الأحد، يونيو 10، 2012

الجولة الأخيرة في معركة الثورة المصرية

بأخطاء الجميع.. وصلنا إلى هذه اللحظة الأزمة!

الجميع أخطأوا وأوصلونا إلى هذه النقطة، ومن المستحسن ألا ينشغل أحد في هذه اللحظة بإلقاء اللوم على الآخر.. عمليا: معركة الثورة الآن وصلت إلى الانتخابات التي يتنافس فيها الطرفان الأقوى: الدولة العسكرية والإخوان المسلمون.

ظنت النخبة الفاشلة أن بإمكانها صناعة بديل ثالث، وخاضت لأجل هذا البديل معركتها بكل ما ملكته من أسلحة إعلامية لحساب تطويل الفترة الانتقالية وصناعة الأزمات وشيطنة الإسلاميين، وكان الحل الدائم أمامها اللجوء والتضرع إلى "أبانا الذي في المجلس العسكري".. ومن المؤسف أن هذه النخبة التي نشأت على ضفاف الاستبداد وبرعايته أخذت في طوفانها شباب الثورة المخلص الفقير سياسيا والذي ظن أن وقفته في ميدان التحرير وهتافه الصارخ صنعت ثورة كاملة، فأخذ يملي شروطه ويدخل في معركة لا يدري أبعادها، ويرى في الإخوان المسلمين والسلفيين أعداء مثلهم مثل العسكر.

وفي المقابل كان رد الفعل الإسلامي النظامي في غاية السوء، رأوا من النخبة العلمانية ما أفزعهم، ورأوا من العسكر ما طمأنهم، وصدقوا الخرافة القائلة بأن الشعب استيقظ ولن ينام مرة أخرى (وهذه خرافة ضد طبيعة البشر.. فلا توجد شعوب ثائرة طول الوقت) ما جعلهم يراهنون على أن الوقت في صالحهم ولا يدركون أن طول الفترة الانتقالية وخطوات العسكر خلالها إنما تعني الالتفاف على الثورة مرة أخرى.. استيقظوا متأخرا جدا جدا جدا!

الذين فهموا المجلس العسكري منذ البداية لم يكن لديهم القوة الكافية لتغيير مسار الأحداث، كانت قوة الدولة أكبر منهم وكانت جذور التيارات الإسلامية النظامية أعمق، ثم انشغلوا هم أنفسهم بالخلافات فيما بينهم، وتحت عنوان الثورية لم يكن لأحد أن يغفر لأخيه خطأ ارتكبه أو يعذره في موقف أو تصريح.. فزادت هوة الخلافات مع كل موقف!

***

لا بأس.. في السجون متسع لأن نناقش أخطاءنا ونكتب مذكراتنا ونتعلم مما أصابنا دروسا نرويها لأجيالنا الذين سنتمنى أن يتعلموا.. مثلما تمنى الذين كتبوا قبل نصف قرن أن نتعلم من تجربتهم فلم نتعلم.. بل إن الذين كانت الدروس سياطا على أجسادهم نسوا هم أنفسهم ما نزل بهم من دروس فكرروا ذات الأخطاء التي ارتكبوها في شبابهم!

ما المانع أن نكون واقعيين لمرة واحدة في نهاية هذه الجولة المريرة من الثورة؟!

لماذا يرفض البعض أن يعترف أن الحل العملي (أكرر: العملي) الوحيد الآن هو دعم محمد مرسي في الانتخابات أمام شفيق، فمهما كان الموقف من مرسي وفكره وتياره وسياسته فهو شريكنا في السجن والاضطهاد والتعذيب، وهو الآن أمام القاتل السجان الجلاد!

يريد البعض أن يقاطع أو أن يبطل صوته.. لا بأس، يمكنني أن أقضي الأيام والليالي استمع إلى الدوافع الوجيهة ووجهات النظر الرائعة، لكن الذي يسيطر على كل هذا أنها "دوافع" و"وجهات نظر" تحوم في عالم الفلسفة ولا تقدم حلولا عملية (أكرر لمرة أخرى: عملية)!

لا بأس أن تسجل موقفك بما تشاء من الطرق، وأن تعاقب مرسي وتياره بما شئت من مقالات وبيانات ووجهات نظر.. لكن الحقيقة التي يحسن ألا تنساها أنك لا تعاقب مرسي فقط، بل تعاقبه بالتمكين لشفيق –ممثل النظام المجرم- وهو ما يعني أنك تختار عقاب نفسك في مرحلة تالية.. إن المستبد لن يحترم أنك سجلت اعتراضك على منافسه فأبطلت صوتك أو قاطعت قبل أن يفكر في سحبك من البيت إلى السجن، ولن يكون عقابك لمرسي دافعا له أن يفكر قبل أن يهتك عرضك في أحد أقسام الشرطة!

