الثلاثاء، مايو 17، 2011

فقه اختيار الرجال للأعمال (३)

أقر الإسلام منهج اختيار الرجال الأكفاء لإدارة الأعمال، وهو يقدم أهل الكفاءة على أهل الثقة، وقد رأينا –فيما سبق من حلقات هذه الدراسة- كيف اضطرد هذا المنهج في اختيارات النبي –صلى الله عليه وسلم- للمهام والأعمال المدنية والحربية، وكذا في اختيارات الخلفاء الراشدين لاسيما في أمور الولايات، ثم كيف تحول هذا المنهج إلى "ثقافة" تُمارَس بتلقائية، وكيف اضطرد المنهج في نقل الدين حيث اعتمد المحدثون معايير صارمة لنقل الحديث تقدم صاحب الحفظ والوعي على صاحب الدين إن كان ذا غفلة[1].

إلا أن ثمة ضوابط أخرى نحتاج أن نُجَلِّيَها لتكتمل صورة المنهج في أذهاننا، كي نستطيع تطبيق الإسلام تطبيقا صحيحا ومتكاملا كما علمنا النبي صلى الله عليه وسلم.

لقد اختار النبي –صلى الله عليه وسلم- عبد الله بن أريقط، المشرك الخبير بدورب الطريق، أثناء رحلة الهجرة، وفي هذه الحالة فلابد أن نتوقع أن هذا الاختيار لم يكن فقط لأن عبد الله بن أريقط أعلم أهل مكة بدروب الصحراء، أي أن هذا "العلم" وهذه "الكفاءة" لم تكن المؤهل الوحيد الذي تمت الاستعانة به لأجلهما، لا شك في أنه كان يحقق الحد الأدنى من جانب الأمانة والثقة كذلك. والدليل على هذا أن الرجل كان عند الظن به من الأمانة فعلا، ولم تغره جائزة قريش التي يسيل لها اللعاب وأدى المهمة على خير وجه.

إن وجه الثقة هذا موجود في كل المواقف التي تَقَدَّم فيها أهل الكفاءة، فقد كانوا دائما يتمتعون بالقدر المطلوب من "الثقة" .. كان مصعب بن عمير أهلا للسفارة ولكنه كان أيضا مؤمنا تشرب الإيمان فحقق وجه الثقة، وكذا كان حذيفة بن اليمان في مهمة الاختراق لصفوف الأحزاب، وكذا كان عثمان في مهمته الدبلوماسية إلى مكة.

وهكذا، استمع عمر لنصيحة المغيرة بن شعبة في أن أهل الكوفة أولى أن يُولَّى عليهم "القوي الفاجر، فإن فجوره لنفسه وقوته للمسلمين"، ولقد وَلَّى عمرُ بن الخطاب المغيرةَ بن شعبة –صاحب النصيحة- على الكوفة لأنه الرجل الكفء والقوي، الذي تحقق فيه جانب الثقة والأمانة كذلك، ومعاذ الله أن نصف واحدا من صحابة النبي –صلى الله عليه وسلم- بالفجور، رضوان الله عليهم أجمعين.

كذلك فعل المحدثون في مهمة "نقل الدين" فهم وإن قبلوا رواية المبتدع لأنه ثقة عدل، فإنهم لم يفكروا أساسا في قبول رواية الكافر مهما كان ضبطه وحفظه وعدالته. لقد كان الاختلاف في إطار من يحظى بقدر مناسب من "الثقة".. وهكذا.

هذا ضابط لا يمكن التخلي عنه، كما لا يمكن تضخيمه حتى يطغى على القاعدة الأساسية في تقديم الكفء الذي هو أقل في جانب "الثقة" على المأمون الذي لا يحسن الكفاءة، والخلاصة أن يُختار للأمر -أو الوظيفة- من بين الأكفاء أوثقهم، لا أن نختار من بين الموثوقين أكفأهم.

***

هكذا تستقر القاعدة على المستوى النظري، أو -بتعبير أسلافنا- في جانب "التأصيل"، وبقي أن نُفَعِّلها على المستوى العملي، أو في جانب "التنزيل".

وفي الواقع العملي فليس الناس في الدنيا فاجر خالص الفجور وهو في ذات الوقت أكفأ ما يكون إنسانا، ثم يقابله تقيٌّ لا يُحْسِن صنعًا. فالناس أطياف وأنواع ومشارب وقدرات، ولقد وزع الله المواهب والإمكانات كما وزع الأرزاق.

