الأربعاء، ديسمبر 06، 2017

الذين فاتهم القطار

لما أرادت هيلاري كلينتون أن تضرب مثلا على العلاقة بين أمريكا والحكام العرب لم تجد نموذجا أوضح من اليمن ورئيسها علي عبد الله صالح، كتبت في مذكراتها تقول: 

"كانت علاقة أمريكا بالرئيس صالح رمزا للخيار المحير الذي تعانية سياستنا في منطقة الشرق الأوسط. كان فاسدا ومستبدا، لكنه التزم أيضا محاربة تنظيم القاعدة، والمحافظة على وحدة بلاده المنقسمة. قررت إدارة أوباما أن نتغاضى عما يزعجنا في سياسة صالح، لنزيد المساعدات العسكرية والتنموية لليمن، ونوسع تعاوننا في مكافحة الإرهاب"[1].

كذلك تقر كلينتون أن صنعاء تحت حكم صالح مدينة مغبرة "تعود إلى القرون الوسطى"، وأن الشعب اليمني تنتشر فيه البطالة ويتضاءل في البلاد إمداد المياه ووفيات الأطفال "مروعة"، وسكان اليمن هم أقل الشعوب تعلما على وجه الأرض!

كانت هيلاري تحكي قصة زيارتها للشرق الأوسط عشية اندلاع الثورات العربية، فقد بدأت زيارتها في 9 يناير 2011 تحديدا، وقت أن كانت الثورة التونسية في مخاضها، وقبل أن تلملم حقائبها لتعود إلى واشنطن كان زين العابدين بن علي قد لملم حقائبه سريعا ليهرب من تونس إلى السعودية!

ستأتي معنا السعودية بعد قليل.. لكن الطريف هنا أن زيارة كلينتون إلى اليمن حصلت في ظل سحابة لم تنقشع أثارتها وثائق مسربة من ويكي ليكس فضحت أن علي عبد الله صالح طلب أموالا من الأمريكان مقابل أن يسترد الأسرى اليمنيين في سجون جوانتانامو، طلب منهم 11 مليون دولار بزعم احتياجه لإنفاقهم على إعادة تأهيل الأسرى، ولما أخبره المسؤول الأمريكي بأنه يمكنهم أن يدفعوا نصف مليون دولار امتعض ورفض! لم يكن لدى علي عبد الله صالح بأس في أن يبقى يمنيون في جوانتانامو ما لم يأخذ على رؤوسهم الثمن المناسب!

ساعتئذ أيضا، وكما كشفت ويكي ليكس، اقترح ملك السعودية عبد الله عبد العزيز، أن تزرع شرائح إلكترونية في أجساد من سيُفرج عنهم من جوانتامو ليظلوا تحت الرقابة، كما يفعل الأمريكان مع الحيوانات والطيور لمراقبتها، وقد رد عليه المسؤول الأمريكي بأنهم يستطيعون فعل هذا مع الحيوانات لأنها لا تستطيع توكيل محامين[2]! ولمرة أخرى سنعود إلى السعودية بعد قليل.

قبل ذلك بشهور، أي في منتصف 2010 تقريبا، حدثني أحد المشايخ بعد عودته من رحلة إلى اليمن، كان ثمة مؤتمر علمي ثم دُعِي المشايخ إلى لقاء مع علي عبد الله صالح، وفيه ظل صالح يتكلم نحو ثلاثة أرباع الساعة يشرح الإسلام للمشايخ! وبين كل فترة وأخرى يقول "طبعا أنتم أعلم بهذا.. وليس من اللائق أن أشرحه لكم" لكنه يستمر في الشرح! ولما سكت قام عائض القرني فنصب خطبة نفاقية في صالح وأن المشايخ معه في دعمه ضد الحوثي، ولم يكن يخفى على أحد أن عائضا ينطق بلسان ولي أمره في السعودية. وبعد نهاية القصة أخبرني الشيخ بجملة رسخت في رأسي منذ قالها: "حين تدخل اليمن تجد الناس وكأنهم يعيشون قبل قرون، كل شيء صغير بسيط فقير متواضع.. كأنما ليست دولة وكأنه لا موارد لها، فإذا دخلت إلى قصر علي عبد الله صالح عرفت أن تتكدس الأموال"!

