الاثنين، يونيو 18، 2012

علم لا ينفع يسفك الدماء

سئمت ومللت وكرهت أولئك الحرفيين! خاصة أولئك الإسلاميين الذين من المفترض أنهم يتبعون دينا عظمته كلها قائمة على المقاصد والغايات والمآلات والعلل.. وهو في جوهره يخالف تماما وجوهريا النمط الغربي القائم على السفسطة والفلسفة اليونانية التي صبغت القوانين اليونانية والرومانية وظلت سائدة في الفكر الغربي حتى الآن في القوانين الغربية..

في دراستي للفكر الاستشراقي كان ما أبهرني هم هؤلاء القانونيون المستشرقون الذين نظروا إلى هذا الجانب في الإسلام فانبهروا به وكتبوا في هذا دراسات رائعة..

إن من مصائب الدولة الحديثة التي ظهرت في بلادنا تحت الهيمنة الغربية هي وجود أولئك "الحرفيين" الذين يتمسكون بالحروف والمظاهر والتفاصيل حتى ولو كانت تدمر كل الحِكَم والغايات والمآلات.. وقد دفعت الشعوب أثمان هذا من أوراحها، ثم هم لا يرون بعد كل هذا أنهم أجرموا بل هم يطالبون بالمزيد من "احترام القانون والدستور"

قانوني كبير وإسلامي رفض أن يُلغى مجلس الشورى لحساب التسليم السريع للسلطة لأنه "يخالف الإعلان الدستوري".. انظر إلى نسيان الواقع وتدمير المستقبل والزيادة في طغيان الفرعون احتراما للقانون الذي وضعه الفرعون.

قانوني آخر إسلامي كبير رفض تماما دعوات إقالة النائب العام لأنه "مخالف للقانون".. وبقي النائب العام الذي أتى به الفرعون ليبرئ الفراعين وليمت الشعب بحسرته ولتذهب دموع الأمهات والزوجات والأبناء إلى الجحيم فداء لاحترام قانون الفراعين

قانوني آخر إسلامي كبير يرفض تماما مقاومة حكم المحكمة الدستورية العليا (ذات التشكيل الفرعوني) بحل مجلس الشعب المنتخب المعبر عن إرادة شعبية حقيقية لأنها رأت أنه قانون "غير دستوري".. ولتذهب كل مجهودات الناس واختياراتهم إلى الجحيم طالما أن قاضيا فاسدا يعمل حذاء للفراعين قرر أن هذا القانون مخالف لإعلان دستوري صادر عن الفراعين.

وقل مثل هذا في السياسيين.. ما أبعد السياسة والمهارة فيها عن "الأكاديميين" في العلوم السياسية.. ربما أكون أغبى خلق الله، ولكن أسوأ نقاش لرسالة ماجستير حضرته كان في كلية العلوم السياسية جامعة القاهرة عن الانتفاضة الفلسطينية.. ولا ريب عندي أن الفلسطيني لو سمع هذا النقاش لخر على وجهه من الصدمة.. إن الحق واضح أبلج بسيط لا يحتاج كل هذه التهويمات والألفاظ الفخمة والقواعد البيزنطية العقيمة..

أخبرني صديق أن أحد كبار الأكاديميين الإسلاميين في علوم السياسة كان يحاول إقناع الناس أن يتحاوروا مع عمر سليمان بعد تعيينه نائبا باعتبار أن هذا هو "السياسة التي تدرس في الكتب".. لقد كان الثوار أوعى بالفطرة وبساطتها ووضوحها من هذه العلوم التي أفسدت التفكير السوي حقيقة.

وقل مثل هذا عن الإعلامي الإسلامي الذي هو من أجل الموضوعية والحياد ينتهك الشرع بوضوح ويعتبر الظلم والقتل والإجرام رأي آخر واجب الاحترام!!

ومثل هذا عن كثير -بل الغالبية- من الشيوخ والفقهاء الذين تمتلئ أمغتهم بتفاصيل الروايات والأحكام وضوابطها وغرائبها وتكون أزمته الرئيسية في أنه لا يدرك الواقع أصلا لكي يفقه من حلاله ما هي الحكمة والغاية النهائية التي ينبغي أن يحققها من خلال التفاصيل والاختيارات الفقهية.

إن هذا وحده سبب رئيسي في استبداد الطغاة وبقائهم وطغيانهم.. لأن البوصلة الرئيسية تحولت من غاية "إقامة الدين" إلى غاية "الاستقرار".. فكانت الحسابات دائما تؤول إلى الاستسلام للطغيان ولو على حساب آلاف الدماء حفظا لاستقرار ملايين الدماء، ولو أن البوصلة كانت إقامة الدين لعلموا وفقهوا من التاريخ ومن الواقع نفسه أن الاستبداد هو الذي يهلك ملايين الدماء لحفظ الاستقرار لنفسه وحاشيته فقط!

ولم يحدث أبدا عبر كل التاريخ أن السماء أمطرت حكاما صالحين.. بل إن الاستبداد بعدما قتلنا وهو مستقر أسلمنا إلى الاحتلال ليقتلنا أيضا وهو مستقر حتى يمضي الزمن قبل أن تنشأ حركة المقاومة التي تعيد الأمور إلى نصابها.. فتكون النتيجة النهائية لا دماء حفظنا ولا دينا أقمنا ولا استقرارا أبقينا..

ما هذا يا قوم..

يا قوم ارجعوا إلى بساطة الفطرة والوعي الطبيعي للإنسان الطبيعي الذي لم تفسده كثرة التعقيدات العلمية العقيمة..

إن العقليات العظيمة نوعان: نوع بقي على الفطرة ولم يتخلص من البساطة فهو يبصر المشهد كما هو دون أن تغريه تفاصيله وزركشاته وزخارفه فهو يختار الطريق الصحيح لأنه يتعامل مع الحقيقة لا مع الزخارف..

وعقليات كبرى استطاعت أن تعبر حيز التفاصيل فهي تهضمها وتستوعبها لكنها لا تعلق بها ولا تقع في بئرها، بل تتحرك بها لتحقيق المقاصد والغايات النهائية.. وهؤلاء حتى في عالم المفكرين والفلاسفة نادرون! ثم هم أنفسهم بعد كل هذا العلم يتمنون "إيمانا كإيمان العجائز البسطاء"..

اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع..