الثلاثاء، يونيو 19، 2012

فاز مرسي وبقي أن يفوز الوطن!

الحمد لله حمدا كثيرا..

ربحنا هذه الجولة من المعركة، وفاز د. مرسي بمنصب الرئيس، وهذا ليس إلا سلاحا مهما في المعركة الطويلة مع دولة الاستبداد الراسخة منذ قرون، ودولة النخبة المتغربة الراسخة منذ مائتي عام، والدولة العسكرية الراسخة منذ ستين سنة!

الفخ الكبير هو أن يعتقد البعض أننا قد تحررنا، أو انتصرنا، أو أنهينا المعركة! وهذا ما اعتقده الإخوان زمنا بعد البرلمان حتى قال أحدهم في مجلس خاص "الدولة وقعت في حجرنا فجأة، ومش عارفين نعمل إيه".. ولم يكن يدري أنهم يلعبون به، وأنه لم ينل من الدولة إلا الجلوس على مقاعد البرلمان تماما كما نال عصام شرف من الوزارة الجلوس على مقعد رئيس الوزراء.

وتحت هذا العنوان، عنوان النصر، اتخذت قرارات في غاية السوء لا سيما تجاه الميدان والحركات الثورية، ثم لم تكن إلا أربعة أشهر حتى جاء قلم يكتب على ورقة ما أنه مجلس باطل فتتحرك دبابة لتغلق أبوابه لتقفز الدولة من "الحِجْر" الذي وقعت فيه فجأة!

***

لقد حاول المجلس العسكري ما استطاع التزوير لصالح شفيق، ولم يستطع، فسلك طرقا أخرى ليحاصر بها مرسي.. وما أكثر الطرق التي يمتلكها صاحب القوة والسلاح، وما أقل وأضيق الطرق التي يمتلكها الطرف الأعزل الضعيف!

1. حل البرلمان عبر ذراعه القضائي في المحكمة الدستورية العليا، وصدر الحكم الذي تطوع من عنده لا بالفصل في دستورية القانون (الذي وضعوه هم أنفسهم) بل بتطوير هذا إلى تفسيره وتقرير النتائج المترتبة عليه (في سابقة هي الأولى من نوعها).. ثم تطوع العسكر بإرسال عدد من الدبابات لتنفذ الحكم دون انتظار تفسيره من القضاء الإداري (صاحب الحق في التفسير) أو محكمة النقض (صاحبة حق الفصل في العضوية).. ودون استفتاء شعبي كما هو العرف المتبع في السوابق المماثلة، فتم تثبيت الواقع بقوة السلاح لا القانون!

2. ورغم أن العسكر لا يحق لهم إصدار إعلانات دستورية بل ولا حتى قانون، إلا أنهم أصدروا ما أسموه "الإعلان الدستوري المكمل" الذي هو في حقيقته "البيان رقم 1 مكرر من سلطة الانقلاب العسكري" ليسلب من رئيس الجمهورية سيطرته على الجيش، وحقه في إعلان الحرب، وليأخذ لنفسه سلطة مراقبة الحكومة وأدائها وتقرير الميزانية وتشكيل الدستور من صبيانه ثم حق الاعتراض على مادة كتبها هؤلاء الصبيان إذا لم تعجبه.. وكل هذا تحت عنوان قوة السلاح وحدها فهو خالٍ تماما من أي سند دستوري أو قانوني.

ثم يتساءل اللواء العصار واللواء شاهين وبراءة الأطفال في عيونهما "ويقولون إننا لا نريد تسليم السلطة؟!".. السؤال الوجودي الآن: أين يذهب الخجل؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يكذب في شيء وهو يفعله؟

3. ثم عين العسكر لجنة عسكرية في رئاسة الجمهورية، رئيسها كان موظفا رئاسيا كبيرا لدى حسني مبارك، تتحكم في الموارد والإنفاق، لتكون المكتب العسكري فرع رئاسة الجمهورية!

4. وأصدر قرارا بتشكيل مجلس دفاع وطني (11 عسكري + 5 مدنيين) لكي يحكم البلد من خلاله فعليا.. أي أنه فرض وثيقة السلمي التي سقطت بدماء بواسل "محمد محمود"!

5. وقام صَبِيَّان من صبيان العسكري (وهما ناصريان، والشيء من معدونه لا يُستغرب) بالترويج لأن الرئيس القادم لن يبقى أكثر من شهور معدودات لحين الانتهاء من كتابة الدستور فحسب (سامح عاشور للجزيرة الإنجليزية وحمدين صباحي لموقع أخبار مصر).. أي أن العسكر مستمرون معنا إلى ما شاء الله!

6. قضية عدم دستورية قانون انتخاب مجلس الشورى في الطريق إلى المحكمة، ودعوى حل جماعة الإخوان ومصادرة أموالها تأجلت إلى سبتمبر القادم.. وكما يقول البلطجي الشهير "هتروح مني فين؟!"

***

العسكر لا يمتلكون إلا السلاح فقط..

