السبت، أكتوبر 24، 2015

عاشوراء ختام المعجزات وافتتاح الجهاد

من الدروس المنسية التي لا يحفل لها كثير من الناس في ذكرى عاشوراء أنها كانت ختام المعجزات وبداية الجهاد..

لقد كان إغراق الله تعالى لفرعون وجيشه آخر المعجزات التي تتدخل فيها السماء لنصرة المؤمنين وإهلاك المكذبين، فلقد كانت سنة الله الماضية أن يبعث رسولا يدعو الناس إلى ربهم فمن آمنوا واستجابوا وصبروا على ما أصابهم أنجاهم الله من عذاب يبعثه على هذه الأمة فيهلكهم، قال تعالى {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا} [العنكبوت: 40].

ثم قضى ربنا تبارك وتعالى أن يكون هلاك فرعون هو آخر هذه المعجزات الكبرى، وأن تكون الرسالة مسؤولية أمة من البشر، يجاهدون في سبيلها ويأخذون بالأسباب ويستعملون السنن، فإن فعلوا ذلك انتصروا وأسسوا دولة الرسالة، وإن قصروا في ذلك جرت عليهم سنن الحياة فسلط الله عليهم من يغلبهم على ما في أيديهم ويذلهم حتى يعودوا إلى الله ويرجعوا ويأخذوا بالأسباب.

يقول أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: إن الله تعالى بعد إنزاله التوراة لم يُهْلِك أمة من الأمم عن آخرهم بعذاب يبعثه عليهم؛ بل أمر المؤمنين بعد ذلك بقتال المشركين.

لذلك لم تنته رسالة موسى عليه السلام بالنجاة من فرعون، بل بدأ قسمها الثاني والأهم، وهو قيادة جهاد هذه الأمة: أمة بني إسرائيل نحو تأسيس دولة الرسالة، إلا أنهم نكصوا على أعقابهم ورفضوا أن يجاهدوا وقالوا {إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24]، فكان أن عاقبهم الله بالتيه في صحراء سيناء والشام أربعين سنة، فكان عقابا لهم من جهة أنهم تاهوا وفقدوا الاستقرار وحُرِموا من الدولة والعزة والسلطان فعاشوا مشردين، وكان منحة لهم من جهة أخرى: إذ نشأ الجيل الثاني منهم خاليا من آثار الاستبداد والضعف والفساد التي أصابت آباءهم تحت حكم الفرعون، فنشأوا على الفطرة، نشأوا وليس عليهم سلطة قاهرة تذهب قوة نفوسهم، فقاد هذا الجيل نبي الله يوشع بن نون وجاهد بهم حتى غلب بهم وفتح الله عليه ودخل الأرض المقدسة وأزال حكم الجبارين وأسس أول مملكة لبني إسرائيل.

وهنا نلحظ فارقا مهما بين معجزتي موسى ويوشع عليهما السلام، وذلك أن يوشع حين قاد بني إسرائيل إلى الجهاد كاد أن يفتح البلدة فطالت المعركة فأوشك الليل أن يدخل، فنظر إلى الشمس وقال لها: أنا مأمور وأنتِ مأمورة، فسأل الله أن يحبسها (أي يطيل اليوم فلا تغرب الشمس) فحبسها الله عليه حتى أتم الفتح. فالفارق بين المعجزتين أن معجزة موسى بغرق فرعون جاءتهم وهم يخرجون هاربين، بينما جاءت المعجزة الأخرى لهم وهم يجاهدون. وهذا هو المعنى الذي نؤكد عليه: أن يوم عاشوراء كان ختاما للمعجزة التي تهلك الظالمين بغير جهاد من المؤمنين، وكانت فاتحة لجهاد المؤمنين الذي يأخذون فيه بالأسباب ثم تأتيهم المعجزات إعانة وتثبيتا وبشرى!

لقد كانت بنو إسرائيل أول أمة تحمل رسالة الله فتجاهد في سبيله، فكانوا إذا أطاعوا انتصروا وغلبوا، ثم كانوا إذا فرطوا وقصروا هُزِموا وغُلِبوا وانتُزِعَتْ منهم مقدساتهم كما قصَّ الله علينا في القرآن قصة الجيل التالي الذين أُخْرِجوا من ديارهم وأبنائهم حتى قادهم طالوت فانتصر بهم على جالوت وقومه، وبدأ به تأسيس العصر الذهبي لبني إسرائيل في عهديْ داود وسليمان عليهما السلام.

إلا أن بني إسرائيل في العموم كانوا أمة سيئة، فلم تحمل الكتاب ولم تأخذه بحقه، وصاروا {كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} [المائدة: 70]، وكم عصوا الله جحودا وكبرا حتى أزال الله عنهم هذه النعمة ونزع منهم شرف حمل الرسالة وعاقبهم بهذا في التوراة والإنجيل والقرآن، ففي سفر الاستثناء 32/11: "هم أغاروني بما ليس بإله، وأغضبوني بمعبوداتهم الباطلة، وأنا -أيضا- أغيرهم بما ليس شعبا، وبشعب جاهل أغضبهم"، أي لما أجرموا في حق الله عاقبهم الله بانتقال الرسالة إلى أمة أمية، وهي أمة المسلمين التي وصفها الله بقوله {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2].

وانتقلت الرسالة إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى كثرة معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم فإن أحدا منها لم يكن معجزة نصر أو عقاب للمجرمين بغير أن يجاهدوا، بل نزل على المؤمنين التثبيت والإعانة وهم يجاهدون في بدر، وبعد أن صبروا في الخندق، وكانت حياة النبي جهادا دائما مستمرا، يأخذ بالأسباب فيدير أمر دولته وشؤون أصحابه وعلاقاته الدولية ويخطط للجيوش ويدبر للحروب ويبرم المعاهدات، حتى تأسست الدولة الإسلامية التي أشرقت على العالمين وأطلقت {خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110].

ولذلك، فإننا حين نحتفل بذكرى عاشوراء، ذكرى إهلاك الظالمين ونجاة المظلومين، ينبغي أن نتذكر هذا الأمر، وأنها كانت نهاية المعجزات الخارقة وبداية الجهاد الرباني، الجهاد الذي اشترى الله فيه {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} [التوبة: 111].. وإنها لمهمة جليلة شريفة كما أنها مهمة طويلة عنيفة، فإن أكثر أهل الأرض مظلومين، وأكثر المظلومين من نشأوا في الظلم حتى أنهم لا يشعرون به، وإن أولى المظلومين المسلمون، فالأمر كما قال الشاعر:

أني نظرت إلى الإسلام في أرض .. وجدته كالطير مقصوصا جناحاه

ولذلك فإن مهمتنا قائمة ما دام في الأرض ظلم، ولذلك أخبرنا نبينا بأن "الجهاد ماض إلى يوم القيامة"!

إن الاستلهام الصحيح لعاشوراء أن نكون نحن عاشوراء.. عاشوراء لكل مظلوم، وعاشوراء على كل ظالم.


نشر في مصري 24