الاثنين، يونيو 04، 2012

الدولة الأموية قبل الغروب

دراسة انهيار الدولة ضروري للأمم تماما كدراسة بنائها، ذلك أن سنن الله في خلقه لا تتغير ولا تتبدل، وأن الإنسان يكرر نفسه وسيرته عبر الأيام مهما اختلفت الظروف والأعراف والأحوال، وينتصب التاريخ معلما حكيما يرشد من يريد إلى خير السبل وأقومها، والتاريخ في هذا السبيل أفضل تفسير للقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، فهو الترجمة الواقعية لما ورد فيهما من آيات وأحاديث، ثم هو بعد ذلك حجة لهما عند من لا يؤمن بهما.

وننوي بإذن الله تعالى أن تكون مجموعة المقالات القادمة عن هذه اللحظات، لحظات غروب الدول، والمشهد فيها قبل انهيارها الأخير، وذلك لاستشعار الحاجة إليها عند القارئ المسلم المعاصر، كما سنحاول أن يكون المشهد مفصلا بما يحقق الحد الأدنى من المعرفة التاريخية غير السطحية، فلا هو كاستغراق الكتب والدراسات ولا هو في بساطة المقالات السريعة والقصيرة.. ونحسب أن هذا مما يُفتقد في الكتابة التاريخية المعاصرة.

ونبدأ بإذن الله في غروب الدولة الأموية عبر حوالي ثلاث مقالات، ثم نثني بسقوط الدولة العباسية القوية وابتداء عصر السيطرة العسكرية عليها في حوالي ثلاث مقالات أخرى، ثم بسقوط السيطرة العسكرية التركية وبداية السيطرة البويهية.. وهكذا إلى أن يشاء الله تعالى.

***

توفي هشام بن عبد الملك (125 هـ) آخر الخلفاء الأقوياء من بني أمية، وكان مُلزمًا بأن يكون ولي العهد من بعده ابن أخيه الوليد بن يزيد بن عبد الملك، ولم يكن الوليد على مستوى المسؤولية بل كان منصرفا للهو والعبث والمجون وشرب الخمر، وتفيض بعض المصادر في وصف مساوئ الوليد إلى حد لا يمكن تصديقه كما دافعت عنه كثير من المصادر المعاصرة التي وصل بعضها إلى تحميل كل المسؤولية لهشام بن عبد الملك ثم للعباسيين الذين أرادوا تشويه صورة الأمويين، والذي نطمئن إليه هو أن الوليد لم يكن على مستوى اللحظة مطلقا وأنه مُدان بالمجون والعبث والانصراف إلى اللهو وشرب الخمر وترك تدبير الأمور.

ولقد فكر هشام كثيرا في عزل الوليد عن ولاية العهد وصرفها إلى غيره، وكان ممن يؤيده في هذا الإمام الكبير محمد بن شهاب الزهري حتى عرف الوليد منه ذلك وجرت بينهما خصومات قال فيها الزهري: "ما كان الله ليسلطك علي يا فاسق"، وبالفعل شاء الله له ومات قبل ولاية الوليد، بل لقد تمنى المحدث المؤرخ ابن كثير أن لو نجح هشام في إقصائه عن ولاية العهد[1]، إلا أن هشاما لم ينجح وصارت الخلافة إلى الوليد بن يزيد.

استهل الوليد بن يزيد خلافته بالإسراف في إنفاق الأموال، وكانت الأموال كثيرة بفعل سياسة هشام بن عبد الملك الذي كان شديد الحرص على المال حتى لقد رُمِي بالبُخْل، فزاد الوليد في الأعطيات وزاد في الرواتب، وأعلن تخليه عن البخل الذي وصف به عمه هشام، وعن مجموعة من "الإصلاحات الاقتصادية"، ولم يدع أحدا يسأل حاجة من الأموال إلا أعطاها إياه، وقد قال الوليد شعرا وعد فيه الناس إن طالت خلافته بحياة مزهرة:

