الاثنين، أكتوبر 23، 2023

معاناة تحت الحجاب

 

هذا عنوان بائس، لا أدري لماذا أعجبني فوضعته، رغم أنني كنت سأكتب عنوانا آخر يقول "المعاناة المكتومة المحجوبة"!

ولذلك، فإني أسارع بنداء القراء المتعاطفين مع النسوية أو المؤيدين لتحرر المرأة من الحجاب، أن يسارعوا بغلق هذه الصفحة، فإنها تتكلم عن موضوع آخر. لا أحب أن أكون مخادعًا ولا أن أسرق أنظار القراء!

أما الموضوع الذي أردت أن أتكلم عنه فقد احترت فيه قليلا! إن حمام الدم الذي يحدث في غزة يجعل كل كلام يبدو تافها وسخيفا، وكل صورة تنقل إلينا فنا من فنون المعاناة ونوعا من أنواع الألم.. وإذا تركت عقلك ثانية واحدة ليتخيل ماذا خلف هذه الصورة من المعاناة، فإنك تفتح على نفسك بابا من أبواب الجحيم.. ترى مقطعا فيه أمٌّ لا تتمالك أعصابها وهي ترى أولادها الثلاثة قتلى، فهي تتحير أيهم تقبِّله القبلة الأخيرة، وعلى أيهم تنادي أن يستيقظوا؟! هذا المشهد الحارق لا تشعر بلهيبه إلا بعض دقائق، فإذا تركت عقلك ليتخيل حياة هذه المرأة في كل يوم، فأنت أمام طوفان من الألم!

نشر باحث غزي -عالق خارج غزة- على قناته مراسلات بينه وبين زوجته: يدعوها فيه للبقاء في بيتهم شمال غزة، وعدم الاستجابة لمطالب النزوح! وقد وافقته زوجته على ذلك. لقد اختزت ذاكرة الفلسطيني –بما أضيف إليها من ذكريات الشام والعراق- أن التهجير نكبة أصعب، قال لها: معنى التهجير أن نتسول اللقمة، وأن يموت أولادنا من البرد في الخيام وأن نفقد بعض الأولاد في الطريق. وقد وافقته زوجته على هذا، لسبب بسيط آخر: أن جنوب غزة لم يسلم أيضا من القصف!! ثم اتفقا على البقاء

تأملت في هذا الحوار الذي يكسر قدرة أي كاتب على وصفه! وحاولت أن أعيش مشاعره ليوم واحد، أعايش كيف ينخلع قلبه مع كل قذيفة! ولما استيقظت صباح اليوم التالي وجدته ينشر على قناته أن زوجته وأبناءه الثلاثة وعائلة زوجته قد استشهدوا جميعا في قصف!!

  ماذا يمكن أن يقال في حال كهذا، وقد تبارى أصحاب الأقلام في توصيف المشهد؟! وأصلا: هل بقي للقلم منفعة في عصر الصورة والفيديو؟!!

إذن ينبغي للقلم أن يكتب في شيء لا تنقله الصورة!

وليس هذا بالشيء العسير أيضا.. فقضايانا حافلة بالمآسي المكتومة والمعاناة المحجوبة!

كنت قبل فترة قد انتهيت من قراءة مذكرات الأسير الفلسطيني القسامي حسن سلامة، ليست مذكرات بالمعنى المفهوم، فهذا الرجل قاد عمليات الثأر لاغتيال المهندس القسامي الأشهر: يحيى عياش، ثم اعتقل وهو في الخامسة والعشرين من عمره، كان ذلك في عام 1997م، ولا يزال سجينا، قضى في السجن أكثر من ربع قرن!

لكن المأساة لم تكن هنا، حتى هو لم يكتب مذكراته عن سجنه، بل كتبها عن الفترة التي قضاها في العزل الانفرادي فحسب.. ترى كم قضى؟ أكثر من ثلاثة عشر عاما!.. خمسة آلاف يوم في زنزانة انفرادية موحشة كالقبر! ولهذا جعل عنوان كتابه "خمسة آلاف يوم في عالم البرزخ"!