وهم يعانون نقصا مثيرا للشفقة في الشخصيات فضلا عن الزعامات، فأعضاء المجلس العسكري لا يحظون بأي احترام أو توقير إلا لدى العاملين عندهم، و"خبراؤهم الاستراتيجون" أفصحوا عن مواهب نادرة في مستوى الفهم والذكاء حتى لقد قال جلال عامر ساخرا "كنت ناوي اطلع خبير استراتيجي بس أهلي أصروا إني أكمل تعليمي"، وحتى مرشحهم للرئاسة الفريق شفيق ظهر نائما تائها يهذي بكلام غير مفهوم عن "الصف الصناعي الذي يؤدي إلى كراهة في بعض الأركان" وعن "الجزء الرجولي الذي يظهر بعد الدخول في الدولاب" (لا تحاول أن تفهم، ولا تظن أن هذه مبالغات.. راجع اليوتيوب لتسمعها بالصوت والصورة).

وعلى الجانب الآخر نجد أن العيب القاتل في الإخوان هو هذه الإصلاحية المعادية للثورية، وهو ما صار طبعا أصيلا محفورا مستقرا في النفسيات والسلوك.

ومن المؤسف الآن –كما هو المؤسف طوال العام ونصف الماضي- أن الثورية وحدها هي الطريق المناسب للتعامل مع السلطة القاهرة القائمة بقوة السلاح والتي لا تتحرك مليمتر واحد إلا إن شعرت بالتهديد.. لذا فمناخ مليونيات التحرير أصبح بالفعل كما يقول المثل –وأعتذر عن التشبيه مقدما- كالتقبيل الذي لا يمكن أن يؤدي إلى إنجاب!

التنازل ولو خطوة واحدة عن شرعية البرلمان يعني الخطوة الأولى في الدوامة التي ستأخذك من تلقاء نفسها إلى الهلاك (ثمة معلومات وردت من أكثر من مصدر أن الإخوان يفكرون في السكوت عن حل البرلمان.. أتمنى أن تكون المصادر كلها كاذبة أو خاطئة، ولكن بعض تصريحات قيادات وسيطة في مجالس خاصة وأحيانا وسائل إعلام لا تطمئن).. والسماح بضرب المؤسسة المنتخبة الآن بقرار محكمة هو ذاته السماح بضرب كل نتائج الانتخابات بقرار مثله (كما كان تمرير أول قرار فاسد للجنة الانتخابات الرئاسية هو تمرير لكل كوارثها فيما بعد).

الحل:

1. لا تنازل ولو خطوة واحدة عن شرعية البرلمان المنتخب.

2. لا توافق مع أذناب المجلس العسكري، فتجربة الشهور الماضية قاسية جدا.. ثمة من لا يصلح التوافق معهم أبدا، وثمة من لا بد من التوافق معهم والتعاون لتكوين الجبهة الوطنية المضادة للعسكر.

3. حرب صلاحيات الرئاسة والتي يجب أن تتم جميعها أمام الرأي العام بكل شفافية، فإن تجربة الغرف المغلقة قاسية جدا وهي حافلة بالخداع ونكث العهود وتبديل الكلام!

الثورية هي الحل.. جربوها ولو لمرة واحدة!

أرأيتم كيف غنمتم بتعديل قانون انتخابات الرئاسة في مادة واحدة؟! ولو كان في أكثر من مادة (كحصانة المادة 28) لكان الوضع أفضل كثيرا.. ثم أرأيتم كيف خسرتم بتأخير قانون السلطة القضائية؟! ها هو النائب العام أعطى المجرمين براءة ثم ها هم قضاة المحكمة الدستورية أصدروا قرار الحل!

***

إلى نفسي وإخواني ورفاقي في الفصائل الثورية:

نعم، لم نختر الإخوان لسواد عيونهم ولكن هروبا من وحش العسكر.. والمعركة مع العسكر لم تنته.. وتاريخكم يشهد بأنكم لن تكونوا منافقين للإخوان فأنتم لم تنافقوا لا مبارك ولا العسكر كما فعل كثيرون، فلا تقلقوا أن أحدا سيصمكم بنفاق الإخوان إلا إن كان راغبا في زرع الفتنة التي لن تصب إلا في صالح العسكر.

لا تقلقوا من الإخوان لا في ساحات الفن والإبداع والحجاب وما إلى ذلك (بل توقعوا أنهم سيتعرضون فيه تحديدا لحرب طاحنة تستهدف تحويلهم عن مسار المعركة مع العسكر) فهم لن يفكروا الآن أبدا في فتح هذه الملفات بل سيسعون لغقلها بما سيؤثر على علاقتهم بالإسلاميين أنفسهم!

أعطوهم مثل ما أعطيتم للعسكر من حسن الظن أول الأمر، ساندوهم أمام العسكر فإذا رأيتم منهم خطرا حقيقيا فعارضوهم.. المعارضة بذاتها ولذاتها ليست موقفا أخلاقيا!

وأنا على ثقة بأن الإخوان لو حازوا مثل ما حاز العسكر من ثقة أول أمرهم فإن هذا سيعود على الوطن كله بخير.. فالعدو الأكبر والأقوى والأخطر في هذه اللحظة ليسوا الإخوان بل العسكر!