السبت، مارس 24، 2012

موظف الحكومة.. لا يصنع التاريخ

أسوأ ما يمكن أن ينزل بالإنسان أن يعمل موظفا في الحكومة، فالعمل في الحكومة يعطي مزية واحدة وينزع كل صفات الموظف وخصاله الحميدة، حتى يصير موظف الحكومة الشريف شيئا نادرا!

لا يأخذ موظف الحكومة إلا ميزة "الأمان الوظيفي" حيث لا يستطيع أحد أن يفصله من عمله إلا بعد إجراءات طويلة ومعقدة، ولكنه يفقد أمام هذه الميزة أشياء كثيرة، أهمها: أنه سيعيش حبيسا بين جدران وظيفة تكفيه بالكاد ولا توفر له أبدا الحياة الكريمة، وهي تعوِّده على نمط بعينه من الحياة، فيصير مع الوقت غير مستعد أبدا لتجريب نمط غيره، ينحصر في إطار الوظيفة، يفقد القدرة على المغامرة أو المخاطرة أو اقتناص الفرص، لا يفكر خارج الصندوق المحيط به.. كل ما يتمناه: زيادة المكافأة، الحافز، انتظار السنوات حتى الترقي والانتقال من درجة إلى أخرى..

وكل هذا يُعوِّده أن يكون موظفا مطيعا، يهتف "عاش الملك مات الملك"، لا يبالي كثيرا بصحة أو خطأ السياسات المتبعة.. يهمه فحسب أن تكون واضحة وآمنة، لئلا يصطدم بها عن دون قصد، ولئلا يجد نفسه فجأة من المغضوب عليهم.. ومع كل ترقي من درجة إلى أخرى، يزداد الموظف استعلاء واستئسادا على من دونه، ويزداد طاعة وتقربا لمن فوقه، حتى يمضي عمره وقد صار خبيرا في شيء واحد فقط: دهاليز الوظيفة وقوانينها!

كم من الشخصيات التي أعرفها، قاومت أن تكون فاسدة في النظام الحكومي، ولكنها لم تستطع أن تقاوم النمط الحكومي.. فهو رغم طاقته الهائلة في العمل وإخلاصه الشديد وتحريه للأمانة والتقوى أصبح فاقدا للقدرة على المرونة، لا يمكن أن يفكر خارج الصندوق، لا يضحي بانهيار الأمان ولا يفكر في اقتناص فرصة أو المخاطرة في مشروع، وكم من خسارات نزلت بالأمة والوطن وبهم أنفسهم جراء هذه الصفات التي جعلت الإنسان أقرب إلى الآلة "سمعا.. وطاعة".

***

الموظف الحكومي يبذل الطاقة نفسها التي يبذلها صاحب المشروع، وربما أكثر.. ولكن لأن المسارات مختلفة فالنتائج جد مختلفة..

الموظف الحكومي يعيش تحت ضغط نفسي رهيب في ترتيب مصاريف البيت والأولاد والدروس الخصوصية، ويشارك في الجمعيات الشهرية، ويتفنن في اقتطاع المصاريف من هنا ليسد الثغرة هناك، ومن هنالك ليسد الثغرة هنا، وربما يعمل بعد عمله الحكومي في عمل آخر خاص أو أكثر.. وقليل هم من يستطيعون بهذا الوضع أن يعيشوا حياة كريمة..

وهو رغم هذا المجهود العظيم لا يستطيع أن يضحي بالعمل الوظيفي الآمن ليفعل مثل صديقه الآخر الذي ترك العمل الحكومي وبدأ في مشروع خاص وتعود على المخاطرة والمغامرة، فأحيانا يكسب وأحيانا يخسر، لكنه في النهاية وبعد عدد من السنين يحقق أضعاف دخل الموظف الحكومي ويتيح لنفسه وأولاده حياة أفضل، وهو غير مشغول بالقرش والجنيه بل هو مشغول بالصفقة.. وقد لا يهتز إن خسر في صفقة مبلغا كبيرا بل يفكر في تعويضه من صفقة أخرى.. بينما موظف الحكومة يقصم ظهره إن تم تخفيض الحافز بضعة جنيهات.. فحياته المرتبة بصعوبة لا تحتمل أي ارتباك!

