الاثنين، سبتمبر 19، 2005

الخطة ف - 2



تعود الطلاب المغتربون حين يعودون إلى سكنهم الدراسى أن يحملوا معهم من نفحات البيوت ما يجعل زملاءهم يطيرون فرحا ، فهذا الذى تعود أن يحضر الفطير أو العيش المخبوز أو حتى نوعا من الفاكهة يلقى من التهليل والحفاوة ما قد لايلقله حين يعود لأمه بعد غيبة سنين .
كأن الجوع اقترن بالغربة ، أو لعلها صورة من صور الهروب من متاعب الغربة إلى ملذات البطون .

لكن الاحتفالات التى تقام فى مساكن الطلبة لقرص من الفطير أو قطعة من الخبز لايمكن أن تقارن بالليالى الملاح حين يحمل الوافد من بيته " فرخة " ( دجاجة ) ، فالفرخة هى كلمة السر الساحرة التى تشعل البطون وتفتح الأفواه وتطرب النفوس ، فكأنها قطعة من الجنة ، يكاد الواصف لفرحة الناس بها أن يقول : كأنهم دخلوا الجنة .
وكانت احتفالات الفرخة لها طقوس خاصة فى كل شقة ، فهناك احتفالات للشواء ، وهناك احتفالات للمرقة ، وهناك احتفالات لإنضاجها مع الطعام .. وهكذا ، فللفرخة فى القلوب مكان لايطاوله غيرها .

ابتسم الصبح لشقة " العمالقة " حين أتى أحدهم من بيته بفرختين مرة واحدة ، نسيت أن اقول لكم إننا سميناها شقة " العمالقة " لأن كل ساكنيها عمالقة بالفعل ، قامات مديدة فارعة ، لكن قلوبهم فى غاية الطيبة إلا أن يغصبوا ، مما يؤكد الحكمة القائلة : " اتق شر الحليم إذا غضب " ، ولما كان اليوم يوم امتحان وليس فيهم من يملك وقتا لإنضاجها ، فقد قرروا تأجيل الحفل الكبير إلى الغد .
لم يكن بالشقة ثلاجة ، فلجأوا لأصدقائهم فى شقة " الأقزام " ليستضيفوا الفرخة عندهم إلى الغد ، ولكن شقة " الأقزام " رغم أن قاطنيها كلهم من ذوى القامات التى تكاد تبرز من الأرض يصدق عليهم المثل القائل : " اتق شر كل مكن اقترب من الرض " فكأنه قطع لهم .

لعب الشيطان برؤوس الأقزام : كيف تكون الفرخة فى بيتهم ولا يطولونها ؟ إنها على بعد خطوات فقط ؟ إنها هناك ترقد بسلام فى ثلاجتهم هم ؟؟
وظل الشيطان يغريهم ، وبطونهم تناديهم حتى نسوا كل العواقب التى يمكن أن تنزل بهم إذا علم العمالقة أن الفرخة ضاعت .
وكما يقولون : " الهوى يعمى ويصم " انطلقوا نحو الفرختين الراقدتين بسلام وصنعو لهما احتفالا يليق بالمقام ، ولم تغرب الشمس إلا والفرختان تسكنان البطون .

وأشرقت شمس الغد مع طرقات مندوب " العمالقة " المشتاقين ليسترد وديعته الغالية ، ولكنه حين فتح الثلاجه ليتلقى الصاعقة ، فالفرختان اختفيتا ، أصابه الفزع المجنون وانطلق يسأل الأقزام عن الفرختين فلم يجد جوابا إلا الهمهمات والضحكات التى أفصحت عن جريمة الاغتيال الدنيئة .
انطلق بأقصى سرعته لينادى زملاءه الجوعى ، ويحمل إليهم خبر استشهاد الفرختين على ألسنة الأقزام وأسنانهم ، وإذا الجموع العملاقة تنتفض انتفاضة الثكلى الهائجة لتسحق شقة الأقزام .

فى نفس اللحظات كان أحد أفراد شقة " الأقزام " يصل لتوه من البيت حاملا معه فرختين أخريين فى سابقة هى الأولى من نوعها ، وعلم الأقزام أن هاتين الفرختين لو بقيتا فى شقتيهما لتعرضتا للغصب على أيدى العمالقة الذين لاشك سيصلون بعد دقائق فانطلق أحد الأقزام إلى شقة محايدة ليس لديها علم بما حدث ليستودعها الفرختين إلى ان تنجلى هذه الغمة .
فى تلك الحظات كنت فى زيارة لصديقى القزم ، ومع الارتباك الحادث فى الشقة من جراء بناء الحصون ووضع الكراسى خلف الباب ، وإحكام إغلاق النوافذ والأبواب تحسبا للهجوم الوشيك ، مع هذا الارتباك عرفت منهم تفاصيل الأحداث ، فأسرعت بالهرب إذ أن العملاق الغاضب أعمى ، ولن يفرق بين المجرم وبين سيئ الحظ الذى وقع فى مسرح الجريمة .

وانطلقت إلى زملائى بشقة " العمليات السرية " والتى سميناها بهذا الاسم لأنه تحاك فيها المؤامرات التى تقلب موازين العلاقات والشقق ولايعرف أبدا مصدرها ، فسارعنا بوضع الخطة ( ف-2 ) يعنى " فرخة عدد 2 " لخطف الفرختين من الشقة المحايدة دون أن يشعر أحد ، ثم انطلق فريق العمليات فى خطوة عنوانها " زيارة ودية " للأصدقاء ، وتمت الخطة واستطاع " فهد " خطف الفرختين دون أن يشعر أحد ، وحمل إلينا الفرختين معززتين مكرمتين كامليتين فى شقتنا الباسلة .

ولم تمض ساعات إلا وكان الحفل مقاما كأحسن مايكون لأعظم فرختين فى الوجود ، وماهى إلا دقائق وامتلأت البطون بألذ أكلة لم نذقها منذ شهور .
ولاداع لأسجل الباقى فالنوم يداعب عيونى بعد هذه الوليمة الفاخرة إلا أنكم تشتاقون بالتأكيد لمعرفة نتيجة المعارك المشتعلة .
كل الحصون لم تصمد أمام هجوم العمالقة الذين اكتسحوا شقة القزام وأنزلوا بهم علقة ساخنة توازى المراة الراسبة فى صدورهم ، وأخذوا بالمقابل ضعف ثمن الفرختين ، ثم أرسلوا لهم العظام فى علبة أنيقة عليها إهداء لطيف .
ثم قامت معركة أخرى بين شقة الأقزام والشقة المحايدة ، لم يستطع القزام أن يفعلوا شيئا لافتقادهم العضلات التى تتحدث فى مثل هذه المواقف ، فعادوا وهم يؤمنون بأن مافعلوه بالعمالقة قد وقع بهم .

دخل على الآن صديقى القزم باكيا ، فغالبت ضحكة تنفجر من وجهى لأقول له " لاتحزن .. اعتبر أنى اكلتها " .


كتبت فى 13/12/2004