الأحد، أكتوبر 18، 2015

المصائب المستترة في وثيقة العشرة

وصلت لي نسخة من "وثيقة العشرة" التي أعدتها بعض الأطراف تصورا منها أنها حلٌّ للأزمة القائمة في مصر، وسنتجنب هنا كل ملاحظاتنا عمن أعدوها وشخصياتهم ومؤهلاتهم لهذا وأهدافهم من ورائها، فننظر فيها وكأنها صادرة عن منتهى حسن النية وغاية الإخلاص.

1. فلسفة الوثيقة والروح المهيمنة عليها بعيدة تماما عن أي نهج ثوري، فثمة تجنب تام لوصف النظام الحالي بأنه انقلاب أو أنه نظام عسكري، هي إذن أقرب للمعارضة منها للثورة، لا سيما وهي تتعامل مع مؤسسات الفساد والاستبداد باعتبارها "مؤسسات الدولة، ملك الشعب... إلخ".

ولغة الوثيقة غارقة في العموميات والألفاظ الفضفاضة وشعارات أقرب للعاطفية والشاعرية منها إلى الواقع، ولذلك فهي تتناقض أحيانا كقولهم في البند السادس "نبذل كل جهد لتحقيق مصالحة عامة بين كل أطياف الشعب المصري وفئاته ومؤسساته دون استثناء مع التزامنا بإنه لا تصالح مع نظام القمع والفساد"، فلو سلَّمنا بأن التصالح لا يشمل نظام القمع والفساد فكيف يصحُّ القول "مع كل فئاته ومؤسساته دون استثناء"؟!.. وهل أوردنا المهالك إلا هذه الفئات التي ترى نفسها فوق البشر وهذه المؤسسات التي شرعنت بحور الدماء: إعلاميا وقانونيا وإعلاميا؟! هذا فضلا عن مؤسسات القتل نفسها!

2. لا يزعم أحد من أصحاب الوثيقة أو واضعيها بأنه يملك ضمانة من أحد أن يتغير المشهد السياسي حال تم التوافق عليها، لا أطرافا داخلية أو إقليمية أو خارجية، وإنما غاية ما يُقال –مع استبعاد كل مداخل سوء الظن- أن واضعيها يتوهمون أن توافقا جديدا يمكن أن يعيد لحظة يناير من جديد، فإذا تجاوزنا الآن عن  كون هذا التصور وَهْمٌ وخيالٌ بعيد، فإن المشكلة الواقعية أنه ينقل المعركة من كونها بين الثورة والعسكر إلى داخل معسكر الثورة نفسه بين مؤيد للوثيقة ومعترض عليها ومتحفظ على بعض ما فيها.. فيبدأ الأمر من اختلاف الرأي حول ما جاء في الوثيقة وينتهي بالتراشق المتبادل ثم بإلقاء كل طرف مسؤولية فشله على طرف آخر.

بينما أصل الفشل على الحقيقة هو في مبدأ ومنطلق هذه الوثيقة، فلئن كان البعض ينتظر وثيقة كهذه لكي ينضم إلى الثورة فإن الثورة غنية عنه لأنه انتهازي بلا مبدأ لم يحركه بحر الدم وظل ينتظر وثيقة تضمن له مكاسب مستقبلية. ولئن كان ثمة ضمانات خارجية أو داخلية بتغيير المشهد فإنهم إنما سيفعلون هذا لمصالح تتحقق لهم ولا يكون التوافق على هذه الوثيقة –في أحسن أحواله- إلا مشهدا يشرعن الجريمة الجديدة (تماما كمشهد انقلاب 3 يوليو في جمع المجرمين والأغبياء لتجميل انقلاب عسكري).

أي أن غاية ما تبلغه الوثيقة حال نجاحها أن توفر مشهدا يشرعن جريمة جديدة في حق الشعب، وأقل ما تبلغه حال فشلها أن تثير الارتباك في صفوف معسكر معارضي الانقلاب فوق ما فيه أصلا من مشكلات.

