الثلاثاء، أكتوبر 13، 2015

قراءة في كتاب الفلسفة السياسية لأحمد داود أوغلو (1)

§         اسم الكتاب: الفلسفة السياسية
§         المؤلف: د. أحمد داود أوغلو
§         المترجم: د. إبراهيم البيومي غانم
§         تقديم: د. محمد عمارة
§         دار النشر: مكتبة الشروق الدولية
§         سنة النشر: الطبعة الثانية، 2006م.
§         عدد الصفحات: 77.
§         نشر الأصل الإنجليزي لهذا الكتاب في عام 1993م، بعنوان (Alternative Paradigms: The Impact of Islamic and Western Weltanschauungs on Political Theory) ومعناه "النموذج البديل: أثر التصورات الوجودية الإسلامية والغربية على النظرية السياسية".

بدون أي انتقاص من عقلية أحمد داود أوغلو المثيرة للإعجاب في هذا الكتاب، إلا أنه وبعد قراءة هذا الكتاب يزداد اليقين في أن العلمانية التركية الأتاتوركية كانت أقل شرا بكثير من العلمانية العسكرية التي هيمنت على الحياة العربية.

لقد سمحت العلمانية التركية للإسلاميين بالوجود السياسي وتأسيس الأحزاب ودخول البرلمانات والفوز بالبلديات وتولي رئاستها والمشاركة في الحكومة بل والوصول إلى سدة الحكم (رئاسة الوزراء) ثم كان العسكر ينقلبون عليهم عند هذه النقطة. بينما كانت العلمانية العربية وحشا عنيفا دمويا لا يعرف الرحمة ولا يعترف لغيره بحق الوجود أصلا وكان مجرد الاجتماع في حلقات تلاوة القرآن أو لصلاة قيام الليل تهديدا أمنيا خطيرا، وغاية ما حازه الإسلاميون في بيئة العلمانية العربية أن كانوا أقلية برلمانية بلا تأثير أو وزراء في حكومة بلا صلاحيات!!

إن ممارسة الإسلاميون الأتراك للديمقراطية مكنتهم من أشياء كثيرة منها نقد الديمقراطية وفهم فلسفتها، بينما ظلت ممارسة الديمقراطية حلما لدى الإسلاميين العرب مما جعل كثيرا من قضاياها محلَّ إرباك وارتباك فكري، خصوصا في أجواء محاكم التفتيش الأمنية والإعلامية التي تحاول قهر الإسلاميين على القبول والتسليم بنموذج الديمقراطية الغربية جملة وتفصيلا.

لقد تحدثنا سابقا عن فهم أردوغانللديمقراطية، لكننا اليوم مع وجبة فكرية دسمة من العقل السياسي لحزب العدالة والتنمية، المفكر وأستاذ العلوم السياسية أحمد داود أوغلو، والذي خلف أردوغان في رئاسة الحزب، وسيظهر بعد عرض الكتاب مدى الفارق الضخم والأساسي بين نموذج أردوغان ونموذج الغنوشي، ففي حين انهار الغنوشي تماما أمام النظرية الغربية وطفق يستعمل كل طاقته في جعل الدين موافقا لها نجد داود أوغلو يفكك النظرية الغربية بثقة واطمئنان مثبتا تفوق النموذج الإسلامي على النموذج الغربي بل وعدم إمكانية التقاء النموذجين أصلا، ولست أبالغ إن قلت إن كتاب داود أوغلو هذا هو في عمقه ينطق بما نطق به سيد قطب، الذي هو من زعماء "الأصولية، الراديكالية" الإسلامية كما يحب الكثيرون أن يصفونه.. مما يجعل أي تشابه بين الغنوشي وأردوغان –إن وافقنا جدلا وتنزلا على أن ثمة تشابه- إنما هو مجرد التقاء في الظواهر والقشور.

الكتاب صغير، ولكنه ثقيل، ولغته فلسفية صعبة، ومؤلفه ذو حظ واسع من الفلسفة الغربية، مع القدرة الواضحة على رد الفروع إلى الأصول، وتجاوز أوجه التشابه والاختلاف بين الاتجاهات الفلسفية حتى يصل إلى الأصل الذي يجمعها وتنطلق منه.

وحيث كانت لغة الكتاب صعبة، فإني في عرضه هنا سأسعى ما وسعني إلى تبسيطه، ولذا فلن ألتزم في هذا العرض بألفاظ المؤلف، وإنما سأعمد إلى تقريب المعاني من عموم القراء، مع الاعتراف بأن هذا لن يرضي شريحة القراء المهتمين بالفلسفة، إلا أن هؤلاء على كل حال يفترض ألا يكفيهم عرض مختصر مبسط، فليكن التبسيط تشويقا لهم لقراءة الكتاب.

ينقسم الكتاب إلى بابيْن؛ الأول: باب النظرية، والثاني: باب التطبيق. الباب الأول يشرح التناقض القائم بين الرؤية (العقيدة) الإسلامية والرؤية الغربية للعالم، والباب الثاني يرصد آثار هذا التناقض في مجال السياسة وما يتعلق بها من نظريات اقتصادية واجتماعية وثقافية.

يؤكد المؤلف على أن أساس التناقض بين الرؤيتيْن: الإسلامية والغربية نابع من أن الرؤية الإسلامية تنطلق من تصور عام للوجود جاء به الوحي، وبهذا كان الوحي هو المُحدِّد لنظرية المعرفة الإسلامية. بينما ظلت الرؤية الغربية تتأمل الوجود وتغير تصورها عنه وتستخرج منه تصورا جديدا مع كل تطور علمي أو فلسفي، ولهذا في تستخرج من الوجود نفسه تصورها عنه، أي أن نظرية المعرفة هي من نتائج التأمل والتفكير في الوجود.. وباختصار: فالرؤية الإسلامية تعتمد على الوحي، والرؤية الغربية علمانية تعتمد على العقل.

تقوم الرؤية الإسلامية على أن الله تعالى هو الإله الوحيد، خالق الكون، والمهيمن عليه ومدبر أمره، وهو العليّ على خلقه والمتنزه عن كل نقص. ومن ثمرات هذه الرؤية أن المسلم يرى نفسه عبدا لله، ومتحملا للأمانة (المسؤولية) التي عهد الله بها إليه على هذه الأرض، ولهذا فإن علاقته بالطبيعة وسيادته عليها هي سيادة نسبية محكومة بضوابط وأهداف عقيدته، فهو "مستخلف" وليس "مالكا" للأرض وما عليها.

ومن أهم ثمرات هذه الرؤية هذا الفصل الجازم الواضح بين الله وخلقه، فلا مجال أبدا لأن يكون الإنسان أو غيره من المخلوقات إلها، ولا مجال لأن يكون الإله إنسانا أو مخلوقا آخر، فحتى الرسل –وهم أكمل البشر- لا يخرجون عن كونهم عبادا وبشرا ولا يكونون أبدا آلهة أو شبه آلهة. ويترتب على هذا أن يكون الله هو العليم الحكيم، بينما الإنسان معرض للجهل والنقص والخطأ، ولهذا يظهر الفارق واضحا وكبيرا بين التعامل مع القرآن (كلام الله الحق المطلق) والتعامل مع تفاسيره (التي كتبها بشر فهي معرضة للأخذ والرد)، أو بين نصوص الوحي (القرآن والسنة) وبين استنباطات الفقهاء واجتهاداتهم فيها. ومن ثمرات هذا أيضا أن المسلمين يرفضون تماما أن يكون ثمة تعارض بين الوحي والعقل، ويرون أن العلاقة بينهما علاقة تكامل، فالوحي هو الحقيقة المطلقة والعقل هو الذي يجتهد في فهمه وتفسيره.

ومن هنا يُخطئ من يبالغ في تأثير الفلسفة اليونانية على الفلسفة الإسلامية، ذلك أن سائر مدارس الفكر الإسلامي تقوم على هذه الرؤية: لا إله إلا الله، والله هو الخالق المهيمن الحق العليم. ولكن الخلاف بين هذه المدارس هو في طريقة كل منها ووسائله لإثبات هذه الرؤية. فحتى المعتزلة –الذين هم أول تفاعل إسلامي مع الفلسفة اليونانية، والذين نادوا باستقلال العقل البشري- لم يكونوا أبدا علمانيين، إذ لم يفكروا في أن يُوَجِّهوا هذه الفكرة نحو إثبات تناقض العقل مع الوحي، ولم يحاولوا أبدا أن يرفعوا مقام العقل ليكون في مقام الله، مثلما فعلت العلمانية الغربية.

