الثلاثاء، أكتوبر 27، 2015

قراءة في كتاب الفلسفة السياسية لأحمد داود أوغلو (3)

§         اسم الكتاب: الفلسفة السياسية
§         المؤلف: د. أحمد داود أوغلو
§         المترجم: د. إبراهيم البيومي غانم
§         تقديم: د. محمد عمارة
§         دار النشر: مكتبة الشروق الدولية
§         سنة النشر: الطبعة الثانية، 2006م.
§         عدد الصفحات: 77.
§         نشر الأصل الإنجليزي لهذا الكتاب في عام 1993م، بعنوان (Alternative Paradigms: The Impact of Islamic and Western Weltanschauungs on Political Theory) ومعناه "النموذج البديل: أثر التصورات الوجودية الإسلامية والغربية على النظرية السياسية".

ذكرنا في مقال سابق طبيعة الكتاب ونظريته العامة، وقلنا بأن الكتاب ينقسم إلى بابيْن؛ الأول: يتحدث عن التناقض الأصيل بين الرؤية الإسلامية والرؤية الغربية، والثاني: يتحدث عن أثر هذا التناقض على مجال النظام السياسي تحديدا وإن كان يلامس –بطبيعة الحال- مسائل الاقتصاد والاجتماع والثقافة. والثاني يرصد فيه المؤلف خمسة آثار من تناقض الرؤية الإسلامية مع الرؤية الغربية في المجال السياسي هي: مبرر وجود النظام السياسي، وشرعية النظام السياسي، وقد تكلمنا عنهما في المقال السابق وبقي أن نستعرض الآثار الثلاثة الباقية.
وقد طال عرض الكتاب رغم حجمه الصغير لما يحتويه من معانٍ فارقة ومهمة في هذا الموضوع الخطير الذي تحتاجه كل الحركات الإسلامية لفهم واقعها ووضع برنامجها للدولة الإسلامية.

3.    تعدد مراكز القوة

انعكس التناقض بين الرؤيتيْن الإسلامية والغربية في مجال النظام السياسي على مفهوم تعدد مراكز القوى فيه، مثلما يقول سبينوزا "نظام الأفكار هو نفس نظام الأشياء".

لقد اختلف الفلاسفة الغربيون اختلافا واسعا في تحليل مفهوم القوة، فبعضهم ربطها بالأخلاق والغاية النبيلة مثل أفلاطون والرواقيون، وبعضهم لم يبال بذلك وقد آل أمر هؤلاء إلى مفهوم "القوة السياسية" التي استعملت منذ الامبراطورية الرومانية والتي يمثل ميكيافيللي نقطة فارقة في تطورها. ثم اختلفوا من جهة أخرى في ما إذا كانت القوة هي "امتلاك قوة" أم هي القدرة على التأثير من خلال العلاقات. ولكن على الرغم من كافة الخلافات النظرية سارت تلك النظريات نحو دعم وجود مراكز متعددة للقوة في النظام السياسي، لأن النظام السياسي الغربي نفسه قائم على الفصل الصارم الاجتماعي والسياسي والديني، فهناك عائلة مالكة وطبقة نبلاء ورجال كنيسة، فالملوك يحتكرون المجال السياسي والنبلاء يحتكرون المجال الاقتصادي بالإقطاع ورجال الكنيسة يحتكرون المجال الديني. ثم أضيفت لهم طبقة جديدة مع التطور الصناعي الذي غير من خريطة القوى الاقتصادية فأصعد طبقة جديدة من التجار وأصحاب المصانع والماليين. وفي ظل هذا الفصل الصارم بين المجالات والطبقات كانت الضمانة الوحيدة لبقاء نظام سياسي أحد أمرين نطق بكل منهما عدد من الفلاسفة، فبعضهم أراد توحيد مراكز القوى في مركز واحد (وهؤلاء اختلفوا: أيهما أحق: الدولة أم الكنيسة) وبعضهم سعى للتسليم بتعدد مراكز القوى في النظام السياسي ورأى هذا التعدد ضمانة لبقاء النظام متوازنا. إلا أن خلافهم هذا على الحقيقة كان خلافا حول المؤسسات والمنهج لا خلافا حول مفهوم القوة، فالحقيقة أن مفهوم القوة في ظل هذا النزاع بين مراكز القوة قد انفصل عن الغاية والأخلاق وتحكمت فيه رغبات الأطراف في توسيع نفوذها، ثم جاءت الحقبة العلمانية فرفضت ارتباط مفهوم القوة بالأخلاق كلية، وجاءت فلسفاتها تدعم استعمال القوة لتحقيق المنافع والأهداف بغض النظر عن أخلاقيتها وعدالتها.

بينما في النظام الإسلامي الذي يتمركز حول الإله الواحد العلي المهيمن على الحياة والذي سيحاسب الجميع في الآخرة، لم يمكن أن يظهر مثل هذا التعدد في مراكز القوة داخل النظام السياسي، إذ الناس جميعا سواء وسواسية ولا يحتكر أحد أو طبقة مجالا بعينه، فبإمكان الجميع أن يكون من الأثرياء وبإمكان الجميع أن يكون من العلماء، وبإمكان الجميع أن يكون حاكما، وثمة أمر نبوي واضح "اسمعوا وأطيعوا ولو تأمَّر عليكم عبدٌ حبشي". ولذلك لم يكن في المجتمع الإسلامي إقطاع على نحو ما كان في التاريخ الغربي، كما لم تكن فيه مؤسسة دينية كهنوتية تتمع بصلاحيات واسعة كما هو الحال في الغرب، ثم لم يكن فيه أيضا قداسة لعائلة مالكة تستمد سلطتها من إرادة الرب كما كان لملوك أوروبا. لقد تركز نظر الرؤية الإسلامية حول فاعلية هذا النظام السياسي في القيام بالواجبات المنوطة به، وهي الواجبات الدينية التي صدرت عن الله، باعتباره القوة الوحيدة المطلقة والقوة الوحيدة التي تستحق أن تُطاع وتستحق أن تُرْهَب! ولذلك فإن التجاوب مع النظام السياسي إنما يكون فرعا عن تجاوب هذا النظام مع الإسلام نفسه (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم). ولهذا فإن النظام السياسي الإسلامي واحد غير متعدد مراكز القوى.

ولهذا الاختلاف بين الرؤيتيْن آثار بعيدة من أهمها أن المجتمع الإسلامي يرفض ما يهدد "العدالة" ولو كان يحقق تطورا ماديا ضخما، كما أن صيغة التكافل بين أبناء المجتمع الإسلامي مرتبطة أصلا بكونهم سواسية وممسوكة بقيم دينية كالزكاة التي هي حق للفقراء في أموال الأغنياء، وتمثل "الحسبة" (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ضمير المجتمع المسلم وأداته ضد أي تهديد ينال من قيمه واستقراره.

4.    خطر تغول المركز

وهنا يأتي السؤال: إذا كان النظام الإسلامي لا يسمح بتعدد مراكز القوى في النظام السياسي، فكيف يفعل إزاء خطر تغول هذا المركز؟

إن الحل الإسلامي هنا هو إبقاء القِيَم قوية وحاضرة وفاعلة في المجتمع، مع حماية سيادة القانون والحرص على استقلال القضاء. وهذا كله بعد تشديدهم في الشروط التي ينبغي أن تتوفر في الإمام بحيث يكون أفضل وأكمل الأمة.

إن قيام النظام السياسي وشرعيته إنما تُسْتَمَدُّ من تطبيقه للإسلام، وهذا هو الأصل الكبير العام، والذي يُسْقِط شرعية النظام ومبرر وجوده إن هو خالفه، ولذلك ينزع العلماء حق الطاعة والخضوع لهذا النظام بانتهاكه لهذا الأصل. ومن آثار هذا أن جميع علماء المسلمين متفقون على استقلال القضاء عن النظام السياسي، لأنه الذي يحول دون تغول هذا النظام، فالقضاة وإن كان يعينهم الخليفة إلا أنهم مستقلون عنه بل هم نواب الأمة لا نواب الإمام، وليس للإمام أن يعزلهم دون سبب وجيه لأن الإمام نفسه لا حصانة له ضد أحكام القضاء.

ثم إن الوحدة في النظام السياسي لا تعني أي احتكار للقوة الاجتماعية والدينية، بل إن مسار التاريخ الإسلامي يشهد بأن التعددية الدينية والثقافية والاجتماعية كانت مزدهرة في ظل هذا "النظام السياسي الموحد"، والسرُّ الأهم في هذا أن القيم المُؤسِّسَة للنظام الإسلامي أوصت بالحفاظ وحسن التعامل مع أهل الذمة، وذلك على العكس من الوضع الغربي الذي لم يشهد تسامحا وتعددية إلا في الحقبة الحديثة. ففي حين احتاج العالم الغربي إلى وحدة تفرض النظام وتمنع الفوضى لم يكن العالم الإسلامي محتاجا لهذا لأنه لم يكن يفصل بين الناس في طبقات وفوارق صارمة، ويمكن تشبيه الدولة الإسلامية بأنها "اتحاد يضم عدة ملل" في ظل مركز سياسي يمثل موطن القوة.

