الأحد، مايو 15، 2011

من يزعمون امتلاك الثورة!

صدق الذي قال:

إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى ... فأول ما يجني عليه اجتهادُه

ذلك أنه لولا فضل الله تعالى وتقديره وتدبيره ما كانت الثورات العربية قد اشتعلت، ولا كانت الثورتان المصرية والتونسية قد نجحتا، فلو أن البداية كانت من ليبيا أو من سوريا أو حتى من اليمن لما كانت الشعوب الأخرى ستفكر في ثورة!

ولو أن الثورة بدأت في مصر لكانت إقالة العادلي أو تغيير الحكومة أو تعيين عمر سليما نائبا كفيلاً بأن ينهي التظاهرات، ولَعُدَّ هذا نجاح كبير.

إلا أن البداية من تونس، ثم وصولها إلى إزاحة الرئيس، جعل المصريين لا يقبلون بأدنى من هذا، كذلك فإن انحياز الجيش التونسي ثم الجيش المصري للثورتين جعل نجاح الثورتين يحظى بالحد الأقصى من النجاح مع الحد الأدنى من الخسائر.

وفي الحالتين المصرية والتونسية كانت المشاركة الشعبية بطلا في المشهد لا يقل عن بطولة انحياز الجيوش، ذلك أنه لولا هذه المشاركة لكان منظموا المظاهرات في السجون أو على المشانق، بل لولا الذين وقفوا في اللجان الشعبية لكان قد تم تصفية الثورات من الخلف!

هذا فضلا عن تراث طويل من النضال والكفاح والتعرض للبطش والقهر والتعذيب والموت، فكل هذا الغرس كان يعمل في باطن الأرض وفي أعماق القلوب حتى جاء أجله.

أُذَكِّر بهذا لأن "الطواغيت الصغار" –كما سماهم الأستاذ فهمي هويدي- يظنون أن الثورة نبعت منهم ونجحت بهم ولولاهم وحدهم ما كان ثمة ثورات وعليه فيجب أن يُسَيِّروا الثورة كما شاءوا وأن تُنَفَّذ رغباتهم ورؤاهم، بل أن يُنظر إليها باعتبارها "أوامر واجبة التنفيذ".. كدت لا أصدق عيني حينما سمعت أحدهم يقول: "لن نتنازل عن أن يكون الانتخاب بالقائمة النسبية، هذا أمر خارج النقاش"!! وبعيدا عن تأييد الفكرة أو رفضها، حديثنا الآن عن هذه اللهجة التي تَدَّعي امتلاك ما لا تملك!

يساند "الطواغيتَ الصغارَ" مجموعةٌ من "الطواغيت الكبار" الذين لم تسمح لهم الظروف بأن يكونوا طواغيت، والحق أن رموز التيارات العلمانية والليبرالية تثبت كل يوم أنها ديكتاتور ذو قناع ملون، وأنها لا تستطيع الحياة إلا في رعاية الاستبداد لأنه الذي يتيح لها وجودا لا تستحقه ولا يمكن أن يتوفر لها في أجواء ديمقراطية.

لقد سمعنا من الطواغيت الكبار عَجَبًا؛ إحداهن أخذتها الجلالة فتحدثت عن "التصويت التمييزي" وفيه يكون صوت المثقف (وتقصد به نفسها ومن هم مثلها) ذا قيمة مضاعفة لصوت الأمي (لو أنها تملك لحرمتهم من التصويت والرأي باعتبارهم الرعاع والغوغاء والسوقة والسفلة).. غيرها أراد أن توضع مادة في الدستور تجعل الجيش وصيا على نتائج الانتخابات، فإذا أتت بالإسلاميين كان للجيش أن ينقلب على النتائج في استدعاء للنموذج التركي الشاذ الذي ما تقدمت تركيا إلا حين تخلصت منه.. واقتراحات أخرى لا مجال لسردها جميعا.

إلا أن اقتراحا بعينه ما يلبث أن يختفي حتى يعود، يقوله الطواغيت الصغار والكبار، ذلك هو "تشكيل مجلس رئاسي"، وهو الاقتراح الذي لاقى رفضا شعبيا كاسحا بالتصويت على الاستفتاء فتم بذلك إقرار الآلية التي تدير الفترة الانتقالية حتى وضع دستور وانتخاب رئيس للجمهورية.

لا يمل الطواغيت الصغار والكبار من إعادة المطالبة به بعد كل موقف أو حدث إلى الحد الذي يبدو وكأنه الحل السحري الذي غفلت عنه العقول، رغم أنه لا اتفاق على طريقة تشكيله أو صلاحياته كما أنه –عمليا- ليس إلا ستارا للحكم العسكري صاحب القوة الفعلية على الأرض!

إذا كانت مخلفات نظام يوليو كثيرة، فإن هذا واحدا من أخطرها، أن تكون ثمة "نخبة" قد نبتت على ضفاف الحكم المستبد الفاسد لا تحتمل أن يُقاس وزنها الشعبي فلا تأخذ أكثر منه، ولا تحتمل ألا تفرض على الشعب أفكارها، فهي تسعى لأن تصنع استبدادا جديدا يتيح لها الحياة والوجود، وسحقا لشعارات الحرية والدولة المدنية والمواطنة!

ورحم الله المتنبي إذ يقول:

ودهرٌ ناسه ناسٌ صِغَارٌ ... وإن كانت لهم جُثَثٌ ضِخام

ولو لم يَعْلُ إلا ذو محلٍ ... تعالى الجيش وانحطَّ القَتَام[1]

ولو لم يرع إلا مستحق ... لرتبته أسامهم المسام[2]


[1] القتام: الغبار، والمعنى أن الشيء الذي يعلو ليس بالضرورة أن يكون ذا قيمة، فهذا الغبار يرتفع فوق الجيوش ولا قيمة له.

[2] راعي الغنم يسومها أي يوجهها، فالمسام هو الرعية، والمعنى: لو أن كل شيء يذهب إلى مستحقه لانعكست الأمور وكان المتسلطون في موضع الرعية وكانت الرعية في موضع الراعي!