الاثنين، أبريل 08، 2024

لماذا سميت سورة البقرة بهذا الاسم؟

 

من أعجب ما يأخذ النظر والفكر أن تُسَمَّى سورة البقرة بهذا الاسم!

ذلك أن هذه السورة هي أطول سور القرآن الكريم، تشغل ما يقرب الجزئين ونصف الجزء من الثلاثين جزءا التي هي كل القرآن الكريم، ثم هي حافلة بآيات القصص والأخبار، وحافلة بآيات الأحكام والشرائع، وحافلة بآيات الوعظ والترغيب والترهيب..

فلماذا من بين كل هذا المشهد الحافل، سُمِّيت باسم: البقرة؟

 

(1)

خلاصة قصة البقرة المذكورة في السورة الكريمة أن رجلا من بني إسرائيل قتل آخر، فأصبحوا وقد عرفوا القتيل وجهلوا قاتله، فذهبوا إلى نبيهم وزعيمهم موسى –عليه السلام- ليسأل الله أن يدلهم عليه، ثم عاد موسى يقول لهم: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة.

فاستغربوا الطلب وقالوا: أتتخذنا هزوا؟!

قال موسى: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين (أي: المستهزئين)، والمعنى: أن هذا أمرٌ من الله لهم، والله مطلع عليهم وعالِمٌ بأنهم الآن ينشغلون بأمر القاتل.

فلما ظهر لهم أن هذا أمرٌ من الله أبلغهم به رسوله، طفقوا يسألون عن البقرة!

قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي؟

فسأل موسى ربه ثم عاد إليهم يقول: إنه يقول إنها بقرة لا فارضٌ ولا بكر، أي: لا هي مُسِنَّة ولا هي صغيرة، وإنما وسط بين ذلك. فافعلوا ما تُؤْمَرون.

فعادوا يقولون ويسألون: ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها؟

فعاد إليهم موسى يخبرهم قول ربهم: إنها بقرة صفراء، بل شديدة الصفار (فاقعٌ لونها)، وفوق لونها الأصفر فهي حسنة الشكل (تسُرُّ الناظرين).

ومع هذا فقد عادوا يسألون مرة أخرى سؤال الذي يتحير لكثرة ما عنده من الاختيارات: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي، إن البقر تشابه علينا. فكانوا هذه المرة يسألون: هل هي سائمة أم عاملة؟

فجاءهم الجواب من ربهم على لسان موسى عليه السلام: إنها بقرة لا عاملة، فهي لا تثير الأرض، ولا تسقي الحرث، وهي خالية من العيوب، وخالية من أي لون غير الأصفر.

وقد وردت تفاصيل كثيرة في كتب التفسير تصف بحثهم عن هذه البقرة، نتجاوزها الآن اختصارا، إلا أنهم وجدوها في النهاية، وغالى صاحبها في ثمنها كثيرا، فاشتروها وذبحوها!

فأمرهم الله تعالى أن يضربوا هذا القتيل بجزء منها، قيل: بلسانها أو بذيلها، فلما ضربوه، قام من موته فقال: قتلني فلان وفلان.

فكان هذا درسا عمليا لبني إسرائيل على قدرة الله تعالى وإحيائه الموتى.

هذه خلاصة القصة، ولمن شاء التوسع، فعليه بكتب التفسير.. ولكن السؤال الذي يهمنا الآن: لماذا سُمِّيت هذه السورة الطويلة الحافلة باسم البقرة، البقرة التي هي بطل هذه القصة؟!

 

(2)

من قرأ سورة البقرة وأطال النظر فيها، وجد أنها رغم هذا الطول والتنوع والاحتشاد بالآيات تكاد تكون على قسميْن؛ القسم الأول: أخبار بني إسرائيل. والقسم الثاني: تشريعات إسلامية! وأما ما قبل هذين القسمين أو ما بعدها فآيات قليلة للغاية.

فأما القسم الأول، وهو أخبار بني إسرائيل، فهو يذكر إعراضهم عن رسالة نبينا محمد ﷺ، ويعيد تذكيرهم بما كان منهم في حق موسى عليه السلام من إتعابه وإرهاقه، ومن استعصائهم عليه، واتخاذهم العجل بعد أن نجاهم الله من فرعون، وقائمة طويلة طويلة من عصيانهم واتباعهم الباطل، وصلت إلى حد القول الصريح {سمعنا وعصينا}، وهو القسم الذي يستمر حتى مطلع الجزء الثاني.

