الاثنين، سبتمبر 19، 2005

من زوايا التاريخ ( 4 ) .. " جمعية إخوان الحرية " .

عناصر العرض :

* مقدمة *

* محاولة سابقة فاشلة *

* ماهى ؟ *

* خطة الجمعية واهدافها *

* الحضيض والمأساة *

* خطة المواجهة *

* نجاح المواجهة وانتهاء الجمعية *

*******************

* مقدمة *


" الناس لايتذكرون السرعة التى انجزت بها ، ولكنهم يتذكرون نوعية ما أنجزت "

قد تكون هذه العبارة أصدق مايصف حال التاريخ لدى كتابته ، فالحوادث الكبيرة الضخمة هى التى تأخذ نصيب الأسد من الإيراد والسرد والتفصيل وتحليل الجوانب والملابسات ، بينما تكون الأحداث الصغيرة دائما مناط الإهمال بل حتى الازدراء من بعض الأقلام التى لايرى اصحابها أبعد من انوفهم مستقبلا مما يفسر عجزهم عن رؤية ما وراء أذيالهم ماضيا .

وقليل من المحللين من يحاول استقصاء الأحداث الصغيرة التى صنعت الحوادث الكبيرة ، مما يجعل أغلب تحاليل من يطلقون على أنفسهم هذا الوصف " المحللين " تشوبها دائما عيوب قصر النظر ولى عنق الأحداث ، والضغط على تفاصيل الحدث الكبير حتى تتولد منه المعانى التى يريد توصيلها وكأن الحدث الكبير خلق منفصلا كالنبت الشيطانى .

نعرض فى هذه الحلقة قصة تاهت فى خضم التاريخ لجلال ما حدث بعدها من حوادث ، لكنها بعد فحصها تنير لنا جوانب كثيرة لمعرفة كيف كان التخطيط وكيف كان التنفيذ وكيف يكون الحل .

فنبدأ بسم الله وعلى بركة الله

*****************************

* محاولة سابقة فاشلة *



أنشأ الإنجليز لدى احتلالهم لمصر فى أواخر عام 1946 وأوائل عام 1947 جمعية أطلقوا عليها جمعية " إخوان الحرية " ، كان الهدف منها ما سنراه ....

أترككم الآن بالكامل مع الأستاذ محمود عبد الحليم مؤلف كتاب " الإخوان المسلمون - أحداث صنعت التاريخ " ولن أتدخل إلا وأوضح أن هذا تدخلا منى ، أو لوضع عناوين العرض فقط .

( اتجه تفكيرهم إلى جذب الشباب من أحط غرائزه-وهي أسهل ما يقاد منه الشباب-
ولكنهم اتبعوا خطة الشيطان حين يخطط لإغواء الصالحين ، فهو لا يدخل عليهم ناهياً إياهم عن صلاحهم بل يدخل عليهم مباركاً ما هم عليه من صلاح ليأنسوا إليه فيسلسوا له القياد فيقودهم بعد ذلك إلى مهاوي الضلال.
و اقتداء بالشيطان في خططه الخادعة أنشأوا جمعية أطلقوا عليها"جمعية إخوان الحرية"
فالإخاء الذي يفخر الإخوان بالدعوة إليه وتمكينه بين النفوس رفعته هذه الجمعية شعارا لها.
و بلاد مثل مصر تشكو وطأة الاحتلال و تطالب بالحرية يكون للفظ الحرية أجمل صدى فى أسماع شبابها...ورؤساء هذه الجمعية إنجليز مؤهلون تأهيلاً خاصاً يسهل لهم سبل الاتصال بالمصريين و بالعرب فهم يتكلمون العربية وعلى درجة عالية من الثقافة ، و على دراية واسعة بأحوال البلد الذي سيعملون فيه ، وفضلاً عن ذلك فهم مزوّدون بسلاحين قاطعين هما المال و النساء.

لم تكن هذه هي المحاولة الأولى من الإنجليز لإرساء أساس لجمعية تناوىء الإخوان المسلمين فقد أنشأوا في سنة1940 جمعية في القاهرة سموها "جمعية الإصلاح الوطني".أسندت رياستها لجمال الدين هيورث دن وهو إنجليزي سبق له أن أقام في مصر وتعلم العربية الدارجة وادّعى الإسلام وتزوج من مصرية مسلمة كانت تقيم معه في لندن..وقد أنشأ مطبعة أمام السفارة البريطانية لإصدار المنشورات المضللة...وانتهت هذه المحاولة بالفشل فلجأ الإنجليز في أثناء الحرب العالمية الثانية إلى إنشاء جمعية إخوان الحرية.

* ماهى ؟ *


وقد أسندوا رياستها للمستر فاي وكان محاضراً سابقاً بكلية التجارة بجامعة القاهرة ثم انتقل إلى قسم النشر بالسفارة البريطانية.ومن زعمائها الآنسة فريا استارك التي ألفت عدة كتب عن العرب ، والمستر سكيف رئيس القسم الإنجليزي بكلية الآداب بجامعة القاهرة سابقاً. وقد بدأت باتخاذ مقر لها في بيت السنارى بحارة منج شارع الكومي بالسيدة زينب ثم لم تلبث أن افتتحت لها فروعاً و شعباً في طول البلاد و عرضها حتى القرى مقتفية في ذلك طريقالإخوان المسلمين في الدخول بالدعوة إلى أعماق البلاد حتى إن بعض الصحف المصرية قد نشرت في مارس سنة1947 عن رحلة قام بها في ذلك الوقت المستر فاى إلى الوجه القبلي يصحبه من يسمى بالشيخ الزواوي و ذكرت الصحيفة أنهما اتصلوا بعرب الجهمة و الأنصار و امتدت رحلتهما إلى قنا و أسوان..
ولما كان التقرب إلى الإنجليز في ذلك الوقت هو البضاعة الرائجة و كانت خزانة الحكومة البريطانية مفتوحة على مصراعيها فسرعان ما تضخمت هذه الجمعية بما ضمت لعضويتها من ذوي المصالح و المنافقين ، وبعد أصدرت الجمعية في ذلك العام كتاباً باللغة العربية في ثلاثمائة صفحة يتضمن أسماء أعضائها و كان بينهم أناس يحتلون مراكز خطيرة في المجتمع..وكانت الجمعية تصدر نشرات لا تستحي أن تشيد فيها بدور بريطانيا في فلسطين و بتدخل أمريكا في الشئون الداخلية للدول الصغيرة كما تنشر فيها خطب السفير البريطاني.

* خطة الجمعية وأهدافها *


لم يكن الإخوان لينزعجزا من العدد الضخم من الأسماء الرنانة وغير الرنانة التى انضوت تحت لواء هذه الجمعية والتى حواها المجلد الضخم ذو الثلاثمائة صفحة الذى أصدرته ، فإن هؤلاء هم غثاء السيل وممن قال الله فى أمثالهم ( لو خرجوا فيكم مازادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم ) وإنما أزعج الإخوان هو خطة جهنمية وضعتها هذه الجمعية للإيقاع بالشباب الغض الإهاب الخالى الذهن السهل القياد .
فمقر الجمعية بالقاهرة مؤثث بأفخم الأساس ومزود بجميع وسائل الترفيه ثم توجه الجمعية الدعوة إلى الشباب فى معاهده الدراسية وفى نواديه الرياضية وفى مختلف أماكن تجمعاته لحضور محاضرة لرئيس الجمعية أو لأحد محاضريها فى مقرها مساء يوم محدد ، وموضوع المحاضرة جذاب يتصل بالحرية التى هى من حق كل المجتمعات ، فيستجيب لهذه الدعوة فى أول الأمر عدد قليل من الشباب .. وحين يستمع إلى المحاضرة ويتمتع بالجلوس على المقاعد والرياش تقدم إليه المرطبات صيف والمشروبات الساخنة شتاءا مع بعض الحلوى الفاخرة ، فيخرجون من هذه المحاضرة لاهجين بالثناء على ما رأوا وماسمعوا وما قدم لهم من طعام وشراب .فإذا مادعت الجمعية إلى محاضرة أخرى تضاعف عدد المستجيبين ، وهكذا .حتى يصل الحال إلى التسابق للظفر بالجلسة الممتعة المشبعة والتى لاتكلفهم كثيرا ولا قليلا .

حينئذ .. وبعد أن يطمئن القائمون على الجمعية إلى أن مجموعة ضخمة من الرواد قد أصبحوا أسرى هذه المتعة الحلال حتى الآن .. يبدأون فى تطعيم محاضراتهم - التى تدور كلها حول التغنى بالحرية وأنها أشرف مايطلب - بلون من الحرية فيها الإغراء هو حرية الاختلاط بين الشباب والفتيات .. وتبدأ الفتيات التابعات لقيادة الجمعية فى مجالسة هؤلاء الشباب ومجاذبتهم أطراف الحديث وما أسرع الشباب الذى استهوته من قبل المتعة الحلال إلى الاستجابة إلى لمتعة الجديدة التى هى أشد إغراء من الطعام والشراب والتى تبدأ عادة بشئ فى ظاهره فى حدود الحياء والأدب ثم تتدرج حتى تصل إلى الحرام .