إن الرؤية الإسلامية الملخصة في كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" تثمر آثارا فارقة على كافة المستويات، فهي تحدد معايير الحق والباطل بناء على ما جاء في الوحي، ومن ثَمَّ فإن سائر المجالات ترتبط بالقيم والتصورات الإسلامية، فمثلا: رغم الخلاف المشهور بين الغزالي وابن رشد في التعامل مع الفلسفة إلا أنهما يتفقان تماما في سمو الشريعة وعظمتها وأنها تتفوق على كل القوانين الوضعية لكونها صادرة عن الإله العليِّ العليم الحكيم الذي لا يلحق به بشر!
بينما الأساس في الرؤية الغربية متناقض تماما مع هذا التصور، ذلك أن كافة الأحقاب الغربية -منذ الفلسفة اليونانية والعصر الروماني والعصر المسيحي وعصر النهضة- أزالت الفوارق بين الإله والإنسان، فهذا هو الأساس المشترك بينها جميعا وإن اختلفوا في التصورات.

ففي العصور القديمة كانت العقيدة تجعل من الآلهة بشرا (كما في الأساطير اليونانية) وفي العصور الرومانية كان يمكن للأبطال والأباطرة أن يكونوا آلهة أو شبه آلهة، وفي المسيحية تجسد الرب في صورة بشر كما كان الإنسان ابنا للرب، وذلك من أظهر الأدلة على تأثر المسيحية بالتراث اليوناني والروماني[1] حيث انتشرت عقائد تعدد الآلهة وعقائد تجسدها في بشر فتكيفت المسيحية مع هذا المناخ، ثم ظهرت فيها مؤسسة الكنيسة الكهنوتية التي هي محل تجسد الرب، ثم جاء عصر النهضة وبدأ عصر الفلسفة الحديثة وهو العصر الذي لم يعترف بالرب وسعى إلى إنهاء هيمنته، واعتقد أن الطبيعة تفسر نفسها بنفسها وأنها ذات قوانين حاكمة يستطيع الإنسان بالعلم والعقل أن يكتشفها ويتحكم فيها ويسخرها، وبهذا وضعت الأفكار الحديثة الإنسان في مكان الإله وأوكلت إليه مسألة وضع التصورات الوجودية وما ينبثق منها أي أنها وضعت الإنسان في مكان الإله.

لما جاء كوبرنيكس باكتشافه أن الشمس –لا الأرض- هي مركز الطبيعة، انعكس هذا على وضع الفلسفة التي وضعت الطبيعة –لا الإله- في مركزها[2]، ثم وضعت الإنسان في مركز الطبيعة، فصار الإنسان نفسه هو مركز الفلسفة. ومن ثم ظهرت علمنة المعرفة وأنسنة المعرفة وكافة ما انبثق عنها من فلسفات غربية.

وهكذا نجد أن الخيط الأساسي المتصل في كل الفكر الغربي هو إزالة الفارق بين الإله والإنسان، فإما أن الإله يتجسد بشرا أو في شيء من المخلوقات، أو أن الإنسان يكون إلها أو شبه إله أو إرادة إلهية، أو أن يزيح الإنسان الإله من موقع المركز ليضع نفسه إلها يستخلص من الوجود التصورات العامة والفلسفات المنبثقة عنه، ثم ما ينبثق عن هذه الفسلفات من نظريات سياسية واقتصادية واجتماعية، وما ينبثق عن كل هذا من أنظمة ومؤسسات وقوانين وتشريعات.

إلى هنا انتهى الباب الأول، وفي المقال القادم بإذن الله تعالى نضع قراءة الباب الثاني الذي هو رصد لآثار هذا التناقض في التصور على مجال السياسة بين الإسلام والفلسفة الغربية.

نشر في تركيا بوست



[1] للقاضي عبد الجبار المعتزلي كلمة حكيمة في هذا المعنى إذ لما وصف دخول الروم في النصرانية قال: "النصارى ترومت ولم تتنصر الروم". تثبيت دلائل النبوة ص173.
[2] هذه النقطة يشرحها بإمتاع ول ديورانت في كتابه قصة الحضارة، وكيف أن اكتشاف كوبرنيكس لم يكن مجرد اكتشاف علمي بل كان صدمة للعقائد المسيحية، إذ أن تحول الأرض من كونها مركز الكون التي أنزل الإله عليها ابنه ليُصلب إلى كونها مجرد كوكب عادي بين كواكب أخرى تدور حول الشمس، هذا التحول جعل كل شعر المسيحية –كما يقول جوته- يتصاعد دخانا، ولهذا اتخذت الكنيسة منه هذا الموقف العنيف. انظر: ول ديورانت: قصة الحضارة 27/138، 139.