3. تقوم الوثيقة على أساس أن الثورة المصرية لم يكن لها هدف سوى "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، وليس هذا بصحيح، بل إن إلصاق هذا الهدف بالثورة المصرية هو من آثار وسائل الإعلام التي يسيطر عليها العلمانيون (الليبراليون واليساريون معا)، في حين أن الثورة امتلأت بالهتافات والشعارات، لكن جرى التركيز على هذا الشعار بُغية علمنة الثورة وتجريدا لها من هويتها الإسلامية! صحيح أن الثورة لم يشارك فيها الإسلاميون وحدهم لكن الصحيح أيضا أن الإسلاميون كانوا عمادها وصلبها، والصحيح الأهم من ذلك كله أن إرادة الشعب الثائر اختارت الإسلاميين في كل محطاتها: الاستفتاء، مجلس الشعب، مجلس الشورى، الرئاسة، الدستور.. وكفى بهذه الاستحقاقات دليلا على أن الشعب أراد أن تسير ثورته إلى الإسلام.

ومن هنا، فمن أراد الدفاع عن الثورة حقا فإنما يجب عليه أن يدافع عن اختيارات الشعب وإرادته وإن خالفت توجهه وهواه، وإلا فهو يمثل وجها آخر للعسكر الذين يصادرون إرادة الشعب لحساب مصالحهم ورؤاهم، إلا أن أولئك يملكون السلاح والمذابح، وأولئك لا يملكون مثلها.

4. وُضِعت كلمة، لا أرى لها وصفا إلا أنها "خبيثة" (وهذا غاية ما استطعت من تهذب في اختيار اللفظ) في البند الثامن، الذي جاء فيه: "لا يملك أحد الحق في إهدار ما نتج عن الإرادة الشعبية في انتخابات نزيهة، مع التسليم بحقيقة إن الشعب هو صاحبُ إرادةٍ متجددةٍ".. فالقول بأن للشعب إرادة متجددة هو محاولة نسف وتضييع ما نتج عن الإرادة الشعبية سابقا، كأنه يقول: نعم كانت لكم شرعية لكن لا أحد يدري ماذا يريد هذا الشعب الآن، فكما تعرفون الشعب متقلب المزاج وإرادته متجددة ولعله يريد الآن شيئا جديدا!

وصف "الإرادة المتجددة" هذا وصف في غاية الخبث، على أنه –وكما ألزمت نفسي بالتعامل بغاية حسن النية مع النصوص- لو صحَّ هذا، فليكن النضال في إعادة الشرعية السابقة أولا، إعادتها كاملة غير منقوصة، ثم بعد ذلك يقرر الشعب ما إذا كان مزاجه قد انقلب أو لم ينقلب بعد من خلال انتخابات أخرى نزيهة!.. هذا جواب المنطق السليم.

أما جواب الواقع فهو أن المسألة قد تجاوزت هذا المنطق بكثير ولم يعد ثمة من يفكر في صلاحية الانتخابات كوسيلة لتحديد اختيار الشعوب والحفاظ عليها في ظل تحالف عسكري اقتصادي داخلي وخارجي يتآمر فيه الجميع على إرادة الشعوب، ليحتفظ بها عبيدا وأسرى، فإن أبَوْا العبودية فلتبدأ آلة القتل في الدوران بلا رحمة.

5. وخروجا من "مأزق الشرعية" تقترح الوثيقة مجلسا رئاسيا يدير حكما متعدد الأطراف يبدأ باستفتاء على خطوات حكمه لفترة كافية، وتفترض الوثيقة أن الشعب سيوافق، لتبدأ مرحلة حكم تشاركي توافقي يديره كل الأطراف يحقق أحلام الجميع في: إقامة عدالة انتقالية ناجزة، وإصلاح الاقتصاد، وإصلاح مؤسسات الدولة بجعلها محايدة ومحترفة، وتقديم الشباب لمواقع القيادة، وإنهاء الاستقطاب بين فئات المجتمع، ووضع أسس العدالة الاجتماعية، ومراجعة القوانين، وحماية الحقوق والحريات.. باختصار: تفترض الوثيقة أن فترة الحكم التشاركي هذه ستحقق كل الأحلام والأمنيات.

وبعد هذه الفترة من "الديمقراطية التشاركية" تأتي فترة يمارس فيها الشعب الوسائل الديمقراطية لكن بشرط ألا يأتي للحكم أغلبية تصنع القرار بل لا بد أن تكون النتيجة ديمقراطية تشاركية أيضا (لا أدري هل سيخترعون نظاما يجعل الشعب يختار رغما عنه تركيبة متوازنة؟ أم سيجبرون الجميع من قبل الانتخابات على القسم والتوقيع على وثيقة تفيد تنازله إن حاز الأغلبية لشركائه؟).. المهم أن هذه الفترة هي "فترة تدريبية" للشعب لكي يستعمل فيها الوسائل الديمقراطية لكن بغير ديمقراطية حقيقية.

