السبت، ديسمبر 24، 2011

تسليم السلطة في يناير.. والإخوان!

"تسليم السلطة في يناير لرئيس مجلس الشعب المنتخب، ليشرف على إجراء انتخابات رئاسية مبكرة في فبراير".. هذا هو جوهر الفكرة المطروحة لتسليم مبكر للسلطة إلى المدنيين وعودة الجيش إلى ثكناته.

وفي هذه الفكرة عدة فوائد:

1. أنها تنسف كثيرا من المخططات التي خططتها جميع الأطراف بناء على معلومة تسليم السلطة في يونيو 2012.. لا سيما ما توقعه الإعلامي والباحث القدير أحمد منصور من أن المهمة الحقيقية لحكومة الجنزوري هي إغراق البلاد بفيض من الديون ذات الفائدة العالية والاتفاقيات الاقتصادية التي تكبل عمل أي حكومة قادمة على غرار ما فعلته حكومة السبسي في تونس. على أن هذه الخطة هي الأهون فيما يبدو بالنسبة لما يدور خلف الكواليس ومواقع إسرائيل وأمريكا في خريطة الصراع.

2. أنها لا تقفز على أية إرادة شعبية، فالمجلس القادم هو مجلس منتخب في أفضل انتخابات مرت على مصر –على ما فيها من شوائب مريبة في بعض اللجان، وعلى مجهولية ما سنقدم عليه في المرحلة الثالثة- وبالتالي فهذا المجلس هو التعبير الوحيد، بل والأوحد، حتى هذه اللحظة عن الإرادة الشعبية.

3. أن المهمة الأساسية لرئيس مجلس الشعب المنتخب في هذه الحالة هي الإشراف على انتخابات رئاسية مبكرة لا إدارة البلاد بصفة رئاسية، وهذا بحكم الضرورة الواقعية وشذوذ الوضع الدستوري القائم حتى الآن.

ولكن ثمة تخوفات يقول بها البعض ممن يرتاب في هذه الدعوة، منها: أن في هذا تجاوزا للإعلان الدستوري القائم والذي ينظم خريطة الطريق كالآتي: مجلس شعب، شورى، دستور، رئاسة..

والرد بسيط:

1. أن خريطة الطريق هذه أصلا غير شرعية بل مخالفة للاستفتاء الشعبي في 19 مارس، والذي كان معناه الواضح: مجلس شعب وشورى ورئاسة ثم دستور. فخريطة الطريق الجديدة هذه لم تنشأ إلا في وثيقة "الأحزاب – عنان" والتي لا تمثل أي شرعية شعبية أصلا، إضافة إلى تراجع عدد من رؤساء الأحزاب وسحب توقيعاتهم على هذه الوثيقة.

2. الأوضاع الخاصة تحمل شذوذا قانونيا ودستوريا بطبيعتها، ليس أولها تكليف مبارك للمجلس العسكري بإدارة البلاد، وليس آخرها أن يشكل المشير طنطاوي حكومة ليس فيها وزير دفاع أو هو وزير الدفاع في ذات الوقت!! ولكن الكل يقبل بهذا أو يتقبله لضرورة الواقع غير الطبيعي.

3. الإعلان الدستوري ليس مقدسا، لا سيما وقد تم انتهاكه كثيرا، أبرزها تمديد قانون الطوارئ بالمخالفة الصريحة لما ورد فيه بخصوص إنهاء قانون الطوارئ بعد ستة أشهر لا يجوز تمديدها إلا باستفتاء شعبي (وتراجع في هذا مقالات المستشار طارق البشري والدكتور محمد سليم العوا)

4. وضع المجلس العسكري قبل ذلك مادة في الإعلان الدستوري لا تجيز للأحزاب ترشيح كوادرها على المقاعد الفردية، وهي المادة التي وضعت سرا ونشرت في الوقائع المصرية سرا ثم تراجع عنها في جلسة الأحزاب عنان.

5. ولا يعني هذا بطبيعة الحال أن كل ما في الإعلان الدستوري قد سقط، فالذي لا يجوز تجاوزه هو ما جاء في الاستفتاء الشعبي فحسب، فهو الإرادة الشعبية الوحيدة القائمة حتى الآن.

6. كما انتقلت صلاحيات الرئيس إلى المجلس العسكري بتكليف منه وتنازل عن منصب الرئيس، فيمكن أن تنتقل صلاحيات المجلس العسكري إلى رئيس مجلس الشعب لفترة مؤقتة بموجب هذا التنازل عن السلطة.

7. ما الذي يجعل المجلس العسكري (غير المنتخب) أفضل في الإدارة المؤقتة من رئيس مجلس الشعب (المنتخب مرتين) في إدارة فترة زمنية أقصر.

هل هي محاولة لتوريط الإسلاميين في حكم دولة هم لم يتهيأوا لها وغير مستعدين لإدارتها؟ ربما تكون مؤامرة لإظهار فشلهم؟

في الحقيقة ربما تكون مؤامرة، كل شيء قد يكون مؤامرة وقد يكون فرصة، وحيث أننا لا نملك علم الغيب، فلا ينبغي أن ننطلق من دافع الخوف والتحفز والترقب، لننطلق من دافع المصلحة والترجيحات، وكم من مؤامرات انقلبت على أصحابها، وكم من مؤامرات كانت فرصا لا تقدر بثمن!

لكننا سنبقى أمام احتمالين لا ثالث لهما:

1. المجلس العسكري حريص بالفعل على نقل السلطة في أسرع وقت والعودة إلى الثكنات، وساعتها سيكون المجلس العسكري كله من عوامل تأمين المرحلة الثالثة من الانتخابات وتأمين الانتخابات الرئاسية ليحقق حرصه هذا.. ثم سيكون من عوامل ضمان نجاح التجربة في نقل السلطة إلى المدنيين.

2. المجلس العسكري مراوغ ولا يريد ترك السلطة مطلقا، أو لا يريد تركها إلا بوضع خاص في الدستور والصلاحيات، وساعتها فإن المجلس العسكري لن يسلم السلطة لا في يناير ولا في يونيو ولا في رمضان ولا في أمشير.. ساعتها سيكون المجلس العسكري من عوامل تفجير الوضع في المرحلة الثالثة، ومن عوامل تفجير انتخابات الشورى، وتفجير لجنة وضع الدستور، وتفجير الانتخابات الرئاسية.. وليس من بأس أن يفكر في إلغاء الانتخابات كلها كما فعل الجيش الجزائري، أو حتى الانقلاب العسكري على الرئيس المنتخب كما فعل الجيش التركي والباكستاني أكثر من مرة. وعليه، فإن لحظة الدفع الثوري هي في صالح القوى الشعبية، وكل يوم يمضي إنما يزيد وضع المجلس العسكري قوة، ويزيد وضع الحركات الوطنية ضعفا.

***

لقد صعقني حقا أن يُستخدم نقدي للنهج غير الثوري للإخوان –جماعتي سابقا- على يد العلمانيين والمتطرفين الكنسيين ليسيئوا إلى صورة الإخوان كلها ومواقفهم كلها، وكانوا –كالعهد بهم- يأخذون الكلام من سياقه وموقفه ليخدم أغراضهم، ويعلم الله أنه ما ساءني نقد من نقدني أو حتى سب من سبني من الإخوان وغيرهم بقدر ما ساءني مدح من مدحني من العلمانيين والكنسيين.. فهو مدح لا يشرفني على الإطلاق ولم أطلبه يوما ولا يسعدني إذا حدث..

والموقف من الإخوان على غير ما يفقه هؤلاء، وخلاصته أني أعيش رعبا هائلا يملك عليّ كل كياني من تكرار سيناريو 1954، وكلما بدا أن الأمور سائرة في هذا الطريق كلما كان الرعب أكبر، لأن هذا المسار يؤول إلى خيارين لا ثالث لهما: السجون والمعتقلات مرة أخرى أو النفي والطرد خارج الأوطان لسنين لا يعلمها إلا الله.

والمشكلة الأكبر أن النهج الإصلاحي في اللحظات الثورية قد يعني طعنات بالغة في ظهر الثورة وتفتيتا لكلمة الحركات الوطنية وانقساما واستقطابا لا يستفيد منه إلا من يمتلك القوة المسلحة بفعل الأمر الواقع، فمن هنا كانت الصدمة الهائلة في اختيارات الإخوان في موقفين بالتحديد: توقيعهم على وثيقة "الأحزاب – عنان" وهي التي وضعت خريطة طريق طويلة وممطوطة ولا ملامح لآخرها، وجددت قانون الطوارئ بالمخالفة للاستفتاء الشعبي والتزمت شرفيا بمبادئ فوق دستورية.. والموقف الثاني هو رفضهم صراحة مبادرة نقل السلطة في يناير واعتبارهم إياها مخالفة للإعلان الدستوري الذي أعادوا تفسيره بما يجعل وضع الدستور أولا بمخالفة الإرادة الشعبية وبالتراجع عن مواقفهم هم أنفسهم والقائل بالانتخابات أولا!

هذه هي الخلاصة، ويظل للإخوان أنهم لم ينافقوا سلطة مستبدة، ولم يستفيدوا منها على حساب منهجهم وثوابتهم، ولم يكونوا ضد الثورة في أي من مراحلها، (بخلاف الكنيسة الشنودية، وبخلاف التيار العلماني وإعلام رجال الأعمال) وظلوا –بخلاف هذين الموقفين- داعمين للإرادة الشعبية المتمثلة في استفتاء 19 مارس..

ولهذا أعلن أنا –محمد إلهامي- العضو السابق في الإخوان المسلمين أن نقدي لجماعتي السابقة غير صالح للاستخدام العلماني والكنسي، فالإخوان أطهر وأشرف منهم مليون مرة، لكنهم يفتقدون الثورية!

نشر في: رابطة النهضة والإصلاح، وشبكة رصد الإخبارية