السبت، مايو 28، 2011

تزوير تاريخ الثورة يضيعها

ربما كان يوم 25 يناير هو البداية للثورة، إلا أن يوم 28 يناير كان هو يوم الثورة الحقيقية، وقد سار هذا اليوم على طريقة لم يتوقعها أحد أبدا، لا من جانب الثوار ولا من جانب النظام البائد، ولا فضل فيها إلا لله رب العالمين.

وحتى لا يتم تزوير تاريخ الثورة، ويحتكر بعض أصحاب الصوت العالي الحديث باسمها، فلا بد أن نتذكر حقيقة رئيسية، وهي: أن الأمور على الأرض تحسمها القوة الفعلية لا مجرد نبل الموقف.. فصاحب الحق لو لم يمتلك قوة كافية فلن يغني عنه حقه شيئا.

لقد كان هذا هو موقف النشطاء والمعارضين طوال الفترة الماضية، كما كان هذا وضعهم أيضا يوم 25، 26، 27 يناير.. إلا أن يوم 28 شهد وضعا جديدا، إذ خرج الشعب بأعداد كبيرة غير متوقعة، أعداد لم يُخْرِجها إلا الله وحده ولا يستطيع مخلوق أن يدعيها لنفسه، هذه الأعداد منها من لا يعرف الانترنت ولا الفيس بوك ولا يقرأ الصحف ولا يتابع الجزيرة، بل أزعم أن هذه كتلتها الرئيسة، لكن الأهم من هذا أنها كتلة "غير سلمية".. وعدم سلميتها هذا كان هو الفضل الأكبر على الثورة إذ تم الهجوم على مقرات الشرطة وإحراقها في كل أنحاء القاهرة في وقت واحد عجزت معه القيادة المركزية على التصرف تماما ولم يكن أمامها إلا الانسحاب.

بهذا الانسحاب تم كسر ذراع النظام الباطش وعدو الشعب الأول والأقسى.. الشرطة!

زاد في هذا قرار اتخذه النظام بسحب قوات الشرطة من القاهرة، وهم ما كشفت عنه أكثر من وثيقة ومن اعتراف، ثم إطلاق "البلطجية" والمساجين للتخريب.. وبالتوازي معه إطلاق حملة تفزيع وترهيب عبر القنوات باقتحام البيوت واغتصاب النساء وقتل الأطفال، وبدلا من أن تحقق الخطة هدفها في سحب المتظاهرين من الشوارع شاء الله أن يحدث العكس وأن ينزل من كانوا في البيوت لتنظيم أنفسهم في لجان لحماية شوارعهم ومنشآتهم.. فزاد عدد الناس في الشوارع واطمأن المتظاهرون على أهلهم فظلوا في أماكنهم بل ازدادوا، ثم زاد كل هذا في انكسار الشرطة التي كان يتعرض أفرادها أنفسهم للتفتيش أو القبض عليهم في لجان الحماية الشعبية.

ومع انكسار الشرطة أمر مبارك بنزول الجيش لإنهاء الاحتجاجات.. ونزل الجيش فعلا ولكنه لم يتعرض لأحد بسوء.. فازداد وضع النظام تأزما وازداد وضع الثائرين قوة.

بدون هذا الترتيب الذي لم يدبره إلا الله.. ما كان للثورة أن تنجح، الثورة التي كانت في هذا اليوم "غير سلمية" على الإطلاق، بل إن خُلُوَّها هذا من "السلمية" هو الذي وضع أساس نجاحها.

دخلت الثورة في مرحلة ركود، لا يدري من في التحرير ماذا يفعلون أكثر من الهتاف "السلمي" كما فشل النظام في تفريقهم "سلميا" مع إصرار الطرف القوي الوحيد (الجيش) على عدم التدخل لصالح أحد من الطرفين.

ثم كانت معركة البغال والخيول والجمال (2/2/2011) ثم هجوم البلطجية والقناصة، وهي المعركة "غير السلمية" التي تم التصدي لها بطبيعة الحال بمقاومة "غير سلمية".

ثم دخلت الثورة في مرحلة ركود أخرى، فلا الهتاف "السلمي" قادر على إسقاط النظام، ولا المحاولات "السلمية" التي تولاها عمر سليمان قادرة على إنهاء الثورة، لم يحسم هذا الركود إلا الطرف صاحب القوة، وهو الجيش، وانتهى الأمر بتنحية مبارك.

لم يكن أحد بحاجة لترديد هذه الحقائق التي لم يمض عليها وقت يُنسيها إلا لأن البعض اعتقد أن وجوده على الفيس بوك، أو امتلاكه لعمود في صحيفة، أو لبرنامج في قناة، قد أشعل الثورة وأبقاها وأنجحها وأجبر مبارك على التنحي!!!

ثم استمر في ترديد هذا الهراء حتى صدَّق نفسه ودعا الناس لتصديقه وتصرف مع الثورة وكأن هذا حقيقة بل وصل الحال إلى التهديد بتفجير ثورة ثانية.. لم تنفجر، ولن تنفجر.

من المهم لكل الأطراف أن تسعى للتوافق الشعبي لتحقيق "قوة" شعبية إن كانوا مخلصين لصالح هذا البلد، وهو يساوي أهمية أن يتوافق الجميع على بقاء الجيش "صاحب القوة" في موضع المدير للفترة الانتقالية القصيرة قبل أن تترسخ سلطته في الحكم ويستطيع استعمال "القوة" في ترسيخ وجوده.. وهي قوة لا ينفع معها الفيس بوك ولا أعمدة الصحف ولا برامج الفضائيات.

الحقيقة الواقعية التي لا ينبغي أن نغفلها هي أن الأمور متوقفة على الجيش، لأنه لا طرف يملك المواجهة الحقيقية، وسياسة الجيش حتى الآن تسير سيرا حسنا، لا هو بالكمال الذي نريد ولا هو بالسوء الذي يؤثر على التحول الديمقراطي المنشود.. ولذا فلابد من وجود التوافق الشعبي ليتحقق أقصى المتاح من القوة الشعبية لضمان التحول الديمقراطي.

ويحسن بمن يخشى على وضعه من سرعة التحول الديمقراطي باعتباره ليس مستعدا، أن يضحي بمصلحته الخاصة (وجوده في الخريطة القادمة) لصالح مصلحة الوطن (التأسيس للديمقراطية)، لا سيما وأن لديهم ميزة هائلة: ألا وهي خوف الإسلاميين وترقبهم واختيارهم عدم المخاطرة بالترشح للرئاسة أو بالترشح للأغلبية البرلمانية، واستعدادهم الدائم للتنسيق مع مختلف التيارات السياسية.

وصدق نصر بن سيار لما قال:

فإن يَقِظوا فذاك بقاء قومٍ ... وإن رقدوا فإني لا أُلام

نشر في "شبكة رصد الإخبارية"