الواقع أنه من العبث أن يُكتب في مساوئ رجل ثار عليه شعبه، الثورة هي أبلغ قائمة اتهام، فالشعوب لا تثور إلا حين يفيض الكيل تماما، وكل محاولة في تبرير الثورة هي محاولة مفلسة مسبقا، الثورة نفسها هي البرهان الأقوى والأرسخ على فساد الحاكم وظلمه وتجبره..

غير أن هذا لا ينفي أن الرجل استطاع أن يتلاعب بالجميع ليبقى هو في كرسيه، بداية من الجهاديين والإخوان المسلمين والأحزاب السياسية والقوى القبلية والنظام الإقليمي، وظل خادما وفيا مخلصا للنظام الدولي وخياراته حتى فاته القطار.. ولما فاته القطار جاءته السعودية!

سيُدرج الكتاب الذي يؤرخ للسياسة السعودية في باب الطرائف والفكاهات، على نحو "أخبار الحمقى والمغفلين"، فالنظام السعودي لا تفسير لسياساته المستمرة إلا أن يكون القائمون عليها سكارى ومجانين أو أن يكون القائمون عليها هم الأمريكان والإسرائيليون رأسا.. إنه النظام الذي تفنن وتفاني في ضرب كل القوى التي تحميه وتشكل درعا وحصنا له، النظام الذي سخر نفسه وأمواله ومشايخه في ضرب أهل السنة من أفغانستان شرقا وحتى الجزائر غربا، وأغرب ما في تلك الفصول المتسلسلة أنهم دعموا الحوثي للتخلص من إخوان اليمن!

كبر الحوثي وتضخم، سيطر على صنعاء، وصمد أمام أكبر آلة عسكرية يمكن للسعودية أن تحشدها، بل لقد استطاع أن يضرب الصواريخ على الرياض!! ولأن دعم الإخوان –كطرف وحيد مؤهل لخوض معاك حقيقية ضد الحوثي- هو بالنسبة للنظام السعودي خط أحمر، فقد فعلوا كل شيء إلا هذا.. ثم ختموه باستدعاء من فاته القطار! على عبد الله صالح!

وجد صالح الفرصة، انقلب على حلفائه الحوثيين، متوهما أنه يستطيع لمرة أخرى أن يلاعب الجميع، وبعد ثلاثة أيام كان حلفاؤه قد أكلوه.. وخسرت السعودية ورقتها الأخيرة ضد الحوثي، الورقة التي استدعتها من مزبلة التاريخ.. بعد أن فاتها القطار.

وبهذا يكون ابن سلمان قد سجل فشلا جديدا بعد واقعة سعد الحريري، والواقع أن ابن سلمان ليست له نجاحات خارجية قط، سائر نجاحاته إنما هي في معاركه الداخلية مع أبناء عمومته على العرش، وهي معارك قد دفع مسبقا –ولا زال يدفع- ثمنها بالمليارات وبالتطبيع مع إسرائيل وبإخراج السعودية من دينها إلى العلمانية والتغريب.. فانتصاراته فيها ليست لقوته الذاتية، وإنما هي لأن يد الأمريكان فوق أيديهم. ثم هي حتى الآن انتصارات غير محسومة نهائيا، وإنما سيُعرف مصيرها لحظة أن يعتلي بنفسه العرش أو لحظة أن يأتي أباه الأجل!

تحارب السعودية إيران بالكلام بينما كل سياساتها تمكين لإيران وترسيخ لنفوذها، ولم تراهن السعودية على أحد فأفلح (سعد الحريري وعبد ربه منصور هادي ثم علي عبد الله صالح) بل إنها لتراهن على حليف فينقلب عليها كما فعل ويفعل السيسي في مصر، ومع هذا فهي ماضية في صد ورد وخيانة من أراد ودها كقطر وتركيا والإخوان المسلمين في مصر واليمن وليبيا وفصائل من الثورة السورية وحماس في فلسطين، مع أن هؤلاء على وجه التحديد هم المؤهلين للوقوف أمام التمدد الإيراني (هذا لو أن السعودية صادقة في معاداة إيران أصلا).

وقريبا يفوت القطارُ النظامَ السعودي نفسه، وقديما قالوا: السعيد من اتعظ بغيره والشقي من اتعظ بنفسه.. ولات حين مندم!




[1] هيلاري كلينتون، خيارات صعبة، ط1 (بيروت، شركة المطبوعات، 2015م)، ص327.
[2] اليمن قايض معتقلي غوانتانامو بالمال، الجزيرة نت، 1 ديسمبر 2010م.