الأحد، سبتمبر 18، 2005

من زوايا التاريخ (3) حـــب .. ومعـــــانــــاة

عناصر العرض :

1) مقدمة

2) بعث ورفض وطلاق

3) الوحيدة

5) إما أرملة وإما يتيمة

6) أغلى قلادة

7) الإجهاض

8) الحماية

9) الوفاة


*******************

* مقدمة *


تعود كتاب التاريخ والسير أن يذكروا الواقعة مجردة من العواطف والمعاناة ، لعل هذا بالفعل أحد جوانب الحيادية والموضوعية كما يرى البعض ، لكنه بالوجه الاخر يحتاج إلى قارئ ذكى ، لايمر على الواقعة إلا ويحاول أن يستشعرها ، حتى ينزل الناس حقا منازلهم من البطولة والعظمة ، أو حتى من الحقارة والدناءة .

وحين اقرأ فى مثل هذه الكتب أتذكر تماما كأنهما وجها عملة واحدة استقبالنا فى عصرنا الآن لمآسى المسلمين على أنها أرقام مجردة ، فلانستشعر أن موت فرد واحد يعنى تحطم أمل بل آمال ، وتغير فى مسار حياة أسرة تماما ، قد تنتقل من حال إلى حال .

لم أكن أنوى فى هذه السلسلة أن أذكر مقدمات لكل موقف ، لكن هذه القصة بالذات لم اتمالك نفسى امامها ، حيث أنها تقريبا غير معروفة كشبيهاتها من القصص رغم شهرة أبطالها وماكنتهم العريقة فى التاريخ .

إنها قصة السيدة زينب بنت رسول الله ، وهى بحق قصة حب ومعاناة ، تستحق أن يضعها الأدباء كواحة استلهام فى كتاباتهم ، وليعلموا أن لدينا أبطالا أغمطناهم حقهم قبل أن يشوههم الأعداء .

ولدت السيدة زينب قبل البعثة بعشر سنوات ( عام 23 ق.هـ ) وهى اكبر بنات النبى

تزوجت قبل العاشرة من عمرها ( وكانت هذه عادة الناس حينها ، كما أن نمو الجسد فى البيئة الحارة يكون اسرع ، وسن البلوغ فى البيئات الحارة أقل من البيئات الباردة كما هو معروف ) من ابن خالتها ( أبو العاص بن الربيع ) وخالتها هى ( هالة بنت خويلد ) .


* بعث ورفض وطلاق *


نستطيع أن نبدأ القصة الحقيقة لدى بعثة النبى حين فاجأت زوجها بأنها أسلمت لأنه كان فى سفر ، وغضب منها لأنها لم تخبره مع اعترافه بصدق النبى ، وكان هذا الموقف الذى عاند من اجله ورفض أن يسلم حتى لاتتحدث به العرب أنه اسلم إرضاء لزوجته ( ولعل هناك اسباب أخرى الله يعلمها بالطبع ) .

لنتوقف مع موقف السيدة زينب الآن : ابوها صادق لايشك فى صدقه عدو ولاصديق ، فكان اتباعه هو التصرف الوحيد الصحيح فى هذه الموقف ، لنتخيل : هل كان هناك تصرف آخر يمكن ان يكون أحكم من الاتباع الفورى ؟

ولكن هذا التصرف الوحيد كان لابد أن يتم فى غياب الزوج ( الذى تحبه ويحبها ، وستأتى بقية قصتها لنعلم شدة الحب التى كانا يتبادلانها ) ، ثم هذا التصرف بالذات أغضب الزوج ورفض أن يسلم بسببه ..

هذا موقف المعاناة رقم 1 فى القصة .
وكالعادة فى هذه السلسلة نؤجل الدروس إلى أن تنتهى بإذن الله ، فلن نتوقف كثيرا عند المواقف إلا كإيماءة .