ثم بعد هاتين الفترتيْن: الديمقراطية التشاركية، والديمقراطية "الشكلية" (وهذا الوصف من عندي) تأتي مرحلة الديمقراطية التنافسية التي يجوز فيها للشعب أن يختار من يمثله، ويجوز فيها للفائز أن ينفذ برنامجه!

والحق أني أجد صعوبة كبيرة في التعليق على هذا البند الذي هو خلاصة الوثيقة وصلبها:

- فهو أولا مثالي خيالي يفترض قدرة "شركاء متشاكسون" على تحقيق كل الأحلام، ولا تتعرض الوثيقة إطلاقا لسبل التعامل مع تحديات الداخل والخارج، ففي الداخل أطراف موتورون لا يحبون الديمقراطية من فئات ومؤسسات لا سيما وهذه المؤسسات تمتلك السلاح والمال وتقعد على عرش الحكم وتحتكر أضابيره ودهاليزه منذ ستين سنة. وفي الإقليم مستبدون وملوك لا يحبون الديمقراطية ولا انتشار عدواها ومستعدون لدفع كل ميزانيات دولهم لئلا تقوم للديمقراطية في مصر قائمة. ومن ورائهم وضع دولي لا يحب للديمقراطية إلا أن تأتي بأناس على هواه وله في بلادنا مصالح ومنافع تتعارض مع أصول التحرر الوطني والاستقلال السياسي والاقتصادي.. فكيف سيدير "شركاء متشاكسون لم ينجحوا في التوافق من قبل ونعجز حتى الآن عن جمعهم على وثيقة مكتوبة" دولة في مثل هذه الحال؟ فضلا عن قدرتهم على تحقيق كل هذه الأحلام السعيدة التي لو تحققت أساسا لم يكن ثمة مبرر للثورة ولا للديمقراطية ولا لأي مرحلة بعدها.. فطالما نستطيع صناعة كل هذا من خلال شركاء متوافقون فما حاجتنا للديمقراطية؟!

- وهو ثانيا ديكتاتوري استبدادي يستبعد الشعب من كل مراحله ويجعله دائما في موقع المفعول به أو الخادم الذي يتلقى الأوامر وعليه أن يسمع ويطيع لا أنه مصدر السلطات الذي يختار ويقرر.. حتى لو صبغنا كل هذا بألفاظ ناعمة وصيغ توافقية.. وهذا المنهج يذكرني بفلاسفة المدينة الفاضلة، كل منهم يتصور صيغة بعينها للمدينة الفاضلة التي يعيش الناس فيها سعداء، ثم هو يسعى لتطبيق رؤيته هذه –ولو من خلال القهر إن استطاع- دون أن يسأل أحدا: ما رأيه في هذا التصور؟ وهل هذا التصور سيجعلهم سعداء حقا أم لهم فيه رأي آخر؟.. حتى لقد قالت ماريا لويزا برنيري –بعد بحثها المستفيض في تصورات المدينة الفاضلة- بأنها في الحقيقة مدن ديكتاتورية احتكر الفلاسفة صناعتها وحاول من استطاع منهم إجبار الشعب على القبول بها، ولقد دعا هذا فيلسوفا كبيرا مثل علي عزت بيجوفيتش ليقول بأن أفضل المدن الفاضلة ستكون معسكرات الجيش حيث يتمثل فيها الانضباط الكبير واختفاء الرغبات الفردية والميول الشخصية!!

هذه الوثيقة تمثل هذه الصورة الفلسفية، ولذا ستجد بعض أفرادها في مجالسهم الخاصة يحتقرون ويتكلمون بالسوء عمن لا يوافق على هذه الوثيقة من شركاء الثورة الذين لم يتخلوا عنها يوما، فيصفونهم بالمزايدة والسطحية والهمجية والحمق والرعونة والاندفاع... إلخ!

هذا فضلا عن الغموض الكبير والمصطلحات الفضفاضة الغائمة وانعدام أي تصور عن الوسائل.. إنها تشبه موضوع تعبير يكتبه طفل صغير يتمنى فيه أن يسود السلام في مصر! ليس فيها فوق ما يستطيعه الطفل الصغير من تصورات حالمة!


وهذه –ولمرة أخرى- قراءة تفترض في الوثيقة وواضعيها وداعميها منتهى الإخلاص وحسن النية وسلامة الغرض.