وحيث قد اشترطت على نفسي أن أنقل معاناة مكتومة ومحجوبة، فلن أحدثكم عن حسن سلامة، وإنما سأدعوكم لقراءة كتابه، وهو متوفر على الانترنت للتحميل المجاني!

سأحدثكم هنا من مذكرات حسن سلامة عن أنواع من الناس، لن يستطيع أحد وصف معاناتهم، ولا حتى هم أنفسهم سيستطيعون، وذلك أنهم: فقدوا عقولهم!

في تلك الزنازين الانفرادية العميقة الغائرة التي لا يكاد يأبه لها أحد، ولا يكاد يسمع أحد عن معاناة الناس فيها، توجد فئة من هؤلاء..

تعرفون طبعا أننا نعيش في عصر الحضارة الغربية، والحضارة الغربية هي حضارة العلم، كل شيء فيها تحول إلى علم، حتى السجن صار علما، وحتى التعذيب صار علما.. وقد علمتنا الحضارة الغربية أن الحضارة لها ثمن ضروري، فلا بد من إزالة السكان الأصليين لإقامة المدن الحضارية الجميلة، ولا بد من قتل كثير من الناس لتوفير الحياة الرغدة للقليل منهم، وهكذا جرت فلسفة القتل والإبادة ومنحها ثوبا أخلاقيا ومنطقيا!

ما يهمنا الآن أن هذا العلم الذي بُنِيت به السجون، وأديرت به التحقيقات، وصُنِعت به وسائل التعذيب قد سحق بعض البشر حتى فقدوا عقولهم وخرجوا عن سويّتهم! وبهذا صارت حياتهم في السجون مستحيلة، لأنهم صاروا خطرا على بقية المساجين وعلى الشرطة والضباط أيضا.. فماذا نفعل؟!

يقول العلم: نبعث به إلى المستشفى أو المصحة النفسية!

ويقول السجان: بل نبعث به إلى الزنازين الانفرادية!

وهكذا سيق إلى الزنازين الانفرادية قومٌ كان ينبغي أن يكونوا تحت الرعاية الطبية والنفسية، وصار مطلوبا من هذا المريض أن يخدم نفسه، وهو أحيانا لا يقوى ولا يفهم ولا يدرك كيف يقضي حاجته وينظف نفسه!

وتلك الزنازين الانفرادية، كما وصفها الأسير حسن سلامة في مذكراته، ليست هي التي تتبادر صورتها إلى ذهنك، فتلك صورة رسمتها الأفلام والمسلسلات الأنيقة، إنها مقابر حقيقية، حافلة بالحشرات والفئران وأنواع الصراصير، مظلمة معتمة، لا خروج من الزنزانة ولا دخول إلا بتقييد اليدين والقدمين، وربما وضع قيد آخر يربط بين قيديْ اليدين والقدمين! بُنِيَت لـ "تأديب" المساجين، وعزل "الخطرين" منهم! ولذلك ينزلها عتاة المجرمين من زعماء المافيا وأصحاب الجرائم الخطيرة.

فتأمل واترك لخيالك العنان كي ينزل في هذه الزنازين من فقدوا عقولهم؟!

بعضهم لم يعد يتكلم ولا يسمع، وبعضهم لا يعرف عدوا من صديقا ولا يستطيع التفرقة بين مسجون وشرطي، وأحد هؤلاء استطاع يوما أن يتناول خشبة ففقأ –أو كاد يفقأ بها- عين سجين مثله! وبعضهم ألقى بماء ساخن على ممثل الصليب الأحمر إذ كان يزوره، فكاد يقتله!

وربما أرادت إدارة السجن أن تتلذذ، فإذا بها تضع أسيرا ممن لا زال يحتفظ بعقله، مع أسير ممن فقد عقله، للتنغيص عليهما معًا، فكان هذا الأول يجتهد لتنظيف الزنزانة وتنظيف أخيه، ومحاولة التفاهم معه، ثم هو بعد ذلك لا يأمن على نفسه منه، ولا يستطيع أن ينام لأنه لا يضمن ماذا سيُصنع به!

هذا والزنزانة ضيقة على الواحد وحده، فكيف إذا حُشِر فيها اثنان؟! ساعتها لا تصلح حتى للحركة!

فإذا سحبت خيالك من أجواء الزنزانة.. فاذهب به إلى أسرة هذا الأسير، وتخيل: كيف هي معاناة أبيه وأمه وإخوته؟! فلئن كانت أسرة المريض الذي فقد عقله تعيش عذابا وابنها تحت يدها أو هو في أحسن المستشفيات؟ فكيف تفعل أسرة هذا الذي فقد عقله، ثم هو في زنزانة العزل الانفرادي؟!!

تلك واحدة من أنواع المعاناة المحجوبة.. أو هي: معاناة تحت الحجاب!

 

الخميس، أكتوبر 05، 2023

المعلم الأعظم ﷺ

 

كيف يمكن القبض على شعاع الضوء؟

إنها ليست بأصعب من محاولة الكلام عن نبينا محمد ﷺ وعما جاء به من العلم وعن تأثيره العلمي في الأولين والآخرين.

هذه السطور محاولة خجولة مختصرة معتصرة، ولقد بقيت بعد ذلك أمورٌ أخرى تحتاج إلى مقام آخر لبيانها، وبعض ذلك سبق أن ذكرته في مواطن أخرى[1].

 

(1) علمٌ غزير من براهين النبوة

ترى هل بإمكان رجلٍ يعترف لنفسه بالأمية، وبأنه بُعِث في أمة أمية أن يأتي بما لم تستطعه عقول العباقرة والفلاسفة من أبناء الحضارات العريقة العتيدة؟!

إن محمدا ﷺ ظل أربعين سنة في قومه، لا يُعرف عنه تكبر أو ادعاء للعبقرية أو طموح للزعامة، كما لم يُعرف عنه إقبال على كتب الأولين والأقدمين، ولا سعي في البحث عن علم أهل الكتاب من أحبار اليهود والنصارى، ولا رُؤي حتى يحاول أن يقرض الشعر الذي هو مزيّة قومه ومستودع تاريخهم ومعارفهم ولسان حكمتهم!

وإذا بهذا الرجل الهادئ الوقور الذي لم يحاول الاشتباك مع عقائد قومه وأنظمتهم، وإنما تجنبها في صمت، يخرج فجأة عن صمته ويقول عن نفسه إنه رسول الله، وإنه قد جاءهم بعلم لا يطيقونه ولا يستطيعونه، وإنه يتحدى بهذا العلم أهلَ الكتاب من قبله، وأنه يخبرهم عن أحكام أخفوها وعن أخبار كتموها، ثم يبلغ التحدي ذروته حين يخبر أنه هو ﷺ، بشخصه واسمه وسمته، موجود في كتب أهل الكتاب التي يتداولونها فيما بينهم والتي لم يطلع هو عليها ولم يعرف أنه جلس إلى أحد منهم!

وإذا بالعاصفة تثور عليه في مكة والمدينة، عاصفة أشعلها كفار مكة ويهود المدينة ثم النصارى في جزيرة العرب، وطوال هذا العمر لا يزداد هذا الرجل إلا صلابة وإصرارا ويقينا فيما يقول، بل يزيدهم في كل مرة من هذا العلم الذي جاء به، فيحكي عن تفاصيل دقيقة لأنبياء وأقوام ذهبوا ودثروا، بل ويخبر عن انتصارات لم تحدث بعد، وهو يعد أنها ستحدث قريبا، ويخبر عن أمور لن يدركها هو ولكن سيدركها أصحابه، ثم عن أمور لن يدركها أصحابه وستدركها الأجيال التالية!

إن حجم القوة والتحدي في العلم الذي جاء به النبي ﷺ هو أحد براهين نبوته ﷺ، فتأمل مثلا بعض هذه التحديات البالغة القوة: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 93]، {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: 65]، {غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ} [الروم: 2 - 4].. وغير ذلك كثير.