وحين يجهر أباها بالدعوة تنتفض عليه مكة كلها وتفعل به وبصحبه الأفاعيل التى تناقلتها الكتب ، لكن سنتجاوز الآن مشاعرها نحو أبيها فى محنته العظيمة تلك والتى لاشك ظلت 13 عاما متواصلة تتابع مايحدث له ولاتملك له شيئا ، قلنا سنتجاوز مشاعرها تجاه أبيها ، ولكن قد بلغها أن أختيها ( رقية وأم كلثوم ) طلقاهما ابنى ابى لهب كنوع من تأديب أبوهما على دعوته ، وبدأت الضغوط على زوجها وابن خالتها أبو العاص بن الربيع ليطلقها .

لنحاول الآن ان نتخيل وضعها ، الأب المعذب كل يوم ، وأختيها المطلقتين ، والقرار الوشيك بالطلاق .

وكان هذا موقف المعاناة رقم 2

ولكن زوجها رفض تماما فكرة تطليقها ( لاننسى أنها مسلمة تتبع أبيها الذى يسب دين أبو العاص ويضلل آباءه ويسفه عقله ) ، وقال فى شجاعة " والله لا أحب أن لى بها نساء الدنيا " وظل محبا لها .

ولن نتوقف عند معاناتها لما ماتت امها خديجة فى نفس العام الذى مات حامى أبيها الوحيد أبو طالب ، ثم الرجوع الأليم بعد رحلة الطائف ، ثم إعلان النبى أنه ذهب إلى بيت المقدس ثم إلى السماء وعاد فى ليلة واحدة .. كم من المواقف والأحزان والمعاناة لاشك أنه أثر عليها تأثيرات لايعلمها إلا الله ، ولايعلم أحد كيف كانت تعيش فى هذه الفترات ، لكن لن نتوقف عند هذه المواقف طويلا لأنها مواقف شاركها فيها غيرها وتأثروا بها .


* الوحيدة *


ثم يأتى موقف الهجرة إلى المدينة وتخلو المدينة حولها من المسلمين وحتى من ابيها ، ذلك الرجل الفذ الذى كان وجوده بلاشك أكبر عامل لتلطيف ومسح كل ما مضى من معاناة ، وتبقى فى المدينة وحيدة بإسلامها هى ومن عجز عن الهجرة من العبيد أو النساء المستضعفين لدى مواليهم .

ترى ماهو شعور المسلمة التى تعيش فى أرض تعادى دينها وأباها ، وتعذب من تستطيع أن تناله ممن هم على عقيدتها ؟ ، ثم أنباء السرايا التى يرسلها أبوها فيسبيها ويقتل رجالها ومنها هذه السرية ( سرية عبد الله بن جحش - آخر رجب عام 2هـ ) التى انتهك فيها أبوها حرمة الشهر الحرام وقتل فيها عمرو بن الحضرمى ، فالآن فقط تذكرت قريش أن هناك شهر حرام وكانت قد نسيت ذلك حين كانت تقتل وتعذب المسلمين حين كانوا لديها قبل أعوام

كيف كانت تعيش فى مثل هذه الأجواء دون أى سند أو ملطف لهذه الأحزان ؟



* إما أرملة وإما يتيمة *


عامين وهى تعيش بمثل هذه الأجواء ، حتى أتت غزوة بدر الكبرى ، وخرج زوجها الحبيب ( أبو العاص بن الربيع ) لقتال أبيها الحبيب العظيم ( محمد ) .
وعند هذا الموقف يجب أن نتوقف كثيرا ، ويسرح بنا الخيال فى محاولة استكشاف مشاعرها ، إنها حرب ، يقف فى المواجهة أبوها وزوجها ، ولن يرحم أحدهما الآخر إن ظفر به ، فإما أن تغرب المعركة عن يتمها أو تغرب عن ترملها .

يا الله ، كيف عاشت هذه الأيام ؟ وماذا كانت تتمنى حينها ؟ وبم كانت تدعو وهى الوحيدة التى ترميها مكة عن قوس واحدة ؟
هذا الموقف وحده يستحق كتابة القصص والقصائد بما فيه من ثراء المشاعر والأحاسيس واضطراب المواقف والأمنيات ، وأحلام اليقظة والمنام .

