة، لقد سلَّمت بما قال، كنت أحبه كأستاذ وكانت علاقتي به طيبة، وكان كذلك يحبني ويحترمني ولم يكن يتعامل معي كتلميذ بل كشاب ناضج، وكنت استشعر دفء العلاقة بيننا، كما هي بيني وبين كثير من الأساتذة في المرحلة الإعدادية والثانوية، إذ كانوا يعاملونني كصديق، لذلك لم أفكر في أنه قد يكذب علي أو يخدعني، إلا أنني لكي أستوعب هذا الكلام اضطررت إلى سؤال أساتذة آخرين، ولم تكن أسئلة مباشرة إنما جاءت عفويا في سياق أحداث أخرى.

بعد هذه الجلسة مع الأستاذ محمد الشاهد ذهبت إلى بيتي ودخلت في بكاء شديد، شعرتُ أننا نُخدَع، وأنه من الضروري أن تتغير هذه الأحوال، وتذكرت ذلك الكلام القديم الذي كان بيني وبين زميل المقعد في المدرسة الإعدادية محمد عبد الرسول حين كان يقول: يجب أن نقيم دولة إسلامية، نفعل مثلما فعل جمال عبد الناصر، ندخل الكلية الحربية، وننفذ انقلابا عليه!

وقتها لم أعطِ هذا الكلام كثير اهتمام، لكن بعد الذي قاله الأستاذ محمد الشاهد صرت أهتم به وأتذكره، لا سيما وأنا في المرحلة الثانوية، أي أنه بالإمكان بعد سنتين أن أدخل الكلية الحربية ثم ننقلب على عبد الناصر ونقيم الدولة الإسلامية، وبطبيعة الحال لم يكن في ذهني شيء واضح عن طبيعة الدولة الإسلامية، إنما هي أشواق طالب متدين وإن لم يكن لديه علم شرعي.. مجرد طالب في الصف الأول الثانوي.


الاثنين، يونيو 18، 2018

أوضاع مصر قبل وبعد الحداثة (2) رحلتان إلى مصر


ذكرنا في المقال السابق أن الحداثة برغم ما تلاقيه من نقد في الغرب إلا أنها تُقابَل بالتسليم في عالمنا العربي، ويسود الاعتقاد بأن عصور الحداثة هي بالضرورة أفضل من عصور ما قبلها، وأن الأوطان مع الحداثة تتقدم وتتطور وتزدهر. وفي إطار تفنيد هذه الصورة الخادعة نحاول في سلسلة المقالات هذه أن نرى أوضاع مصر قبل وبعد الحداثة من خلال مصادر تاريخية جديدة، تلك هي الرحلات التي سجلها غربيون تمكنوا من الوصول إلى الحج ومرُّوا في طريقهم بمصر فكتبوا عن أحوالها، واخترنا من بين تلك الرحلات رحلتي جوزيف بتس وريتشارد بيرتون، ويفصل بينهما قرنان من الزمان، وكانت الثانية منهما بعد عصر محمد علي مباشرة في زمن ابنه سعيد باشا.

في هذا المقال نلقي نظرة على الرحلتين والفوارق بينهما:

الموضوعية والذاتية

كانت رحلة بتس أكثر موضوعية بينما رحلة بيرتون أكثر ذاتية، فالأول يصف المدينة وآثارها والبحر والنهر والأهرام والأسماك والطيور والبط الذي يسبح في النيل وكيف يُصاد والخانات والأزياء والأسواق والبضائع والمباني وقطعان الماعز التي تدخل القاهرة وصاحبها الذي يحلبها مباشرة لمن يشتري منه اللبن كدليل على أنه لبن طازج وآبار المياه وكيف يُسحب منها الماء بالسواقي التي تجرها الثيران، يصف بتس كل هذا وَصْفَ المُشاهد المحايد الذي يرسم صورة موضوعية لما يراه[1].

