الأربعاء، ديسمبر 20، 2017

أشدُّ رهبة في صدورهم من الله!

كررت مندوبة أمريكا في الأمم المتحدة جملة "السماء لم تسقط"، كانت ترد على الدول التي تخوفت من تبعات قرار ترامب، كانت تقول لهم: ما توقعتموه لم يحدث، لا تزال السماء في مكانها، ولم يحدث شيء. قرأ كثيرون في هذا التصريح سخرية من قدرة العرب على الرد.. ونعم! لديهم حق. إلا أن أمرا آخر يجب أن ننتبه إليه أيضا.. هو موضوع هذه السطور القادمة.

كثيرا ما يخرج لي إذ أقلب صفحات التاريخ أمورا لا أعرف لها تفسيرا سوى حديث النبي صلى الله عليه وسلم "نُصِرْتُ بالرعب مسيرة شهر"، فعلى الرغم مما ننظر به لأنفسنا من العجز والضعف وقلة الحيلة –وكل هذا حق- إلا أن عدونا يحسب لنا حسابا فوق ما نحسبه نحن لأنفسنا.

خذ هذا الموقف الذي بين أيدينا مثلا، ما الذي يدفع دولا غربية لا شك في ميلها لإسرائيل ولا شك في عداوتها للعرب والمسلمين أن تندد بقرار ترامب وتتخوف من آثاره؟ بل ما الذي يدفع رؤساء أمريكا أنفسهم لتأجيل تنفيذ القرار منذ أقره الكونجرس قبل 27 سنة؟!! بل وما الذي يدفع ترامب نفسه لاستطلاع رأي السيسي وسلمان قبل أن يقدم على إعلان قراره ويضمن منهما أن الأمور لن تشتعل بما يخرج عن السيطرة؟! بل وما الذي يدفع الكونجرس أن ينتظر نحو أربعين سنة قبل أن يعترف بالحقيقة العملية، فإسرائيل تتعامل مع القدس كعاصمة لها منذ بن جوريون وقت أن كان ترامب نفسه في الثالثة من عمره؟! كما ذكرنا في مقال سابق. ثم ما هي إلا ساعات وصدر تصريح يحاول امتصاص الغضب عن أن نقل السفارة لن يكون قبل عام أو عامين!

ومن قبل هذا نسأل السؤال الذي طاف برأس كل من قرأ تاريخ الحروب الصليبية: لماذا لم تقدم إسرائيل على ما أقدم عليه الصليبيون من قبل.. جعلوا الأقصى حظيرة خنازير؟! لا يزال الصهاينة رغم كل مكرهم ومحاولاتهم يحرصون على تأجيل سائر تنفيذ مخططات هدم الأقصى وإقامة الهيكل على رغم ما هم فيه من العلو والتمكن والتمتع بحماية الأنظمة العربية فوق الحماية الدولية!!.. ومن يتابع السياسة الأمنية الإسرائيلية بعد قرار ترامب يجد أنهم يتعاملون فعلا بكل طاقة ضبط النفس ومحاولة امتصاص الغضبة الفلسطينية لئلا يتسبب العنف المفرط في توسيع وإشعال الاحتجاجات أو نزع فتيل حرب مع قطاع غزة.

كثير من المواقف يمكن أن نلتقطها من بين طوفان يتداعى إلى الذاكرة، منها مثلا أن أوروبا وهي في عنفوان قوتها في الحرب العالمية الثانية لم تكن تخشى الاتحاد السوفيتي (وهو قوة عالمية) بقدر ما تخشى الإسلام (وكانت البلاد الإسلامية وقتها ما بين محتلة وعاجزة لا تملك رد المحتل عن نفسها)، وامتنعت ألمانيا عن تقديم دعم لصالح وحدة المغرب العربي خوفا من أن يسترد العرب الأندلس!!.. ولولا أن هذا الموقف رواه أمين الحسيني في مذكراته ما صدقته! (راجع هذا المقال)

منها مثلا أن أحمد لطفي السيد –أستاذ الجيل "العلماني" في مصر- اقترح في 1912 أن تنفصل مصر عن الدولة العثمانية وأن تتخذ لها علما غير علم الخلافة ويعلن الخديوي ملكا مستقلا ويدعم الإنجليز هذا الاستقلال بالاعتراف به المفاجأة هنا أن الخديوي قبل الفكرة مسرورا ولكن الذي رفضها كان اللورد كتشنر المندوب السامي البريطاني، والذي قال: "لقد بسطنا يدنا لتركيا، فبصقت عليها، وولت وجهها شطر ألمانيا، ولو أنها كانت قبلت مودتنا لتغير الموقف كثيرًا، ومع هذا فإني لا أجد الوقت مناسبًا لقبول فكرتك" (قصة حياتي، ط هنداوي، ص81).

منها أيضا أن الإنجليز احتلوا أطراف جزيرة العرب، وسيطروا فعليا على كل المياه المحيطة بها: البحر الأحمر وخليج عدن والخليج العربي، ومع هذا لم يفكروا فيما فكر فيه البرتغاليون من قبل: احتلال الحرمين وتدمير الكعبة ونبش قبر النبي (صلى الله عليه وسلم)، رغم أن ميزان القوى في أواخر القرن التاسع عشر لم يكن يمكن فيه المقارنة بين العتاد البريطاني والوضع في الجزيرة العربية ومصر، ورغم أن كلا طرفي الحرب في الجزيرة العربية (عبد العزيز بن سعود والشريف حسين) كانا متعلقين بالتاج البريطاني، كل منهما يريد أن يكون الأثير عند الإنجليز قبل صاحبه.

وقبل هذا الدخول الناعم للإنجليز إلى مصر، واعتمادهم طريقة الاحتلال المتواري بدلا من الاحتلال الصريح، وإبقائهم نظام محمد علي وعرش الخديوي، وإبقائهم مصر تابعة بالاسم للسلطان العثماني، ولم يعلن الإنجليز احتلالهم لمصر إلا بعد أكثر من ثلاثين عاما حين خاضوا الحرب العالمية الأولى ضد الدولة العثمانية، ونشروا بيانا في مصر يعلنون فيه أنهم يرضون من المصريين بالوقوف على الحياد لما هو مشهور عنهم من الارتباط بالسلطان العثماني والتعظيم لمكانته الدينية.

قبله أيضا الدخول الناعم لنابليون الذي زعم أنه مسلم وأنه أكثر إيمانا من المماليك وأنه أكثر ولاء للسلطان العثماني منهم، وأن من دلائل إيمانه أنه دمر كرسي النصرانية في الفاتيكان والتي لطالما حاربت الإسلام وشنت عليه الحملات الصليبية.

يمكن أن نفسر كل هذا بأنه نوع من المكر والدهاء، وأنه نتيجة الاستشراق الذي حاول استثمار الطرق المثلي لإيقاعنا في براثن الاحتلال دون كبير خسائر، لكن هذا نفسه دليل يُستدل به على أن طاقة الأمة كانت ولا تزال تثير المخاوف وهي في أقصى حالات ضعفها حتى ليضطر المحتل المدجج بالسلاح الرهيب أن يسلك سبيل المخادعة والمناورة والتطمين.. إن من لا خطر منه ولا خشية لا يجتهد أحد في أن يتخادع له!

ولذلك تنشط الحركة البحثية الغربية في دراسة الحركات الإسلامية وتهديداتها المستقبلية وقدرتها الحقيقية على تجاوز وتهديد ميزان القوة في المنطقة، ويقرأ المرء في الدراسات الغربية عمقا ونضجا وجدية لا يصل البحث في العالم العربي إلى 1% منها، وقد طالعت قبل أيام دراسة ترصد حركة المراكز البحثية الغربية في تقييم احتمال امتلاك تنظيم الدولة أسلحة دمار شامل، ومع أن نتائج الدراسات انتهت بعد بحث في الاحتمالات والوسائل إلى أن احتمالية امتلاك التنظيم لسلاح دمار شامل تساوي صفرا، إلا أن خبراء آخرين عقبوا بأنه لا بد من الوضع في الاعتبار أن هذه التقديرات متفائلة وأنه لا يمكننا أن نعتمد على تقديرات متفائلة، فانتهوا إلى التوصية بضرورة وضع هذا الاحتمال في الاعتبار. وهكذا لم يسلم القوم من الخوف رغم أن نتائج البحوث انتهت إلى نتيجة مطمئنة.

منذ فشل نابليون، ومرورا بتقرير اللورد دفرين (أول حاكم بريطاني لمصر) وحتى مذكرات ثعلب السياسة الأمريكية هنري كيسنجر، يبدو أن الغرب يعتمد على طريق مفضل في تنفيذ أهدافه دون إثارة وتهييج الشعور الإسلامي: طريق الحكومات العميلة. فنابليون لما فشل في الحفاظ على مصر أوصى القنصل الفرنسي في مصر بالبحث عن رجل لفرنسا فوجد غايته في محمد علي، وحمل تقرير دفرين عبارة تقول: "لا يمكن المحافظة على النظام في القطر المصري إلا بتأديب أهله بواسطة أستاذ من الأجانب وبالسوط الوطني"، وفي مذكرات كيسنجر حديث طويل عن ضرورة دعم الأنظمة "المعتدلة" والعمل على جذب واستقطاب الأنظمة حتى تصير "معتدلة" أو إسقاطها، فلا مكان لأنظمة متشددة!

ومنذ تقارير المستشرقين في مطلع القرن التاسع عشر وحتى الآن تتردد عبارة ذات معنى واحد وإن اختلفت الألفاظ: المارد الإسلامي يقوم، والعالم الإسلامي يتململ ويوشك أن يستيقظ. والخلاصة صرح بها جورج فريدمان –مدير ستراتفور، الأهم ضمن مراكز البحث والاستشارات- في أن الغرب سيحارب المسلمين جميعا طالما أنهم لم يخترعوا بعد الجهاز الذي يفرق بين المعتدلين والمتطرفين! وهذه لا شك نفسية خائف متوجس!

إننا أمة قوية.. حتى ونحن في أشد حالات ضعفنا! وما تلك الحروب المستعرة التي لا تخمد إلا وجه من تلك الحقيقة.. فالموتى لا يُحاربون، وقد قال ربنا لنا (لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله)!!