( لعل الله ييسر له من أقلام أدباء المنتدى من يستطيع وصفه وتأمله )

وتغرب شمس المعركة عن أفضل نتيجة لعلها لم تكن تفكر بها : انتصار دينها وأبيها ، وأسر زوجها .



* أغلى قلادة *



وطفقت قريش تجهز الأموال لفداء أسراها لأن محمدا جعل أقل الفداء ألف درهم ، ومن أين لها بهذا المبلغ ؟

وهنا يجوز لنا أن نسرح بخيالنا أيضا لمحاولة استكشاف كيف فكرت فأبوها - وإن كان مثالا فى الرحمة إنه نفس المثال فى العدل - إلى أن هداها ربها أن ترسل ماكان معها من مال ( وكان قليلا ) مع القلادة التى كانت تلبسها ، وهى القلادة التى أهدتها لها أمها خديجة ( رحمها الله ورضى عنها ) ليلة زفافها ، وبعثت القلادة مع شقيق زوجها ليفديه .
فلما رأى رسول الله القلادة رق لها رقة شديدة وقال " إنها قلادة خديجة " وبكى من الرحمة ، ثم استشار صحابته فيما يشبه الرجاء " إن رأيتم أن تردوا لها مالها وتطلقوا أسيرها فافعلوا " ، فوافق الصحابة فأطلق أبو العاص على شرط أن يبعث بها إلى المدينة .

( على الهامش : لعل موقف الرسول هذا فى العدل حين لم يطلقه لفوره لأنه زوج ابنته الوحيد الذى رفض تطليقها منذ أعوام بل ظل فى الأسر كغيره ، ثم فى الرقة حين رأى القلادة التى كانت ترتديها خديجة ثم أكبر بناته ، ثم فى الاستشارة التى هى أقرب للطلب والرجاء موقف آخر يتطلب الوقوف عنده كثيرا ، وأعتذر عن الاستطراد )


**************


ويعود زوجها أبو العاص بن الربيع لتستقبله فرحة مسرورة فيخبرها بأن تتجهز لأنها سترحل إلى المدينة فلقد كان هذا وعده مع أبيها ( وقد ذكرها النبى له فى موقف قادم حين قال : " وعد فوفى " ) .

كأنما كتب عليها فراق أحد الحبيبين : إما الأب وإما الزوج ، إما عداوة الوطن أو حفاوة الغربة ، استكثرت عليها الأيام أن تجمع الأحباب ،خاصة أنها حبلى فى شهرها الرابع .


* الإجهــاض *



وجهزت نفسها للرحيل ، وخرجت من مكة مع كنانة بن الربيع أخو زوجها ( أو ابن كنانة على خلاف الروايات ) وخرج فى إثرها نفر من قريش يريدون منعها من الهجرة ، ونشبت معركة بين كنانة وبين النفر استطاع فيها شقى من قريش اسمه " هبار بن الأسود " أن يطعن بعيرها برمحه حتى سقطت عنه - رضى الله عنها - على بطنها فوق صخره فنزفت دماءا وأُجهضت إثر هذه السقطة وألقت ما فى بطنها ، ثم ضغط أبو سفيان على كنانة بحجة أنه أخذها فى وضح النهار ، وأنهم موافقون على خروجها ، ولكن ليس هكذا أمام الناس حتى لا تمس هيبتهم ، وأقنعه بالعودة بها إلى حين إسكاتا لألسنة الناس .