***

قد يستطيع الموظف تكوين ثروة.. يضع الجنيه فوق الجنيه والقرش فوق القرش ويتفنن في ألا ينفق إلا الحد الأدنى المطلوب، وهو في رحلة تكوين الثروة هذه يترقب الحافز والمكافأة وساعات العمل الإضافية.. هذه الثروة لا تقارن بالآخر الذي يحققها عبر الفرص، عبر المخاطرة، عبر الصفقة التي تنقله من حال إلى حال، ومن وضع إلى وضع آخر..

وبينما هذا يترقى درجة درجة بناء على نمط محسوب وآمن في وظيفته.. فهذا يقفز قفزا!

حتى جاءت اللحظة الفاصلة.. استطاع المستثمر أن يشتري الشركة التي يعمل بها صديقه الموظف الحكومي بعد ثلاثين سنة في صفقة من الصفقات، وضاع إلى الأبد حلم الموظف في أن يكون مديرا لقطاع في هذه الشركة أو عضوا في مجلس إدارتها..

***

لقد جاء الزمن بمتغيرات أربكت النمط الرتيب المحسوب الذي كان يمضي فيه، وظهر في الأفق رجل من خارج السياق تماما، كم رماه بالفشل والتهور والاندفاع وتعريض نفسه للخطر والديون والسجون..

وعلى رغم النجاح المتكرر للرجل إلا أن هذا لم يدفعه أبدا لترك حياته الرتيبة الملتزمة بقوانين جائرة، فبدأ في السكوت، ثم بدأ يبرر لنفسه أن الحياة تحتمل العديد من الاتجاهات: هذا اتجاهي وهذا اتجاهه ونحن ننشد نفس الهدف، واتجاهاتنا المختلفة تثري الحياة ولا تتعارض..

لكن نجاح الرجل يتزايد، وهنا بدأ السكوت يتحول مرة أخرى إلى هجوم عليه وعلى مسيرته.. وبينما كان الهجوم الأول، هجوم الواثق من نفسه ومن فشل الطرف الآخر والتحدي بأن الزمن سيثبت من أصح طريقا.. جاء هذا الهجوم الثاني من موقع المنافسة ومستشعرا بخطورة ما تحققه نجاحات الرجل على الخطة الرتيبة التي بدأت منذ ثلاثين سنة، والتي وُضِعت خطوة خطوة وسارت محسوبة جنيها وقرشا..

***

إذا وصلت إلى هذا السطر، وكنت عارفا بالوضع الحالي على الساحة الإسلامية.. فستعرف لماذا يقف "أصحاب الكيانات الإسلامية" تحديدا موقف المعارضة والهجوم من حازم صلاح أبو إسماعيل.

كلمة السر في المخاطرة.. والأمان!

في التقاط الفرص التاريخية والإمساك بها.. والسير وراء الخطة الرتيبة الآمنة!

فيمن يرى هدفا واضحا يسعى إليه فلا تهزه تغيرات التفاصيل.. وفيمن يرى خطة واضحة ومحسوبة لا تحتمل تغير التفاصيل..

***

قال المفكر والفيلسوف الفرنسي الكبير العلامة جوستاف لوبون ما معناه: إن الحالمين فقط هم من يكتبون التاريخ وينشئون الدول والديانات.. ولو كان العقل –لا الحلم- هو الذي يسود العالم لكان للتاريخ مجرى آخر.. أصحاب الحلم وحدهم – لا ذوي التفكير البارد من الفلاسفة والمفكرين- هم من يقودون الناس وينشئون الدول ويصنعون التاريخ.

نشر في رابطة النهضة والإصلاح