الأحد، أكتوبر 04، 2015

دعم المقاومة أو تسليم العروش

كان الغرض من سلسلة "خلايا القرامطة النائمة في الخليج" والتي سردناها على خمسة أجزاء (ج1، ج2، ج3، ج4، ج5) أن نستذكر منها عددا من الدروس لواقعنا المعاصر الذي استيقظت فيه خلايا القرامطة الجدد، وقد صارت لهم دولة فتية ذات مشروع نووي، أحاطت ببلاد الجزيرة شمالا وشرقا وجنوبا ولا تُخفي أنها تستهدف قلبها: الحرمين الشريفين.

(1)
درس استنبات الهوية

لقد سلك قرامطة الأمس طريقا إلى إلحادهم وفجورهم من مدخل التشيع، حب آل البيت ونصرتهم والحزن على ما نزل بهم، ومن هذا الباب فتحوا لأنفسهم قلوب الناس الذين يأمرهم دينهم بحب آل البيت، فلما أن استكثروا من الأنصار واستحكمت هيمنتهم على القلوب لم يكن أتباعهم إلا كالعميان المُساقين، وهم هم ذات الأتباع الذين يقتلون آل البيت وينتهكون حرمة نسائهم!

إن التجربة الإيرانية المعاصرة في مقابل التجربة العربية العلمانية المعاصرة تثبت لنا أن هذه الأمة لا مدخل لها سوى الإسلام، وإن محاولة استنبات هوية أخرى هي محاولة فاشلة محكوم عليها بالبوار. وانظر كيف استطاعت إيران أن تثير التشيع وتدخل إلى الشعوب والمجتمعات العربية والإسلامية من باب آل البيت وحبهم والنصرة لهم، ثم لم تبخل في هذا الباب بالأموال ولا بالدعاة حتى صنعت لنفسها نفوذا واسعا وعميقا في البلاد العربية، وصل بها الحال إلى أن تحتوي تحت عباءتها أربع عواصم عربية: بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء.

بينما باءت كل المحاولات العلمانية العربية في سحب الأمة من دينها، رغم أن حجم الأموال المبذولة والآلة الإعلامية الجبارة وطول الزمن أضخم بكثير –وبما لا يُقارن- بعمر التجربة الإيرانية وإمكانياتها، ولذلك لم يصنع واحد من حكام العرب برغم طول أعمارهم في الحكم من صناعة نفوذ له يمكن أن يقارن بنفوذ الخميني أو الخامنئي.

إن محاربة هوية الأمة والاصطدام بها إنما هي محاولة فاشلة، وغاية ما صنعته أن انفصلت النخبة في البلاد العربية عن الشعوب وما إن تلوح في الأفق انتخابات شبه نزيهة أو ثورة شعبية أو حركة تغيير إلا وتختار الشعوبُ الإسلاميين: ممثلي هويتها.

بينما يمكن النفوذ إلى هذه الشعوب إذا أُحسن الدخول لها من مدخل إسلامي، وإن لم تكن الأغراض إلا أغراض الاحتلال والهيمنة والنفوذ.

وهنا تطل الحسرة برأسها مع السؤال القديم المقيم: وماذا على الحكام العرب لو التصقوا بأمتهم وهويتها، فدافعوا عنها وحافظوا عليها، فارتفعوا بها واحتموا بها، وكان لهم من البطولة في الدنيا ومن المجد في صحائف التاريخ ومن الثواب في الآخرة (إن أخلصوا) ما لا يحوزون شيئا منه إذ التصقوا بعدو الأمة وكانوا ذراعا له في مصادمة هوية الأمة وإخراجها من دينها؟!!

إن أصحاب الأقلية المذهبية، الذين منذ نشأت دولتهم وهي في حرب أو حصار، قد استطاعوا صناعة مجال من النفوذ والهيمنة حتى صاروا قوة إقليمية مثيرة للمخاوف وقادرة على التأثير في موازين المنطقة.. فكيف لو بذل حكام أهل السنة مثل ما بذلوا، وهم ذوي الأموال الغزيرة –بما أنعم الله عليهم- والنفوذ الروحي الواسع –لا سيما بلاد الحرمين- شيئا في هذا السبيل؟!

(2)
اليمن.. الثمرة الناضجة منذ زمن

إن المأساة الجلية أن إيران لم تجد نبتة متشيعة إلا ودعمتها بالأموال، حتى إن كثيرا من تجار الأموال اتخذوا التشيع حرفة في عدد من المناطق جذبا للمال الإيراني وقد نجحوا.. بينما لم يجد حكام العرب نبتة سنية إلا وصبوا عليها جام غضبهم واستعملوا كل ما في نفوذهم لخلعها واستئصالها ودفنها!! بل كلما ازدادت هذه النبتة قوة وبدا أنها عصية على الاستئصال كلما ازدادوا في حربهم عليها وإنفاق الأموال والنفوذ لإنهائها، ويمكن ضرب المثل بحركة حماس كمثال شديد الوضوح في هذا الباب.

