الأربعاء، ديسمبر 07، 2011

من عجائب البشارات بخاتم الأنبياء

إن الله عدل حق، لا يظلم مثقال ذرة، ولا يعذب أحدا حتى تقوم عليه الحجة، وقد عرض الله في هذه الحياة من صميم آياته ودلائله وبراهنه ما يجعل المعرض عنها مستحقا لعذاب أليم، فكلما انتقل الإنسان من صفحة في الكون إلى أخرى، أو من صفحة في التاريخ إلى أخرى، أو من صفحة في نفسه إلى صفحة أخرى، كلما طالعته الدلائل والبراهين والآيات، مصداقا لقوله تعالى (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين أنه الحق).

وكان من سنة الله في التاريخ أن كان النبي المرسل في قومه يبشر بالنبي اللاحق، والنبي اللاحق يصدق النبي السابق[1]، ومما ينبغي أن يُعلم أن كثيرا من النصارى إنما يعتمدون في النبوات على بشارة الأنبياء بمن يأتي بعدهم، فيقولون: المسيح عليه السلام بشرت به الأنبياء قبله[2].

وقد كان أنبياء بني إسرائيل ينذرونهم سخط الله عليهم وعقابه على كفرهم وتركهم لوصاياه، وكذلك كانوا يبشرونهم برفع عذابه عنهم إذا تابوا من ذنبهم وأنابوا إلى ربهم، ومما بشروهم به أنه تعالى سيرسل فيهم مسيحًا ملكًا يجمع شملهم، ويعيد لمملكة صهيون مجدها، وأنه سيبعث نبيًّا رسولاً من بني إخوتهم (أي العرب) يجدد ملة إبراهيم وينصر التوحيد وأهله على الشرك وأهله، فكانوا ينتظرون مسيحًا مبشَّرًا به يعبرون عنه (بالمسيح) معرَّفًا، ونبيًّا مبشرًّا به يتناقلون خبره معرَّفًا أيضًا، وفي آخر نبوة ملاخي آخر أنبيائهم قبل المسيح أن الرب سيرسل إليهم (إيليا النبي قبل مجيء يوم الرب العظيم والمخوف)[3] وإيليا عندهم هو إلياس -عليه السلام- وكان قد خفي عليهم ما آل إليه أمره. فكان اليهود ينتظرون إيليا والمسيح والنبي، ففي إنجيل يوحنا أنه لما ظهر يوحنا أي الذي يلقبونه المعمدان (هو يحيى -عليه السلام-) أرسل إليه اليهود من أورشليم بعض الكهنة واللاويين ليسألوه من هو؟ فسألوه: أأنت المسيح؟ قال: لا، أإيليا أنت؟ قال: لا، آلنبي أنت؟ قال: لا، قالوا: أخبرنا من أنت لنجيب الذين أرسلونا؟ قال: أنا صوت صارخ في البرية قوموا طريق الرب كما قال أشعيا النبي[4]"[5]. فهذا نص واضح يدل على تبشير الأنبياء ببعضهم، وعلى أنهم كانوا يترقبون هذه البشارات.

وأوضح منه ذلك النص الذي يقول: "أُقيم لهم نبيًّا من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه"[6]. وسواء فسروه على أنه تبشير بشموئيل أو يوشع أو بالمسيح أو حتى بنبي لم يظهر بعد كما ظهر ذلك في تأويلات لليهود والنصارى[7] لكي يصرفوا البشارة عن محمد -صلي الله عليه وسلم-، فالشاهد الذي نود إثباته الآن هو اتفاق اليهود والنصارى على أن الأنبياء يبشرون ببعضهم البعض.

ولقد أثبت القرآن الكريم وسنة النبي -صلي الله عليه وسلم- هذه الحقيقة، فقد جاء في القرآن الكريم )وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ(، قال بعض المفسرين: أي إِنَّ ذِكْرَ محمدٍ -صلي الله عليه وسلم- في كتب الأَوَّلِينَ[8]. كذلك في قوله تعالى )بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ( فإن المرسلين بشروا به وأخبروا بمجيئه؛ فمجيئه هو نفس صدق خبره، فكأن مجيئه تصديقا لهم إذ هو تأويل ما أخبروا به"[9]، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد رأيت أنا من نسخ الزبور ما فيه تصريح بنبوة محمد"[10].

ولقد ذكر الله تعالى أن التوراة والإنجيل بشرتا بمحمد -صلي الله عليه وسلم- فقال تعالى: (الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ)، وهو موصوف إلى الحد الذي يجعلهم (يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ)، كما ذكر النبي -صلي الله عليه وسلم- أن الأنبياء الذين قبله بشروا به فقال: "أَنَا دَعْوَةُ إِبْرَاهِيم.. وَكَانَ آخِرُ مَنْ بَشَّرَ بِي عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ"[11].

ومن العجيب الذي تم كشفه مؤخرا في اللغة العربية، ويثبت تبشير الأنبياء ببعضهم، وتبشيرهم بنبينا -صلي الله عليه وسلم-، ما جاء في كتب الديانات القديمة من بشارات، فلقد جاء فيها وصف دقيق وعجيب لصفات النبي -صلي الله عليه وسلم-، ونحن نعتمد في هذا المبحث على الدراسة التي كتبها العالِم الهندي المسلم صفي الرحمن المباركفوري عن هذه البشارات في الكتاب الذي ألفه جماعة من العلماء تحت إشراف الشيخ صفي الرحمن، وهو بعنوان "وإنك لعلى خلق عظيم"[12].

(1) في كتاب "الساما فيدا" أحد الكتب المقدسة لدى البراهمة: "أحمد تلقى الشريعة من ربه، وهي مملوءة بالحكمة، وقد قُبِست من النور كما يُقبس من الشمس".

(2) وفي كتاب "ندا أفستا" بشارة عن رسول يوصف بأنه "رحمة للعالمين"، ويتصدى له عدو يسمى بالفارسية القديمة أبو لهب، ويدعو إلى إله واحد لم يكن له كفوا أحد، وليس له أول ولا آخر، ولا ضريع ولا فريع، ولا صاحب ولا أب ولا أم ولا ولد، ولا مسكن ولا جسد، ولا شكل ولا لون ولا رائحة.

(3) وفي الكتب الزرادشتية: "إن أمة زرادشت حين ينبذون دينهم يتضعضون، وينهض رجل في بلاد العرب يهزم أتباعُه فارس، ويخضع الفرس المتكبرين، وبعد عبادة النار في هياكلهم يولون وجوههم نحو كعبة إبراهيم التي تطهرت من الأصنام... وإن نبيهم يكون فصيحا يتحدث بالمعجزات".

(4) وفي كتاب بفوشيا برانم: "في ذلك الحين يبعث أجنبي مع أصحابه باسم (محامد) الملقب بأستاذ العالم". وفي هذا الكتاب نفسه صفة لهؤلاء الأصحاب: "يختتنون، ولا يربون القزع[13]، ويربون اللحى، وينادون الناس للدعاء بصوت عال[14]، ويأكلون أكثر الحيوانات إلا الخنزير"

(5) وفي كتاب أتهرو ويد –وهو من الكتب الأربعة المقدسة في الهندوسية- جاء: "1 اسمعوا أيها الناس باحترام، إن نراشنس[15] يُحمد ويُثنى عليه، ونحن نعصم ذلك الكورم[16] بين ستين ألف عدوٍّ وتسعين عدوًّا[17]. 2 يكون مركبه الإبل، وأزواجه اثنتي عشرة امرأة، ويحصل له من علو المنزلة، وسرعة المركب أنه يمسُّ السماء ثم ينزل[18]. 3 أعطي للرسول (مامح)[19] مئة دينار ذهبي وعشر قلائد وثلاثمائة جواد وعشرة آلاف بقرة[20]. 4 بلِّغ يا أحمد بلغ كما تغرد الطيور على شجرة يانعة الثمار، لسانك وشفتيك تتحرك مثل نصلي المقص. 5 الحَمَّادون مع محامدهم –أو المصلون مع صلواتهم- يسرعون إلى الحرب مثل الثور القوي. وأولادهم في بيوتهم آمنون (مثل) البقرات في مرابضها. 6 يا أحمد خذ هذا الكلام الحكيم بقوة، فهو أساس البقر والأموال[21] وأبلغه إلى المتقين، كما يرمي البطل السهم على الهدف. 7 هو سيد العالم، قدوس، أفضل البشر، هدى للناس كافة، معروف لدى الأمم جميعا، فتغنوا بأفضل الثناء عليه".

(6) وفي كتاب "كلكي بوران" في الهندوسية: "إن كلكي أوتار يولد من سومتي لرجل اسمه وشنو ويش". وكلكي أوتار هو الرسول الذين ينتظره الهندوس، وصفاته في كتب الهندوسية تنطبق على نبيينا –صلى الله عليه وسلم-، وفي هذه الترتيلة نجدها تتحدث عن أبيه وأمه؛ إذ معنى سومتي: آمنة، ومعنى وشنو ويش: عبد الله. وفي نفس الكتاب يرد أن والد كلكي أوتار يموت قبل ولادته، وأما أمه فهي أيضا تموت في زمن قريب من مولده. وفي تفس الكتاب أن كلكي أوتار يذهب إلى غار في جبل وهناك يتلقى العلم من "برشو رام". وهذا الاسم يعني عند الهندوس مَلَك من الملائكة، ومن العجيب أنه يمكن أن يترجم إلى روح القدس. ونجد في الكتاب أيضا تفاصيل أخرى في غاية العجب والتطابق عن دعوته وإيذائه من قومه ودار هجرته

(7) وفي كتاب "بهاكوت بوران": "إن كلكي أوتار يولد في "شنبل غرام" لـ "ويشنو ويش" في بيت سيدهم الديني". وإذا ترجمنا شنبل غرام فهي تعني البلد الآمن أو الأمين، وسبق أن ذكرنا أن ويشنو ويش معناها: عبد الله.

ونحن نكتفي في هذا المقام بهذا القدر، إلا أننا نرجو من الباحثين المتخصصين في الديانات الشرقية والقديمة أن يلجوا هذا الباب الذي فتحه العلامة الشيخ صفي الرحمن، فسيجدون مصداق قول الله ورسوله في بشارات الأنبياء، وفي انتشارهم بطول الأرض وعرضها (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير)، وحينها يرى الناس آيات الله وبراهينها فيؤمنوا، ويزداد الذين آمنوا إيمانا[22].

نشر في المركز العربي للدراسات والأبحاث



[1] هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى، ابن القيم، ص160.

[2] الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ابن تيمية، 2/30.

[3]ملاخي 4/5

[4] يوحنا 1/9: 23.

[5] مُلك اليهود وهيكلهم ومسيحهم والمسيح الحق، محمد رشيد رضا، مقال بمجلة المنار 30/546 وما بعدها.

[6] التثنية 18/18.

[7] انظر: هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى، ابن القيم، ص51، 52.

([8]) تفسير مقاتل، مقاتل بن سلمان، 2/464؛ النكت والعيون، الماوردي، 4/187؛ معالم التنزيل في تفسير القرآن، البغوي، 6/129؛ الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 13/138؛ الدر المنثور في التفسير بالمأثور، السيوطي، 6/322.

[9] هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى، ابن القيم، ص160.

[10] الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ابن تيمية، 3/50.

[11] رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق 3/393 بإسناد فيه ضعف ولكن له شواهد عند أحمد والطبراني، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (1546).

[12] وإنك لعلى خلق عظيم، تأليف مجموعة من العلماء، إشراف، صفي الرحمن المباركفوري، 1/361 وما بعدها، وإننا نوصي بالرجوع إليه ففيه التفصيل الذي لا يسعه المقام هنا، كما أورد المؤلف النصوص الأصلية التي ننقل هنا ترجماتها.

[13] القزع: هو أن يحلق الصبي بعض شعره ويترك بعضه، لا سيما في مقدمة الرأس، وقد نهى النبي –صلى الله عليه وسلم- عن القزع كما في الحديث الصحيح عند البخاري والنسائي.

[14] إشارة إلى الأذان.

[15] نراشنس: كلمة مكونة من مقطعين: (نر) ومعناه الإنسان، (أشنس)، ومعناه: مَنْ يُحْمَدُ ويُثْنَى عليه بكثرة، فهو مرادف لـ"محمد".

[16] الكورم: يُحتمل في اللغة السنسكريتية أن يكون معناها "المُهَاجِر"، أو "من يَبْسُط الأمن والسلام"، وفي الحالتين يصدق الوصف على نبينا محمد، فهو قد هاجر من مكة إلى المدينة، والهجرة من أبرز الأحداث في سيرته، وهو كذلك "باسط الأمن والسلام"؛ فلقد كانت الجزيرة العربية تشتعل حروبا بين قبائل العرب، وبين العرب والفرس، وبين اليهود والنصارى في اليمن، وصارت بعد دخولها في طاعةته آمنة، ويتوقَّع الشيخ صفي الرحمن المباركفوري أن (كورم) قد تكون تحريفًا لكلمة (قُرم) العربية، التي تعني "السيد المعظم" [انظر: المعجم الوسيط، ص730]، وهي بهذا المعنى -أيضًا- تصدق على محمد -صلى الله عليه وسلم-، انظر: وإنك لعلى خلق عظيم، صفي الرحمن المباركفوري (إشراف)، 1/371.

[17] واجه النبي -صلى الله عليه وسلم- -كما قال الشيخ صفي الدين- من الأعداء: عشرة آلاف من العرب –كانوا في غزوة الأحزاب- ومثلهم من اليهود من قبائل شتى، وأربعين ألفا من النصارى في تبوك، وتسعين من المنافقين تخلف منهم عن تبوك ثمانون وخرج معه اثنا عشر أو ثلاثة عشر، وفق الله ثلاثة منهم للتوبة، فبهذا يبلغ مجموع أعدائه ستين ألفا وتسعين، قال: "ولا نعرف في التاريخ نبي حصل له مثل هذا". انظر: وإنك لعلى خلق عظيم، 1/381.

[18] إشارة واضحة لحادثة المعراج.

[19] ما أقرب (مامح) من (محمد)، فإن لم يكن هذا تصحيفا أو نقصا حصل في النقل والترجمات، فإن "مامح" باللغة السنسكريتية إنما تعني "محمد العظيم"، أي أن التطابق قائم في اللغة وفي المعنى كذلك. انظر: وإنك لعلى خلق عظيم، صفي الرحمن المباركفوري، 1/386.

[20] مائة دينار ذهبي إشارة إلى المهاجرين إلى الحبشة الذين بلغوا مائة، وعشر قلائد (ومن معانيها في السنسكريتية عشرة سادات أو رؤساء): إشارة إلى العشرة المبشرين بالجنة، وثلاثمائة جواد إشارة إلى أهل بدر، وعشرة آلاف بقرة (والبقرة في السنسكريتية ترمز إلى الرجل الصالح الكريم) إشارة إلى عدد جيش النبي في فتح مكة. انظر: وإنك لعلى خلق عظيم، صفي الرحمن المباركفوري، 1/386: 388.

[21] إشارة إلى السيادة في الدنيا والغلبة على الحكم والأموال.

[22] استغرق إحصاء هذه البشارات 117 صفحة، ونعيد التوصية بالرجوع إليها للاطلاع على المزيد مما لم يسعفنا المقام بنقله.