السبت، مايو 21، 2011

في خلاف الإسلاميين حول الديمقراطية

اتهمني صاحبي بأن دفاعي الدائم عن الديمقراطية يجعل المرء يظن أنها نظام إسلامي نازل من عند الله فواجبٌ على الأهل الأرض أن يقولوا سمعا وطاعة! ثم ساق إليّ أمثلة ونماذج تقول بأن الديمقراطية ما هي في النهاية إلا تسليم الشعوب لأصحاب رأس المال، فهم الذين يملكون وسائل الإعلام التي تسيطر على توجيه العقول، ومن ثم تكون الديمقراطية مجرد لعبة يملك أصحاب الأموال كل تفاصيلها.

قلت له: أزيدك من الشعر بيتا، إذ أن أصحاب الأموال لا يمارسون فقط التوجيه بل يمارسون الفعل، ذلك أنهم بامتلاكهم قلاعا صناعية يتحكمون في السياسات، فلا يستطيع السياسي أن يخط سياسة تهدد مصالح الرأسماليين وإلا كان لهم إنهاء بعض أعمالهم ونقلها إلى دولة أخرى مما يتسبب في مشكلة اقتصادية ومشكلة بطالة تجعل الفوز في الانتخابات القادمة في حكم المستحيل.. وذلك الموضوع شرحته باستفاضة نورينا هيرتس في كتابها "السيطرة الصامتة.. الرأسمالية العالمية وموت الديمقراطية".

فحَيَّرَه ما قلتُ، وبدا كأنني عدت عن رأيي!.. غير أن الأمر لم يكن هكذا..

يكاد الخلاف بين الإسلاميين عن الديمقراطية يكون خلافا لفظيا:

فمن يرى أن الديمقراطية وسيلة إجرائية تضمن التعبير عن رأي الشعب ومنع الاستبداد، فهو يوافق عليها باعتبار أن الوسائل إنما هي من التراث الإنساني الذي ينبغي الاستفادة منه، وهو في هذه الحالة يراها "جوهر الشورى" كما جاء في برنامج حزب الإخوان المسلمين.

وأما من يراها منظومة فكرية كاملة، تجعل من ذاتها مرجعية ذاتها، وتجعل من التطبيق الغربي المثالَ الوحيد الممكن للتطبيق وهو حده المثال المعبر عنها كفكرة، فهو يرفضها، يرفضها لأنها تستبعد المرجعية الإسلامية أولا، كما أنها تستبعد مستبدا واحدا هو شخص الحاكم لتصنع استبدادا من طبقة الرأسماليين الذين يملكون توجيه العقول والضغط على السياسات، ومن ثم تكون الديمقراطية مجرد لعبة يتوهم فيها الناس أنهم يقررون هذا بأنفسهم وأن لهم إرادة حرة وأن حاكمهم يأتي باختيارهم!

من يدافع عن الديمقراطية همه الخروج من الاستبداد وإرساء نظام يُعطي الأمة حق المشاركة في قرارها ومصيرها، ومن يرفضها يخشى أن تتحول الأمة إلى نموذج جديد من مجتمع بلا هوية ولا فكر ولا قدرة حقيقية على الاختيار فتتحول إلى مجتمع متعلمن مستهلك تم تنميطه والسيطرة عليه!

شخصيا أميل إلى الفريق الأول، الفريق المُدافع عن الديمقراطية، لأني أضمن أن الأمة لن تتحول إلى ما يخشى منه الفريق الثاني..وذلك لسبب بسيط، وهو أن النظام الإسلامي الذي يشتمل على الدين والدنيا معا أوجد مراكز للتأثير تقاوم تفرد رأس المال بالتأثير والتوجيه..

تلك هي.. المساجد والمنابر وصلاة الجمعة..

وهنا تحديدا تتبخر سيطرة رأس المال النافذة في العالم الغربي، وهذا ما يعرفه العلمانيون في بلادنا جيدا، ولذا فإنهم حريصون على فعل أي شيء لإنهاء تأثير المساجد على الناس، وفي عالمنا الإسلامي لم يحدث استفتاء أو انتخابات إلا وفشل رأس المال في تسويق رأيه، وما إن يفشل حتى يفتح سرادق العزاء في المستقبل والشعب والوطن باعتبار أن الجهل يسيطر على الناس مما يسمح للدعاية الدينية والمنابر أن تؤثر عليهم!!

لقد كانت عبقرية النظام الإسلامي في أنها جعلت مناطق التأثير لطبقة الدعاة العلماء لا طبقة رأس المال، وطبقة العلماء ليست ذات مصلحة خاصة في سياسة الدنيا فيُخْشَى من أن تستعمل هذه المصلحة في تسيير الناس، بينما أصحاب رأس المال لا تحركهم غير مصالحهم الذاتية بغض النظر عن مصالح الأوطان والشعوب!

وفي النظام الإسلامي لا يُخاف من أن تتكرر سيرة الغرب المظلمة مع رجال الدين، ذلك أن العلماء والدعاة غير مندرجين في نظام كهنوتي، بل كل منهم يحتفظ باستقلالية كاملة عن غيره، مما يجعل اتفاقهم في كل الأمور شيئا يكاد يكون مستحيلا، وهو إن تحقق فمعناه أن المصلحة واضحة إلى حد يحقق هذا الاتفاق.. كما أنهم لا يملكون سلطة روحية على الناس تجعلهم يستطيعون حرمانه من "الصلاة" أو تجعل المخالفة للواحد منهم ذنبا دينيا أو "خروجا من الملكوت"!!

في ظل هذه الاستقلالية لمراكز التوجيه والتأثير في النظام الإسلامي، لا يكون ثمة اتفاق إلا على ما تتضح فيه المصلحة والمفسدة، وفي التراث الإسلامي تراث مديد رحب شديد الثراء عن تنظيم أمور الخلاف وأدب الخلاف وأصول الخلاف ما يجعل نشوء حرب دينية بأثر من هذه الخلافات أمرا نادرا.. ومن لا يصدق فليراجع تاريخ الحروب الدينية بين التاريخ الإسلامي والتاريخ الغربي!

لهذا لا خطر على الهوية الإسلامية ولا على المجتمع الإسلامي من إجراءات أُبْدِعت لتضمن تعبيرا حقيقيا عن رغبات الشعوب وإن سميت هذه الإجراءات "الديمقراطية"

نشر في "يقظة فكر"