الأربعاء، ديسمبر 13، 2017

بعض ما قدمته مصر لفلسطين

يعزف الإعلام المصري نغمة قديمة مكرورة بأن مصر دخلت أربعة حروب من أجل فلسطين! وقدمت للقضية ما لم يقدمه أحد في الأولين والآخرين، ثم يخلصون إلى المُراد فيقولون بأن واجب المرحلة هو الالتفات للمصالح الوطنية والتي تقتضي –طبعا!- التعاون مع إسرائيل.

لا يكلف أحد نفسه ليسأل السؤال البسيط البديهي: ما هي الحروب التي خاضتها مصر من أجل فلسطين؟.. عندئذ تتبخر الحروب الأربعة فلا تبقى إلا حربا واحدة هزيلة هي حرب 1948، ولقد هُزِم فيها الجيش المصري هزيمة أضاع بها فلسطين، فلو أنهم لم يدخلوا لما وقعت الهزيمة على هذا النحو الكارثي.. وأما بقية الحروب فقد كانت على أرض مصر وكانت هزائم أيضا، والحرب الوحيدة التي يفتخرون بها لم يفكر مخططوها في فلسطين أصلا ثم انتهت في أحسن أحوالها بالتعادل أو بالانتصار الإسرائيلي طبقا لما آلت إليه الأوضاع فيما بعد.

ما لا يقولونه في الإعلام المصري هو ذلك المجهود الذي بذلته السلطة المصرية في إقامة وترسيخ الوجود الإسرائيلي وحمايته من المصريين والفلسطينيين على السواء، منذ بداية التفكير فيه حتى لحظة كتابة هذه السطور.. هذا ما نسوق إليك شذرات سريعة منه:

السياسة المصرية

عندما مرَّ آرثر بلفور صاحب الوعد المشهور بدولة يهودية بالقاهرة في طريقه لافتتاح الجامعة العبرية (1925م) هتف ضده مجموعة من الفلسطينيين، لكن مصيرهم كان الاعتقال على يد وزير الداخلية إسماعيل صدقي!! كان صدقي وزيرا في حكومة أحمد زيور باشا، زيور هو الذي أوفد أحمد لطفي السيد –رئيس الجامعة المصرية حينها- كمندوب من قبل الحكومة المصرية لحضور حفل افتتاح الجامعة العبرية! وأما طه حسين فقد أرسل برقية تهنئة، لكنه فيما بعد زار القدس بدعوة من الجامعة العبرية والسير رونالد ستور "الحاكم العسكري البريطاني للقدس، وأرسل إلى الجامعة العبرية طالبا مصريا لاستكمال الدراسة فيها متحايلا على القوانين التي تمنع هذا!

وحين اشتعلت ثورة البراق في فلسطين (1929م) وقفت الحكومة المصرية برئاسة محمد محمود باشا ضد ثورتهم وهددت صحيفة "السياسة" التي هي لسان الحكومة حينها الفلسطينيين في مصر بالطرد لأنهم يثيرون الفتنة الطائفية ويهيجون الرأي العام.

وفي (1930) شن إسماعيل صدقي –رئيس الوزراء الجديد- حملة واسعة ضد الحركة الوطنية المصرية، فكان من بينها إغلاقه جريدة "الشورى" الفلسطينية التي كانت تصدر في مصر، فيما بقيت صحيفة "إسرائيل" لم يمسسها سوء، وكانت الصحيفة الناطقة باسم الحركة الصهيونية. ثم شاركت حكومة صدقي في معرض تل أبيب الصهيوني (ربيع 1932م) ضاربة عرض الحائط بالنداءات المعارضة، ثم عادت معروضاتها كما هي لم يُبع منها شيء إذ قاطع الفلسطينيون المعرض ولم يشتر اليهود منها شيئا!

وفي ذرورة الثورة الفلسطينية الكبرى (1936م) والتي بدأت بالإضراب العام الكبير وافق مصطفى النحاس على سفر مئات العمال المصريين إلى فلسطين لسد العجز الذي تسبب فيه الإضراب.

ولما ذهب محمد محمود، رئيس الوزراء، إلى أوروبا (1938م)، وسأله محرر الديلي ميل عن نواياه في مسألة فلسطين ضمن مفاوضاته مع الإنجليز، فرد عليه قائلا: "أنا رئيس وزراء مصر، ولست رئيس وزراء فلسطين".

وأما الملك، فموقفه لا يختلف عن مواقف الرئيس المصري فيما بعد، هو ينطلق من أنه المحتكر لقضية فلسطين، المهاجم لكل من يحاول الدخول على خطها، لكنه مع هذا لا يفعل لها شيئا، كالمثل القائل: لا يرحم ولا يعجبه أن تنزل رحمة الله. فمنذ أن فشلت خطة فؤاد في التلقب بلقب الخلافة (فبريطانيا ترفض بحسم، وهيجت كل أبواقها الإعلامية العلمانية على اختلاف مشاربها ضده) نزع نفسه من كل سياق إسلامي، ورفض الاشتراك في المؤتمر الإسلامي (1931م) في القدس. وكان موقفه كما عبرت عنه صحيفة القصر "الاتحاد" هو: "وجوب انتقال الداعين [للمؤتمر] إلى مصر لمقابلة أهل الحل والعقد فيها والاتفاق على طريقة الاجتماع وتحديد موعده ووضع برنامجه".

الإعلام المصري!

ولقد كانت الصحافة المصرية تشهد الأصوات نفسها التي نراها الآن في الإعلام المصري، ففي أثناء ثورة البراق كتب عبد الله عنان في جريدة السياسة الأسبوعية يستنكر أسلوب العنف الذي لجأ إليه الشعب الفلسطيني، ونصح كلا من العرب واليهود بالاعتدال (= ضبط النفس!) ودعا العرب إلى الاتحاد والجهاد السلمي المستمر، كما دعا اليهود إلى طمأنة العرب بأن وطنهم القومي ما هو إلا معنى متواضع وفي دائرة محدودة وأنه ينشد إقامة الوئام والتفاهم (= السلام والتعايش!) مع أصحاب البلاد. ومثله تكلم محمد حسين هيكل. وقد تناغمت الصحافة الإسرائيلية مع هذا الخطاب (تماما كما يتناغمون الآن مع يوسف زيدان مثلا) فأرسلت صحيفة هآرتس ردا نشرته صحيفة السياسة تؤكد فيه "أسفها الشديد لأنها أول مرة فقط تسمع صوتا مستنيرا في العالم الإسلامي يشجب سياسة العنف التي يسلكها الشعب الفلسطيني لتحقيق أمانيه"! وردت صحيفة إسرائيل على مقال حسين هيكل واصفة إياه بأنه "خير ما كتب إلى الآن باللغة العربية بأسلوب بريء من الهوى وروح الإخلاص". وقد تبنت جريدة "السياسة" أسلوب النضال السلمي والقانوني واللجوء إلى التحكيم الدولي وترك العنف، ومن ثم أخذت في مهاجمة حركة المقاومة الفلسطينية وصارت ترمي قياداتها بافتقادها لشروط الزعامة وبأنها تضم خليطا من العناصر المفككة المتناقضة وأنه ليس لديها برنامج وطني واضح... إلخ!

وأما جريدة القصر (السراي)، فقد بلغت مرحلة أعلى، حيث اعتبرت أن إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين هو الحل لمشكلات فلسطين، حيث سيأتون معهم بالنمو والازدهار ورؤوس الأموال، وأن الحل هو في اتفاق العرب واليهود فيما بينهم ليتم لهم النعيم، بل وزعمت الصحيفة أن الفئات العربية المتطرفة قد بدأت تقتنع بهذا الحل، لا سيما بعدما بدأ الفلسطينيون يعايشون اليهود وصاروا أكثر تقبلا للتفاهم معهم.

الجيش المصري

الحرب الوحيدة التي يمكن القول بأن مصر خاضتها لأجل فلسطين هي حرب 1948، وقد كان إنجاز الجيش المصري "العظيم" فيها أنه انطلق بلا عدة ولا خطة ولا معلومات، توغل إلى تل أبيب بلا مقاومة، ثم جاء اليهود من خلفه فحاصروه وقطعوا الإمدادات عنه، فبقي محاصرا، حتى جاءته أوامر الانسحاب فانسحب.. وأثناء الحصار استولى على الأقوات والطعام والممتلكات من أهل القرى وجردهم من سلاحهم فتركهم عزلا أمام اليهود. ثم هو لم يدخل إلا بعد 15 مايو، أي بعد إعلان إسرائيل، تحت سمع بريطانيا وبصرها.

فالخلاصة أنه دخل وخرج ليتمم الهزيمة ويرسخ الوجود الإسرائيلي ويعود إلى دوره الجديد: ممارسة الانقلابات.. حيث سيقود عبد الناصر انقلابا وهو يرفع شعار فلسطين ليسحق البلاد والعباد ثم يموت وقد ترك إسرائيل عند قناة السويس!

فصول طويلة ومريرة، وشذرات لا تنتهي.. وقد كنا أشرنا إلى بعضها من قبل في مقالات سابقة، تكرم بمطالعتها هنا وهنا وهنا وهنا وهنا وهنا.

مصادر المقال:
§      د. عواطف عبد الرحمن، مصر وفلسطين، ص91 وما بعدها، 107 وما بعدها.
§      سوزان طه حسين، معك (مذكرات زوجة طه حسين)، ترجمة: بدر الدين عروكي، مراجعة: محمود أمين العالم، ط1 (القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2015م)، ص80، 154.
§      مجلة النذير، العدد 9، 27 جمادى الأولى 1357 (= 25 يوليو 1938م)، ص6، 7.