والمشكلة التي توجد في الواقع العملي هي: الاختيار بين الأمين غير القوي، وبين القوي غير الأمين – بالألفاظ القرآنية- أو بين القوي الفاجر والمؤمن الضعيف – بتعبير سيدنا عمر (رضي الله عنه) -. وكما قلنا فالأمر ليس قويًّا خالصًا وفاجرًا خالصًا، يقابله تقيٌ خالصٌ وضعيفٌ خالصٌ!

والحل الذي سنطرحه لهذه المشكلة قال به علماؤنا من قديم، وأيده ما وصلت إليه علوم الإدارة في العصر الحديث. وهو يتلخص في كلمة جوهرية وهي: "الهدف" بالتعبير الغربي، أو "الحاجة" بالتعبير الإسلامي.

يقول معهد (PMI) الأمريكي لإدارة المشروعات ناصحا الشركات في مجال اختيار الموظفين: إن أول ما يقابلك حين تبحث في الطرق الناجحة لاختيار الموظف هو أن "تحدد الشركة متطلباتها بدقة فقبل أن تنتقي من بين المرشحين. عليها أن تعرف بصورة قاطعة المواصفات التي تحتاجها في الموظف.

" تحديد المهام والمسؤوليات للوظيفة المطلوبة بوضوح:

· اختيار الموظف بواسطة مدير المشروع بالاستعانة بالخبراء فى التخصص إذا لزم الأمر

· اختيار مستوى المهارة الملائم للوظيفة المطلوبة فليست كل الوظائف تحتاج أمهر الأفراد فى التخصص

· الاختيار وفقا للمهارات الإدارية والشخصية المتوفرة فى الأفراد والملائمة للوظيفة المطلوبة"[2].

وعلى ضوء هذه المعايير، يمكننا إلقاء النظر على تجربة عملية، وهي عملية اختيار الولايات المتحدة لدبلوماسييها في الخارج؛ إذ تدور هذه العملية على ثلاث مراحل[3]:

1) اختبار تحريري (ويدور حول الأسئلة الفنية المتعلقة بالجانب المعرفي في الوظيفة المطلوبة)

2) اختبار شفوي ونفسي (ويدور حول المهارات الشخصية التي تتطلبها الوظيفة)

3) اختبار الثقة والولاء

لاحظ هذا الترتيب فإنه مهم للغاية، وهذه ترجمته:

1) الهدف واضح: موظف في المجال الفلاني، فَـتـُخْـتَبَر المهارات الفنية في هذا المجال تحديدا، لن يهمنا ما إذا كان يتمتع بأي مهارات أو ولاءات في هذه المرحلة، لأننا نريد موظف في هذا الموقع تحديدا، فنطمئن أولا باستخلاص من يصلحون لهذا المنصب (معرفيا/ فنيا/ حِرَفيا).

2) بعد هذه المرحلة، وضمانا لأن كل المتقدمين يمتلكون الحد المناسب من المهارات الفنية للوظيفة، تأتي مرحلة اختبار القدرات والمهارات الشخصية والاجتماعية والدبلوماسية، وهنا سنطمئن إلى استخلاص المناسب شخصيًّا من بين المناسبين فنيًّا.

3) ثم بعد اختيار المناسب فنيا وشخصيا، يتم التدقيق في مسألة الولاء.

فما الرأي لو عكسنا هذا الترتيب؟

إذا اختبرنا الولاء أولا: سيكون الطبيعي أن نختار المجموعة "الأكثر ولاءا".. هذه المجموعة سيكثر فيها من لا يصلحون للوظيفة. فإذا اختبرنا –بعد ذلك- المهارات الشخصية: فسيكون الطبيعي ان نختار المجموعة "الأكثر ذكاءً اجتماعيًّا ومهارات تواصلية" .. وسيكون في هذه المجموعة بلا شك من لا يصلحون للوظيفة معرفيا وعلميا. وبعد الاختبار العلمي المعرفي .. سنختار الأفضل ولو لم يكن متميزا بنفس القدر الذي قد يكون يمتلكه واحد من الذين فشلوا في اختبار الولاء، أو اختبار المهارات الشخصية.

لقد اضطررنا في النهاية إلى قبول من هو عميق في الولاء قليل في الكفاءة.

لكن سيثور السؤال: وكيف نقبل في مثل هذا المكان من يكون مترددا في ولائه؟.. حسنا، سنجيب على هذا السؤال بعد قليل.

ولكن ينبغي التنبيه إلى أن هذا الترتيب في الاختبارات جعلنا نختار بين الفاضل والأفضل منه. ولو كان العكس لكانت المقارنة بين من يصلح ومن لا يصلح. هذا الترتيب للمراحل يضمن الاختيار الأنسب من بين الكفاءات، فهو يختار صاحب الولاء من بين أصحاب الكفاءة.. لا صاحب الكفاءة من بين أصحاب الولاء.