ضمنت لكم إن لم تعقني عوائق ... بأن سماء الضر عنكم ستقلع

سيوشك إلحاق معا وزيادة ... وأعطية مني إليكم تبرع

محرمكم ديوانكم وعطاؤكم ... به يكتب الكتاب شهرا وتطبع

ولم يعتدل أمره في الخمر واللهو بعد أن تولى الخلافة بل ظل على حاله وازداد حتى قال الطبري: "قد ذكرنا بعض أمر الوليد بن يزيد وخلاعته ومجانته وما ذكر عنه من تهاونه واستخفافه بأمر دينه قبل خلافته ولما ولي الخلافة وأفضت إليه لم يزدد في الذي كان فيه من اللهو واللذة والركوب للصيد وشرب النبيذ ومنادمة الفساق إلا تماديا وحدا تركت الأخبار الواردة عنه بذلك كراهة إطالة الكتاب بذكرها".

ومنذ اللحظة الأولى بدأ الوليد في البطش بكل من كان له رأي يوافق هشاما في خلعه من ولاية العهد، فحتى قبل أن يصل إلى دمشق أرسل بأن يُتحفظ على كل أموال هشام، كما عزل كل ولاة هشام الذين عرف موافقتهم على خلعه، وكذلك عماله على الشرطة والخراج والدواوين والرسائل والحرس وبيت المال والجند، ولا نجد للعلماء ذكرا في خاصة الوليد. وكان أقسى ما فعله الوليد هو بطشه بأبناء عمومته فقد جلد ابن عمه سليمان بن هشام بن عبد الملك وأهانه على مشهد من الناس، فبذر بذلك بذرة الانقسام في بيت الخلافة نفسه، فقد صار سليمان بن هشام بعدئذ واحدا من أبرز الشخصيات التي ساهمت في انهيار الخلافة الأموية، ولم يكتف الوليد بهذه العداوات التي بذرها قبل أن يتوطد سلطانه بل سعى في أخذ البيعة لولديه الصغيرين الحكم وعثمان بعد شهر واحد من توليه الخلافة وحين حذره الوزير سعيد بن صهيب من هذا سجنه ومات في سجنه، ثم جاءت الضربة القاضية حين أراد أن يستطلع رأي خالد بن عبد الله القسري شيخ اليمانية ووالي الكوفة من قبل، فلما نهاه خالد عن هذا سجنه بل وسلمه إلى عدوه القديم يوسف بن عمر –والي الكوفة الجديد، وكان بينهما عداء كبير- الذي ما إن تسلمه حتى سجنه وعذبه ثم قتله، فأضاف الوليد إلى أعدائه قبائل اليمانية. ثم أضاف إلى كل هذا انصرافه عن عاصمة الخلافة وإقامته في الأغدف[2] وترك إدارة الأمور بنفسه وقيامه بمهامه كخليفة.

أدى هذا كله إلى ثورة ناجحة على الوليد بقيادة يزيد بن الوليد بن عبد الملك، اجتمع فيها الغاضبون على الوليد من قبائل اليمنية وأمراء البيت الأموي وغيرهم، وتم التخطيط للانقلاب على الوليد، وبالفعل تمت السيطرة على دمشق والقبض على أنصار ورجال الوليد فيها وقتل بعضهم، ثم بويع فيها ليزيد بن الوليد خليفة، ومن دمشق سار جيش يزيد بن الوليد إلى الوليد وانتصر عليه، وقُتِل الوليد بن يزيد (جمادى الآخرة 126 هـ) بعد خلافة قصيرة مضطربة قلقة دامت سنة وثلاثة أشهر.