ويزيد في صدق ذلك النبي ﷺ أنه هو نفسه لم يزعم أبدا أنه إنما جاء بهذا العلم من عند نفسه، ولا أن هذه الأمور هي من تجليات ذكائه وعبقريته ونفاذ بصيرته، وإنما هو رسول يوحى إليه، {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ} [الكهف: 110]، {كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا} [طه: 99]، {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44]، {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} [يوسف: 102].

وهو يعترف على نفسه بأنه لم يكن يتوقع هذا العلم ولا كان مستعدا له كما تكشف حياته قبل ذلك، {قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [يونس: 16]، {وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ} [القصص: 86].

وأنه ، مع كل هذا العلم الذي جاء به وأخبر عنه، لا يعلم الغيب ولا يدري ما يُفعل به، ولا يستطيع دفع الضر عن نفسه {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188].

 

(2) علمٌ صافٍ لم يتكدر بخطأ ولا باطل

لو كان للنبي ﷺ مُعَلِّم من البشر لأهلك الناس أنفسهم، المؤمنون به والكافرون، في محاولة فهم هذا المُعَلِّم وبيئته ونشأته وحجم تأثره بواقعه، وحجم المادة البشرية التي جاءت من هذا المُعَلِّم أو من هؤلاء المُعَلِّمين ضمن العلم الذي جاء به محمد ﷺ في القرآن والسنة!

إن محاولة تحليل المصادر هي واحدة من أركان المنهج العلمي، يتبين بها حجم التأثر وحجم العبقرية لدى العالِم أو الفيلسوف العبقري، ولكن هذا الباب بقي مغلقًا لأن محمدا ﷺ لم يتعلم من أحد، ولم يتأثر بشيخ ولا أستاذ، فما كان له من مصدرٍ لهذا العلم كله إلا الوحي، الوحي الرباني الذي نزل من عند الله تعالى، فلم يتلوث ولم يتكدر بما لدى البشر من أهواء ورغبات وأمزجة وشهوات وأخطاء وأباطيل.

 وبهذا صان الله رسالته ورسوله من أن يتسرب إليها شيء، فلم يكن محمد ﷺ إلا ناطقا عن الله تعالى {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 2 - 4].

وبهذا أيضا رفع الله رتبة رسوله ﷺ ألا يكون لأحد من البشر فضلٌ عليه، فأعظم الناس فضلا على الناس هو من يُعَلِّمهم، ومن ثَمَّ فلا فضل على الرسول إلا لله، ولا فضل على الأمة إلا لله ورسوله، قال تعالى {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113]، وقال تعالى {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164].

لأجل هذا كانت أمية النبي شرف له وشرف لأمته، وسلمت الأمة ونبيها من المصادر البشرية في دينها وشريعتها، وصاروا بذلك مُعَلِّمين لغيرهم من الجهلاء ومن المتعلمين سواء!

 

(3) علم نافع

يقولون بأن الفلاسفة هم أذكى البشر، فمنتهى العبقرية البشرية أن تكون فيلسوفا! ولا يزال الناس إذا ذكروا أذكياء العالم ونوابغه خطر على أذهانهم أسماء الفلاسفة مثل أفلاطون وأرسطو وكونفوشيوس مرورا بالفارابي وابن سينا وحتى فولتير ونيتشه وهيجل ومن بعدهم!

لكن من دخل في غابات الفلسفة وأفكار البشر رأى نفسه كأنه في غابة ضخمة، غامضة ومتشابكة ومظلمه، النور فيها قليل والظلمة فيها كثير، واليقين فيها نادر والشك فيها غزير، وكلما زِدْت من الفلسفة قلَّ اليقين وازدادت الشكوك!

وأندر الفلاسفة هم أولئك الذين يكتبون كلاما سهلا بسيطا مفهوما، فإنك إن أردت قراءة الفلسفة فلا بد لك من عُدِّة اصطلاحية قوية، ومن ضبط مفاهيمي مُحكم، ولعلك بعد هذا تفهم أو لا تفهم مراد الفيلسوف العبقري أيضا!