وهكذا يأخذ القادة " المرشدون " فى التوسع فى معنى الحرية بعد أن أوقعوا ضحاياهم فى شرك الإثم وفقد كل منهم احترامه لنفسه ، فتتجه المحاضرات إلى العقيدة ، وتأخذ فى توجيه سهام النقد نحوها ، وتبرز المتمسك بعقيدته فى صورة المتعصب المتزمت ، وأن الحرية تقتضى أن يدع عقيدته جانبا حتى لاتكون هناك عوائق تعوق سبل الأخوة بين الناس من مختلف الأديان .

ويلاحظ أن إقناع صرعى شهواتهم بمثل هذا لايحتاج إلى كثير جهد ولا إلى عظيم عناء ، فتجريد الواحد منهم من عقيدته ماهو الإ إجهاز على جريح مثخن بالجراح ، ولذا فإن المحاضرات التى كانت تنمق بأقوى الأساليب إقناعا تتحول بعد صرع الشباب أمام شهواتهم إلى مايشبه التعليمات والأوامر لاتستغرق وقتا ولاتتخللها مجاملة ، ولذا ترى خطوات الانحدار تتوالى فى سرعة مذهلة لاتلبث أن ترى الشباب فى نهاية المنحدر أشبه بالجثة الهامدة لأنها فقدت إنسانيتها وفقدت حتى آدميتها .

فى الخطوات الأخيرة التى تتخذ مع هذا الشباب للإجهاز على مابقى فيه من آدمية حتى يبدو أمام نفسه حيوانا أو بهيمة ، يعقد حفل يضم الجنسين وتقدم الخمور وتعزف الموسيقى المثيرة للأعصاب حتى تلعب الخمر بالعقول ويفقد كل الحاضرين سيطرتهم على أعصابهم ويغيبوا عن وعيهم ولاتستيقظ إلا حيوانيتهم وتطفأ الأنوار . وإذ يترك للحيوانية العنان فلايفيق الجميع إلا وقد وجد كل نفسه فى حضن فتاة .

ومن الأساليب التى قد يعجز الشيطان عن ابتكار مثلها ، أنه إمعانا فى إذلال الشباب وتماديا فى الاستيلاء عليه وأسره وقطع صلته بالحياة وتحويله إلى آلة يسخرونها حيث شاءوا إنهم لايكتفون باستعمال الفتيات التابعات للجمعية فى الإيقاع بالشباب بل يكلفون هؤلاء الشبان تمشيا مع نداء الحرية - باصطحاب أخواتهم معهم ، فيحضرون ويمرون بالخطوات التى مر بها إخواتهم حتى يصلن إلى الحضيض الذى انحطوا إليه .

ولقد وصل الأمر إلى ان انتهت حفلة من الحفلات الصاخبة التى أشرت إلى طبيعتها الحيوانية ، فلما أصبح الصباح وجد أحد الشبان نفسه فى حضن أخته .. ولقد سمعت بأذنى قوما أعرفهم من أهل حى السيدة زينب يتحدثون فى حزن وأسى عن هذا الشاب وأخته وماآل إليه أمرهما فى تلك الليلة وكان الشاب وأخته من أهل الحى نفسه ومن أسرة سميت أمامى .

فطبيعة خطة هذه الجميعة طبيعة جهنمية ، فهم يجهدون أنفسهم فى محاولة جذب الشباب إلى الجمعية مرة واحدة ، ثم يتركون هذه المهمة لهذا الشباب نفسه بعد أن جردوه من آدميته ليقوم عنهم بهذه المهمة ، وقد اعتمدوا فى ذلك على خطة نفسية تتلخص فى أن الشاب بعد أن غرر به حتى فقد آدميته يتولد فى نفسه حقد على زملائه الشبان الذين لايزالون يحتفطون بآدميتهم وإنسانيتهم ، وعقيدتهم ، وهو إذ يرى نفسه عاجزا عن أن يسترد مافقده فإنه يحاول أن يراهم وقد فقدوا مافقده ليتساووا معه ، ولذا فإن شبان الدفعة الأولى أو ضحايا الدفعة الأولى ، يلحون بكل الوسائل على جر زملائهم من الشبان للذهاب إلى دور الجمعية متكتمين عنهم ما حدث لهم ، غير ذاكرين لهم إلا ما يغريهم بالذهاب لسماع المحاضرات والاستمتاع بالمقاعد الوثيرة والمشروبات المرطبة والحلوى الشهية دون مقابل ، ولايزالون يغرونهم حتى يستجيبوا فينالهم مانال سابقيهم وهكذا .


( ويستطرد الأستاذ محمود عبد الحليم فى ذكر مثال لمحاولات سابقة أخرى ، ثم يعود فيبدأ بذكر كيف واجه الإخوان هذه الجمعية - محمد إلهامى ) .