وبمقتل الوليد بن يزيد دخلت الدولة الأموية في مرحلة الانهيار؛ فلقد كانت هذه سابقة في الشام أن يخرج واحد من بيت الخلافة على الخليفة الذي بويع له وأن يصل الأمر إلى القتل، كذلك انتعشت آمال اليمانية باعتبارهم القوة الضاربة في هذه الثورة، ومعها زادت حدة العصبية في الشام بين القيسية واليمانية وصارت الخلافة في موضع المضطر لأن ينحاز إلى طرف ثم إن انحيازه هذا يزيد بدوره من حدة العصبية، ولقي مقتل الوليد اعتراضات من مناطق عدة، إذ ثار سليمان بن هشام بن عبد الملك في عَمَّان غير أنه لم يلبث أن عاد ودخل في الطاعة بعد أن استقدمه يزيد وأمنه وعفا عنه، ونشبت ثورة في حمص تطالب بالخلافة لولدي الوليد، وما نفعت معها رسائل الأمان حتى أخمدها جيش الخلافة بقيادة عبد العزيز بن الحجاج، ونشبت ثورة أخرى في فلسطين وفي الأردن فوجه لها يزيد ابن عمه سليمان بن هشام واستطاع بالإقناع والأمان أن يعيدهم إلى الطاعة، ونشبت ثورة في المدينة وطرد أهلها الوالي، وهكذا لم يهدأ الأمر من بعد مقتل الوليد حتى قال الذهبي في شأن يزيد: "ما مُتِّع ولا بلع ريقه".

وكان يزيد بن الوليد من خيرة خلفاء بني أمية وأعدلهم وكان يشبه بعمر بن عبد العزيز حتى قيل: "الأشج[3] والناقص خير بني أمية"، وقد لُقِّب بـ "الناقص" وذلك لأنه أنقص من مرتبات الجند الزيادات التي كان الوليد قد قررها لهم، إلا أنه ما لبث أن مات (ذي الحجة عام 126 هـ)، وعمره لم يتجاوز الأربعين، وقيل ست وثلاثون عاما، ولم يُمْضِ يزيد بن الوليد في الخلافة غير ستة أشهر، وعلى عدله وتقواه إلا أنه كان قَدَريًّا، ودعا الناس إلى القول بالقدر، قال عنه الشافعي: ولي يزيد بن الوليد فدعا الناس إلى القدر وحملهم عليه[4]، وفي هذا دليل على أن يزيد كان على غير ما هو معروف عن الأمويين من القول بالجبر[5]، ومما يلفت النظر أنه لم يجعل ولاية العهد في أبنائه بل ولا في أبناء الخلفاء الأقربين، بل كانت ولاية عهده لأخيه إبراهيم ومن بعده لعبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك أبرز قادة ثورته وقاتل الوليد بن يزيد، وهذا بتأثير من خواصه ممن على مذهبه في القدر[6].

***

استقرت الخلافة في يد القائد العسكري مروان بن محمد، ولئن حاولنا تصنيف الخلفاء الأمويين إلى مدنيين وعسكريين، فسنجد أنفسنا أمام أول شخصية عسكرية تذهب إلى منصب الخلافة في العصر الأموي، وهي الشخصية التي سيكون انهيار الدولة في عهدها كما سنرى في المقال القادم بإذن الله.

نشر في المركز العربي للدراسات والأبحاث



[1] ابن كثير: البداية والنهاية 10/3.

[2] كانت الأغدف هي المكان المفضل له، للصيد واللهو وما إلى ذلك.

[3] وهو عمر بن عبد العزيز، سمي الأشج لأنه أصيب بشَجٍّ في وجهه.

[4] الذهبي: العبر في خبر من غبر 1/124.

[5] يذهب بعض المحللين إلى أن اعتناق يزيد بن الوليد لمذهب القدرية إنما كان في جوهره مقاومة لموقف بني أمية الرافض لتولي أبناء الجواري للخلافة، فيزيد "كان ابن أمة فارسية ولم يكن له من المنزلة في الأسرة المروانية ما كان لغيره من أبناء الخلفاء من الحرائر العربيات فحُرم هو وإخوته وسواهم من الأمراء الأمويين من أبناء الأعجميات". انظر: د. علي الصلابي: الدولة الأموية 2/526، وهو ينقل عن: د. حسين عطوان: سيرة الوليد بن يزيد ص319.

[6] البلاذري: أنساب الأشراف 9/204، والطبري: تاريخ الطبري 4/270.