ولذلك لا يُعجب بالفلاسفة إلا من كانوا من الأذكياء، بينما لم يستطع الفلاسفة أبدا إصلاح أحوال الناس وقيادة المجتمعات، حتى الذين أتيحت لهم فرصة الحكم أو كانوا في بلاط الحكم أو كانوا أساتذة للحاكم!

وأكثر ما تخوض الفلسفة فيه هو الأمور النظرية الذهنية التجريدية التي لا تُحَسُّ ولا يمكن قياسها، وأكثرها لا يمكن القطع بصوابه من خطئه، وأعظم ما قد يصل إليه الفيلسوف هو بناء النظرية المحكمة التي تبلغ به وبأتباعه مرحلة الفهم، فهم الكون والحياة، وأما مرحلة الإصلاح والعمل فأمرٌ فوق طاقة الفلاسفة!

أين هؤلاء الفلاسفة العباقرة الأذكياء من رجل مثل محمد ﷺ؟ جاء بالعلم النافع، فما من شيء نطق به النبي ﷺ إلا وهو نافع في إصلاح الإنسان في نفسه، وإصلاح الحياة من حوله. وقد نَدَر أن يجلس إنسان إلى فيلسوف فيخرج من تحت يده (أو بعد قراءة كتابه) صالحا مُصْلِحًا، بينما ندر أن يجلس إنسان إلى النبي ﷺ (أو إلى سنته) ثم يخرج من تحت يده خاملا أو ساكنا.. لقد أخرج النبي إلى هذا العالم جيوشًا من المصلحين! وكانت حركتهم في تغيير العالم وإصلاحه هي أسرع الحركات والفتوحات في تاريخ البشر كله، بل هي معجزة عسكرية تاريخية مدهشة لا مثيل لها!

لقد كان محمد ﷺ يحارب العلم غير النافع، وينهى عن الخوض فيما لا ينبني عليه عمل، وينهى عن السؤال في أمور لا يمكن للعقول أن تجد الإجابة عليها!

ثم إنه بثَّ هذا العلم العظيم في كلام سهل يسير، ليس فيه تعقيد ولا تكلف ولا تشدق، ولهذا فما أسرع ما كان يفهمه أصحابه، وعبر تلك الأجيال المتطاولة ما يزال الذي يجيد اللغة العربية يفهم القدر الأعظم من كلام النبي ﷺ، لا يفلت منه إلا القليل من المصطلحات التي لم تعد تستعمل في بيئة العرب!

لقد جاء النبي ﷺ بتبسيط المعاني الكبرى العظمى التي يحتاجها البشر، فالقرآن والسنة يُخاطَب بهما: العامي والعبقري، الساذج والحاذق، الصغير والكبير، ويأخذ كل منهم منها بقدر ما يطيق، بينما بقيت أفكار الفلاسفة محصورة في فئة ضيقة من الناس، لا يفهمها غيرهم، وحتى أولئك الذين يزعمون فهمها يختلفون فيها أيضا!

 

(4) علم شامل

لقد نفخ محمد ﷺ في هذا العلم النافع روحا وطاقة وشعورا لاهبا، فإن أنتَ جلست إلى الفيلسوف العبقري فلن يتضخم فيك إلا الرأس والعقل والذهن، وتبقى بقيتك ساكنة خاملة ذابلة، فأما إذا جلست إلى النبي ﷺ وما جاء به (القرآن والسنة) فقد ترعرع فيك كل شيء: العقل والنفس والروح جميعا!

وبهذا كان نبينا ﷺ معلما شاملا يُذَكِّي العقول ويُزَكِّي النفوس ويرتقي بالأرواح، بل ويقوي الأبدان كذلك، فلقد جاءنا بنصائح في المأكل والمشرب والنظافة والحركة يستقيم معها البدن.

ولستَ ترى فيلسوفا قد جاء بكل هذا؛ فإما فيلسوف قد جاء بعبقرية تزيد في العقل والذكاء، أو فيلسوف جاء بروحانية ورهبانية تزيد في صفاء النفس وخفة الروح، أو فيلسوف جاء بتغذية البدن وتلبية مطالب الجسد!