وأما القسم الثاني، وهو التشريعات، فآيات كثيرة في تحويل القبلة والحج والمباح من الطعام والمعاملات وأحكام في الصيام والوصية والزواج والطلاق والخلع والخمر والجهاد والحج والنفقة والربا والدَّيْن والرهن، تستمر من مطلع الجزء الثاني حتى نهاية السورة.

ويتداخل القسمان بطريقة القرآن العجيبة التي لا تشعر معها بالانتقال من خلال قصة تحويل القبلة، فلقد كان هذا الحدث هو الباب الذي انتهت إليه وخُتِمت به أباطيل بني إسرائيل وأساليبهم في الصد عن دعوة الإسلام، وكان هو نفسه الباب الذي ابتدأ به الحديث عن الأحكام الخاصة بأمة المسلمين.

فإن القارئ يدخل إلى قصة تحويل القبلة وهو يظن نفسه ما يزال في أخبار بني إسرائيل وأساليبهم في التكذيب والنكران، فما يخرج منها إلا وقد ابتدأ في رحلة تلقي الأحكام.

ولقد بدا هذان القسمان واضحيْن لكثير من العلماء الذين تناولوا سورة البقرة، ودارت عبارتهم حول معنى الربط بين هذيْن القسميْن، وكيف أن هذه السورة:

1.    قد قُسِمَتْ بين أمة الدعوة (بني إسرائيل) وأمة الإجابة (أمة الإسلام).

2.    وأنها سورة نزع الخلافة من بني إسرائيل (وهذا قسمها الأول) وتكليف المسلمين بها (وهذا قسمها الثاني).

3.    وأنها سورة بناء المجتمع المسلم على نحو النهي والأمر: النهي عن أن يكونوا مثل بني إسرائيل، والأمر بإطاعة ما نزل إليهم من التشريعات[1].

وبهذا التوضيح لموضوع سورة البقرة نكون قد اقتربنا خطوة مما نريد فهمه، وهو: لماذا من بين سائر هذه المواضيع سُمِّيت السورة على وجه التحديد باسم: البقرة؟

 

(3)

سورة البقرة هي أول سورة نزلت بالمدينة، واستمر نزولها طوال الفترة المدنية، فهي التي رافقت الجماعة المسلمة الأولى وهم يعايشون اليهود، وأخذت في تشييد بنائهم التشريعي حتى آخره، حيث نزل تحريم الربا في آخر الفترة المدنية، وفي نهاية الآيات التي نزلت تحرم الربا نزلت آخر آية من القرآن الكريم وهي قوله تعالى {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281].

وقد سمعت من بعض مشايخنا أن الجزء الأول من هذه السورة إنما هو بيان لأعداء الأمة الإسلامية، فهو التنبيه الرباني لعباده على الفئات التي ستنابذهم العداء وستقف في طريقهم.

ولهذا، فبعد مقدمة قصيرة للغاية عن صفات المؤمنين، تأخذ الآيات في وصف الأعداء الأربعة على هذا الترتيب: الكافرون، المنافقون، الشيطان، اليهود.

ومن العجيب المثير للتأمل أن يكون الوصف على هذا النحو:

1.    تكون البداية بالكافرين، وكان نصيبهم آيتيْن فحسب {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 6، 7].

2.    ثم يأتي الحديث عن المنافقين، فإذا به يستغرق اثني عشرة آية!

3.    ثم يأتي الحديث عن الشيطان الذي أغوى أبينا آدم وأزله عن الجنة فتستغرق القصة كلها تسع آيات!

4.    ثم يأتي الحديث عن اليهود فيستغرق أكثر من مائة آية!!

فكأن الخطر الذي يمثله اليهود على أمة الإسلام ودعوته أشد من خطر بقية الأعداء الثلاثة: الكفار والمنافقين والشيطان!

