الأربعاء، ديسمبر 14، 2011

عن محمد نور فرحات أمين المجلس الاستشاري

تقريبا منذ عشر سنوات اصطدمت باسم "محمد نور فرحات"، وكان هذا في كتاب الأستاذ فهمي هويدي "تزييف الوعي"، في هذا الكتاب قام هويدي بالرد على أربعة من منظري العلمانية الذين خاضوا الحرب ضد التيار الإسلامي نهاية الثمانينات وأوائل التسعينات، وهم: فرج فودة، وفؤاد زكريا، وحسين أحمد أمين، ومحمد نور فرحات..

وقد صدق فيهم قول الله تعالى (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)، فأما فرج فودة فقد قُتِل على يد شباب لم يمتلك أعصابه من فجور ما يكتب، وهو اغتيال أرفضه وإن كنت لا أُدِينه.. فمن يعرف كتابات فرج فودة يعرف ما أعني، لا سيما حين كان الشباب والإسلاميون لا يجدون فرصة للرد والتفنيد مثلما هو الحال الآن مع فضاء الانترنت الذي اتسع لما ضاقت له السلطات فنَفَّس كثيرا من الغضب المكبوت. وأما فؤاد زكريا وحسين أحمد أمين ومحمد نور فرحات فقد ألقتهم السلطات التي استعملتهم في أقرب مزبلة، كالقفاز الذي يُستخدم في الأعمال القذرة، وعادوا جميعا لمواقع تأثيرهم المجهرية الضئيلة، واعترف حسين أحمد أمين في مذكراته بأن المستشار طارق البشري قد نبهه إلى هذا: سيستعملونه ثم يلقونه مهانا.

وعلى حين مات فؤاد زكريا في مجاهله، بقي حسين أحمد أمين، وكلاهما ما زال له بعض أثر طفيف يبزغ بين الحين والآخر لمن يتابع الساحة الفكرية، فزكريا يصنف كفيلسوف وله ترجمات مهمة كترجمة "حكمة الغرب" لبراتراند رسل، وحسين أحمد أمين يحظى بالتفاتات بين الحين والآخر من قِبَل بعض المثقفين من أعداء التيار الإسلامي (وقليل ماهم) بالإضافة لترجماته أيضا مثل: نهاية التاريخ لفوكوياما، وفضل الإسلام على أوروبا لمونتجمري وات وغيرها.

وكان محمد نور فرحات هو الذي اختفى تماما، حتى لقد ظننت أنه في عداد الأموات لولا أني قرأت اسمه ذات صباح من بين من يتسلمون جوائز من مبارك لا أتذكر الآن ما هيتها بدقة، ثم عاد إلى الخفاء حتى أعيد بعثه مرة أخرى فيما بعد الثورة ليشارك في المناحة القائمة الدائمة ضد الإسلاميين، ولكي يبرر مع أمثاله من القانونيين استبداد العسكر ويُقنن استبعاد التيار الإسلامي ويصدر مشاريع دستورية ومبادئ فوق دستورية بالاشتراك مع الفريق القانوني الشهير (حسام عيسى، سامح عاشور، تهاني الجبالي ...)، وقد تدرج في المناصب حتى وصل إلى "الأمين العام" للمجلس الاستشاري الذي أنشأه المجلس العسكري كقفاز آخر بعد الجمل والسلمي.

بحثت عن كتبه فيما استطعت من مكتبات فلم أجد له أثرا، بحثت على الانترنت فلم أجد كذلك اللهم إلا بعض مقالات لا تمثل إضافة، وهكذا تمخض الفارس الأخير من الأربعة الذين كانوا رأس حربة قبل سنين، وصدق الله (فأما الزبد فيذهب جفاءا وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض).. فأين ما بلغه فرسان العلمانية مما بلغته التيارات الإسلامية.

لم يعد من طريق إلا العودة لكتاب فهمي هويدي لنلقي ضوءا على أفكار الرجل، وسنفاجأ أنه:

1. يعيش جو المؤامرة العالمية الكبرى، ويتخيل أن المؤسسات الاقتصادية تمول التيار الإسلامي، يقول: "إننا إذا انتبهنا إلى تنامي التيار الديني، وإلى دور المؤسسات الاقتصادية المالية في تمويل الحركة الدينية الإسلامية وفي الزعم بأن هناك اقتصادا إسلاميا، لأدركنا حجم المؤامرة التي تحاول إفساد الحياة المصرية، وقهر المجتمع المصري".. ولم يفكر –وهو القانوني- في تقديم الدليل!

2. يرى أن البداية يجب أن تكون بضرب القناعات الإسلامية التي تعتبر أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، يقول: "أحد المرتكزات الرئيسية للتأثير في الأغلبية الصامتة هو ضرب المرتكزات الأساسية التي تنطلق منها هذه الاتجاهات الدينية، وأهم هذه المرتكزات قولهم أن هناك نصوصا ثابتة، صالحة للتطبيق في كل مكان وزمان، فإذا ألقينا الضوء على هذه النصوص، وبيَّنَّا أنها متغيرة تتغير باختلاف الزمان والمكان، سنكون قد خطونا خطوة كبيرة".

3. وفي كتابه "المجتمع والقانون والشريعة" لم يُخفِ فرحته بإلغاء العمل بالشريعة الإسلامية التي كانت تمثلها المحاكم الشرعية واعتبره "أمرا ألحت عليه الظروف الاجتماعية والاقتصادية والحضارية" رغم أنه يعلم أن الذي ألح بذلك وفعله هو الاحتلال الإنجليزي.. وطبيعي أن يبدي سعادته بإنشاء المحاكم الأهلية (التي طبقت القانون الفرنسي) معتبرا إياها "تتويجا لنضال الطبقة الوسطى التي بدأت في النمو منذ عهد محمد علي باشا".. أرأيت أيها المصري كيف حقق الاحتلال الإنجليزي آمال أجدادك المناضلين؟!!

4. ولا يُخفي رفضه الكامل للشريعة الإسلامية، وإن قال ذلك بعبارة بهلوانية ملتوية: "أما عن تطبيق ما يظنه البعض تنظيما دينيا لأحوالنا الاجتماعية فهذا ما نرفضه ويرفضه معنا كثيرون".. (الكثيرون الذين يسكنون الفضائيات طبعا!)

5. وهو يعتبر أن آيات القرآن وأحاديث النبي "في مجملها دلائل للاستنباط والاسترشاد في ظل وقائع اجتماعية متباينة، دون أن تقدم حلولا تفصيلية لكل حادثة مستجدة.. أي أن هذه النصوص بذاتها لا تمثل نظاما قانونيا متكاملا يمكن أن يُطلق عليه اسم الشريعة".

6. وأحيانا يكون الدكتور ظريفا لطيفا، فهو يقول بأن "هناك فارقا دقيقا لا يتبينه الكثيرون بين الدعوة إلى الإسلام والدعوة إلى تطبيق الشريعة"!!!

7. وأحيانا يكون مثيرا للشفقة حين يدعي أن جماعة الإخوان المسلمين كانت صدى لصيحات أبي الأعلى المودودي، في حين يعرف أبسط المتابعين للحركة الإسلامية أن الإخوان أنشئت في أواخر العشرينات بينما جماعة المودودي نشأت في الهند في أوائل الأربعينات!!

في النفس كلام كثير، ولكن.. ألا يتعظ هؤلاء من أننا صرنا نأتي بكلامهم من كتب خصومهم التي خلدت بينما فنيت كتبهم؟ ألا يمل هؤلاء من كونهم قفازات يُستعملون في لحظات ثم لا يُلقي أحد لهم بالا ولا يعرف أحد لهم طريقا؟ ألم يدركوا بعد أنهم يحاربون القَدَر حين يحاربون الشريعة؟ ألا يرون أين بلغت أفكارهم وأفكار خصومهم في وجدان الناس.. أفلا يُبصرون؟

اقرأ:

شهادة قانوني غربي للشريعة قبل مائة عام

رأيت النخبة في سورة البقرة