وقد جاء نبينا بإصلاح أحوال الحياة جميعها: السياسة والاقتصاد والاجتماع والأخلاق، وحتى حقوق الحيوان والنبات، وحتى تنظيف الطرقات جاء فيها بتعاليم غزيرة!

ولستَ ترى فيلسوفا قد جمع كل هذا، فإما فيلسوف جاء بإصلاح الحكم والسياسة، أو بإصلاح الاقتصاد وتوزيع الثروة، أو بإصلاح أحوال الاجتماع من الأسرة والأطفال حتى الطبقات الاجتماعية وأحوال الأقليات، أو جاء بإصلاح الأخلاق في النفس أو في المجتمع!

والفيلسوف قد ينحاز إلى المادية حتى يستغرق فيها وتستغرقه، أو ينحاز إلى الروحية حتى يستغرق فيها أو تستغرقه، ولهذا فلن تجد حضارةً أبدًا مبنية على أفكار فيلسوف واحد، إذ أفكاره قاصرة وناقصة ولا تغطي سائر الجوانب.

بينما حضارتنا الإسلامية انطلقت وانبثقت وليس لها أساس إلا ما جاء به محمد ﷺ، لا مرجعية لها ولا مصدر سوى القرآن والسنة، وبقيت على هذا قرنًا على الأقل، قبل أن تبدأ في استيعاب الموارد والمصادر المختلفة من حضارات فارس واليونان والهند والصين، وهي عندما استوعبت هذا فإنما حاكمته ووزنته وروزته بميزان ما جاء به محمد ﷺ.

 

(5) خلاصة

لهذا كله، كان النبي ﷺ أكثر من جميع الفلاسفة أتباعا وأنصارا ورجالا.. فمن كان معترفا للفلاسفة بالعبقرية والذكاء، فيلزمه أن يعترف لمحمد ﷺ بأنه أعظمهم وأنفعهم للناس والحياة.

وينبغي في نهاية هذا المقال، الذي اجتهدت في اختصار معانيه وآمل أن أتمكن يوما من بسطها والتفصيل فيها، أو لعل غيري يقوم بذلك فيُحسن ويجيد.. أقول: ينبغي في نهاية هذا المقال الذي لم تتسع المساحة لمعانيه أن أؤكد على أمر مهم جدًّا.

نحن المسلمين لا نقبل أن يُقارَن نبينا ﷺ بغيره من البشر، فضلا عن مقارنته بفلاسفة أكثرهم ملحدين وكفارا ومتشككين في أنفسهم وفي الحياة من حولهم، وأكثرهم أخفقوا في عملهم وحياتهم، وكثير منهم كانت له فضائح ومخازٍ وأخلاق هابطة، وكثير منهم انتفع بفلسفته وارتزق بها مالا أو نفوذا أو شهوات، وليس قليلا منهم من مات منتحرًا.

لسنا نقبل بهذا ولا للحظة، ولكننا نضطر إلى مثل هذا التنزل حين ينفتح الحديث عن العلم، فلقد أخذ المعجبون بفلاسفتهم يسرفون في تلقيبهم بالمعلم الأول والمعلم الثاني ونحو ذلك، ويسرفون في وصف تأثير هذا الفيلسوف على الأوضاع في عصره أو على العقول من بعده! وينسى أكثر هؤلاء أن محمدا ﷺ أعظم منهم جميعا، في كل شيء، وفي كل ناحية، وفي كل تأثير!

فبمثل هذه المقارنات نثبت لهم ولغيرهم أن نبينا محمدا ﷺ هو المعلم الأعظم.

 نشر في مجلة "أنصار النبي ﷺ"، أكتوبر 2023



[1] ينظر مثلا: محمد إلهامي، نحو تأصيل إسلامي لعلم الاستغراب، ط1 (القاهرة: دار التقوى، 2015م)، ص62 وما بعدها.