الأحد، سبتمبر 18، 2005

وانقــــطع الاتصـــــــال






تعرضت فى الأسبوعين الماضيين لثلاثة مواقف مؤثرة .

فقد كنت فى زيارة لصلة الرحم إلى عمى الذى كان قد أنجب بنتا من 24 يوما فقط ، وبعدها بيوم واحد أنجبت إحدى جاراتنا بنتا أخرى ، ثم بعدهما بثلاثة أيام أنجبت بنت خالى بنتا ثالثة .
وهكذا ، فقد قدر لى فى أسبوعين فقط أن اجالس وألاعب ثلاث طفلات لم يتعد عمرهن شهرا واحدا .

والمشهد الواحد يمتلئ بالمعانى الرائعة ، خاصة تلك التى تنبعث من نظرة امتلكت البراءة ، أو بسمة تنطلق من ملامح ملائكية ، أو حركة يد تلوح فى الهواء بلامعنى ، أو حتى صرخة احتجاج تطالب بالطعام أو بالاهتمام .

فمابالكم بكثافة مواقف ثلاثة ؟

أشد مالفت نظرى فى الطفلات الثلاثة ، هو هذا الجسد الصغير الناطق بالعجب ، فهذه الكف هى صورة مصغرة لكفى أنا ، نفس الأصابع ، نفس التقسيمات ، نفس الألوان ، نفس الحركات ، لايفرقها عن كفى إلا أنها متناهية فى الصغر ، كانت إحدى صور متعتى إذا التفت كف الطفلة على سبابتى .. ياسبحان الله .

وتلك القدم الضئيلة ، وتلك العين الصغيرة ، وذلك الفم المتوارى ، وتلك النتوءات التى تسمى أنفا ، كل هذه الصور دفعت فى نفسى معنى قويا وهو : التحول بالقوانين .

إنه مصطلح غريب فعلا ، لكننى أدعوكم لفهمه معى ، هذه الطفلة التى هى عبارة عن صورة مصغرة للإنسان الكبير محتوية كل التفاصيل الدقيقة ، لم تكن منذ أشهر إلا نقطة من ماء ، وتحولت بقانون الله تعالى إلى مجموعة ألياف رقيقة ، وبقوانين الله تعالى استمر هذا التحول نحو ألياف قوية ، ثم متماسكة ، ثم إلى عظام رقيقة ، ستكسوها بعد قريب طبقة شفافة ثم سميكة من اللحم والأوردة والشرايين ، ثم تندفع إلى خارج الرحم ، لتصير كائنا فاعلا متحركا ، ينظر ويبتسم ويلوح ويبكى ويصرخ ، ثم يستمر التحول بقوانين الله تعالى إلى ولد وغلام وفتى ورجل أو امرأة ، يستطيع التأثير فى الدنيا من حوله ، ويصنع المشاكل أو يبنى الحضارة أو ... إلخ .

مالفت نظرى لأول مرة أن كل هذا التحول الرهيب من نقطة الماء الساكنة التى خرجت فى لحظة الشهوة ، إلى كائن فاعل يقول ويقود ويبنى ويدمر ، كل هذا التحول تم بقوانين الله التى أودعها فى الخلق دون أى تدخل أو مهارة أو كفاءة من أحد من البشر .

كل هذا التحول لم يشارك فيه أحد أبدا ، ولايستطيع أحد أن يدعى المشاركة فيه .

أليست هذه حقيقة ناصعة ؟؟؟

تأملوا معى كيف يأتى رجل إلى داعية ، ثم يفرك بين يديه عظاما بالية ، ويسأل فى سخرية أو استنكار ( من يحيى العظام وهى رميم ؟ ) .

نعم .. قد فعلها أبى ابن خلف ( أو العاص بن وائل - على خلافى بين الروايات - ) ، وسأل هذا السؤال ، وحين وصّف الله هذا الموقف كانت العلة أن هذا الرجل ( نسى خلقه ) أى نسى كيف خلق أصلا .

إن الرجل كان يسأل سؤالا هو بالنسبة له فى غاية العقلانية ، سؤال منطقى تماما ، كيف يحدث أن يصبح هذا الفتات المطحون خلقا من جديد .
هذا السؤال الذى هو غاية فى العقلانية والمنطقية ، إذا وضعناه بجانب الفكرة القائلة بأن تحوله هو نفسه من الماء ( الذى يشبه البصقة - وهو التشبيه النبوى الدقيق - ) حتى وصوله إلى هذا السن تم بالقوانين الإلهية المحضة التى لم يتدخل فيها أى احد ولاحتى هو ، وحتى جهله هو عن إدارك كنه وكيفية تحويل هذه العظام إلى حياة لايقل بشئ عن إدراكه كنه وكيفية عمل هذه القوانين التى حولته من الماء إلى الرجل السوى القوى .

وهكذا .. فى حين أن سأل سؤالا رآه منطقيا تماما ، كان السؤال فى غاية الغرابة والبلاهة حين النظر إلى الأمر من كافة جوانبه .

وهذه بالضبط هى نتيجة الانفصال .. انفصال العقل عن السماء ، ووقوفه فى ساحات التفكير وحده دون إمداد من الله ، وحين يقف العقل وحده أمام عالم لاتتحكم فيه فقط العوامل المادية الظاهرية ، فإن النتيجة هى مزيد من الخبل والتخبط والحيرة والفشل لأنه تفكير لايرى الجوانب الأخرى مع أنها ظاهرة فى تأثيرها ، وإن كانت كامنة فى حركتها .

فهل تستعينون بالله يامعشر المفكرين ؟ أم تثقون فى عقولكم وحدها ؟

إنه سؤال للتوقف .

كتب فى 5/5/2005