وهذه هي القاعدة التي توصلنا إليها من استقراء المنهج الإسلامي: أن يُختار من بين الأكفاء أوثقهم، لا أن يُختار من بين الموثوقين أكفأهم.

تلك هي النتيجة التي تم التوصل إليها من خلال وضع "الهدف = الحاجة" كمقياس تدور حوله الاختيارات، ولنتذكر أنهم جعلوا المهارات العلمية الاختبار الأول، رغم أنهم تنازلوا عن أشياء يراها البعض ذات أهمية عظيمة مثل إجادة اللغات الأجنبية، وجعلوها فقط مسألة تفضيل بين المتقدمين، وذلك لأن هذه المهارات يمكن اكتسابها فيما بعد.

لنستمع الآن إلى قول ابن تيمية والذي يركز فيه على "الهدف = الحاجة"، يقول:

"اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل ... فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوة قُدِّم أنفعهما لتلك الولاية وأقلهما ضررا فيها"[4]، ثم يشرح هذا الكلام فيضرب مثالا بقيادة الحرب: "فتُقَدَّم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع وإن كان فيه فجور فيها على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أمينا. كما سئل الإمام أحمد: عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو وأحدهما قوي فاجر ولآخر صالح ضعيف مع أيهما يُغْزَي؟ فقال: أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين وفجوره على نفسه وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين فيغزى مع القوي الفاجر... فإذا لم يكن فاجرا كان أولى بإمارة الحرب ممن هو أصلح منه في الدين إذا لم يسد مسده. ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستعمل خالد بن الوليد على الحرب منذ أسلم... مع أنه أحيانا كان قد يعمل ما ينكره النبي -صلى الله عليه و سلم- حتى إنه رفع يديه إلى السماء وقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد" لما أرسله إلى جذيمة فقتلهم وأخذ أموالهم بنوع شبهة ولم يكن يجوز ذلك، وأنكره عليه بعض من معه من الصحابة، حتى وداهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وضمن أموالهم ومع هذا فما زال يقدمه في إمارة الحرب لأنه كان أصلح في هذا الباب من غيره وفعل ما فعل بنوع تأويل"[5].

ويقول شيخ الإسلام: "وإن كانت الحاجة في الولاية إلى الأمانة أشد قدم الأمين مثل حفظ الأموال ونحوها فأما استخراجها وحفظها فلا بد فيه من قوة وأمانة فيولي عليها شادٌّ قويٌّ يستخرجها بقوته وكاتب أمين يحفظها بخبرته وأمانته ... وإذا لم تتم المصلحة برجل واحد جمع بين عدد فلا بد من ترجيح الأصلح أو تعدد المولى إذا لم تقع الكفاية بواحد تام.

ويُقَدَّم في ولاية القضاء الأعلم الأورع الأكفأ فإن كان أحدهما أعلم والآخر أورع قُدِّم -فيما قد يظهر حُكْمُه ويُخاف فيه الهوى– الأورع، وفيما يَدِقُّ حُكْمُه ويُخاف فيه الاشتباه الأعلم"[6].

وهكذا يحدد نوع الوظيفة طبيعة الشخص المناسب لها، فمن ثم يجب أن يكون هذا الهدف واضحا بما أمكن من دقة وتحديد، كما يمكن أن تُقَسَّم المواصفات المطلوبة إلى: (ضرورية – مرغوبة – مفضلة)، لمزيد من إصابة الهدف أو تحقيق الحاجة.

في المقال القادم –وهو الأخير في هذه السلسلة بإذن الله- نتحدث عن إجابة السؤال: كيف يمكن أن نضمن ولاء أهل الكفاءة؟

نشر في "المركز العربي للدراسات والأبحاث"



[2] PMI Project Managment Institute وهو معهد أمريكى لإدارة المشروعات ويمنح شهادات لإدارة المشروعات وتعتبره كثير من المؤسسات العالمية مرجعا لمعايير إدارة المشروعات

[3] مستفاد من مقال على موقع معهد الإمام الشيرازي الدولي للدراسات في واشنطون

http://www.siironline.org/alabwab/maqalat&mohaderat(12)/250.htm

[4] ابن تيمية: السياسة الشرعية في اصلاح الراعي والرعية، دار المعرفة، ص29.

[5] ابن تيمية: السياسية الشرعية لابن تيمة ص29. باختصار

[6] السابق.