السبت، مايو 21، 2011

اتخذ البرادعي هيكل أستاذا!

رحم الله أستاذنا العظيم محمد جلال كشك، كلما جاءتنا عجيبة من فيلسوف الاستبداد ومنظر النظام قبل قبل البائد تذكرناه.. أعني محمد حسنين هيكل!

يعرف المهتمون بالتاريخ الإسلامي رجلا اسمه محمد بن عمر الواقدي، مات في القرن الثالث الهجري، يُعترف له بالعلم في أيام العرب وأنسابهم.. إلا أنه كذاب، فلا يؤخذ بروايته في الأمر المهم كالوقائع التي تمس الصحابة، ولا يُعترف بالرواية التي ينفرد بها دون غيره من المؤرخين.. ما أشبه هيكل به!

هيكل لم ينزل مرة إلى الشارع، ولم يكن يوما داعية ثورة، ولم يدفع بنفسه مرة واحدة في اصطدام مباشر مع السلطة.. لكنه يطرح نفسه دائما بحسبانه "الأستاذ" القادر على تحليل كل الوقائع وكشف كل الخفايا والتنبؤ بالمستقبل والمآلات.. وهو يفشل دائما بالمناسبة، وهو فشل يتجاوزه الإعلام ولا يلحظه غير المتابع له.

الكلام عن هيكل يطول، وليس هو مقصود المقال، فما عاد هيكل من المؤثرين!

إلا أن واقعة طريفة حدثت الأسبوع الماضي، وهي كالتالي: خرج هيكل في حوار مع الأهرام ليطالب ببقاء الحكم العسكري والمشير رئيسا وبمجلس رئاسي وتعيين لجنة لوضع الدستور، وهي المطالب التي تنقلب على إرادة الشعب في الاستفتاء الأخير بكل وضوح ولا يتبناها إلا النخب المفقودة الصلة بالجماهير.. إلا أن هيكل يصوغ مطالبه بلغة زئبقية ومُراوِغة (لهذا كان أستاذنا جلال كشك يسميه المهرج، ويمكن الرجوع أيضا إلى كتاب تفكيك هيكل للمؤرخ العراقي الرصين سيار الجميل).. فالمجلس الرئاسي يطرحه باسم "مجلس أعلى للأمن الوطني"!!

الطريف ليس فيما سبق، فكل هذا معروف لمن يتابع هيكل، إنما في ما سيأتي: ذلك أن البرادعي وهو الرجل الليبرالي القادم من بلاد الحرية اتخذ من هيكل أستاذا، فتعلم منه لغة المراوغة وألفاظ المهرجين، وقد كان البرادعي خسر كثيرا من شعبيته (شخصيا كنت أؤيده من قبل) بمجموعة من التصريحات التي أراد فيها الانقلاب على نتائج الاستفتاء ووصف الشعب المصري بأنه غير مستعد للديمقراطية وطالب أيضا بمجلس رئاسي ووضع دستور بالتعيين وتأجيل الانتخابات وطول بقاء الحكم العسكري.. فانظر كيف كان تأثير هيكل.

البرادعي ( 27/3/2011 - تويتر): "الطريق نحو الديمقراطية الحقة والاستقرار واضح منذ اليوم الاول :دستور مؤقت، دستور جديد، انتخابات رئاسية ثم برلمانية. مازالت الفرصة أمامنا".

البرادعي ( 14/5/2011 - تويتر): "في ضوء الفوضى والتشرذم حان وقت تصحيح المسار: دستور جديد يضيء الطريق ويحدد الثوابت، انتخابات برلمانية عندما يستوي الملعب، ثم انتخابات رئاسية".

ذهبت اللغة الصريحة وحلت لغة هيكل الأدبية "يضيء الطريق، يستوي الملعب"!!.. لا سيما كلمة "الملعب" التي تكثر في المعجم الهيكلي!! ودعنا الآن من انقلاب موقفه من ترتيب الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

جوهر المشكلة الكبرى في مصر الآن أن "النخبة" منذ بداية الدولة الحديثة إنما هي مفروضة فرضا على الناس، ليست نخبة حقيقية خرجت من الناس، نخبة تركية وفرنسية ويونانية في عهد أسرة محمد علي، ثم نخبة صنعها الإنجليز في سنوات الاستعمار، ثم نخبة صنعها الاستبداد منذ عهد عبد الناصر حتى مبارك.

انظر فيمن حولك من النخبة العلمانية والليبرالية واليسارية الآن، ستتعب حتى تجد واحدا لم يكن رئيس حزب أو رئيس تحرير أو عضوا مرموقا في هيئة رسمية أو سُمِح له بإنشاء منظمات وتلقي تمويل، والحمد لله الذي أحيانا في عصر جوجل فجعل تاريخ هؤلاء مكشوفا لمن ضغط على أزرار الكمبيوتر.. هذه النخبة تعرف تماما أنها لا تعيش إلا في رعاية استبداد فوقي يفرض وجودها على الناس، ولذا فهم أكثر المنزعجين من وجود حرية حقيقية، رغم أنهم لا يتاجرون إلا في الحرية والديمقراطية.

لقد انتهت خرافة "خطر الإسلاميين على الديمقراطية" نحن الآن نعيش حقيقة "خطر العلمانيين على التحول الديمقراطي"