*وسائل الإخوان فى مكافحة جمعية إخوان الحرية *


حين ظهرت هذه الجمعية فى القاهرة فى أثناء الحرب العالمية ، فهم الإخوان أنهم هم المقصودون بها ، وأنها أنشئت خصيصا لتكون معول هدم لما يبنيه الإخوان ، وأنها سلاح ضدهم أقوى من أسلحة الهجوم والمواجهة ، وأنها تحتاج منهم إلى تخطيط دقيق لمقاومتها وإحباط خطتها ، وقد كانت خطتهم لمقاومتها تقوم على المحاور الآتية :

أولا : أوفدوا إلى مقر هذه الجمعية مجموعة من كرام الشباب من الإخوان لاستطلاع أحوالها وجمع معلومات عن قادتها وعن مهمة كل فرد من أفراد هذه القيادة ، وتتبع خطوات هؤلاء الأفراد داخل مقر الجمعية وخارجه والإلمام باتصالاتهم والوصول من هذا التتبع إلى مصدر تمويلهم .

ثانيا : أوفدوا مجموعة أخرى من الإخوان للاشتراك فى نشاطات الجمعية والتظاهر بالتجاوب مع القائمين بهذه الأنشطة - مع الاحتفاظ بأنفسهم من التلوث بحجج مختلفة - حتى يلموا بكل ما يحدث للشباب داخل هذه الاجتماعات إلماما عن معاينة تنفى كل شك ، وأن ينقلوا صور مايحدث إلى قيادة الإخوان أولا بأول .

ثالثا : أوفدوا بعد ذلك - وبعد أن عرفوا عن هذه الجمعية كل شئ - مجموعة أخرى من الإخوان الأقوياء الحجة والواسعى الثقافة إلى الاجتماعات العامة للجمعية التى تلقى فيها المحاضرات باعتبار هذه المحاضرات هى المصيدة التى يقع بين فكيها الفرائس من الشباب الساذج الخالى الذهن - ومهمة هذه المجموعة هى التعرض بالنقد إلى الأفكار التى تتضمنها هذه المحاضرات على أن يتبادل أفراد المجموعة - الذين يجلسون فى أماكن متفرقة - هذا التعرض واحدا بعد الآخر حتى يلقوا أولا ظلالا من الشك على هذه الأفكار أمام الحاضرين ، فتتزعزع ثقتهم بالمحاضرين ، ثم يتدرج أفراد المجموعة فى المناقشة حتى يبدأوا فى كشف ألاعيب الجمعية وفضحها أمام الشبان فضحا خفيفا فتؤجل المحاضرة .

رابعا : تكرر المجموعة حضور المحاضرة فى الموعد الذى أجلت إليه وتكمل مهمتها بالمهاجمة والنقد والمناقشة المنطقية ثم العنيفة ثم بفضح ألاعيب الجمعية وإفسادها للشباب البرئ وقضائها على مثله وعقيدته ، ونشر روح الانحلال الخلقى بعد وقوعه فى الشرك ، وهنا يحتد المسؤلون فى الجمعية مكذبين هذه الادعاءات فيقوم فرد - هو أحد أفراد المجموعة التى تضمنها البند ثانيا - ويقف بين الحاضرين ويعرفهم باسمه وبتاريخ انضمامه للجمعية ويقص عليهم الخطوات التى اتبعتها الجمعية معه ومع زملائه لإفساد أخلاقهم وتلويث شرفهم وبث روح الانحلال العقيدى والخلقى فيهم ، ومارآه بنفسه مما اقترف مع زملائه فى خلال حفلات ماجنة دبرت لهم ، وهنا تتعالى أصوات الاحتجاج على الجمعية من كل مكان ويسود الهرج ويحدث بعض التحطيم فى أمتعة الجمعية ويلوذ المحاضر ومن معه من المسؤولين بالهرب .

وهذه الخطوات التى أثبتها آنفا هى خطة وضعت فى دار المركز العام على أنها افكار ، غير أنها حين وضعت موضع التنفيذ جاء الواقع مصداقا لها كأنما كانت وحيا فقد حدث كل ماتصوروه واصفوها ، وكانت وسيلة ناجحة لإحباط نشاط الجمعية فى المجال الشبابى الخطير .)


انتهى النقل ،


لكن بقيت خطوتان من أساليب المواجهة التى ذكرها الأستاذ محمود عبد الحليم هما
خامسا : تكوين الشعب بالقاهرة .
سادسا : توعية طلاب الإخوان زملاءهم بخفايا الجمعية

ثم ذكر أن الجمعية بقيت ولها دور وأعضاء ولكنها ظلت تنفق على أعضائها حتى وصلت للمرحلة التى اختفت فيها وذابت كأن لم تكن ، وهذا دليل على الأقل على توقف الدعم الإنجليزى لأن مصاريفها باتت أكثر من مكاسبها

( المصدر : كتاب " الإخوان المسلمون .. أحداث صنعت التاريخ - محمود عبد الحليم - ط دار الدعوة - الجزء الأول - صـ 438 : 446 )