وبعد ليال سلمها كنانة بن الربيع إلى سيدنا زيد بن حارثة الذى كان ينتظرها على بعد مسافة من مكة بأمر من رسول الله

( على الهامش : وفى رواية أخرى أن سيدنا زيدا استطاع أن يصل إليها من خلال راعى غنمها الذى كان يرعى خارج مكة فأعطاه خاتم النبى ليوصله لزينب كدليل على صدقه حتى تخرج إليه ففعل الراعى وخرجت زينب إليه بليل )

* الحماية *


عاشت زينب بنت رسول الله معه فى المدينة دون زوجها بدءا من اواخر عام 2 هـ ، فى كنف المجتمع الإسلامى وتحت رعاية والدها حتى كان ذات ليلة فى أواخر عام 6 هـ فوجئت بطارق على الباب يستجير بها ، وإذا الطارق المستجير هو زوجها أبو العاص الذى استطاع الهروب من الأسر إلى دارها .

والقصة أن عيرا لقريش خرج بها أبو العاص بن الربيع ، وتعرضت سرية من سرايا المسلمين بقايدة سيدنا زيد بن حارثة ( سرية العيص ) أواخر عام 6 هـ فأسروا رجال العير وكان منهم أمير العير أبو العاص الذى استطاع الهروب إلى زوجته ( وياله من موقف ) ، فأدخلته البيت وطمأنته .

فلما كانت صلاة الفجر ، وبعد ان انتهت الصلاة صاحت زينب من آخر المسجد : يامعشر المسلمين أنى قد أجرت زوجى أبو العاص بن الربيع ، ( لاحظ مكانة المرأة فى المجتمع الإسلامى ) مما أدهش رسول الله وأعلن أمام الصحابة أنه لم يعلم بشئ إلا فى هذه اللحظة مثلهم ، ولأن المسلمون يسعى بذمتهم أدناهم فقد أقر رسول الله إجارة ابنته وأوصاها بإكرامه ولكنه حذرها من أن يمسها فإنها لاتحل له .

وصار موقف أبى العاص صعبا ، فهو أمير العير ، والمستأمن على أموال قريش ، فطلب من زينب أن تتوسط له عند أبيها أن يعيد له الأموال كى يسلمها إلى قريش وهو ما حدث بالفعل وتوسطت له عن رسول الله ، فاقترح النبى على الصحابة إعادة الأموال فوافقوا ، وعاد ابو العاص إلى مكة وسلم الأموال إلى أهلها ، ثم قال : " يا اهل مكة : هل أديت لكم أموالكم ؟ " فقالوا : " لقد أديت ووفيت " فقال : " فإنى أشهد ان لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، و مامنعنى أن اسلم إلا خوفا أن تقولوا أكل أموالنا " ، ثم هاجر إلى المدينة فى المحرم عام 7 هـ
، ورد النبى زواجه على زينب بالنكاح الأول أو بنكاح جديد على خلاف بين الروايات .

ولأول مرة منذ 7 أعوام تستطيع زينب أن ترى زوجها وأباها فى نفس اللحظة .

ولأول مرة منذ 20 عاما ترى زوجها وأباها فى نفس المعسكر

ولأول مرة منذ 20عاما تستطيع ان تعيش ملتئمة العاطفة تأمن على زوجها وعلى أبيها فى نفس الوقت .



* الوفــاة *


لكن الأيام تأبى إلا أن تمنحها كثير هناء ، فلم تلبث إلا عاما واحدا فى هذه الأجواء ، واشتد عليها ألم بطنها الذى نشأ من سقوطها على الصخرة من فوق العير إثر دفعة هبار بن الأسود أثناء هجرتها ، فماتت رضى الله عنها فى أوائل عام 8 هـ ، ولم تر فتح مكة .

وحزن عليها رسول الله ، ووصفها بأنها ابنته التى ابتليت فيه وأوذيت فيه ، وصلى عليها ودفنت فى البقيع رحمها الله تعالى ، بعد حياة حافلة بالحب بينها وبين زوجها أبو العاص ، كما حفلت بالمعاناة .

رحمها الله تعالى .

ولدت لأبى العاص : على وأمامة ، وأمامة تزوجها سيدنا على بن ابى طالب بعد وفاة فاطمة رضى الله عنها .


والآن أود أن أسمع خواطركم حول هذه القصة .