بينما الثاني يصف مشاعره ووقع المشاهد على نفسه ويمزج الصورة الخارجية بانعكاسها في نفسه وما يؤلفه خياله منها، لذا تأتي عباراته في الوصف على هذا النحو: "لنستمتع بالمشهد"، "فيعطي سحرا وفتنة تعجز اللغة في التعبير عنهما"، "كأنما كنا نستقبل هذا القفر بودٍّ شديد"، "وكأنها أرواح سلاطين تحرس رعايا من الأشباح في سلطنة من ظلال"، "الحرارة المنعكسة تصفعنا بشكل محسوس والوهج المنبعث من حصباء الطريق يكيل لنا مزيدا من الحرارة"... وهكذا[2]. ولعل هذا يُعزى إلى تطور الأسلوب الأدبي في أوروبا، فبتس الذي خرج من أوروبا فتى صغيرا وصار جزءا من الشرق ليس كبيرتون الرحالة المثقف الموسوعي الذي قرأ أدب الرحلات قبله، لا سيما رحلات الشرق التي كان يتفنن الغربيون في إضفاء السحر والجمال على مشاهدها وحوادثها، وهو تقليد غربي مستقر منذ بدأ الاستشراق وإلى زمن قريب.

سائح ومستعمر

وفيما كانت رحلة بتس رحلة سائح يصف ناظرا ومشاهدا، كانت في رحلة بيرتون لهجة استعلاء على الشرقيين[3]، وفيها روحٌ استعمارية تند عنه كما في قوله "ليس من أحد أدرك أية فكرة عن الدور الذي كنت ألعبه خلا الذين كانوا مطلعين على السر من البداية"[4]، ثم ظهرت هذه الروح ناصعة واضحة في بعض مواضع كقوله: "أما الآن فإن السلطات الوطنية ليس لها سلطة قضائية على الغرباء، ولا تدخل الشرطة بيوتهم، وإذا أرادت دول الغرب أن تقوي من عزم المسيحيين الشرقيين المشاركين لها في العقيدة فيمكنها أن تفرض نظاما أشد مما هو عليه الآن بالسماح لكل الرعايا المسيحيين الشرقيين حَسَني الاعتقاد بأن يسجلوا أسماءهم في القنصليات المختلفة التي قد يفضلون الحصول على حمايتها"[5]، وكقوله: "أي دولة تضمن السيطرة على مصر تكون قد ربحت كنزا، فمصر تحيطها البحار من الشمال والجنوب، وتحيطها الصحراء التي لا يمكن اجتيازها من الشرق والغرب، ومصر قادرة على تجهيز 180 ألف مقاتل، وقادرة على دفع ضرائب ثقيلة، ويمكن أن تقدم فائضا كبيرا، فلو وقعت مصر في أيدي الغرب سهلت السيطرة على الهند، ومَكَّنت من فتح إفريقيا الشرقية كلها بشق قناة للسفن تصل البحر المتوسط بالبحر الأحمر عند السويس"[6]، وهو يرصد موقف الجهات التي يمكنها مقاومة الاحتلال وكيف ضعفت جهة العلماء التي هي الأشد في مجال المقاومة لحساب "رؤساء المؤسسات"، وسواء أكان يقصد رؤساء المؤسسات الإدارية بعد دخول الدولة في طور التحديث أو شيوخ الطرق الصوفية كما فهم المترجم، فالمهم أن هذه العقلية إنما هي عقلية محتل لا عقلية رحالة!

انفرادات الرحلتين

وحيث كانت رحلة بيرتون أكثر توسعا وتفصيلا فقد انفرد فيها بأشياء كثيرة لم يأت بتس على ذكرها مطلقا، فمن ذلك حديثه عن البقشيش وتدخين الشيشة والقهوة، وعن الدراويش والسحرة، والمذاهب الفقهية، وشهر رمضان واحتفالات العيد، وعن كرم الضيافة، وأنواع الخدم وصفاتهم، وعن العطارين وطلب العلم، وعن الطب وممارسته والمرضى وأحوالهم وتعاملهم مع الطبيب ونظرة الناس إلى الطب الأوروبي وكيف يحتقرونه مقابل تقديرهم للطب الهندي والصيني، ونظرتهم وعلاقتهم مع العجم (الذين هم: الفرس الشيعة) وكيف تعودوا على التقية وإخفاء حقيقة آرائهم وكيف يفهم المصريون هذا عنهم، وشهد بيرتون تنادي الناس بالجهاد ضد الروس في حرب القرم وهو مشهد لم يرد مثله عند بتس[7].

ومع هذا فأن الاختصار الشديد في رحلة بتس والتوسع في رحلة بيرتون لم يمنع أن ينفرد بتس بذكر أمور لم يذكرها بيرتون كحديثه عن الخصيان وهطول الأمطار –مصححا بذلك خطأ شائعا في وقته عن قلة الأمطار في مصر- والفيضان السنوي للنيل وأثره في الزراعة، والوصف الجغرافي لمصب النيل ورسو السفن[8]، ولعل بيرتون لم يحفل بهذا لانتشار الخرائط في عصره وكون هذا الكلام مما صار معروفا أو مما تجاوزته تقنية السفن والمواني، إلا أن إمساك بيرتون عن وصف الفيضان غريب، خصوصا وقد كان في مصر قبيل وقت الفيضان وهو أمر يستعد له الناس!

لكن أهم ما يفرق بين الرحلتين هو آثار "التحديث" التي تبدو في رحلة بيرتون، فعلى غير ما يبدو للوهلة الأولى من أن التحديث عاد على البلاد بالقوة والرفاه والاستقلالية، نجد أن التحديث الذي أسس له محمد علي عاد بمزيد من الضعف السياسي والتبعية للغرب، ولم تكن القوانين في مصلحة الشعب بل في مصلحة تقوية السلطة ونفوذ الأجانب، فزاد بطش السلطة وتغولها، وتقوض الأمان الاجتماعي إذ صارت السلطة مصدر رعب بانتهاجها أسلوب خطف الشباب والرجال للتجنيد، وفرضها حظرا للتجوال ليلا لمحاصرة أي ردود فعل شعبية، ، كما لم توفر مؤسسة الشرطة الحديثة أمنا من اللصوص بل كان الخوف والتحرز منهم قائما، كذلك فقد أهملت أوضاع المساجد باستيلاء الدولة على أوقافها، وكُسِرت القبائل والزعامات الأهلية، ولم تتحقق العدالة بنظام التقاضي الجديد بل صار يعاني من البطء الشديد، ولم توفر الإدارة الحديثة تسهيلات في الخدمات العامة بل غلب الكسل على الموظفين وتلقي الرشا لضعف –أو انعدام- جهة الرقابة، وتعقدت أمور أخرى كإجراءات السفر والحصول على تذكرة.. إلى غير هذا من المظاهر السلبية التي ترصدها بوضوح رحلة بيرتون[9].

في المقال القادم إن شاء الله ننظر ونقارن بين أوضاع مصر: أهلها ومساجدها والأجانب فيها وأسواقها وتعامل الشرطة مع الناس وغيرها.

نشر في مجلة المجتمع الكويتية - العدد 2120، رمضان 1439هـ = يونيو 2018



[1] جوزيف بتس (الحاج يوسف)، رحلة جوزيف بتس إلى مصر ومكة والمدينة المنورة، ترجمة ودراسة: د. عبد الرحمن عبد الله الشيخ، (القاهرة: الهيئة العامة المصرية للكتاب، 1995م)، ص29، وما بعدها، 40، 41.
[2] ريتشارد ف. بيرتون، رحلة بيرتون إلى مصر والحجاز، ترجمة وتعليق: د. عبد الرحمن عبد الله الشيخ، (القاهرة: الهيئة العامة المصرية للكتاب، 1994م)، ص79، 123، 127، 128، 132.
[3] رحلة بيرتون، ص46 وما بعدها، 92، 93.
[4] رحلة بيرتون، ص23.
[5] رحلة بيرتون، ص107.
[6] رحلة بيرتون، ص98، 99.
[7] رحلة بيرتون، ص21، 22، 25 وما بعدها، 46، 52، 57 وما بعدها، 61، 63 وما بعدها، 67 وما بعدها، 71، 97، 109.
[8] رحلة بتس، ص27 وما بعدها، 40.
[9] رحلة بيرتون، ص30، وما بعدها، 34 وما بعدها، 125.

