السبت، أكتوبر 17، 2015

في ذكرى ميلاد البنا.. الكلمات لا تموت

تمر بنا هذه الأيام ذكرى ميلاد الإمام الشهيد حسن البنا، رجل الإسلام الكبير، ومجدد الإسلام في زمنه، ومؤسس جماعة الإخوان المسلمين التي حملت راية الإسلام في أرض العرب وغير قليل من أرض العجم وأثمرت عددا هائلا من العلماء والفقهاء والمجاهدين والعاملين للدين في كل مجال. ومهما كان الرأي الآن في مسيرة الجماعة وهي في زمن الكهولة فلا ريب أنها في شبابها ورجولتها كانت دفقة هائلة للمد الإسلامي وقامت على حراسة الشريعة والنفاح عنها، ثم مهما كان الرأي في الجماعة كلها فإن حسن البنا نفسه ممن حاز على اتفاق رجال الإسلام العاملين حتى لا يكاد يقع فيه إلا مشهور بالجهل أو مغموز عليه بالعمالة للمحتلين أو السلاطين!

ولئن مات حسن البنا بعد ثلاثة وأربعين عاما من مولده فإن كلماته لم تمت، بل كان موته لكلماته حياة كما وصفه الشهيد القرآني سيد قطب، وفيه قال سيد قطب كلمته الأشهر: "إن كلماتنا تظل عرائس من الشمع حتى إذا متنا في سبيلها دبت فيها الروح وكتبت لها الحياة".

وآثرت في ذكراه أن أنقل من تراثه الزكي قطعة من مقال له بعنوان "الجهاد عزُّنا"، وهو –كعادة كتابات الرجل- فكرٌ يهتم بالعمل وينحو نحوه ويمهد الطريق له، لا فكر لمجرد المتعة العقلية، ولذا تراه بعد أن يصف قيمة الجهاد وأثره يدفع نحو إعداد المجاهدين حتى من لم يصل إلى ساحة جهاد بعد.

قال رحمه الله:

"إن كل يوم يمضي لا تعمل فيه الأمة عملاً للنهوض من كبوتها يؤخرها أمداً طويلاً، وإن في دعوة الإخوان لو فقهها الناس لمنقذاً، وإن في منهاجهم لو اتبعته الأمة لنجاحاً، وإن في جهودهم لو أُعِينوا عليها لأملاً، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم.

وبعد؛ فقد ورد في الصحيح ما معناه أن معاذاً كان يسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: "إن شئت يا معاذ حدثتك برأس هذا الأمر وذروة السنام منه، إن رأس هذا الأمر لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وإن قوام هذا الأمر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وإن ذروة السنام منه الجهاد في سبيل الله، إنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، فإذا فعلوا ذلك فقد اعتصموا وعصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم علي الله عز وجل، والذي نفس محمد بيده ما شحب وجْهٌ ولا أغبرت قدم في عمل تبتغي به درجات الجنة بعد الصلاة المفروضة كجهاد في سبيل الله، ولا أثقل ميزان عبد كدابّة تنفق (أي تموت) في سبيل الله أو يحمل عليها في سبيل الله".

ذلك تعريف النبي صلى الله عليه وسلم للإسلام وهو أعرف الناس بالإسلام وإن الإخوان المسلمين لا يحملون الناس علي غير الإسلام ومبادئ الإسلام، ولا ينهجون إلا مناهج الإسلام وشعاب الإسلام، وقد حدثتك عنهم في الصلاة والزكاة وما يريدون من أنفسهم ومن الناس حيالها، وهي قوام الأمر ودعامته، فلأتحدث إليك الآن عن الإخوان المسلمين المجاهدين، وماذا يريدون من أنفسهم ومن الناس حيال الجهاد في سبيل الله وهو من الإسلام ذروة السنام.

من الجهاد في الإسلام أيها الحبيب: عاطفة حيه قويه تفيض حناناً إلى عز الإسلام ومجده، وتهفو شوقاً إلى سلطانه وقوته، وتبكي حزناً علي ما وصل إليه المسلمون من ضعف وما وقعوا فيه من مهانة، وتشتعل ألماً علي هذا الحال الذي لا يرضي الله ولا يرضي محمداً عليه الصلاة والسلام ولا يرضي نفساً مسلمة وقلباً مؤمناً، و"من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم" كما ورد في الحديث الصحيح.

لمثل هذا يذوب القلب من كمد .. إن كان في القلب إسلام وإيمان

ومن الجهاد في سبيل الله أيها الحبيب: أن يحملك هذا الهمُّ الدائم والجَوَى اللاحق علي التفكير الجدي في طريق النجاح وتلمس سبيل الخلاص وقضاء وقت طويل في فكرة عميقة تمحص بها سبل العمل وتتلمس فيها أوجه الحيل لعلك تجد لأمتك منفذا أو تصادف منقذاً، ونية المرء خير من عمله والله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

ومن الجهاد في سبيل الله أيها الحبيب: أن تنزل عن بعض وقتك وبعض مالك وبعض مطالب نفسك لخير الإسلام وبني المسلمين، فإن كنت قائداً ففي مطالب القيادة تنفق، وإن كنت تابعاً ففي مساعدة الداعين تفعل، وفي كل خير، وكلا وعد الله الحسني، والله تبارك وتعالى يقول {مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ،وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [التوبة:120-121].

ومن الجهاد في سبيل الله أيها الحبيب: أن تأمر بالمعروف وأن تنهي عن المنكر، وأن تنصح لله ورسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم،وأن تدعوا إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنه وما ترك قوم التناصح إلا ذلُّوا وما أهملوا التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر إلا خُذِلوا {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ،كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة:78-79]

ومن الجهاد في سبيل الله أيها الحبيب: أن تتنكر لمن تنكر لدينه وأن تقاطع من عادي الله ورسوله فلا يكون بينك وبينه صلة ولا معاملة ولا مؤاكلة ولا مشاربة وفي الحديث: "إن أول ما دخل النقص علي بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فانه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد وهو علي حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلو ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض".

ومن الجهاد في سبيل الله أيها الحبيب: أن تكون جندياً لله تقف له نفسك ومالك لا تبقي علي ذلك من شيء، فإذا هُدِّد مجد الإسلام ودِيسَتْ كرامة الإسلام ودوي نفير النهضة لاستعادة مجد الإسلام كنت أول مجيب للنداء وأول متقدم للجهاد {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة:111]، وفي الحديث: "من مات ولم يَغْزُ ولم يُحَدِّث به نفسه مات علي شعبة من النفاق)" رواه مسلم وأبو داود والنسائي، وبذلك يتحقق ما يريد الله من نشر الإسلام حتى يعم الأرض جميعاً.

ومن الجهاد في سبيل الله أيها الحبيب: أن تعمل علي إقامة ميزان العدل وإصلاح شئون الخلق وانصاف المظلوم والضرب علي يد الظالم مهما كان مركزه وسلطانه، وفي الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان أو أمير جائر" رواه أبو داود والبخاري بمعناه، وعن جابر رضي الله عنه: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله" رواه ابن ماجه باسناد صحيح.

ومن الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى إن لم تُوَفَّقْ إلى شيء من ذلك كله: أن تحب المجاهدين من كل قلبك وتنصح لهم بمحض رأيك وقد كتب الله لك بذلك الأجر وأخلاك من التبعة، ولا تكن غير ذلك فيطبع علي قلبك ويؤاخذك أشد المؤاخذة: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ،وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ،إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [التوبة:91-93]


انتهى كلامه رحمه الله.

نشر في مصري 24