إن الفارق الأساسي بين النظامين الغربي والإسلامي كامنٌ في أن النظام الغربي نزَّاع إلى فرض رؤيته على الجميع، وتقسيم مكونات المجتمع إلى طبقات وفوارق فاصلة، بينما يسمح النظام الإسلامي بالتعدد الثقافي والديني والاجتماعي والقانوني، إذ تستطيع كل ملة أن تعيش كما تريد وأن تطبق قوانينها على نفسها، ولذلك تتهدد هذه التعددية في ظل النظام الغربي بينما تزدهر في ظل النظام الإسلامي. ثم إن النظام الإسلامي باعتماده على رؤية دينية وتركز قوته في مؤسسة سياسية منبثقة من قيم إلهية كبرى لا يسمح بتحول الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية للأقليات إلى تهديد عام، وهو الأمر الذي تتخوف منه الرؤية الغربية فتنزع إلى فرض رؤيتها الموحدة على جميع من تحكمهم. (فمثلا: الاقتصاد الإسلامي مؤسس على قيمة دينية مستقاة من الوحي هي: ينبغي أن يُنتَج كل ما يحتاج الناس إليه.. ومن هنا يتحرك الاقتصاد دائما إلى جهة تحقيق مصالح الناس. بينما يتأسس الاقتصاد الغربي على قاعدة وضعية تقول: كل ما يُنْتَج ينبغي أن يُسْتَهلك.. ومن هنا يتحرك الاقتصاد دائما إلى جهة تحقيق مصالح المُنْتِجين، ويلزم لمقاومة تهديد المجتمع أن تتدخل الدولة بفرض رؤيتها الاقتصادية القانونية على الجميع منعا لنشوء هذا التهديد من جماعات المصالح. وفيما يستحيل أن تتحول الدولة الإسلامية إلى كيان رأسمالي لطبيعتها القيمية فإنه من السهل أن تتحول الدولة الغربية إلى كيان رأسمالي).

إن مجرد وجود القِيَم والمعايير الدينية في النظام الإسلامي يقيده من كافة الآثار العلمانية الوضعية التي تجعل مركز القوة في النظام متغولا ومتضخما ولا يُمكن مقاومته.

5.    الثنائية والتعددية في هيكل النظام الدولي

تمخضت الفلسفات الغربية عن مفهوم سياسي أساسي هو مفهوم "الدولة القومية" والذي كان صلح وستفاليا إعلان عنه، بينما امتدت جذور هذا الفكر السياسي المحدد للهوية إلى مدن اليونان القديمة وإلى الإمبراطورية الرومانية (التي كانت دولة لا أمة عالمية)، وليس يُسْتَغْرَب في ظل فلسفة علمانية أرضية أن تنقسم كل "أمة" إلى "دولة قومية"، يكون لكل منها معاييرها وسياستها وبنيتها المستقلة. وفي هذه الحالة تتحدد الهوية لكل فرد من خلال الأصل العرقي أو مكان الميلاد. فمن وُلِد من أصل كذا أو في نطاق دولة كذا مُنِحَت له جنسيتها، واكتسب حق المواطنة فيها.

بينما يتناقض هذا مع المفهوم الإسلامي الذي يجعل الهوية (الإسلام) شيئا مُكْتَسَبًا، يمكن لكل إنسان أن يكتسب هذه الهوية بدخوله في الإسلام، ويكون انتماؤه للمجتمع الإسلامي هو انتماء طوعي، يختار فيه المرء نمط حياته وثقافته وسلوكه والتزامه بذلك. ولذلك فإن الأمة الإسلامية هي أمة انتماء ديني قِيَميّ أكبر بكثير من كونها انتماءا جغرافيا أو عرقيا أو لغويا. ثم يقبل أهل الذمة فيها ما تقدمه لهم من الهيمنة السياسية (وهي حماية لهم وليست اضطهادا) تحقيقا للقوة السياسية للأمة متمتعين بالاستقلال الديني والثقافي والقانوني في شؤونهم.


ولهذا يعرف الفقه الإسلامي مصطلح "دار الإسلام" و"دار الحرب"، ولا يعني هذا إعلان حالة حرب دائمة (فأكثر الفقهاء يرون أن الأصل في العلاقة بين الدولة الإسلامية وغيرها هو السلام لا الحرب)، وإنما هو تقسيم طبيعي ومنسجم مع الرؤية الإسلامية التي تحدد جغرافيا أين يستطيع المسلم أن يحيا في دولة تمثل رؤيته الإسلامية وأين تغيب هذه الرؤية. ومن الطبيعي كذلك ألا ينشأ هذا التقسيم في الرؤية الغربية لأنها لا تحفل أصلا بالتصور الكلي الكوني للوجود.

نشر في تركيا بوست