الخميس، أكتوبر 08، 2015

خريطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

ذكرنا في المقال السابق أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو نظام انفرد به الإسلام عن سائر المناهج الفلسفية الأخرى، وأنه هو نظام حماية المجتمع الإسلامي الذي يقيه من شيوع عوامل التفسخ والانهيار، فهو يشبه جرس الإنذار الذي ينطلق في المبنى حال حدوث الخطأ، وهو يكفل تماسك الأمة واهتمام أعضائها بأمر أنفسهم وأمر غيرهم. ولذلك كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سبب خيرية الأمة وشرطها.

وقد فاضت أقوال العلماء في القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال ابن حزم: "الأمر بالمعروف والنَّهي عن المُنكر فرضٌ على كُلِّ مُسلِم إن قَدِرَ بيده فبيده، وإن لم يقدر بيده فبلسانه، وإن لم يقدر بلسانه فبقلبه ولا بُدَّ، وذلك أضعف الإيمان، فإن لم يفعل فلا إيمان له"([1]). وقد "أجمع المسلمون -فيما ذكر ابن عبد البر- أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه، وإنه إذا لم يلحقه بتغييره إلا اللوم، الذي لا يتعدى إلى الأذى؛ فإن ذلك لا يجب أن يمنعه من تغييره، فإن لم يقدر فبلسانه، فإن لم يقدر فيقلبه"([2]). ويلخص ابن تيمية الأمر بقوله: "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل إنسان بحسب قدرته"([3]). وسمى الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر: "أطِبَّاء الأديان، الذين تُشفَى بهم القلوب المريضة، وتهتدي بهم القلوب الضالة، وترشُدُ بهم القلوبُ الغاوية، وتستقيم بهم القلوبُ الزائغة، وهم أعلامُ الهدى ومصابيح الدُّجى"([4]). وقد بلغ تعظيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شأنًا بعيدًا إلى حد أن قال بعض العلماء وهو الحصفكي الحنفي: إن "القائل لمن يأمر بالمعروف: أنت فضوليّ يُخشَى عليه الكفر"([5]).

ولا يسقط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى على من اختار العزلة عن الناس؛ ما دام قادرًا على الأمر والنهي، على أن الاختلاط بالناس -لا الانعزال عنهم- هو سبيل النبي r وصحابته والتابعين، وقد قَسَّم عبد الرحمن بن أبي بكر الحنبلي تاركي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى سبع طبقات ذَمَّهم جميعًا؛ هم:

1.    من تركه إيثارًا للدنيا على الدين، واستجابة لوسوسة الشياطين، بالخشية من وقوع الشر أو انقطاع البر؛ إذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر.
2.    من تركه خوفًا على ماله وذهاب جاهه وزوال حاله، فلا يتكلم رهبة من سقوط جاهه.
3.    من تركه لما للمنصوح من أيادٍ وفضائل عليه.
4.    من تركه ليحوز محبة الناس إذا رأى أن محبتهم له بسكوته أكثر.
5.    من تركه ليحوز مدح الناس وثنائهم؛ مما يرى أنه قد يذهب بالأمر والنهي.
6.    من تركه تكبرًا وعجبًا.
7.    من تركه زهدًا وانعزالاً عن الناس.

ثم قال "فهذه الطبقات كلها مذمومة، وبعضها شر من بعض"([6]).

كما لا يسقط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قلبيًّا أبدًا، بل تغيير المنكر بالقلب -وهي كراهته ورجاء زواله- هي أضعف الإيمان، وإنما يسقط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حال العجز، أو في زمان الفتنة الشديدة، أو حين يأتي آخر الزمان فتكثر الفتن([7])، أو حال وجود مكروه معتبر يقوم مقام العجز؛ كخوف القتل، وهلكة المال، لا سيما إن لم يغلب على الظن انتفاع المنصوح بهذا([8]).

وقد ثار خلاف طويل حول مدى الخوف المعتبر الذي يُسقط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما معياره، وهو خلاف يسعى لضبط حدود الأمر؛ فلا يتوسع الناس في ترك الأمر والنهي بذريعة الخوف، ولا يتوسعون في الجرأة؛ حتى يؤدي بهم الأمر إلى فتنة أو فوضى أو هلكة بغير انتفاع، ومن أجمع ما اطلعنا عليه في هذا الموضوع ما كتبه الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين، وهذا خلاصته وضعناها في نقاط:

أولاً: حالة اليقين

1.    إذا كان إنكار المنكر لا ينفع ويجلب ضررًا فلا يجب عليه الإنكار؛ بل ربما يحرم أحيانًا.
2.    إذا كان إنكار المنكر يزيله ولا يجلب ضررًا فيجب عليه الإنكار.
3.    إذا كان إنكار المنكر لا يزيله؛ ولكنه لا يخاف مكروهًا، فيستحب الإنكار لإظهار شعائر الإسلام، وتذكير الناس بأمر الدين.
4.    إذا كان إنكار المنكر يزيله؛ ولكنه يعود بالضرر عليه فهو مستحب، لما له من تأثير في رفع المنكر، أو في كسر جاه الفاسق، أو في تقوية قلوب أهل الدين.