 

(4)

والآن، إذا حاولنا أن نربط كل هذا الكلام بعضه ببعض، لوجدنا أن قصة البقرة هي القصة الجامعة لكل موضوع سورة البقرة، فكأنها قلبُ السورة، إذ نرى أن المعاني الكامنة فيها هي المعاني التي تنتشر في بقية السورة، كأنما هي قلب تنبعث منه الشرايين والأوردة! فما من معنى في هذه السورة الطويلة الحاشدة إلا وهو كامن في قصة البقرة!

وتعال تأمل معي:

إن في قصة البقرة تحذير من الله ونهي لعباده المسلمين أن يجادلوا في الأحكام النازلة إليهم كما فعل بنو إسرائيل في الأمر الذي جاءهم مع أن فيه مصلحتهم وفيه كشف سر القاتل الذي يبحثون عنه.. فهذه القصة هي أنسب القصص التي يجب أن يفهمها قومٌ يُعدّهم الله تعالى للرسالة الخاتمة، ويتهيؤون لكثير من الأحكام التي ستنزل عليهم.

فهذه السورة الحافلة بالأحكام والتشريعات في قسمها الثاني تناسب قوما يقولون: سمعنا وأطعنا.. قوما يعرفون أنه لا ينبغي لهم أن يجادلوا في أحكام الله وأوامره ونواهيه كما فعل أصحاب البقرة.. قوما يعرفون أن جدالهم وكثرة سؤالهم يشدد الأمر عليهم ويزيده عسرا، وقد قال رسول الله ﷺ: "لو ذبحوا أي بقرة كانت لأجزأتهم ولكن شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم". فمن بعد ما كان المطلوب ذبح بقرة، أي بقرة، ظلوا يسألون ويتمحكون حتى صار المطلوب منهم ذبح بقرة لا مسنة ولا صغيرة، صفراء فاقعة اللون، حسنة المنظر، لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث، لا عيب فيها ولا يشوب لونها شائبة!!

وفي قصة البقرة تنبيه للمسلمين إلى هذه الطباع الخبيثة لبني إسرائيل، وما تنطوي عليه قلوبهم من عصيان الله وإرهاق نبيهم، ولقد سمعت بعض مشايخنا يقول: تأملوا، كيف يفاوض هؤلاء القوم؟!! إنهم يفاوضون في بقرة! ويفاوضون ربهم في علاه! ووسيط التفاوض نبيهم الذي خلصهم وأنقذهم من العذاب: موسى! ويفاوضون على أمر نزل إليهم فيه مصلحتهم!.. فتأمل كيف يمكن أن يفعلوا مع غيرهم من البشر، فيما هو أجل من البقرة، مع وسيط تفاوض لا يبلغ شسع نعل موسى عليه السلام؟!

وهذا الفهم لنفسية اليهود هو ضروري لقومٍ سيحملون الرسالة الخاتمة، ويتحملون عبء الدعوة.. ضروري من جهتيْن على الأقل:

1.    من جهة أن يتجنبوا هذه الطباع ويحاربونها في أنفسهم فيعظمون ربهم ولا يرهقون نبيهم ولا يتكلفون في الدين ولا يسألون عما لم يُبْد لهم، فبذلك يبقى فيهم شرف الرسالة فلا ينزع منهم كما نُزِع من بني إسرائيل.

2.    ومن جهة أن يعرفوا عدوهم وطباعه وطرائقه في التمحل والتكلف والمناورة، فيتأهبون لذلك.

وإن في قصة البقرة معجزةٌ تؤكد أصل الإيمان الكبير: وهو الإيمان بالبعث واليوم الآخر، وذلك حين أحيا الله القتيل أمام أعينهم، فنطق وتكلم بمن قتله، ثم عاد إلى موته. وقد أحياه الله لهذه الغاية، {كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 73].

والإيمان باليوم الآخر، والحياة بعد الموت، هو الأصل الذي فرَّق بين المؤمنين والكافرين، فإن كثيرا من الكافرين يؤمنون بوجود الله، ويؤمنون بأنه خلق السموات والأرض، بل وبأنه خلق الناس.. فما كان أهل قريش يكفرون بوجود الله، ولكنهم لا يريدون الإيمان باليوم الآخر.

والسر في أن الكفار ينكرون اليوم الآخر ويرفضونه، ليس أنه متعذر عقلا، فإن الخلق من العدم، والإنشاء من النطفة، أصعب بكثير من الإحياء بعد الموت.. ولكن سر إنكار اليوم الآخر في الحقيقة هو الرغبة في الحياة بلا تكاليف ولا تشريعات ولا مرجعية.. فاليوم الآخر هو يوم الحساب، وهو يوم الجزاء، وهو يوم الثواب والعقاب.. فمن آمن به، وجد نفسه مضطرا من فوره إلى معرفة ربه، ومعرفة ما يأمر به وما ينهى عنه، ووجد نفسه مضطرا إلى الطاعة والتسليم والاتباع!

فمن أراد الحياة وفق هواه وشهواته ومصالحه ومطامعه، كان أشد شيء يزعجه ويؤرقه وينغص عليه نفسه هو: الإيمان باليوم الآخر.

إن أكثر الكفار مستعدين للإيمان بإله لا أثر له في الحياة، لا أوامر له، لا نواهي له، لن يثيب ولن يعاقب ولن يجازي، ولن يبحث عن أحد أطاعه أو عن أحد عصاه، والموت نهاية كل حي.. إن مجرد الإيمان بوجود الإله أمر يتقبله الكفار ويتعايشون معه بلا مشكلات!

لكن الصراع الضخم الكبير الذي يملأ هذه الحياة هو الصراع حول الإله الذي له تعاليم وتكاليف، الصراع حول الإله الذي سيبعث الناس بعد الموت فيجازيهم؛ فيثيب الطائع ويعاقب العاصي.. هنا يصطدم الحق بالباطل في هذه الحياة وعلى هذه الأرض، وهنا تكون المعركة العظمى: لمن السيادة والمرجعية؟ من الذي يملك أن يقول: هذا حق وهذا باطل؟ من الذي له حق السمع والطاعة؟ ما الذي نفعله وما الذي نتجنبه؟

كل هذه المعركة خلاصتها تكمن في هذه الجملة الواحدة: الإيمان باليوم الآخر.. وأكثر الذين لا يؤمنون بالله، إنما هم في حقيقتهم وأعماق فكرهم لا يؤمنون به فرارا من الإيمان باليوم الآخر.

لقد افترق المؤمنون والكفار حول الإيمان باليوم الآخر مطلقا.. آمن به المؤمنون، وكفر به الكافرون.

وافترق المؤمنون وأهل الكتاب حول الإيمان باليوم الآخر أيضا، ولكن على جهة التفصيل، فقد زعم اليهود أنهم إن عوقبوا فلن يعاقبوا بالنار إلا أياما معدودة {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} [البقرة: 80]، فلهذا استخفوا بالدين وبالتعاليم وبالشرائع، وكتبوا الكتاب بأيديهم وقالوا: هذا من عند الله، وارتكبوا قائمة طويلة من الجرائم.

ولهذا كان على المؤمنين أن يؤمنوا باليوم الآخر على هذا النحو: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81، 82]، وذلك أنهم يتهيؤون لتلقي التعاليم والتشريعات الكثيرة التي لا بد لهم من تنفيذها كما أنزلها الله إليهم، فليس بين الله وبين أحد نسب ولا صلة ولا قربى ولا محاباة!

 

(5)

من أجل هذا، كان لا بد للمؤمنين حملة الرسالة الخاتمة من الانتباه الدائم إلى هذه القصة، قصة البقرة، القصة التي جمعت سائر أقطار هذه السورة الطويلة الحافلة، القصة التي نبهتهم إلى عدوهم الخطير، وأخبرتهم بتاريخ الأمة التي نُزِع منها شرف الرسالة، وأعدتهم لطريقة التعامل مع التشريعات النازلة إليهم.

نسأل الله تعالى أن يفقهنا وإياكم في كتابه وسننه.

نشر في مجلة "أنصار النبي"، إبريل 2024



[1] للتوسع في بيان سورة البقرة وموضوعها واجتهاد العلماء والمفسرين فيه، ينظر: تفسير المنار لرشيد رضا، وفي ظلال القرآن لسيد قطب، وتفسير القرآن الكريم لمحمود شلتوت، والنبأ العظيم لمحمد عبد الله دراز، ودراسات قرآنية لمحمد قطب.