الاثنين، ديسمبر 26، 2011

قراءة افتكاسية في السيرة النبوية

عثر المؤرخ الذكي، المفتكس اللوذعي، على هذه القطعة المجهولة البهية، من إحدى كتب السيرة النبوية، وكان المخطوط محروقا، والورق مخروقا، فلم يعرف للكتاب مؤلف، ولا عُثِر فيه على اسم المصنف..

ورأى المؤرخ المفتكس أن هذه القطعة مفيدة في تحليل الوضع السياسي المصري فوضع لها هذا العنوان:

"دَلِيلُكَ الكَامِلُ بَالْخَلْطَةِ.. لِلنَّجَاةِ مِنَ التَّوَرُّطِ فِي الْسُّلْطَةِ"!

***

وحين وصل النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة رفض رفضا قاطعا أن يتولى الرئاسة في المدينة رغم أن الإسلام منتشر في بيوت المدينة، وذلك من عظيم حكمته وبعد نظرته (صلى الله عليه وسلم) لأن المدينة في ذلك الوقت كانت على أربعة أنواع:

1. المشركون الذين ما زالوا يعبدون الأوثان، وهؤلاء تسيطر عليهم العصبية القبلية فيرفضون أن يحكمهم واحد من خارج يثرب وبيوتها وقبائلها العريقة، كما أنهم لن يقبلوا برئاسة صاحب دين جديد على غير دينهم، ثم إنه مطرود من أرضه وقومه، فلسان حالهم يقول: كيف للشريد المطرود أن يأتي ليحكمنا؟!

2. أتباع عبد الله بن أبي بن سلول، وهو الزعيم القوي في المدينة والذي تدين له العديد من المجموعات بالولاء، ولم يكن من الحكمة الدخول في نزاع مع هذا الرجل في بداية تكوين الدولة.

3. اليهود، وهؤلاء كانوا أعداء الدعوة الإسلامية منذ بزوغ فجرها في مكة، وكانت لهم محاولات خبيثة بالتعاون مع المشركين لإظهار النبي في ثوب الكذاب المفتري، الذي جاء بدين من عنده لا علاقة له بمن سبقه من الأنبياء والمرسلين.

4. ثم المسلمون الذين اتبعوا النبي، وهؤلاء وإن كان عددهم كثير ومؤثر إلا أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يغره أن هؤلاء ما زالوا في بداية تعرفهم على الإسلام، وما زالوا في حاجة إلى مزيد من التربية والتكوين والتأهيل قبل أن يستطيعوا الجهاد في سبيل هذا الدين..

لقد آمن النبي (صلى الله عليه وسلم) بضرورة البحث عن رئيس توافقي يحكم المدينة في ظل هذه المرحلة الحرجة، موقنا أن تيارا واحدا لا يمكنه النهوض بالمدينة في ظل التحديات الداخلية والخارجية المفروضة عليها.. فهل تعلم ما هي هذه التحديات:

1. السياسة الخارجية: حيث اتخذت مكة –وهي حاضرة العرب- موقفا عدائيا من المدينة بعد هجرة النبي إليها، وكان معها في هذا كل العرب، فكان من المستحيل تحدي الإجماع الدولي المتكون ضد الدعوة.

2. الوضع الداخلي: حيث يمكن لليهود بالتحالف مع المشركين وأتباع عبد الله بن سلول من تفجير نزاعات قبلية واضطرابات أهلية في المدينة، ولا أدل على هذا من محاولة شاس بن قيس التي كاد يفجر بها الصراع مرة أخرى بين الأوس والخزرج.

3. الاقتصاد المنهار للمدينة: وذلك أن المدينة كانت تعتمد على الاستيراد من الخارج، وكان إنتاجها الذاتي لا يكفي حاجتها من الموارد برغم أنها أرض زراعية.

4. مشكلة البطالة: حيث أتى المهاجرون من أرض تجارة –وهي مكة- وهم لا يجيدون الزراعة التي تميز اقتصاد المدينة.

5. ومشاكل أخرى لا مجال لعرضها في هذه العجالة.

من هنا، كان لا بد من التفكير في رئيس توافقي يوحد الجبهة الداخلية للمدينة صفا واحدا، وتتعاون تحته جميع التيارات والطوائف في حل هذه المشكلات العويصة للمدينة، خارجيا وداخليا، وكمحاولة لتجنب الاستقطاب المتوقع حدوثه فيما لو اختار النبي مبدأ "المغالبة لا المشاركة" واستأثر بحكم المدينة، وكمحاولة للتبرؤ من الاتهامات التي سيكيلها له الإعلام المكي ومعه الإعلام السلولي من أنه طامع بالسلطة وحريص عليها، وأنه لا يتقبل الآخر ولا يعترف به شريكا في الوطن..

رفض النبي محاولات توريطه في السلطة في هذه المرحلة الحرجة والظروف الصعبة، وقرر وضع "الدستور أولا"، فوضع وثيقة المدينة بالتعاون مع الأقليات الموجودة في المدينة، وحرص على أن تكون اللجنة ممثلة لكافة أطياف الشعب اليثربي، وحذف منها كل ما من شأنه أن يثير الخلافات بين الفرقاء داخل المدينة، لكنه تمسك بالمادة التي تقول إن "مبادئ الشريعة (وليس أحكامها) مصدر رئيسي للتشريع"، فصنع بهذا إنجازا كبيرا كان البذرة لقيام الدولة الإسلامية الراشدة بعد عقود من الزمان، اكتملت فيها سنة التدرج الكونية وتحول فيها الناس تدريجيا من الكفر إلى الإيمان ومن الظلمات إلى النور.

***

شاهد: محاضرة "كيف نبني نظاما جديدا" – محمد إلهامي – بتاريخ 20/4/2010 م.

http://www.youtube.com/watch?v=N7B0HFZL8w0

نشر في رابطة النهضة والإصلاح وشبكة رصد الإخبارية

هناك 15 تعليقًا:

  1. حقا أنت نابغة اسقاط لم أجد له مثيل فى حياتى رغم اختلافى معك فى عديد المواضع الا اننى اشعر اننى امام مؤرخ و مفكر اسلامى بنكهة متميزة
    احبك فى الله
    وفقك ربى لكل خير

    ردحذف
  2. غير معرف6:22 ص

    تحليل سياسى جيد لتاريخ حكم الاسلام،
    ولكن أجد فيه تبرير وتمهيد لموقف الاخوان القادم من فكرة ال"الدستور أولاً" قبل انتخاب الرئيس، ولكن لكل مقام مقال ولا ضير إن استعنا بالتاريخ النبوى فى الحكم إن تشابهت المواقف

    ردحذف
  3. السيد زعتر7:53 ص

    محمد إلهامى رغم اختلافى معه أحيانا فى اختياره الحل الثورى إلا أنه مؤرخ متميز وباحث شهد له أساتذته ومؤيديه ومعارضيه.

    ردحذف
  4. غير معرف8:08 ص

    أليس هذا أدعى أن يخالف وجهة نظرك فى عدم ترشيح مرشح اسلامى لرئاسة الجمهورية والبحث عن مرشح توافقى

    ردحذف
  5. السلام عليكم..
    على الرغم من اختلافي أحيانا مع ترجيحك للحلول الثورية (غالبا) إلا أنني لا أستطيع الكف عن متابعة ما تكتبه، وأرى أنك هذه المرة قد أبدعت في (افتكاستك).
    تحياتي لقلمك المبدع.

    ردحذف
  6. غير معرف3:25 م

    اتفق معك في ضرورة اقتناص الفرصة لحكم الاسلام التي قد لا تأتي بهذا الشكل الا بعد عقود ...ولكن موضوع الدستور اولا اي قبل الانتخابات الرئاسية هو الاصح حتي يأتي الرئيس القادم وفقا للدستور ولا نضطر لانتخابات رئاسية جديده

    ردحذف
  7. عبد الرحمن منشاوي5:05 م

    يا اخوة الاخ محمد الهامي بيتريق على اللى بيقولوا عايزين رئيس توافقي ... و جايبلهم من السيرة امور عكس اللى حصلت تماما ...

    فلا الرسول قال الكلام اللى بيقولوه دلوقتي

    و لا هو ترك الزعامة و خلى الكفر يقود المدينة

    ____________

    و الاخ وضح هذا في اول المقال بقوله " وكان المخطوط محروقا، والورق مخروقا، فلم يعرف للكتاب مؤلف، ولا عُثِر فيه على اسم المصنف..

    ورأى المؤرخ المفتكس أن هذه القطعة مفيدة في تحليل الوضع السياسي المصري فوضع لها هذا العنوان:

    "دَلِيلُكَ الكَامِلُ بَالْخَلْطَةِ.. لِلنَّجَاةِ مِنَ التَّوَرُّطِ فِي الْسُّلْطَةِ"!

    ردحذف
  8. حسام5:32 م

    أختلف مع وجهة نظرك الجيدة ، وهى أن ما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم انما كان وحياً منزلاً من رب العباد الذي يعلم السر وأخفى ،
    بينما اسقاط الأمر على هذه الايام انما هو مفارق فى الطرح من عدة أمور ، أولها أن هناك ذئاب تريد ان تنهش الأمة بالفعل ، داخلية وخارجية وتتحين قنص الفرصة لكي تملى على الأمة أيدلوجياتها ومناهجها الخربة ،
    ثانيها ، أن الناس تعول على الاسلاميين كثيراً ويعتبرونهم سلم النجاة ، وبهذا لو تخلينا عن دورنا المنوط بنا فعله ، لكان كمن خان العهد والأمانة ،ثالثها ان الأيام أثبتت أن البلد لن تصلح الا بالاسلاميين وأن اصحاب الفكر المتغرب عنا لايريدون مصر بخير باي وجه.

    ردحذف
  9. هذه المقالة اقل ما يقال عنها انها كمن ألقي مقلب زباله على جنة من الأشجار المثمرة المختلفة ألوانهاـ وحديقة من الزهور زكيه رائحتها ــ فهى لا تختلف عن الرسوم المسيئة لرسول الله ـ إذا كيف تسقط واقع حالي مبهم سواء كنا مع هذا الطرف أو مع ذاك على حياة افضل خلق الله محمد صلى الله عليه ،وحتى ولو من باب السخرية ـ فأي ابداع هذا ـ راجع نفسك مرة أخري ـ

    ردحذف
  10. أخ محمد:
    هل يصح - ولو على سبيل الافتكاس - نسبة أحداث لم تتم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؟
    أرجو مراجعة الأمر من الناحية الفقهية والأصولية
    بارك الله في قلمك وجعله سيَّالا بالحق هدّاما للباطل ووقانا وإياك مزالق الفتن

    ردحذف
  11. اخوتى الكرام الذين سبقونى بالتعليق الاسقاط فى محله فعلا بغض النظر عن حكايه انه صلى الله عليه وسلم رفض تولى السلطة خوفا من الدعايه ولكنه صلى الله عليه وسلم ابتدا الحكم فى المدينة باعطاء كل طاءفة حقها وتعريفها بواجباتها دون التعدى على حقها فى الاحتكام لشريعتها مادام الامر داخلى فيما بينها ووثيقة الامدينة وان كانت صدرت عنه صلى الله عليه وسلم كمشرع الا انها وثيقة تعلى من شان التنظيمات المدنية للدولة الناشئة وتبعد بها كل البعد عن تنظيم الحياه فى المدينة على اساس من عصمة الحاكم وام كان معصوما بالوحى كحاله صلى الله عليه وسلم .

    ردحذف
  12. محمود البنداري4:12 م

    اخ محمد انت ايقنت خطأ نظريتك المبنية على احداث سنة 54 والتي اردت ان يتمحور حولها التاريخ وتكون المحرك للحالة الاسلامية الحالية ؟؟؟؟!!!!!!!!
    ثم تركتها وتجاهلتها و بدلا من أن تعترف ان الذين اتجهوا للانتخابات كانوا على صواب وكانوا ابعد نظرا وعمقا وتعتذر لهم لانك اتهمتهم بالغباء و..... (ما يحزنني ان انطقه )
    واخترعت قضية اخرى لتهاجمهم من جديد ( الا وهي الرئيس التوافقي )
    فعلا ان أشر ما يمكن ان يصيب النبغاء الغرور والعجب والاعجاب بالرأي واحتقار الاخر
    هداني الله واياك للحق

    ردحذف
  13. هل انت متاكد انك كنت بكامل قواك العقلية اثناء التفكير والتاليف , او ان طبيبك النفسي غشك في وصفة الدواء ؟؟؟؟؟؟؟

    ردحذف
  14. http://www.hurras.org/vb/showthread.php?41592-%C7%DE%D1%C3-%E6%D4%C7%D1%DF-%C8%D1%C3%ED%DF

    ردحذف
  15. أم عبد الهادي11:58 م

    الاخ الكريم لا ارى ان من الصواب كتابة المقالة بهذا الشكل الساخر دون بيان واضح في آخرها انها مجرد تأليف وتخريف، وبيان حقيقة الوضع وكيف كان في المدينة.. لانك كما تلاحظ من التعليقات بعض القراء ظن المقال جادا، وحسب ان هذا فعلا ما حدث تاريخيا... وامور الدين لا يجوز العبث بها او المزاح فيها... وجزاك الله خيرا.. انا متابعة لمقالاتك ومعجبة بها، فأرجو ان تتقبل ملاحظتي بصدر رحب، وتضيف للمقالة ما يزيل اي لبس عنها

    ردحذف