ثانيًا: حالة الظن

إذا غلب عليه الظن أن يصيبه مكروه، أو أنه لا تفيد حسبته؛ فالظن الغالب في هذه الأبواب في معنى العلم:

1.    إن كان غالب ظنه أنه لا يفيد (في إزالة المنكر)؛ ولكن يحتمل أن يفيد، وهو مع ذلك لا يتوقع مكروهًا فالأظهر أنه واجب؛ إذ عموم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تقتضي الوجوب بكل حال، ونحن إنما نستثني عنه بطريق التخصيص.
2.    وإن كان غالب ظنه أنه يصاب بمكروه لم يجب (عليه إزالة المنكر)، وإن غلب (على ظنه) أنه لا يصاب وَجَبَ (إنكار المنكر).
3.    ومجرد التجويز لا يُسْقِط الوجوب، فالأصل (في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) الوجوب بحكم العمومات، وإنما يسقط بمكروه، والمكروه هو الذي يظن أو يعلم حتى يكون متوقعًا.

ثالثًا: معايير قياس الضرر

1.    فإن قيل: فالتوقع للمكروه يختلف بالجبن والجراءة. قلنا: التعويل على اعتدال الطبع وسلامة العقل والمزاج، وعلى الجبان والجريء دفع الجبن والتهور عنهما بالعلم وبالاجتهاد في اكتساب الشجاعة والاتزان.
2.    فإن قيل: فالمكروه المتوقع ما حده؟! فإن الإنسان قد يكره كلمة وقد يكره ضربة وقد يكره، وما من شخص يؤمر بالمعروف إلا يتوقع منه نوع من الأذى. قلنا: مطالب الخلق في الدنيا ترجع إلى أربعة أمور: العلم والصحة والمال والجاه، ويكره في هذه الأربعة أمران: زوال ما هو حاصل موجود، وامتناع ما هو منتظر مفقود.
-       فأما امتناع ما هو منتظر مفقود، وهذا ينبغي ألا يكون مُرَخِّصًا في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
-       وأما زوال ما هو حاصل موجود: فالعلم لا سبيل إلى سلبه وهذا من شرف العلم، وأما الصحة (التي تذهب بالضرب المؤلم أو القطع أو القتل)، والثروة (التي تذهب بنهب البيت أو هلاك المال الكثير)، والجاه (الذي يذهب بالإهانة والتعيير الشديد)، فلا يجب الإنكار في هذه الأحوال؛ وإن كان يُستحب له ذلك؛ إذ لا بأس أن يفدي دينه بدنياه.

ولو تُرِكَت الحسبة بلوم لائم أو باغتياب فاسق أو شتمة وتعنيفه أو سقوط المنزلة عن قلبه وقلب أمثاله لم يكن للحسبة وجوب أصلاً؛ إذ لا تنفك الحسبة عنه، وقد دلت العمومات على تأكد وجوب الحسبة، وعظم الخطر في السكوت عنها، فلا يقابله إلا ما عظم في الدين خطره والمال والنفس والمروءة قد ظهر في الشرع خطرها، فأما مزايا الجاه والحشمة ودرجات التجمل وطلب ثناء الخلق فكل ذلك لا خطر له([9]).

ولم يكن الغرض من هذا النقل ضبط المسألة، وإنما إثبات معنى المسئولية الشاملة التي يقوم بها المسلم، ولا تسقط عنه إلا في حالات قاهرة نادرة، تجاه المنكرات، ومتى يمكن أن يُعذر إن لم يقم بها، وقد رأينا عمومها وشموليتها بما لا يُعرف في فلسفة أخرى على الإطلاق، وبما يجعل المسلم متحملا لمسؤولية عظمى جديرة أن تغير نظرته إلى نفسه وحياته ومهمته وغاياته.

نشر في ساسة بوست



([1]) ابن حزم: المحلى 8/423.
([2]) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 4/48.
([3]) ابن تيمية: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص15.
([4]) ابن تيمية: جامع المسائل 5/237.
([5]) ابن عابدين: حاشية ابن عابدين على الحصفكي (رد المحتار على الدر المختار) 5/106.
([6]) ابن داود الحنبلي: الكنز الأكبر ص282، 283.
([7]) ومما يلاحظ هنا أنه قد وُجِد في كل زمان من رأى زمانه آخرَ الزمان، ورأى فيه اشتداد الفتن وأفتى لنفسه أو لغيره بالاعتزال وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم جاءت أزمنة بعده بما هو أشد بكثير مما كان في زمانه، فوجدت أقوامًا آخرين يرونها أزمان الفتن.. وهكذا، ونحسب أن هذا مما ينبغي ألا يؤخذ فيه بقول الفرد، وإنما يفتي به جماعة من العلماء في المجامع الفقهية أو نحو ذلك، فكم جرَّ هذا التصور على الأمة من البلاء؛ إذ الفساد ينتشر وبعض الصالحين يفتون أنفسهم بالعزلة والانعزال.
([8]) خالد السبت: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص108 وما بعدها.
([9]) الغزالي: إحياء علوم الدين 2/319 وما بعدها باختصار.