السبت، أكتوبر 08، 2005

صلابـة النفس الرقيـقة .

صلابة النفس الرقيقة .

ماكان أكثر عجبى لدى قراءتى كتاب ( ذكريات لامذكرات ) للأستاذ عمر التلمسانى المرشد الثالث لجماعة الإخوان المسلمين ، حين ذكر فى اول الكتاب طرفا من حياته الراقية ، ونفسه الرقيقة التى تهوى صوت العصاقير وتغريدات الطيور ، والأصوات الهادئة .

ثم ذكر فى حكايته لقصة محنته ، أنه ظل عشرين عاما لايرى زوجته لأنه معتقل ، ولايسمح لها بزيارته حتى لايؤذيها أحد جنود السجن ، حتى لما رآها بعد عشرين عاما ، سلم عليها وكأنها كانت معه بالأمس لئلا يشمت بهما الجندى الذى يحضر المقابلة .

هذه الرقة التى تتبدى فى كل حياة الرجل والتى كانت ابز سمات شخصيته ، وكانت أكثر ما يلفت نظر القريبين منه ، وفسر البعض انتشار الإخوان فى السبعينات بأن مرشدهم عمر التلمسانى يكسب برقته وحيائه قلب من يراه ويحادثه .. هذه الرقة كان يقابلها على الجانب الاخر صلابة عجيبة ، صلابة بلاحدود .

فهذا الرجل ظل فى السجن عشرين عاما متواصلة فى عهدى عبد الناصر والسادات ، ثم سجن فى عهد السادات ومبارك 3 سنوات أخرى ، وهو الذى بدأ حياته منعما مرفها ، كان يتقزز ان يركب قطارات الدرجة الثالثة ... كل هذه الظروف لم تستطع أن تنال من صلابيته شيئا ، وخرج من السجن كما دخل إن لم يكن اقوى يحمل نفس الفكرة ويجاهد فى سبيلها بلا كلل ولا ملل .

كيف تكون الشخصية بهذه الرقة وهذه الصلابة فى وقت واحد ؟؟؟؟؟؟
ظل هذه السؤال بلا إجابة عندى ، حتى عرفت الإجابة من الصيام .. كان يوما طويلا ، مجهدا ، شديد الحر ، ولم أتسحر ... وقد بلغ منى التعب والإجهاد مبلغه فى أول اليوم وأوسطه .

حتى إذا عدت للبيت بعد انتهاء الأعمال ، شعرت براحة بالغة ، وهدوء نفسى مريح ، واستقرار واطمئنان ربما لم أشعر به قبل ذلك ... وإلى جانب هذه الرقة التى أحسست بها فى نفسى ، كنت مستعدا لأقوم مرة أخرى فأؤدى أى عمل مجهد آخر دون أن ادرى لهذا النشاط سببا .

وكان بالفعل ، إذ أتانى طارئ نقلنى إلى سفر قريب وأنا مازلت على صومى .

حتى إذا انتهى الأمر ، أحسست كأنى جمعت فى نفسى هذه الرقة وهذه الصلابة فى آن واحد .
حينما تُقهر النفس بالجوع ، تتخلص من كثير من أطماعها وغرائزها المادية التى تجعلها أقرب إلى الحيوان الذى يتحرك بغرائزه ، والنفس طالما لم تحصل على الطعام مع وجوده أمامها ، لا تلبث أن تستعلى عليه وتتكيف مع عدم وجوده .. فإذا زاد على ذلك أنها مطالبة بأعمال مرهقة مجهدة ، تذمرت فى بادئ الأمر ، حتى إذا اعتادت على الأمر تكيفت معه أيضا .

فصارت لاتغريها شهوة ، ولاتعوقها عقبة .

لا أزعم أن نفسى وصلت إلى هذه المرحلة ، لكنى احسست بها فى ايام الصوم فعلا .
الدنيا تصغر فى عين الإنسان إذا استطاع أن ينتصر على شهواته وغرائز نفسه ، فيصير أكثر صلابة تجاه المغريات والمعوقات ... واكثر رقة تجاه الناس والأحياء .
ذلك لأن الدنيا ، لم تعد هى الأهم والأكبر والأعظم ... بل صارت وسيلة للوصول إلى الغاية الكبرى ... الجنة .

وطالما الأمر هكذا ... فلم الحرص عليها الذى يورث الغلظة والجفاء ، ولم التقاتل عليها الذى ينزع الرحمة والرقة ؟؟؟؟

كذلك : لم الضعف والذل الذى ينزع العزة ، ولم النفاق والخنوع الذى ينزع القوة والصلابة ؟؟؟

وعلى هذا : فمن اراد نفسا صلبة رقيقة ، فليكثر من الصيام .


كتبت فى 6/10/2005 .... 3 رمضان 1426