نحن واقعيا بين اختيارين اثنين، ولقد ثبت منذ ظهور النتيجة عجزك عن تقديم أي فعل ثوري مؤثر.. حتى بعد أن أهدى الله لك واقعة الأحكام المستفزة على مبارك، لقد دخلت النخبة الفاشلة على الخط ووضعت الاشتراطات، وجاء البرادعي من الخارج، ثم اختلفوا وانفض جمعهم ولم يسفر عن شيء.. ليس هذا لأن الإخوان شياطين، بل لأن السياسيين في بلادنا فقراء في الفهم أو في الإخلاص، تضخمت نفوسهم حتى ود كل واحد منهم أن يصوغ الحال على هواه فإن لم يكن كما أراد استعلى عليه وبدأ في السب والشتم وقدم النصائح المتعالية ثم انصرف لا يلوي على أحد!

الواقع أنك لا تملك فرض البديل الثالث، يمكنك أن تعيش حالة الإنكار النفسي حتى يقتحم جنود شفيق بيتك، ثم يكون أكثر مناك وقفة عشرية أمام نقابة الصحفيين أو مقر النيابة العسكرية، ولا أكذبك: ربما يكون الأمل حينها منصبا على صفحة فيس بوك "فري فلان" أو هاشتاج على تويتر بنفس الاسم.

***

الانتخابات مزورة.. تجري في ظل المجلس العسكري.. اللجنة الفاسدة تتحكم فيها.. ستنتهي لصالح شفيق.. وإذن: فالمعركة محسومة ولا داعي لخوضها أو لإضفاء الشرعية عليها!

هنا يفوتك عدة أشياء:

1. الشرعية مضفاة عليها بالفعل، إن لم يكن بقوة النظام الذي يمتلك السلاح والإعلام، فبقوة من قرروا المشاركة.. لئن لم تستطع إقناعهم بحل المقاطعة وإبطال الصوت إلى الحد الذي ينسف فكرة المشروعية، فكن معهم في المواجهة.. لا تكن وجها آخر للنخبة التي تريد أن يسير الكون على هواها وإلا اعتزلوه!

2. تزوير الانتخابات يكون أصعب كلما كانت المشاركة الشعبية أعلى وأقوى وأكثر كثافة، فهذه المشاركة ليست مجرد أصوات بل هي تعبير عن اليقظة الشعبية واستعداد التيار العام لتقرير اختياره وحماية إرادته.

3. المجلس العسكري ليس إلها لكي يقول: "كن فيكون"، ولا حتى المجلس العسكري يستطيع الوقوف بقوة أمام تيار شعبي لديه الإصرار على إنجاز هدفه، ولو أنه يستطيع إنجاز ما يريد لما كنت ترى الآن انتخابات تجري بالفعل، بل هذه الانتخابات هي إنجاز ثوري تم انتزاعه بالقوة في محمد محمود!

4. اللجنة الفاسدة.. لقد ذهب ضحيتها أكثر من ثلاثمائة قتيل وعدد غير معروف من المصابين والمعتقلين في أحداث العباسية، من المؤسف أن كثيرا من الثوريين وكل النخبة الفاشلة والإسلاميين النظاميين كانوا ضدها لأنها أراحتهم من المنافس القوي "أبو إسماعيل".. بواقعية شديدة: كانت الأغلبية مع اللجنة الفاسدة وضد المرشح المظلوم وأنصاره ومن انتصر لهم، فوصلنا إلى الأزمة الحالية.. من الرجولة أن تدفع ثمن اختيارك إلى النهاية لا أن تنسحب في منتصف الطريق لتندد بأن اللجنة فاسدة.

5. المشاركة الشعبية العالية هي في حقيقتها فعل ثوري، أو تحضير لفعل ثوري في حال زورت الانتخابات.. المقاطعة أو إبطال الصوت هي من تساهم في تسهيل التزوير ثم ستساهم في تفتيت أي فعل ثوري ضد التزوير بمنطق "ألم نقل لكم" و"لو كنتم معنا لاختلف الأمر".

***

واقعيا: نحن في الجولة الأخيرة.. نحاول ما استطعنا ثم ننتظر رحمة الله تعالى.

فإن نصرنا الله فبفضله وعفوه وجبره لعثراتنا وزلاتنا وأخطائنا، وإن عوقبنا فبعدله وبأخطائنا.. وفي مصر متسع لمزيد من السجون والقبور! ليسجل التاريخ قصة ثورة أخرى فاشلة تحمل الشعار الخالد (قل هو من عند أنفسكم)