وأوضح منه نموذج الثورة المصرية التي جاءت بمحمد مرسي رئيسا، وما كان مثله محتاجا إلى العون ثم ما كان مثله ليدافع عن مصالح العرب والمسلمين انطلاقا من الدين واعتمادا على إمكانيات مصر الكبيرة، إلا أن سوء النظر والتدبير دفع إلى إسقاط مرسي والإتيان بالسيسي الذي لم يساوم فقط على الأموال، بل يساوم بالعلاقة مع إيران أيضا!

واليمن.. الثمرة الناضجة منذ زمن! فقد انتظرت أمدا طويلا حتى قطفها الإيرانيون! إذ لم يكن خيرٌ لحكام العرب –لا سيما الخليج- من دعم ثورة اليمن وقطع الطريق على النفوذ الإيراني الذي تسلل إليها منذ عقدين فصنع فيها الحالة الحوثية، لكن سوء النظر والتدبير دفع إلى إنشاب الحرب على ثورة اليمن حتى إخضاعها وإفشالها على طريقة المبادرة الخليجية، وإسباغ الحماية على مخلوع اليمن ونظامه الذي تسللت إيران في عقر داره، بل بلغ الأمر إلى أن تدعم دول الخليج الحوثيين بعدما ساقهم سوء النظر والتدبير إلى أن الإخوان المسلمين أخطر منهم!!! ثم التف مخلوع اليمن عليهم وتحالف مع الحوثيين حتى جاءهم بإيران من الجنوب من بعد ما سيطرت إيران على الشمال وتكاد أن تهيمن على الشرق أيضا.

ليس اليمن كغيره من البلاد، إن موقعه الجغرافي شديد الخطورة، بتحكمه في مضيق باب المندب، وفي تواصله مع القرن الإفريقي وهو مساحة نفوذ مفتوحة وحرجة وثمرة أخرى تنتظر من يسبق إليها ويبسط هيمنته عليها، وأهل اليمن وحدهم يساوون تعداد الخليجيين معا، ثم طبيعته الجبلية الوعرة، كذلك طبيعته القبلية العريقة، واحتياجه ليد العون ماليا وعلميا وسياسيا.. لقد كان اليمن ثمرة تنتظر من يسبق إليها، وما كان أقرب إليه من دول الخليج.

لكن الذي حصل أن إيران نفذت إليهم من خلال دول الخليج، واجتذبت من أطرافه البعيدة من تَبَنَّتْه ودعمته وغيَّرت به مشهد اليمن ونفوذها فيه، ثم انقلبت مزايا اليمن تحديات تواجه دول الخليج ومن ورائهم باقي بلاد العرب.

وهكذا خسر العرب في سنتين فحسب مصر واليمن، ويا لها من خسارة لا تقدر بثمن!!

(3)

فهل فات الوقت؟

الحق أنه قد فات الكثير منه، ذلك أن خسارة لبنان –لصالح حزب الله- والعراق واليمن ومصر لهو من أشدَّ ما يمكن أن ينزل بالمصلحة العربية والإسلامية من كوارث.. إلا أنه قد بقي من الفرصة آخرها!

فإن لم يكن من قرار بدعم المقاومة في سائر هذه الأنحاء، فهو على الحقيقة قرار بتسليم العروش!

إن المقاومة هي خطوط الدفاع الأولى عن هذه العروش العربية، والخليجية تحديدا، ولن يبقى في العروش أحد بعد انهيار المقاومة إلا من يرضى بالخيانة الكاملة والعمالة التامة لمصالح عدوه، ثم هو بعد هذا رهين الرغبات: إن شاء العدو القوي أبقاه وإن شاء خلعه فقتله أو نفاه. أو هو رهين ميزان المصالح والتحالفات، فإن اختلفوا مدَّ ذلك في عمره وإن اتفقوا انتهى أجله.. وهو في كل الأحوال مرهون بما يستطيع تقديمه من خدمات وأثمان لقاء بقائه في عرشه، فإن وصل به ضعفه إلى أن صار لا يملك أن يدفع أكثر أو ظهر من منافسيه من يعرض أن يفعل أحسن منه وأكثر فقد انتهى أمره أيضا!


لقد فات الاختيار الذي تعرض له المعتمد بن عباد "رعي الإبل خير من رعي الخنازير"، فلقد كان هذا أيام الربيع العربي.. لم يعد الآن اختيارا، بل صار رجاءًا!!