الخميس، يونيو 14، 2018

ساعات الضعفاء في رمضان


هذه الساعات الأخيرة من رمضان.. ساعاتٌ وينفضُّ السوق.. سوق الرحمات الكبير..

وتلك هي ساعات أمثالنا ممن يرجو أن يلحق بركب المقبولين والعتقاء رغم ضعفه ووهنه وسوء بضاعته..

تلك هي ساعاتنا وفرصتنا، فإن أهل الهمة والسبق والنشاط قد حصلوا على العتق في الأيام الأولى، ومن كان أدنى منهم همة فقد أدركه فضل الله في الأيام الوسطى.. وأما أمثالنا ممن يأتي على عرج وعلى عوج وعلى مهل فإننا نطمع فيما بقي من الرحمة التي نهل منها السابقون..

قد جعل الله آخر رمضان أفضله لتشتد فيه الهمم، وما أحسبها إلا همم المتبطلين المقصرين.. أولئك الذين لم تنهض همتهم ولا أعمالهم لتقتنص الفضل الوافر من أيامه الأولى..

ثم من يدري..

من يدري، هل نستطيع أن نعبد الله في رمضان مرة أخرى أم لا..

فلعله الموت يأتينا فلا نرى شمس رمضان ولا غروبها أبدا.. وكم في القبور الآن من يتمنى لو أنه اغتنم ساعة أخيرة من رمضانه الأخير! إذن لتغير مصيره الأبدي كله..

ترى ما قدر حسرة امرئ في قبره يتذكر ساعة أخيرة من رمضانه الأخيرة فرَّط فيها واستعجل على نفسه لهو العيد وعبثه.. أكاد أراه يتقطع من الغيظ والغضب على نفسه وعلى ما فرطت..

فها نحن في تلك الفرصة.. فلنغتنم ما استطعنا!

ثم من يدري..

من يدري لعله يصيبنا مرض فيحرمنا من الصيام أو القيام أو لذة تلاوة القرآن.. وكم على سرير المرض الآن من يتمنى لحظة قيام أو ساعة صيام أو تلاوة صفحة من كتاب الله..

كم من مريض يمر عليه رمضان وهو في غيبوبة لا يشعر به، أو يشعر به ولا يستطيع أن يؤدي العبادة فيه، فيجول بخاطره رمضانه الأخير الذي كان فيه يصوم ويصلي ويتلو.. فكيف تكون أشواق هذا ليعود لما كان فيه؟ وكيف هي أحزانه أن عجز عن عادته في رمضان؟!

ثم من يدري..

من يدري، ونحن أبناء الأمة المستضعفة المضطهدة التي تتقلب أحوالها وتضطرب أيامها، وتأتيها الكوارث على غير حساب.. من يدري كيف سيكون حالنا في رمضان القادم؟!

نسأل الله السلامة والعافية والعزة والنصر.. ولكن!

كم من مسلم كان سليما معافى في رمضان سابق جاء عليه هذا وهو قد فقد جارحة: عينا أو لسانا أو يدا أو رجلا..
كم من مسلم كان حرا طليقا فإذا به اليوم أسير، أسير لا يملك أن يعبد الله في رمضان، بل هو في حكم سجانه الطاغية الذي يتفنن في إيذائه..

كم من مسلم كان في بلده وأهله هو اليوم مغترب في بلاد كفر لا يسمع فيها الأذان ولا يجد حوله صلاة تراويح..
لا أتحدث هنا عن أجر هؤلاء، فإن الله يكتب لعباده أجر عمل اعتادوه وعجزوا عنه، إنما الحديث عن الفرصة المفقودة.. الفرصة التي يعجزون عن إدراكها بعد أن ذاقوا حلاوتها.

تلك الفرصة ما زلنا نحن فيها، ولا تزال أمامنا منها ساعات.. ساعات قد تكون الأخيرة!

أكثرنا اليوم يختم القرآن.. وفي أجزاء القرآن الأخيرة آيات ذات أثر عميق، كأنها آيات تنبه العبد إلى أحوال نهايته..
مثلا:

- في سورة الحديد تقرأ: (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق، ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون * اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها، قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون)

هذه الآية تقول ألم يحن الوقت بعد كل هذا القرآن الذي تلوته أن يخشع قلبك لذكر الله.. هل سيطول عليك أمد ترك كتاب الله فيقسو قلبك؟ هكذا فعل الذين أوتوا الكتاب قديما، لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم.. اعلموا أن الله يحيي القلوب بعد قسوتها كما يحيي الأرض بعد موتها!

- في سورة الحشر تقرأ (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله، وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون)

ربما تتلو القرآن وأنت غافل عن المعنى فتأتي هذه الآية لتكشف لك حجم الأزمة التي أنت فيها.. إن هذا القرآن الذي توشك على ختمه لو كان قد نزل على جبل لكان الآن قد خشع وتصدع من خشيته لله.. ألم يحدث هذا لقلبك بعد؟!

تحاول أن تستوعب المعنى من جديد، تقرأ الآية التي تسبقها لتفهم السياق، فإذا أنت أمام قوله تعالى (ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، أولئك هم الفاسقون)..

لا تترك كتاب الله، فتنسى الله، وحين تنسى الله فستذهب منك نفسك، تضيع وتتوه في أودية الدنيا، والدنيا كثيرة الأودية كثيفة المسالك والمهالك.. لا يمسك نفسه فيها إلا من تعلق بحبل الله وذكره.

- في سورة المنافقين والتغابن تقرأ نفس المعنى في آيات مختلفة:

(يا أيها الذين آمنوا لا تُلْهِكُم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله، ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون) [المنافقون]

(يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم، وإن تعفو وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم * إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم) [التغابن]

وقع في قلبي أنها تحذير من العودة بعد رمضان إلى مشاغل الأهل والولد حتى ليغفل المرء بها عن ذكر الله الذي كان يمارسه في رمضان..

والوصية التي تتلو كلا الآيتين، وصية إنفاق.. يبدو أن الإنفاق هو العمل الذي يحفظ النفس من هذا التيه والضياع، وهو العمل الذي يربطها بالله رباطا وثيقا.. اقرأ لكن بقلبك:

(وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصَّدَّق وأكن من الصالحين)

(فاتقوا الله ما استطعتم، واسمعوا وأطيعوا، وأنفقوا خيرا لأنفسكم. ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون * إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم، والله شكور حليم) [التغابن]

- في آخر سور القرآن تكثر وبشكل عجيب ومثير للدهشة كلمة "تذكرة".. فمن بين 7 مرات ذكرت فيها هذه اللفظة كانت 5 منها في السور الأخيرة، مع معاني لاذعة قوية كأنها تمسك بتلابيب الإنسان أن يتذكر ولا ينسى، وألا يعود بعد ختمه القرآن إلى ما كان فيه كأنه لم يقرأه ولم يمر به..

اسمع:

في سورة الحاقة بعد ذكر إغراق قوم نوح (لنجعلها لكم تذكرة وتَعِيَها أذنٌ واعية)

في سورة المزمل بعد ذكر فرعون ومشهد القيامة (إن هذه تذكرة، فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا)

في سورة المدثر يوصف القرآن بأنه تذكرة بعد ذكر النافرين منه الهاربين من معانيه (كلا إنه تذكرة، فمن شاء ذكره)

في سورة الإنسان (إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا)

وفي سورة عبس (كلا إنها تذكرة * فمن شاء ذكره)

وهكذا خمس وصايا تتركز في نهاية القرآن تقول للمرء: تذكر ولا تنسى..

كأن القرآن يعرف أن كثيرا من قارئيه سيودعه بعد رمضان.. فهو يذكرهم وينبههم، تنبيه الحريص الشفوق..

ومن ذا يدري.. لعله الوداع النهائي.. فترى كم واحد منا ستكون تلك آخر ختماته في حياته!

اللهم، يا ذا الفضل الواسع، يا من كتبت على نفسك الرحمة.. اشمل عبادك الضعفاء برحمتك وإن لم يكونوا أهلا لها.. ولئن كان عبادك كثير، فلا رب لنا سواك.. أنت الغني عنا ونحن الفقراء إليك.. خذ بأيدينا ونواصينا إليك، أخذ الكرام عليك.. واجعلنا من المقبولين..

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين