الخميس، يناير 05، 2012

الحركة الإسلامية وشعرة معاوية!

هذا المقال هو الثاني في مجموعة "تصورات فاسدة لدى الحركة الإسلامية" والتي تهدف إلى تصحيح بعض المفاهيم التي تعتبر من الثوابت والمسلمات في التصور الحالي للحركة الإسلامية المعاصرة، مما أدى إلى أن انبنى عليها فكر وسياسات وخطوات عملية، في حين أن المفاهيم ذاتها لا تثبت عند التحقيق العلمي.

في المقال الأول ناقشنا فكرة "كما تكونوا يولي عليكم" وكيف أنها لا تثبت لا بالنص إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كما لا تثبت حين استعراضها تاريخيا، لا سيما في عصر الدولة المركزية حيث يستطيع الحاكم بما أتاحت له الدولة المركزية من سلطات تمكنه من صبغ المجتمع بطابعه وحماية هذا الطابع بما يملكه من أجهزة القهر والقمع وما يملكه من فرض القوانين وإنفاذها في الإعلام والتعليم وما إلى ذلك.

(2)

"لو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت"

لعل طول السنين التي مرت بها الحركة الإسلامية وهي تحت القهر والطغيان، تذوق السياط وتشرب الذل، قد صنع بها أثرا عظيما، لا على مستوى التكتيك والمناورة بل على مستوى الفكر والرؤية، لذا لا تخطئ عين المتابع لخطاب الحركة الإسلامية انقلابا على كثير من ثوابتها وتراثها وأقوال مؤسسيها، ثمَّ من كان لديه الشجاعة ليعلنها "مراجعة" وثمَّ من التمس لها تأويلا وتفسيرا جديدا ليناسب ما يسميه "متطلبات المرحلة".. وكان من المتوقع أن يتدحرج الحال إلى أن يكون هم الحركة الإسلامية أن تحافظ على وجودها بينما كان أول أمرها عندما نشأت أن تغير من أحوال بلادها وشعوبها.

وفي ظل "الحفاظ على البقاء" كثرت الاستدلالات في غير موضعها والأقيسة الفاسدة، وعاشت الحركات الإسلامية "فقه المرحلة المكية" وأصَّلت لسلوكها بتلك الأجواء، لكن الأمر لم يخل من استدعاء نصوص المرحلة المدنية إذا لزم الأمر، فلو أنها أرادت الإقدام على أمر ظاهره الخسارة استدلت بغزوة بدر وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة، ولو أنها تراجعت تراجعا مشينا غير مفهوم استدلت بتصرف النبي في صلح الحديبية، ولو أنها أرادت المداراة على مواقفها استدلت بموقف النبي من عبد الله بن أبي بن سلول زعيم المنافقين. وفي كل هذا تُجْتَزأ المواقف من أجوائها لتخدم الخطوة القادمة.

ومن هذه الاستدلالات ما سمعته من فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين د. محمد بديع، بشأن موقف الجماعة فيم لو لم يستجب المجلس العسكري للمطالب الوطنية وتسليم السلطة إلى المدنيين، وقد حاول المحاور[1] الضغط للوصول إلى النقطة التي يمكن أن تكون فاصلا بين موقف الإخوان وبين المجلس العسكري في مصر، وكان المرشد حريصا على أن يؤكد أنه لا يمكن أن يكون ثمة صدام في أي لحظة، واستدل بقول معاوية رضي الله عنه "لو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، إن شدوها أرخيتها، وإن أرخوها شددتها".

ومع كامل التقدير لمقام فضيلة المرشد، وكامل الإجلال له ولتاريخه في حركة الإخوان، وهو ممن ابتلي في سبيل فكرته وحمل من العنت والتعذيب ما لا ندري هل نثبت لبعضه أو نسقط، أقول: مع كامل التقدير والاحترام، إلا أن هذا الاستدلال أدهشني تماما، وجعلني في حيرة من أمري، وهو ما دفعني لوضعه على محك النقاش العلمي.. نسأل الله أن نكون من المخلصين.

فأما العبارة فنصها: "لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أصنع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت كانوا إذا شدوها أرخيتها وإذا أرخوها شددتها".

وبالبحث عن سندها وصحتها إلى معاوية، يميل التحقيق إلى صحتها وترجيح نسبتها إلى معاوية رضي الله عنه، فقد أوردها ابن قتيبة (276 هـ) في "عيون الأخبار"[2] والبلاذري (279 هـ) في "أنساب الأشراف"[3]، واليعقوبي (292 هـ) في تاريخه، وابن عبد ربه (328 هـ) في "العقد الفريد"[4]، وغيرهم، وورد ما هو بمعناها عن ابن عباس يصف سياسة معاوية من طرق أخرى.

لكن أمورا كثيرة تجعل الاستدلال بهذا من باب الخطأ:

أولها: أن هذه العبارة تنتسب لمرحلة "التمكين" لا لـلمرحلة "المكية"، وقد قالها معاوية وهو في دمشق حيث يحكم امبراطورية تشمل الجزيرة العربية واليمن والعراق والشام وفارس ومصر والشمال الإفريقي، فكيف يستدل بها من لازال يعيش تحت قانون الطوارئ حيث يمكن للسلطة وضعه في السجن قبل أن تبحث له عن تهمة؟

ثانيها: أن معاوية بن أبي سفيان كان يتحدث عن طريقة حكمه للناس، وكيف أنه لن يسمح أبدا أن تسوء العلاقة بينه وبين شعبه، وأنهم مهما شدوا عليه لان لهم، يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "ومعنى كلامه أنه سهل الانقياد؛ لأن الشعرة إذا جعلتها بينك وبين صاحبك إذا جذبها أدنى جذب انقطعت، لكن من حسن سياسته رضي الله عنه أنه كان يسوس الناس بهذه السياسية؛ إذا رأهم مقبلين استقبلهم، وإذا رأهم مدبرين تبعهم حتى يتمكن منهم"[5].

ثالثها: أن هذا لم يكن ضعفا بل عفوا وحلما بعد قدرة، يتبين هذا حين جرى بينه وبين واحد من رعيته نقاش، فأساء له الرجل وتكلم "بكلام فيه غَمْرٌ لمعاوية, فأطرق معاوية ثم رفع رأسه فقال: يا أبا الجهم إياك والسلطان فإنه يغضب غضب الصبيان ويأخذ أخذ الأسد, وإن قليله يغلب كثير الناس, ثم أمر معاوية لأبي الجهم بمال, فقال أبو الجهم في ذلك يمدح معاوية:

نميل على جوانبه كأنا ... نميل إذا نميل على أبينا

نُقلِّبه لنخبر حالتيه ... فنخبر منهما كرماً ولينا"[6]

فمن كان يملك التهديد والتنفيذ هو من يملك إذا عفا وحلم أن تكون هذه سياسة ورحمة ولين، لا عن ضعف بل عن سعة صدر واحتمال أذى.

رابعها: أن معاوية لم تكن هذه سياسته في المبادئ والحقوق، بل هو الذي قاتل في سبيل ما يراه حقا له قتالا كبيرا، وما جعل بينه وبين علي (رضي الله عنه) شعرة إلا إن اقتص من قتلة عثمان (رضي الله عنه)، فكلمته عن سياسة الناس باللين والرفق إنما تعني الحديث في التفاصيل والإجراءات والسياسات لا في أصل الحقوق والمبادئ، بينما استعملها فضيلة المرشد وكأنها عامة شاملة، واستعملها في معرض الحديث عن "حق الوطن" في أن تؤول سلطته إلى السلطة المدنية المنتخبة.

خامسها: أن مآل هذه الكلمة هو تكرار تجربة 1954، وهي التجربة التي لا أظن أحدا من المنصفين الموضوعين لا يقر بالخطأ الكبير الذي ارتكبه الإخوان في تعاملهم مع عبد الناصر، ورغم أن المرشد الثاني حسن الهضيبي قرأ منذ اللقاء الأول بعبد الناصر بعد نجاح الانقلاب العسكري (يوليو 1952) أنه بذرة مستبد جديد، إلا أنه لم يفكر في التصدي له إلا بعد أن صار الوفاق مستحيلا، وعلى كثرة التفاصيل الدامية المؤلمة[7] لم تحاول الجماعة استباق ضربة عبد الناصر لها، بل ظلت تحاول ألا تقطع الشعرة، فهو يشد وهي ترخي، وهو يشد وهي ترخي، هو يتقدم وهي تتراجع حتى لم يعد إلا السحق الذي لم يكن منه بد ليستقر الطاغية في منصبه منفردا وحيدا يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

***

ولئن كانت الحركة الإسلامية في مصر ترى نفسها في "المرحلة المكية" فينبغي أن تعلم أن المرحلة المكية لم يكن فيها "شعرة معاوية" على الإطلاق، في المرحلة المكية لم يكن من سبيل لأنصاف الحلول مطلقا، كان اللقاء بين المنهجين مستحيلا، وكان التنازل من فريق يصب في مصلحة الآخر مباشرة، بل كان تنصيب النبي (صلى الله عليه وسلم) ملكا في مقابل التنازل عن دعوته تنازلا غير مقبول!!

تنازل غير مقبول ولو كان في سبيل "الوحدة"، هكذا جاء عتبة بن ربيعة يستنكر ما حل بقريش جراء دعوة محمد فيقول: " إنا والله ما رأينا سخلة قط أشأم على قومك منك فرقت جماعتنا وشتت أمرنا وعبت ديننا وفضحتنا في العرب حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرا وأن في قريش كاهنا والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى. أيها الرجل إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلا واحدا... "[8]، فردَّ النبي رده المعروف!

وأما إن كانت الحركة الإسلامية ترى نفسها في "المرحلة المدنية" فهنا يجوز المساومة والمناورة في التفصيلات والجزئيات، ولكنها مفاوضات على أرض صلبة، مفاوضات بين أنداد، مفاوضات تعني أن الجهاد في سبيل الحق قائم لحماية الحقوق والأوطان، ولمنع العودة بالبلاد إلى عهدها القديم أبدا أبدا!

اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه

نشر في: المركز العربي للدراسات والأبحاث



[1] الحوار المقصود، هو حوار المرشد مع برنامج "90 دقيقة" على فضائية المحور، بتاريخ 15/12/2011م.

[2] ابن قتيبة: عيون الأخبار، تحقيق: د. يوسف علي طويل، دار الكتب العلمية، بيروت، 1418 هـ. 1/62.

[3] البلاذري: أنساب الأشراف، تحقيق: إحسان عباس، بيروت، جمعية المستشرقين الألمانية، 1400 هـ = 1979 م. 5/85.

[4] ابن عبد ربه: العقد الفريد، تحقيق: د. محمد مفيد قميحة، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1404 هـ. 1/25.

[5] محمد بن صالح العثيمين: شرح رياض الصالحين، دار الوطن للنشر، الرياض، 1426 هـ. 3/607.

[6] ابن كثير: البداية والنهاية، علي شيري، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى 1408 هـ = 1988 م. 8/144.

[7] لمزيد من التفاصيل طالع: "التصويب الأمين لما كتبه القادة السابقون عن التنظيم الخاص للإخوان المسلمين" لمحمود الصباغ، و"النقط فوق الحروف" لأحمد عادل كمال، و"الأيام الحاسمة وحصادها" و"حصاد الأيام" كلاهما لحسن العشماوي، و"أجبرت فاروق على التنازل عن العرش" لعبد المنعم عبد الرؤوف، "الإخوان المسلمون، أحداث صنعت التاريخ" لمحمود عبد الحليم.

[8] الألباني: صحيح السيرة النبوية، المكتبة الإسلامية، عمَّان، الطبعة الأولى. ص160.