الجمعة، مايو 27، 2011

فقه اختيار الرجال للأعمال (4)

في الحديث عن "فقه اختيار الرجال للأعمال" قمنا باستقراء المنهج الإسلامي عبر سيرة النبي، وسيرة خلفائه الراشدين، ومنهج العلماء –لا سيما أهل الحديث- في نقل الدين، وطالعنا كيف توصلت علوم الإدارة الحديثة إلى نفس الخطوات التي استقرأناها من المنهج الإسلامي في ترتيب المراحل والاختبارات التي نختار بها الرجال للأعمال.

وكانت النتيجة النهائية التي توصلنا إليها أن نختار من بين الأكفاء أوثقهم، لا أن نختار من بين الموثوقين أكفأهم.

وهنا نبت لنا سؤال الولاء: فإذا كنا سنختار الأكفأ الأقل في الولاء، فكيف لنا أن نضمن ولاءه للعمل والمؤسسة؟[1]

لدينا هنا ثلاثة أمور مُسْتَمَدةٌ أيضا من علمائنا ومن التجارب الإدارية الناجحة في العصر الحديث:

1) ربط المصلحة الشخصية للموظف بالمصلحة العامة للمنظومة، بحيث يخدمها إذ يخدم نفسه في ذات الوقت.

2) المنظومة الناجحة لا تعتمد على موظف واحد أو مجموعة من الموظفين بشكل كامل بحيث تنهار المنظومة إذا تركوها.

3) السعي لتطوير ذوي الثقة والولاء ليكونوا أهل ثقة وكفاءة معا.

فأما الأمر الأول، وهو ربط المصلحة العامة بالمصلحة الخاصة، فإنه أيسر وأسهل في حالة الأعمال الدعوية والجمعيات الخيرية والجماعات الإسلامية، فكل عضو يدرك تماما أنه يخدم نفسه وهو يحقق الهدف العام من المنظومة. إن هذا يعود عليه براحة الضمير في الدنيا، ثم بالأجر والثواب في الآخرة.

غير أن هذا الربط يحتاج تدعيمه وبقوة بالجانب المادي المحسوس والملموس، ولا يُغني فيه الاقتصار على التذكير بالأجر والثواب في الآخرة فحسب، فالتجارب قد أثبتت أن تحقيق الإنجازات الدنيوية والنجاحات القريبة، كذلك زيادة الدخل المادي أو العائد المباشر فَعَّالٌ في شحذ الهمم والطاقات والدفع بالعاملين إلى تحقيق المزيد.

ومن المؤسف أن هذه النقطة تحديدًا لا يعيها كثير من أصحاب المؤسسات بالنسبة للعاملين لديهم. فتراهم يحاولون دائما تخفيض المصروفات وتكثير العوائد على اعتبار أن الربح هو الفارق بين المصروفات والعوائد.

هذا صحيح نظريا، ولكن – عمليا – وبالدروس المستفادة للتجارب الناجحة، فإن صاحب المؤسسة الناجحة يركز على العوائد لا على المصروفات، فإذا صرف همه لتكثير العوائد كان هذا أنجح، أما إذا انصرف همه لتخفيض المصروفات فهذا بداية فشل[2].

إن هذا هو ما فعله النبي –صلى الله عليه وسلم- في غزوة حنين، إذ أنفق غنائم الغزوة كلها على من أسلموا حديثا من أهل مكة، حتى كان يعطي الرجل الواحد الغنم التي تملأ الوادي بين الجبلين، لقد كان ينظر إلى العائد (إسلام المترددين حديثوا العهد)، في حين كانت كل هذه الغنائم "لعاعة من الدنيا". فلا تَنْسَ: ركز على العوائد لا على المصروفات، وإن اضطررت إلى تخفيض المصروفات فلا تمس حقوق الموظفين، فأنت بهذا تهدم لديهم الولاء للمؤسسة.

وأما الأمر الثاني: فإن المنظومة الناجحة لا تعتمد على شخص واحد أو مجموعة واحدة. وهو –كما يقال- لا تضع كل البيض في سلة واحدة.

قد لا يخطر ببال القارئ المتعجل للسيرة أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قد نفذ هذه القاعدة؛ فلقد أبقى عددًا احتياطيًّا من المسلمين دائما خارج المعركة تماما، بل كان يُكثر من هذه المجموعات. فالمجموعة التي هاجرت إلى الحبشة لم تعد للمدينة إلا بعد الاستقرار النهائي وتَمَكُّن الدولة الإسلامية في العام السابع للهجرة بعد الحديبية وفتح خيبر.

وقد أتى عدد من الناس إلى النبي في مكة وأسلموا، فما كان منه إلا أن طالبهم بالبقاء في أقوامهم دون أن ينضموا إليه في مكة، على أن ينحازوا إليه إذا سمعوا بظهور أمر الدين وانتشاره، فكان هؤلاء مراكز لنشر الإسلام في قبائلهم ورصيدا احتياطيا للدعوة خارج مكة، بعيدين عما يتعرض له المسلمون من أخطار داخلها، ومن هؤلاء: الطفيل بن عمرو الدوسي الذي أسلمت على يديه قبيلة دوس، وضماد الأزدي، وأبو ذر الغفاري الذي أسلم على يديه نصف قبيلته غفار قبل الهجرة ثم أسلم نصفها الآخر بعد الهجرة، وعمرو بن عبسة السلمي. وقد كان كلامه –صلى الله عليه وسلم- لعمرو بن عبسة في غاية الوضوح: "إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني".

وهكذا اعتمدت دعوة الإسلام على أكثر من نقطة ارتكاز أهمها مكة، وما كان انهيار الدعوة في أي منطقة من المناطق، ولو كانت مكة نفسها، بالذي يتسبب في انهيار الدعوة كلها.. فهكذا ينبغي على بناة المؤسسات والأعمال والجمعيات أن يفعلوا، لا سيما الأعمال الدعوية والخيرية التي قد تتعرض لمضايقات السلطات وما إلى ذلك من عوائق.

وأما الأمر الثالث فهو تطوير أهل الثقة ليكونوا أكفاء، وتلك ننقلها عن شيخ الإسلام ابن تيمية الذي يقول: "ومع أنه يجوز تولية غير الأهل للضرورة إذا كان أصلح الموجود فيجب مع ذلك السعي في إصلاح الأحوال حتى يكمل في الناس ما لا بد منه من أمور الولايات والإمارات ونحوها كما يجب على المعسر السعي في وفاء دينه وإن كان في الحال لا يطلب منه إلا ما يقدر عليه وكما يجب الاستعداد للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"[3].

وتأمل أنه يقيس هذا على الوفاء بالدين – وهو الذي يتطلب الإسراع فيه – والاستعداد للجهاد. أي أنه أمر محمول على التعجيل والاستيفاء.

وإليك هذه المنظومة المقدمة من منظمة غالوب (Gallup Organization) لمساعدة أصحاب العمل في الاحتفاظ بالموظفين الأكفاء:

"يفوق الهدر في الموارد الذي يتسبب به خسران الموظف التكاليف التي تنفق في استئجاره بعدة أضعاف، ويعتبر جذب الموظفين الجيدين والاحتفاظ بهم هاجس مستمر بالنسبة لأرباب العمل في أيامنا هذه، فإذا كانت تكاليف الاستثمار في الوقت والمال والطاقة من أجل استئجار موظف جيد تعتبر عالية، فإن تكاليف الوقت الضائع، والمال المهدور والهبوط النفسي الذي تشهده الشركة من جراء خسران موظف جيد تفوق تكاليف الاستثمار بأشواط. تصور أن معدل التكاليف المالية لوحدها (عام 1999) التي يتسبب بها طرد موظف بعد تسعين يوم تجربة بلغت 2.250 دولاراً (عن كل موظف). من المهم أن تعرف ما الذي يجتذب الموظفين إلى شركتك وما الذي يجعلهم يمكثون بها...

يقول ماركوس باكينغهام Marcus Buckingham ، المستشار الأعلى في مدرسة غالوب للإدارة أنه في استفتاء للرأي أجرته الشركة حددت 12 سؤالاً لقياس المقومات الجوهرية الضرورية لجذب أفضل الموظفين ولاء وإنتاجية وموهبة والاحتفاظ بهم. جمعت غالوب هذه الأسئلة بعد غربلة كمّ هائل من الأسئلة طرحتها على ما يزيد عن مليون موظف خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية. وباستخدام تحليل العوامل، ودراسات الاستمرارية، ومجموعات التركيز، ومتابعة المقابلات.

قام موظفوا الإحصاء في غالوب بعزل الأسئلة التي يفترض أنها تقيس بدقة إمكانية جذب مكان العمل أفضل الأفراد والاحتفاظ بهم. التقيد بكلمات السؤال أمر هام:

1) هل أعرف ما هو مطلوب مني في العمل؟

2) هل أمتلك المعدات والمواد اللازمة لأداء عملي على أفضل وجه؟

3) هل لدي فرصة في العمل لكي أؤدي أفضل ما أؤديه يومياً؟

4) هل تلقيت مكافأة أو تقديراً في الأيام السبعة الماضية على عمل جيد قمت به؟

5) هل يهتم بي المشرف على عملي أو أحد من أفراد العمل كفرد؟

6) هل يوجد أحد في العمل يشجع تطوري؟

7) هل يبدو أن آرائي تشكل شيئاً بالنسبة للعمل؟

8) هل تجعلني رسالة الشركة التي أعمل بها أشعر أنني أؤدي عملاً هاماً؟

9) هل يلتزم زملائي في العمل بأداء عمل متميز نوعياً؟

10) هل لدي صديق جيد في العمل؟

11) هل تكلمت في الأشهر الست الماضية مع أحد عن تقدمي في العمل؟

12) هل لدي فرص في العمل للتقدم والتطور؟

ليس فقط من يجيب على هذه الأسئلة بنعم هم أولئك الذين يرجح أنهم سيبقون في الشركة، بل إن جمال هذه الأسئلة الاثني عشر، كما تقول غالوب، يكمن في أنها تخاطب العوامل التي يعتبرها أكثر الأفراد إنتاجاً وموهبة على جانب من الأهمية.

الأسئلة الأكثر قوة في هذه المجموعة هي تلك التي ترتبط بقوة بمعطيات العمل وهي الستة الأولى.

كقائد، إذا أردت أن تعرف ما الذي ينبغي عليك فعله لكي تحتفظ بأقوى مجموعة لديك، فإن توجيه هذه الأسئلة سيؤدي لك خدمة ممتازة"[4].

***

بهذه المقالات الأربع نحسب أننا قدمنا معالم الطريق لمن أراد أن يستلهم منهج النبي –صلى الله عليه وسلم- في البناء والتكوين وصناعة النهضة، لا سيما ونحن أمة قد عانت الكثير وتخلفت عقودا وقرونا من جراء تولية أهل الثقة وتنحية أهل الخبرة، حتى ساد النفاق والتملق في مؤسساتنا، فانهارت، وانهار من ورائها صرح البلاد وأخطر منه انهيار صروح الأمل، وصار أهل الكفاءة لا يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا إلا في بلاد أعدائنا التي استفادت من كفائتهم وعقولهم، بل واستعملتهم في حربنا وتعميق الفجوة بيننا وبينهم، فنسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل ما تشهده بلادنا من تغييرات بداية للتصحيح، وما أحوج الذين قاموا بهدم الباطل أن يتعلموا "فقه البناء والتكوين".



[1] راجع المقالات الثلاثة الماضية: فقه اختيار الرجال للأعمال (1)، (2)، (3).

[2] د. صلاح الراشد: كيف تخطط لحياتك، مركز الراشد، ص72.

[3] ابن تيمية: السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، ص29.